النهار- السبت 15 آب 2009 - السنة 77 - العدد 23786

اعتصر الإنجيل وقدّمه بالصوت قرباناً 

 

"غدوتَ لربّك قرباناً ومقرباً".       
من كلمة الأب جورج خضر في استقبال المطران الياس قربان الى مقامه (1962) 

 

 بداً يدفعنا الموت الى رفع تحدي الغياب بالكتابة. نكتب لتثبت بالكلمة أن ذكر الحبيب مؤبّد بيننا، بعد أن نكون قد عنينا في الصّلاة، فيما نحن نرتل "ليكن ذكره مؤبدا" أننا نتضرّع كي تكون سُكناه في جوار الله فيكون ذكره بتلك السُكنى مؤبداً. لماذا ننتظر الموت لنقول جهاراً ما كانت تتمتم قلوبنا وتذوقه أرواحنا؟ ربما لاننا نترقّب دائماً تجليّات لم تظهر بعد وننتظر اكتمال الصورة حتى اذا غاب الوجه اللّحمي تظهر الأيقونة.

• • •


لكنّ الحال معك يا سيد غير ذلك، إنه التواضع الذي تجلببت به، سرّاً لا يُدرك كُهنه. لا يوصف بالكمّ. تواضع طبيعيّ كأنك لم تجرَّب بالكبرياء يوماً ولم يعرف التعالي إليك سبيلا. إستلمتَه أنت "عطية صالحة" من الله وكشفتَه لنا "موهبة كاملة" كانت هي النبراس الذي أضاء لك الطريق. مشيتَ بهديه حتى وصلت إلينا سيداً، ومشيت به معنا الى العتبات التي تستقبلك اليوم "تعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (متى 29:11)، هذا هو العِلم الذي من المسيح. أكلتَ الكلمة الإنجيلية وشربتِها حتى الثمالة فكانت رحلة العمر عندك رحلة تواضع ووداعة متصاعدة

• • •


كان لك من تلك التلال والوديان، طعم السكون الكونيّ. لقد أدركتَ في الصِّغر رقَّة السماء في حنوّها على وعورة الأرض فيما كنت تصعد وتهبط التلال من "عين السنديانة" الى أعالي " الشوير"، الى دير مار الياس، تقصده مرتِّلاً. روت جدتي وهي من مواليد "عين السنديانة" كيف كان صوت هذا الفتى البالغ من العمر الثانية عشرة يملأ هيكل الطبيعة معمِّداً إياه باللحن البيزنطي محمّلاً كلاماً إلهيّاً. بقي بينك وبين الطبيعة حنان كبير. استبقيت منها النقاوة. نحتتك وعورتها وتغلبتَ على هذه بحنان السماء، وبه تغلبتَ على وعورة طرق الدنيا فيما بعد. لاحظتُ ذلك في استمتاعك بأغنية لفيروز قديمة: "الى راعية"، ولعلك اشتففت فيها لمحة إنجيلية رعائيًة: "سوقي القطيع الى المراعي، وامضي الى خضر البقاع، سمراء يا أنشودة الغابات، يا حلم المراعي". ألا قادكَ الله الى "مكان خضرة، مكان انتعاش" هذا الذي حرصتَ أن تقود قطيعك إلى مثله على هذه  الارض، فكان السلام فيك ومنك انتعاشاً، والخضرة.

• • •


لم تفارقك نقاوة المراعي لا في أميركا التي عرفتها في تلك الايام (1957 – 1962) مجتمعا "مرتباً منظّما"، كتبت انك "استفدت الكثير من وجودك في بوسطن، اذ كان
التجاوب بين الراعي والرعية قوياً". وددت لو طالت غربتك، خادماً القوم في مهجرهم. الا أن ربك شاء غير ذلك فانتزعك نداء المجمع المقدس لتحمل الصليب في طرابلس والكورة وتوابعهما. أطعت متهيًبا لكنك حافظت على سكونك وميلك الى الخدمة في التواري. من الأبنية الشاهقة في بوسطن الى أزقّة طرابلس وحارات الميناء المكتظّة تخلّيتَ عن الخضرة المنعشة التي كانت تشتاقها طبيعتك، يعزّيك في غربتك عنها النخيل وتجوالك للخدمة في أرجاء الكورة، زيتونها، وفولها الذي كنت تستطيب ومواسمها الزراعية التي كنت تبارك.

• • •


فهمنا في ما بعد ان الفرحة التي استقبلناك بها عند دخولك مدينة الابرشية يوم أحد الشعانين 15 نيسان 1962، كانت فرحة انتصار الوداعة على تجاذب القوى المتسلّطة، انتصار الكلمة الانجيلية التي أكلتَ وشربتَ منذ نعومة أظافرك. عرفنا الآن لماذا هكذا تهيّبت. كانت الانقسامات في أنطاكية – وأنت دارس تاريخها، عالم به – تحزنك جداً، وقد أُتي بك حلاّ لنزاع قائم في الابرشية التي عليها انتُدبت. كانت هذه الابرشية مسرحاً للنزاعات على امتداد سنوات طوال وعهود متتالية. ومن كان من مطارنتها يصبر حتى المنتهى كانت هذه الابرشية معراجه الى سدّة البطريركية. حللت بيننا غريبا عن كل النزاعات، وفتحت للكل أبواب العمل. "فتيلا مدخِّناً لم تطفئ" (متى 20:12)، هلّلتَ للمواهب أنّى وجدتَها، استنهضتَ الهمم، شجّعتَها، سهرتَ على انضباطها، دعمتَها ولما سقطَتْ، اخطأَتْ، افلسَتْ او انكسرَتْ، رحِمتَها ولم تُقِم على أحدٍ خطيئة.

• • •


علًمتنا ان نكون كباراً في الايمان، واثقين في العمل، وأحراراً من كل زيف وتملّق واستعطاف. والى ذلك كنت رجل الشكران والاعتراف بالآخر محترماً كلً مقام، مقدراً كل جهد. كنت تهلل لكل عطية صالحة ومبادرة حسنة مهما صغرت، تفرح بها من حيثما أتت من المسلمين والمسيحيين على السواء، من الكهنة والعلمانيين، من الشيوخ والشبان، من الرجال والنساء، لم تفرّق بين العمّال، كانوا كلهم على مسافة واحدة من قلبك، أقربهم اليك أنفعهم الى عباد الله وصدقه في الخدمة. أيكون غريباً هذا الاجماع والحزن عند الفراق؟ فمهما تنوّعت المساحات التي لك في قلوبنا، إلاّ أن الحرقة واحدة.

• • •


لم تترك لنا مجالاً لنقول لك مودّتنا، كنت تعرفها جيدا في قرارة نفسك، ولكن الخفر منك كان يملي علينا الاختصار: ما كنت ترفض بوحاً عن إعجاب أو تقدير كي لا تُمتدح مرتين وكثيراً ما بدا لنا أنك لم تسمعه. ما كنا ندرك في البداية أن الأمر تواضع، ظنّه البعض خجلاً، فتوًة، تهيّباً، حتى شعرنا انك تفهم السيادة الأسقفية خدمة تبدأ بالعلم. العلم عندك كان راسخا في الأعماق، تعمًد بالمحبة الحنونة والصبر، هذا سماه غبطة البطريرك ليناً. أنًى لشهادة التاريخ واللاهوت اللتين تحملهما، أن تكونا إكسيرا للحياة ما لم يكن القلب ملتهباً؟ فهمتَ كلام الرسول بولس: (1 كو 13:1 ) "إن كنتُ أتكلم بألسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة فقد صرتُ نحاساً يطنً او صنجاً يرنً" . علّمتنا بالصوت المصلي بسبب الترتيل مرتين. قال بطريركنا: "الكلام لوحده جاف"، أنت سقيتَه من ينابيع الروح التي كنتَ تنهل منه. روّضتنا على التسبيح بانضباط وعذوبة، مقتّ التنافر والتنافس والانفتاح، فالترتيل عندك "روح منسحق، قلب متواضع" حتى لا يرذله الله. لم تكن قدوة فحسب بل كنت قائدا في الترتيل. حملك ترتيل سماعيّ لفتاة حفِظَت عنك ما فعله موسى العظيم في ذلك السبت المبارك، فأنشأتَ أول جوقة من ستّة يافعين، مرّنتَهم بذاتك. لم تستثن الشابات والنساء من ترتيل كان وقفاً على الذكور من المؤمنين. بدأت ببساطة من أول حرف في القداس الالهي تضبط الإيقاع جامعاً الحزم والعذوبة، وطوّعتنا حتى سرَت ألحان التسبيح في نبض عروقنا وفتحتَ مداركنا للمعرفة الإلهية بذوق الألحان بها دخلنا الى فهم الكلام.


• • •

من يعرف مثلك أن يضاهي صوتُه قرعَ الأجراس معلناً بثبات: "المجد لك يا مظهر النور"؟ من يعرف مثلك أن يشدّ السّماع الإلهي لكي يطّلع من السماء وينظر ويتعهد الكرمة التي يمينه غرستها"؟ من يعرف مثلك ان يناولنا بصوته، قبل المناولة الفعليّة لنترنح شكراً بالدم الالهي المهراق عنا لمغفرة الخطايا؟ من يعرف مثلك ان يأمرنا بثقة الايمان لنأخذ "نوراً من النور الذي لا يعروه مساء" في صباحات الفصح؟ من مثلك بالصوت "يقتحم الابواب الدهريّة ليدخل ملك المجد" وينعش فينا الروح التي "اعتمدت بالمسيح ولبست النور"؟ من مثلك واقف عند قدمي مريم المنعم عليها معزّياً اياها مع الملاك "إطربي لقيامة ولدك"؟

• • •


من رآنا في ختام القداس الفصحي ننشد بملء جوارحنا مرات تفوق الستين ان "المسيح قام من بين الاموات ووطئ الموت ووهب الحياة للذين في القبور"، حسبنا قوماً سكارى! انه "السُكر الصّاحي" بتعبير سيدنا جورج خضر، به اخترقنا كل مفهوم عقليّ أرضي، به صرنا صوتاً واحداً،  صرنا نحب بعضنا بعضا. شهد ذلك كل من اشترك في الصّلاة معنا. كثيرون كانوا يحجّون الى الكاتدرائية ليلة الختن الاول (بداية الاسبوع العظيم) ليسمعوك منكسر النبرة تبوح بأنك "تشاهد خدر الاله المخلِّص ولست تمتلك لباسا للدخول اليه". ولكنك كنت تنتشلنا من كل انكسار لتذكرنا بحسب ترتيب الترتيل التي أعدّته الكنيسة في بهاء طقوسها، ان السيد قال "لست صاعداً الى أورشليم الأرضية لكي أتألّم بل الى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم وأرفعكم معي الى أورشليم العلوّية".

• •

إقرعي أنطاكية أجراسك ليدخل ملاك طرابلس المملوكية الى أورشليم العلويّة. ها إنه آت اليك على أصوات المسبّحين المرتّلين بإيمان ولياقة وترتيب وانسحاق قلب وحنان. ها هم الأولاد الذين أعطاك إياهم الله، تكاثروا بفضل العطيّة الإلهية كأعجوبة تكاثر الخبز. لقد عمّت الجوقات كل كراسي أنطاكية من المشارق في العربية والمغارب حتى الاميركتين، إذ راح صوتك المصلي يقتنص المسكونة.
ليست الأشرطة والاسطوانات المعدنية هي التي تحفظ صوتك. جئتَ من زمن مكّنتنا فيه اختراعات البشر والتقنيات من أن تتفوّق ذاكرتنا على الزمن. الحمد الله في ما مكّن الإنسان من
اختراع التسجيلات الصوتية حتى يتسنّى للأجيال أن تذوق حضورك المصلي بيننا. ستُسرّ والدة الإله بصوتك يرافق الاجيال القادمة اذ قالت مريم: "ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال". بصوتكَ جمعتَ ما وصل الينا من ترتيل الذين سبقوا... لم تؤلِّف لحناً جديداً، لم تكتب موسيقى، فضلُك الذي حسبناه طاعة وانصياعاً لقواعد الترتيل كان في تجديدك وجه الأداء. بدّدت شغب حواسنا، ودست على الأهواء كأنك في ترتيلك تمشي على المياه وعيناك أبدا يا بطرس على ربّان السفينة. أسمعتنا صوت الآب على مياه الاردن يعلن أن المسيح الآتي الى الموت هو ابنه الحبيب وسعيتَ ان يكون كل مائت بيننا ابنك الحبيب، تُسرّ بكل صالح يظهر عنده لمجد الله وخدمة البشر.
إمضِ الى الآب يا سيد، ها إن ذريتك المرتلة، قد تسلّمت الامانة بدقة وشكران . أورثتَنا الترتيل أداء صلاتياَ خشعاً ورعاً حسبك أنك في تواضعك كنتَ قصبة صوتية أدخلتَنا الى ملء
اللاهوت المُعطى في التراتيل. ودخلنا من باب القلب والعصب والاحساس، وفهمنا كلمات لا يسوغ النطق بها، فإن اللحن أوحى.

• • •


كنتُ طفلة لما مشينا في استقبالك، المسيرة ذاتها التي مشيناها في وداعك. بين الأمس واليوم سبع واربعون سنة، ذقنا معك نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب، وشركة الروح القدس. عُرفتَ بحسن الضيافة وصدق الشراكة: تستقبلُ ونستقبلُ معك كل إخوانك في الرئاسات، كنتَ تقدّمهم فاسحاً في المجال لكي ننهل من علومهم، وعطياتهم الصالحة.
صلِّ معنا لكيما يتحسّس من سيكمل المسيرة الإنجازات التي شيدتَها في قلوبنا مما لا يرى. فقد شيّدت الكثير مما يُرى صروحاً كنائس ومؤسسات عديدة ناجحة، خادمة للانسان مسيحيين ومسلمين. لكن أفضل ما أنجزتَ هو انك ثبّتنا على "صخرة الايمان" وفتحت قلوبنا للآخرين. لقد ائتمنتنا على تشييد كاتدرائية الظهور الإلهي، وشفيعك النبي الياس. وكنت تودّ أن ترقد تحت هيكلها... عسانا نكمل الطريق. لقد كانت هذه هاجسك فيما كنت ماضياً الى الآب.

• • •

تركتنا على الأرض أحراراً لم نلمح فيك تسلّطاً، ناضجين، متمكّنين، مسؤولين، مشبَعين من الحنان الإلهي الذي انسكب علينا في صوتك وتواضعك. نحن لم نتكبّر يوماً على أحد ولو كنا ندرك غنانا، كنّا مقيمين في الشكر، مكتفين، مُترعين. كنا متأكدين من ان سيدنا القليل الكلام في محافل الناس هو قائد أصواتنا الى آذان الآب بين أجواق الملائكة. نحن قلنا " إبقَ معنا يا سيد فقد مال النهار"، وضعوا جسدك تحت الهيكل والمائدة ليدفع ظلك عن آذاننا المصلّية كل نتوء واستكبار واستعلاء او شذوذ. علّمت حواسنا أن تصلي. من يروّض المشاعر والاحساسات لتطرب بخشوع وتهلل بانكسار وتزهو بانحاء الرأس وارتفاع القلب؟
قلتُ حفظتنا احراراً!  وأذْكرُ في مجال الحرية الذي كنتَ تمنحه لمن اختلف معك بالرأي وحتى في اللحن الموسيقي والأداء الذي أقامك الله سلطاناً فيه. في مجال الحرية هذه تمشّى المرتل
الأول في الميناء ديمتري كوتيا وكان موهوباً صوتاً وعالماً موسيقياً. كان موضوع الاختلاف بينكما خفياً - إلاّ على العالمين باسرار الترتيل وقواعده. ذلك أن كوتيا كان مرنّماً يقحم في أدائه تموجات واهتزازات صوتية هي أقرب الى الطرب شرقيّه وغربيّه. كنت تنزعج من الترتيل اذا نحا عن الانضباط. ولكن احداً لم يعرف شيئاً عن انزعاجك هذا، ولم تُقدم على أيّة ملاحظة لشيخ المرتلين ولم يعكّر هذا التفاوت في الأداء أي صفو وحب بينكما. الترتيل عندك كان ايقونيّاً، وطرباً سواه لم تعرف.

• • •


أذكر في شبابي، حفلاً ميلادياً رتلنا فيه الألحان البيزنطية، وبعد ذلك استرجعتَ ترنيمة غربية فوجئنا بأنك قدّمتَ لها بالـ "لايصون"  (النوطة الابتدائية والمستمرّة في قرار الترتيلة البيزنطيّة) وشرعتَ بها بنبض بيزنطي. فهمنا يومذاك أن القصبات الهوائية في حنجرتك لا تتسع الا لنغمة واحدة، ولا أعرف ولم يذكر أحد أنك سُمعتَ تستخدم هذه الحنجرة لأي كلام أو لحن آخر. كنتَ الراهب المرتل المتبتل للحن الواحد. تعلمنا منك كيف يكون التبتل للحب الواحد، كنتَ خاضعاً وسيداً على اللحن في الوقت نفسه، طاعتك للحن المرتب المنضبط كانت سلطة عندنا. إنه بهاء الليتورجيا يا سيد الأدعية "طوبى لمن أحب جمال بيتك يا رب". علمتنا أن الجمال يَخلُص بالتواضع، وكنا قد حفظنا من دوستويفسكي أن "الجمال يُخلِّص العالم"، الجمال هنا أيقونة صوتيّة بحنانها وصرامتها.
أيها الملاك بالصوت قاعدة المرتلين وركنهم...
من مثلك له أن يسكن آذان المرأة الخاطئة، ويسمعنا طنين وطء قدمي الرب في الفردوس لتتحرك جوارحنا معها طالبة المغفرة عن خطايا كثيرة؟
من مثل صوتك له أن يستعطف الآب بحنيات الصوت ينزل الى القرار بتهدّج ثم ينتفض الى العلى متمسّكاً بالرحمة الغنية الإلهية العظمى؟

• • •

السّر أنك أطربتنا بالروح، فصلّينا بنشوة من دون استلذاذ. أُقِر أننا كنا نعرف النشوة في الترتيل مرتين، "بالجسد أم خارج الجسد لست أعلم، الله يعلم"، تلك كانت تنقدح فيما كنا نندفع بالتأكيد ان المسيح قام في صبيحة العيد الفصحي، هذه كانت ذوقاً مسبقاً للخدر الإلهي، كانت هذه النشوة الكبرى وكانت محجّتنا في كل عام وعام. أما النشوة الصغرى فكانت في تلذذنا باللحن الذي تعلّمناه من دعاء كنتَ ترفعه الى المطران بشير في النيويورك وقد حوّلنا الكلام لينطبق عليك، ويحفظك الله الى أعوام عديدة يا سيد. كنتَ أنت براء من هذه اللذة، وكان لا بد يأخذك الحنين بالذكرى الى  يوم بعيد مضى، كنت كاهناً، مرتلاً الدعاء لمطران أنطاكيّ في أقصى الأرض.

• • •


"حي هو الله الذي أنت أمامه “صفر اليدين إلا من قولة واحدة طالما رددتَها بحرارة: "بصوتي الى الرب صرخت، بصوتي الى الرب تضرعت". سيغمّدك الله برحمته، كم مرة صرختَ إليه "يا رحيم إرحمني يا الله كعظيم رحمتك"  ! سيغمدك بحنانه وعطفه والدفء. لقد كانت غرفة العناية باردة وكان جسدك المخترَق بكل أنواع الأنابيب، من دون غطاء، صقيعاً. سُئلتَ مراراً إن كنتَ تشعر بالبرد، كنتَ تشير انك تشعر بالدفء الكثير. في نهاية ذلك الليل الطويل فهمنا أننا نحن كنا في الصّقيع فيما كنتَ أنتَ تلتهب استعداداً للقاء الآب. وتذكرتُ الفتية في الأتون قديماً الذين كانوا يتمشّون في وسط اللهيب يضمّخهم الندى الإلهي المنعش......هذه لوحات إنجيليّة متقطّعة كتقطّع أنفاسك الأخيرة، علّها تساهم في إبقاء ذكرك مؤبداً. أنا عاينت ولذا أشهد وشهادتي حق، أقرَّها المحتشدون لوداعك فيما كنتُ أنثر كلامي هذا بينهم. هل يسامحني تواضعك اذا انطلقَتْ عباراتي والعبَرات الى حدٍّ كان يأباه تواضعك؟

 

  أمل ديبو     

أستاذة جامعية

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 
Make a Free Website with Yola.