صوت المركز – عدد خاصّ لمناسبة رقاد المثلّث الرحمات
الميتروبوليت إلياس (قربان) – 2 آب 2009
سيّدي الممدّد في راحة الربّ
يصعب علينا أن نختصر عقود العمر في لحظة انتقال. يصعب أن نسرد كلّ ما سحرنا بك صغاراً وأحببناه فيك كباراً. يصعب أن نطوي صفحات حكاياتنا مع من روى بصوته وصورته نبتات حبّنا ليسوع المسيح وكنيسته. يصعب أن نتقبّل عرشاً أسقفيا، في كنيستنا، دون من أسكرنا بنبيذية الثياب وسحر الطقس والترانيم. يصعب علينا أن نلج "أسبوعاً عظيماً" دون الصوت الصادح "بموسى العظيم". يصعب علينا أن نتخلّى عمّا، في ذاكرتنا، يشدّنا الى البقاء والعوم في جمال المسيح. لكنّ سرّ الكنيسة يبقى، أبداً، أنها ترفعك الى مسيحها بالألم. سرّهـا أنها تخمّر ألمك بخشبة الصليب لتمّد فيك هوى القيامـة. لهذا، سيّدي، لا ترانا، اليوم، حزانى. لهذا ترانا نتوثّب لنطرب، مع روحك وجثمانك، بالمسيح قام.
عهداً يا من سُدت في ضميرنا عمراً أننا سنحفظ ولن ننسى ما أردت. سنحفظ سيرة أسقف علّمتنا عُشرتُه أن الوداعة، في الكنيسة، تتصدّر على العلم والعلماء. سنحفظ سيرة أسقف تقبّل غيرتنا وانفعالنا وضعفاتنا بتواضع الكبار لا بكُبر "الصغار". سنحفظ سيرة أسقف سُرّ لفرح الأطفال. سنحفظ سيرة أسقف لم يخف الحرية. سنحفظ سيرة أسقف وثق بالشباب. سنحفظ سيرة أسقف أحبّ الكنيسة ودافع عن الحقّ فيها. سنحفظ سيرة أسقف ارتاح الى خدمة مؤسّساته للفقراء. سنحفظ سيرة أسقف انتفض على كلّ ظلم. سنحفظ سيرة أسقف هاله العنف وجشع الكبار. سنحفظ سيرة أسقف علّمتنا مواقفه أن المسيح أرحب وأرحب مما نشاء.
وبعد، وأنت تلتقي مع أحبّاء حفظوا، معك، كنيسة المسيح وأحبّوها، صلّ معنا ومعهم، سيدّي، لتبقى كنيستنا مُصانةً بحبّ كبارها ليسوع المسيح على رجاء أن تنمّي ذكراك في كلّ منا هذا الحب. وإلى أن نلتقي في كلّ ذبيحة إلهية، تشفّع لنا سيّدي دائماً.
رينه أنطون
أمين عام حركة الشبيبة الأرثوذكسية
الأبوّة لا تفرضها سدةٌ ولا سلطة
سيدي المطران المسجّى،
وقفت أمام جثمانك الطاهر متبرّكاً ومصلّياً ومتأمّلاً، وقرأت على محياك المضيء آلاف الفِكَر والخواطر، وحضرت أمامي، كما في صفحة، ذكريات سبعٌ وأربعين سنة قضيتها معنا ترعانا بالحبّ وتقودنا بالتواضع واللطف، وتسوس أمورنا على الرجاء. كنت لنا أباً عطوفاً، والأبوّة لا تفرضها سدّة ولا سلطة، بل يذوقها الأبناء المحبوبون. هذه كلّها من ثمار الروح الذي اختارك خادماً لأبرشيّتنا في يومٍ أغرّ من شهر شباط السنة 1962 والذي كنت تستلهمه في دعائك والتسابيح.
آلاف الفكر والخواطر وبحر من الذكريات لا تفي لتدوّنها الصفحات والأسفار، ولكن لا بدّ أننا دوماً محاولون، لا لتخليد عهدك فقط، بل لنقل ما كتب الله في أيامك لعلّنا متعلّمون.
حسبي منها الآن واحدة أريد أن أشاركك فيها أبناء وطني الذي ما زالت الرياح تعصف به تحت ألف شكلٍ وشكلٍ فتفرّق الخلاّن وتمزّق الأوصال وتحوّلنا قبائل تتنازع وتتناحر، وتتباغض وتتقاتل، والقتل الأفتك هو الذي يفتّت نسيج المجتمع ويقطّع عرى الألفة. فيما أقف أمامك سيدي، وأنت ممدّدٌ، تقول لنا في صمتك عبر تلاميحك الهادئة: لا تخافوا وتردّدوا مع المرنّم، وأنت المطران المرنّم، "لا بدّ من أن يتناهى الليل وينبلج النهار"، ثقوا أن الغيوم الدكناء ستتبدّد، وإنّ آجلاً، إبقوا على إيمانكم بأنّ الناس كلّهم إخوةٌ لأن كلاً منهم مخلوقٌ على صورة الله ومثاله.
تذكّروا دائماً أننا، وفي الأيام الصعبة، أيام الخطف والحجز والقصف والتفجير، وَعَيْنا أنّ شياطين العالم تعمل على تفتيتنا عشائر وقبائل فتصدّينا لها ولجبروتها برصّ الصفوف والتمسّك بأصالتنا أننا شعبٌ واحد وإن اختلفت آراؤنا ومعتقداتنا.
لقد كان عملك الدؤوب ووعظك المستمر تمكين الوحدة الوطنية في طرابلس والشمال ولبنان. تلك كانت مهمّتك كقائد روحي ومؤمنٍ بتعاليم ربّه وآيات إنجيله تبثّ العيش الواحد وحلت دون تحقيق مؤامرة الأمم التي عَمِلت جاهدة على الفرز الطائفي في الأيام الحالكة.
أسألك سيدي وأنت في غمرة النور الآن وفي حضرة الحق أن تقول لنا إن كان الحائكون لهذه المؤامرة قد ألقوا سلاحهم أم ما زالوا ناشطين تحت ألف شكلٍ وشكل؟!
علّمتنا أيها المنتقل عنّا إلى الرحمة أن لا نقف عند الفعل بعينه مهما قسا وبشع، بل أن نقرأ ردّ الفعل المطلوب من ورائه وهكذا ظهرت قوّة الله فيك إذ مكنّتك وألهمتك أن تتجاوز الأفعال الشنيعة التي قام بها زارعو الفتن وطالبو التفرقة إلى مواقف ضدّ هذه الفتن وتشدّنا إلى إخوتنا المواطنين الذين لاقونا بالإيمان نفسه والرغبة عينها.
هكذا كنت قائداً دينياً مستنيراً منيراً، هكذا كنت خادماً لبلادك، بوعيك متّنت الوحدة الوطنية وثبّت العيش الواحد وهكذا ودّعتنا في آخر كلماتك التي وجّهتها إلى كوكبة من خريجي مدرسة مار الياس قبل أيام من رقادك (في 17 تموز الجاري).
نم هنيء البال وثق أنّنا أبناءٌ لك بررة، هكذا كنّا، هكذا سنبقى حماةً لوحدة لبنان والشمال ومدينتنا طرابلس العزيزة.
شفيق حيدر
إلى سيّدي ومعلّمي وراعيَّ: شهادةُ حقٍّ
أيكونُ انتظار الموت أصعبَ من الموت؟ ربّما. لذا، نشكر الله الذي حرّرك، سيّدي، من هذا الانتظار، وقد عانَيته طويلاً، في الآونة الأخيرة، وأنتَ ترى بعينَيك جسدك يذبُل ويذوي لتصحّ فيك كلمات صاحب المزامير: "الإنسان مثلُ العشب أيّامه، وكزهر الحقلِ كذلك يُزهر. لأنّ ريحاً تهبُّ فيه فليس يثبت ولا يًعرفه موضعه من بعد" (مزمور 103/15 و16).
هل شاء ربُّك ألاّ يدع هذا الانتظار يتثاقل عليك ويستبدُّ بك أكثر ممّا استبدّ، فاستردّك إليه، في وقت مقبول، ليَرُدّ إليك عافيةً فقدتها لكنّها ليست، هذه المرّة، من عافيات الأرض؟ لا جواب. فللّه، سيّدي، حكمته في خَلقه، وليس لنا أن نناقشه فيها. لنا، فقط، أن نجثو أمام حكمته التي لا يُسبَر لها غَورٌ، وأن نكثّف له الشكر من أجلك، لأنّه جعلنا الآن في طمأنينة إليك وطمأنينة عليك، وقد فتح لك أبواب فرودسه لتكون مع قدّيسيه حيث هم تتّخذُ لك من أحضانهم مُستقرّاً وراحة.
كنّا، بعدُ، فتياناً لمّا واكبناك، سيّدي، وأنت تدخل مدينة طرابلس عام 1962 في أحدٍ ربيعيّ من نيسان، أحد الشّعانين، على قامتك الوشاح الحبريّ مخلوعٌ، في يمينك صليب المسيح تبارك به الجموع التي احتشدت للقائك "آتياً باسم الربّ"، ويُسراك مُممسكةٌ بعصا الرعاية تتوكّأ عليها منتظراً العون من حيث يأتي العون، وعيناك إلى الجبال المطلّة على المدينة وكأنّك تردّد، في سرّك، مع صاحب المزامير: "عيناي إلى الجبال من حيث يأتي عوني، معونتي من عند الربّ الذي صنع السماء والأرض" (مزمور 121/1 و2). دخلت المدينة لتتسلّم مقاليد أبرشيّة قيلَ يومها - وهو ما رسب عندي من ذكرة الطفولة - إنّ مِراسها صعب. دخلتها في ظلّ أجواءٍ انقساميّة حادّة، وكان عليك أن تواجه التحدّي: أن تجمع ما تفرّق وتُلَملم ما تشَتّت، وان تزرع في القلوب المضطربة سلام المسيح وحبّ المسيح الذي يسقط أمام الإخلاص له كلّ غرضٍ وهوًى. ومذ ذاك وضعتَ يدك على المحراث وشَرعت، بصبرٍ يحاكي صبر القدّيسين، تعمل مدعوماً برحمة ربّك وصلوات القدّيسين، ومؤازرة محبّيك الذين التفّوا حولك لأنّ "غيرةَ بيت الربّ أكلتهم". فاسترددت للأبرشيّة مؤسّساتٍ كانت شبه مصادرة، وحرّرت أخرى كانت مُرتهنة، وشيَّدت هنا ورمّمت هناك، وها هي المؤسّسات التابعة للأبرشيّة، التربويّة منها والاجتماعيّة والصحيّة وغيرها، تنطق وتشهد. والأهمّ من هذا كلّه رعايتك شبيبة الكنيسة. فبعطفٍ وحدبٍ قَلّ نظيرهما رَعَيت الشبيبة في توثّباتها وتطلّعاتها؛ رعيتها في حركتها إلى الله وفي تحرّقها لرؤية كنيسة السيّد عروساً بكراً لا عيب فيها. فكنت معها في كلّ مناسبة وكلّ لقاء تقود خطواتها وتبارك وترشد، فجمعت إليك، لا، بل إلى مسيحك،
جمعت الكلّ إلى اتّحادٍ واحدٍ تتلألأ به كنيسة المسيح وتزهو. وعلّمت الحناجر كيف تنعقد للترتيل والتسبيح، وذلك في حركة ترتيليّة مباركة يعود إليك الفضل في إطلاقها، ليس في أبرشيّة طرابلس وحسب بل وفي الكرسيّ الأنطاكيّ.
سيحكم الله في مسيرتك سيّدي! أمّا نحن، وقد كنتَ إلينا وكنّا إليك، وبرعايتك كنّا معاً إلى الله، فلك علينا حقّ الشّهادة وحقّ الصلاة. أمّا الشّهادة فأدّيناها، ويبقى أن نصلّي إلى الله من أجل أن يتغمّد روحك الطاهرة برحمته، وأن يقبل منك الوديعة وأنت تردّها إليه سالمة، وصوته العذبُ يقول لك: كنت أميناً على ما أقمتُكَ عليه. جاهدت حسناً وحفظتَ الإيمان، فادخل فرحي.
غسان الحاج عبيد
بالمحبة والطيبة عاش
آمن بالشباب وبحيويتهم وبقدرتهم على النّهضة والتجديد. قال فيهم كلاماً استقاه من قول الرسول بولس: لا يستهن أحد بحداثتكم. بهذا الشباب كان يفتخر المثلث الرحمات المطران إلياس، فرافقهم في حلقاتهم ومؤتمراتهم، ولم يغب عن احتفالات الأطفال إذ كان يرى فيهم مستقبل الكنيسة وحضورها وشهادتها في هذا الكون.
كان المثلث الرحمات المطران إلياس يرنو إلى الشباب، بتفهّم وتفاهم، في رؤية غد الكنيسة الحيّ. فالشباب حركة كنسيّة مباركة، ينقلون المسيح إلى العالم بسلوكهم والتزامهم بالإيمان شؤون الأرض في مجالسهم، مدارسهم، جامعاتهم وفي مراكز عملهم. فلا عجب إن رأينا المطران إلياس، في كلّ لقاء، مع الشبّاب، يجدّد كالنسر شبابه، فرحاً بالخراف الناطقة التي كانت تعرفه وكان يعرفها بأسمائها ليقوّيها في مواجهة إغراءات المجتمع الاستهلاكي.
أحبّ المثلث الرحمات المطران إلياس الشباب، وأدرك أنّهم ثروة الكنيسة وثورتها في التغيير ونفض الغبار عن جواهرها وكنوزها، فكان رائداً في نهضتها، مباركاً عمل الشباب، مرافقاً إياهم في دراسة الكتاب المقدس، وفي معالجة قضايا الحياة في ضوء الإنجيل. لذا رأيناه يبارك اجتماعات الشباب ويشارك في طرح طموحهم، ويستجيب لرغباتهم في تظهير التراث الكنسي الأصيل، فعمل على إطلاق القداديس الليلية في أعياد الشفعاء ليتمكّن المؤمنون من المشاركة في الذبيحة الإلهية، وشجّع إقامة القداديس في الهواء الطلق في المخيمات كي لا يحرم الأطفال والشباب من المناولة. ولا ننسى عمله الدائم على أن يتحوّل المصلّون في الكنيسة إلى مشاركين وإلى جوقة جماعية مرنّمة تهزّ بالترانيم والتسابيح.
كان المثلّث الرحمات المطران إلياس قربان محبّاً للبساطة والعفوية في الكنيسة، يواجه التعقيدات بابتسامة المؤمن بأنّ الروح القدس قادر على فكّ ما استعصى على الإنسان فهمه أو إيجاد حلول له.
كان المطران إلياس يعرف أنّ المحبة والطيبة قادرتان على العبور بصمت إلى القلوب القاسية ليحيلها إلى قلوب لحميّة تشعر وتحسّ.
بهذه القلوب اللحميّة نشعر ونحسّ برحيلك يا صاحب السيادة.
د. جان توما