جريدة اللواء- ملحق الشمال والفيحاء- الخميس 6 آب 2009

 

في وداع المطران إلياس قربان راعي طرابلس وليس الطائفة الأرثوذكسية فقط:

أحبته عاصمة الشمال طوال 47سنة من حضوره المنفتح وحسن علاقاته مع الجميع


              عندما شيع أبناء طرابلس والشمال المطران الياس قربان الى مثواه الأخير ظهر الأحد الماضي فان الفيحاء ودّعت أحد أعمدة المدينة وأركانها وهو الذي ما كان يعتبر نفسه راعي أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس وحسب وإنما لكل أبناء المدينة على اختلاف أديانهم ومذاهبهم لذا سارت طرابلس خلف نعشه تستذكر 47 سنة من ولايته الميمونة ومواقفه الوضاءة وسيرته الطيبة وحضوره المميز وأبرشيته المفتوحة لكل ذي حاجة من المعسرين أو أصحاب القضايا والطلبات•


            طرابلس تشهد لهذا المطران الحكيم مشاركته أحلامها وكوابيسها فكان في مقدمة رجال الدين الساعين لاستيعاب الملمات التي كانت تحدق بالمدينة في السبعينات والثمانينات، وكان الحريص على تلبية كل الدعوات التي تسعى الى حماية المدينة من العبث والاخلال بالأمن، كما أنه لم يتأخر عن المشاركة في أي احتفال أو ندوة أو مؤتمر محلي يدعى إليه، دليل اندماجه بمجتمع طرابلس وبعلاقاته الثابتة مع سائر الفعاليات السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية•
نشأته
 

        ولد الياس قربان في قرية عين السنديانة - المتن سنة 1926 والده توفيق ووالدته صوفيا وعدد أشقائه سبعة بين صبيان وبنات ودرس في كتاتيب القرية الى أن التحق بمدرسة الروم في الشوير التابعة للجمعية الامبراطورية الروسية، ولفت صوته الكنسي الشجي انتباه رئيس الدير الأرشمندريت أغناطيوس ملحم فوعد بارساله الى مدرسة البلمند، حيث بدأت مسيرة الياس قربان اللاهوتية من التراتيل الى دراسة اللاهوت وتعلم زراعة الأرض والسهر على الانتاج الزراعي إلى أن أغلق البطريرك ألكسندروس طحان المدرسة بسبب الحرب العالمية الثانية عام 1939، فعاد الى دير مار الياس شويا في المتن• وفي تلك السنة توفي والده تاركاً ثمانية أولاد في ظروف صعبة فغادر الى دمشق لمتابعة الدراسة في مدرسة <الآسية> حيث نال الشهادة الثانوية عام 1946، إضافة الى نجاحه في مجال التعليم الديني في صفوف حركة الشبيبة الأرثوذكسية التي شهد انطلاقتها على يد المطران جورج خضر عام 1942 •
قربان في أميركا
            في العام 1946 نال الياس قربان درجته الكهنوتية الأولى شماساً يخدم في الكنيسة المريمية في البطريركية بدمشق ثم انتقل الى بيروت ليخدم في أبرشية الروم ويتابع دراسته في الجامعة الأميركية عام 1949 ويتخرّج مجازاً في التاريخ عام 1952، ثم حصل على الماجستير حيث يورد في مذكراته من زملائه منح الصلح، منح الخوري، نور سلمان، علياء الصلح وادفيك شيبوب•
            ثم يطلب منه المطران انطونيوس بشير عام 1954، أن يسافر الى الولايات المتحدة الأميركية للخدمة هناك والالتحاق بمعهد القديس فلاديمير، وكانت فرصة سعيدة له حيث التقى لدى وصوله لأول مرة بعض أقربائه وليشارك في اليوم الثاني في حفلة تكريمية للشاعر ايليا أبو ماضي، وليمضي هناك ثلاث سنوات في مهمة التثقيف اللاهوتي والخدمة في كاتدرائية بروكلن، قبل أن ينال درجته الكهنوتية الثانية عام 1957 كاهناً يخدم رعية بوسطن لمدة خمس سنوات•
راعي أبرشية طرابلس والكورة
            وفي العام 1962 كان الخوري الياس قربان أمام مهمة نوعية جديدة تمثل باستلامه مطرانية طرابلس، وكان ظهر الاثنين 22 نيسان يوماً مشهوداً في طرابلس فقد خرجت المدينة بفعالياتها كافة تستقبل الياس قربان بعد أن انتخبه المجمع الانطاكي المقدس مطراناً على طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس، واحتشد المواطنون في مدخل طرابلس الجنوبي إضافة الى مئات السيارات للترحيب بالمطران الجديد وسار الموكب مشياً على الأقدام حتى شارع الكنائس بفرح غامر•
             وبدأ المطران قربان ورشة عمل غير مسبوقة نعمل على إنشاء كنائس وقاعات جديدة، وأطلق سلسلة من المؤسسات التربوية التي تقدم العلم للجميع دون تمييز، فكانت الثانوية الأرثوذكسية في الميناء، ومثلها في القبة، وثالثة في أميون - الكورة ورابعة في بكفتين الكورة، ومدرسة واحة الفرح للمتخلفين عقلياً في أنفة، ومعهد مار الياس التقني في الميناء، فضلاً عن دعمه مدرسة الروم للبنات في الزاهرية• ومعهد فريدي عطا الله الأرثوذكسي في كفرعقا، وأقام ميتماً في الأبرشية في الميناء لرعاية الفتيات، إضافة الى بيت الشيخوخة في الميناء، وآخر في ددّه - الكورة وأكثر من 15 مستوصفاً خيرياً بالتعاون مع مصلحة الانعاش الاجتماعي لتقديم أفضل الخدمات الطبية في طرابلس والميناء والكورة لشرائح كبيرة دون أي تمييز ديني أو مذهبي أو مناطقي•
المهمات الدينية
            إضافة الى الاهتمام التربوي والاجتماعي كان حرصه الأساسي على إعادة الحياة الرهبانية الى أديرة سيدة بكفتين ومار يعقوب - دده، وسيدة الناطور - آنفة، والقديس ديمتريوس - كوسبا، وشفيعة الحارة - بدبا، والقديس جاورجيوس - أميون كما سام خلال رئاسته أكثر من 60 كاهناً للأبرشية•
          وعمد المطران قربان الى تأسيس مدرسة للموسيقى البيزنطية تخرج سنوياً عدداً من المتمرسين بالموسيقى الكنسية• ودعم التعليم الذيني ورعاية الشباب ودعم عمل الكشاف الأرثوذكسي وجنود الإيمان وبرامج الأطفال والشباب والدورات التدريبية في حركة الشبيبة الأرثوذكسية التي قدّم لها أرض دير مار يوحنا في بشمزين - الكورة لتكون مركزاً للمخيمات والمؤتمرات•
رسالة وطنية في طرابلس
          يقول المطران قربان في مذكراته <ان الأبرشية التي تمتد من طرابس والميناء والقبة باتجاه قضاء الكورة وصولاً الى المنية والضنية إنما تشكل حضوراً متنوّعاً بواقعه وتفاعله مع الآخرين ما يعطي للوجود الأرثوذكسي نكهة في تعاطيه مع القضايا الوطنية والعمل المتواصل مع كافة الفعاليات والقوى من أجل تمتين أواصر الحياة الواحدة القائمة على روح الانفتاح والتسامح الذي عرفناه في طرابلس والشمال، وكنا كلنا في الحرب شهادة على هذا اللقاء اليومي الذي يختصر الرجاء بقيامة لبنان الحضاري الجديد القابل لكل تنوّع في الرأي أو المعتقد>•
            ولا تنسى طرابلس كيف لازم المطران قربان المدينة خلال الحرب اللبنانية العبثية وكيف عمل مع المخلصين من أبناء طرابلس على وأد اشكال الفتنة المتنقلة بين المناطق اللبنانية بايمان ووعي وإصرار على حسن العلاقات بين أهل طرابلس على اختلاف انتماءاتهم وبين الجوار•
            ويؤكد المطران قربان <ان الحياة الواحدة وليس العيش المشترك هي واقع وهي من الحقائق التاريخية الأصيلة، فالحياة اليومية للمسيحيين والمسلمين هي حقيقة تاريخية، فمنذ فجر الإسلام توطدت العلاقة على أسس راسخة من الاحترام المتبادل، وعاش المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب وتعاونوا في كل مجالات الحياة العلمية والثقافية والأدبية والدينية والاجتماعية فكان بالنتيجة هذا التفاعل الرائع الذي أفرز حضارة خلاقة أسهمت بدورها في تطور الحضارة العالمية، رغم فترات لا قيمة لها من التشنجات العابرة•
مواقف عروبية مشهودة
            لم يتغافل المطران قربان عن ابداء رأيه في القضايا العربية حيث كانت له مواقف واضحة في رفض العدوان الأميركي على شعب العراق حيث قال: هل ترضى أرواح مؤسسي الولايات المتحدة عن هكذا أعمال؟ هل يرضى الشرفاء في أميركا وبريطانيا عن هكذا تصرفات؟ وهل هذه ترجمة حديثة لشريعة حقوق الإنسان؟
           أما عن فلسطين فله في قضيتها العديد من المواقف الجريئة فيقول في رسالته الميلادية عام 2000 <لماذا لا تتحرك الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقوى العالمية وتضع حداً لسفك الدم الفلسطيني وتدمير بيوته واحتلال أرضه، وإقامة المستوطنات بالقوة والتعدي الصارخ على بيوت الله وكل الأماكن المقدسة؟ لماذا لا نسمع إلا أصواتاً خجولة جداً تندد بما يحدث في فلسطين من فظائع، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتشريد!>
شهادة في طرابلس وقربان
             ولعل من المناسب في ختام هذا الحديث عن سيرة حياة المطران الياس قربان راعي طرابلس وليس طائفة الروم الأرثوذكس فقط أن نورد شهادة قيمة للمطران جورج خضر حول تلكم العلاقة الودودة الطيبة بين المطران قربان وبين طرابلس وأهلها حيث يقول <هو إبن طرابلس الميناء: <لعل طرابلس ربّت الراعي المستقيم الرأي (أي الأرثوذكسي) على أن هناك قوماً نعايشهم صادقين ونحن مؤمنون بضرورة التقوية لحوار الحياة الذي تكون أنت منه في نموّك المجتمعي•
             ويضيف: ان كنت مواطناً من الفيحاء أن تشهد للآخر بمرونة ويسر وتحب أن تلقاه ويلقاك وأن تتعاونا على الحق•• ولعل بعضاً من الاختلاط الطوائفي في طرابلس عائد الى كون المسيحيين كانوا ربع المدينة في مطلع القرن العشرين، الى جانب هذا كانوا طاغين في المحاماة والطب والمهن الحرة بعامة والصناعات الجميلة، ويتقارب الناس في العمل، وآية الحياة البسيطة ان الاخر هو حلو وطيب وكريم النفس، فقد لا تكون العقيدة الى العقيدة، أو لا تكون في كل جزئياتها، ولكن يكون الوجه الى الوجه•
               ويختم المطران خضر شهادته: أظن أني لا أغالي إذا اعتقدت أن الياس قربان وجه ليس عليه برقع، ولعل أهم ما ارتسم عليه من أنوار الرب إنه يسلم للبساطة والتواضع، وأهم ما في تواضعه أنه يعترف بك ويسر بك••>

اعداد: عبد القادر الأسمر

 

 
Make a Free Website with Yola.