القديس الشهيد في رؤساء الكهنة مار عبدا الفارسي أسقف المدائن (يعيد له في 5 أيلول)
عاش مار عبدا في زمن الأمبراطور ثيودوسيوس الصغير (412 م.) والملك يزدجرد الأولّ ملك الفرس كان يقيم بين عبدة الأوثان. حاول جهده ليحمل الناس على ترك الأوثان فلم ينجح. هبّت فيه الحميّة يوماً، فدخل المعبد، فيما كان يجري فيه تقديم الذبائح بحضور الملك، وقلب النار المسماة مقدّسة أرضاً، فتسبب في إحراق الهيكل. فغضب الملك لفعلته غضباً شديداً، وأرسل الجند فقبضوا عليه. سأله الملك: " لماذا تحتقرون وصايانا ولا تخضعون للمعتقد الذي ورثناه عن آبائنا ؟" فأجابه مار عبدا ورفقته:" نحن لا نتبع معتقد الناس الذين يطلبون عبادة عدة آلهة والعناصر والنور، وهم يحتقرون العالم بأسره. نحن نعبد مبدع الكون، وله وحده نقدّم الخلائق التي جعلها في خدمتنا. نحن نريد أن تكرّمنا خلائق الله لذلك نعبد خالقها ونكرّمه." لم يدرك الملك،تماماً، معنى ما قاله مار عبدا ورفاقه، لكنه أمرهم أن يعيدوا بناء مذبح النار المقدّسة الذي حطّموه، وإلاّ سوف يهدم لهم كنائسهم فإمتنعوا، فسلّمهم إلى المعذّبين ثم فتك بهم. وقد قضى إلى جانب مار عبدا سبعة كهنة وسبع عذارى وتسعة شمامسة، بينهم بنيامين، شماس القديس الخاص الذي نعيّد له في الثالث من تشرين الأول. وبإستشهاد مار عبدا ورفقته، إنطلقت موجة إضطهاد المسيحيين دامت ثلاثين عاماً. تعيد له الكنيسة ولرفاقه الشهداء في اليوم الخامس من أيلول (18 أيلول حساب شرقي) ( عن كتاب "سير القديسين " لقدس الأرشمندريت توما بيطار – دير مار يوحنا دوما ) إعداد حركة الشبيبة الأرثوذكسية – مركز طرابلس – فرع أنفه – أسرة الإعلام 18-9-2010
* * *
في اللاذقية السورية لا زال بعض الناس، لا سيما من المسنّين، يردّد أبياتاً من قصيدة بالعامية المحليّة. دونك بعضها مما شاع:
أسماء عديدة وردت ممَن كانوا يعرفون شيئاً من قصة الشهيد عبد الله. كل هؤلاء من أبناء الرعيّة الأرثوذكسيّة في اللاذقية. من الأسماء حنا خوري إليان ابن المرحوم الخوري إليان، دانيال خوري، المتقدّم في الكهنة عبد الله الياس، توفيق عوض، حبيب ياخور، جورج ميسي، عزيزة كبّاس، جبرائيل مرطيشو، رزق الله طنبور، جبرائيل رشو، أم جاد بيطار، مجيدة صابور، الأب الراهب أنطون منصور، جبرائيل شرشر وهاني شرشر. وإلى ما بقي في ذاكرة بعض المؤمنين، عندنا ما ورد في كتاب "آثار الحقب في لاذقية العرب" للياس صالح، نقلاً عن المخطوط البطريركي الأنطاكي الرقم 438 ونسخة من القصيدة الكاملة التي كان الشهيد عبد الله يُردّدها. هذه أُخذت عن مخطوط موجود في دير صيدنايا البطريركي. وما كان يُغنّى في اللاذقية، ما أوردناه أعلاه، هو نسخة مقتضبة محرّفة عن قصيدة صيدنايا. هذه منظومة على الحروف الأبجدية، وقوامها ثمانية وخمسون بيتاً. لملمة المعلومات التي بين أيدينا وجَمْعُ قطعها إلى بعضها البعض يبرز صورة الشهيد عبد الله على النحو التقريبي التالي: اتّفق في زمن أسقفية أرتاميوس على اللاذقية، سنة 1844م، أن شهر الخوري عبد الله، أحد كهنة الروم الأرثوذكس في المدينة، إسلامه. سبب ذلك أنّه كان في اللاذقية وكيل لقنصل دولة اليونان اسمه ديمتري. هذا كان متأهِّلاً في بلاده. وقد جاء إلى اللاذقية وادّعى أنّ زوجته، في وطنه، ماتت وطلب الزواج من صبيّة لاذقانية اسمها كاترين كانت ابنة الكاهن ميخائيل النحّال. لم يعطه المطران أرتاميوس إذناً بذلك. قال له أن يأتي بشهادة من مطران مدينته تعلن صحّة وفاة زوجته. وحدث أن غاب المطران عن المدينة لبعض الوقت. فما كان من ديمتري سوى أن أقنع الخوري عبد الله بإجراء خدمة زواجه من كاترين. لا ندري كيف اقتنع الخوري بالقيام بهذا العمل من دون إذن مطرانه. ربما أخذ ديمتري على عاتقه أمر تغطية الخوري لدى المطران لِمَا له من دالة عليه. أنّى يكن الأمر فقد أُجري الإكليل وأخذ ديمتري كاترين إلى خاصته. وما إن مضت أيّام قليلة حتى حضر ابن ديمتري من زوجته الأولى ففوجئ بأنّ أباه تزوّج لأنّ أمّه كانت لا تزال على قيد الحياة. فلما عاد المطران من سفره وعلم بذلك أصدر حرماً شمل ديمتري وكاترين والخوري عبد الله وكل مَن يخالط، من المؤمنين، أحداً من الثلاثة أو يكلّمه أو يقبله في بيته. فكان الخوري عبد الله يطوف على كل صغير وكبير في المدينة يسأله التوسّط في أمره لدى المطران. فلم يلق غير الخيبة لأنّ الجميع كانوا يحوِّلون وجوههم عنه ويرفضون أن يكلِّموه. استمر على ذلك أيّاماً حتى ضاقت به الدنيا ولم يعد يطيق احتمالاً. فمضى إلى مشايخ المسلمين وعرض أمامهم أن يُسلِم، فقبلوه بالترحاب وأقاموا له احتفالاً. ثمّ بعد أيام من إسلامه طافوا به في المدينة، في أحد أيام الآحاد وكانوا جمعاً غفيراً، لأجل ختانته، وهم يعزفون بآلات الطرب ويضربون الطبول ويطلقون البنادق. إلى هنا انتهت المعلومة الواردة بشأن الخوري عبد الله في كتاب "آثار الحقب...". وما بقي في وجدان بعض الناس، بعد ذلك، هو أنّ الخوري بعدما أَسلم عاد فندم وحاول أن يرتدّ فلم يجد إلى ذلك سبيلاً. وكان كل يوم يقف أمام كاتدرائية مار جرجس ويقول: "يا كنيسة الربّ محبّتك في القلب". ولشدّة تاثّره نظم قصيدة وأخذ يغنّيها، وكان صاحب صوت جميل. فسمعه المسلمون ينشدها في مئذنة الجامع المغربي، فألقوه من أعلى الجامع فوقع ومات. وقد أخذه المسيحيّون ودفنوه في كنيسة مار سابا. وثمّة مَن ينقل أنّ النور كان يُشاهَد على قبره. كما يُنسَب إليه شفاء عدّة أمراض كارتفاع الحرارة والحمّى والصرع. يُذكَر أنّ كنيسة مار سابا لم يعد لها وجود اليوم في اللاذقية لأنّ مدرسة ثانوية خاصة بالطائفة الأرثوذكسية بُنيت في المكان. كما نُقلت المدافن إلى مقبرة الفاروس. أما القصيدة التي انحفظت منه على مرّ الأيام فهي التالية:
نشيد القدّيس الذي أسلَمَ وندم على ما جرى له
عن موقع عائلة الثالوث القدوس: http://www.holytrinityfamily.org/Studies_articles/Martyr%20Abdallah.html |

الأيام
محت الدقائق في مَن يكون صاحب هذه القصيدة وماذا جرى له حتى صار إلى
الحالة التي بلغها. غير أنّ ثمّة مَن استطلع ما بقي في ذاكرة العديدين
واهتدى إلى معلومات ومعطيات جعلت الصورة في شأن الكاهن المشار إليه في
القصيدة أجلى. هذا كان الأب الأرشمندريت أرسانيوس حانونيك. وقد دفعها
إليّ، أنا الأرشمندريت توما بيطار، خلال شهر تموز من السنة 1990. وها نحن
ننشرها للمنفعة.
