النهار - الثلاثاء 01 أيلول 2009 - السنة 77 - العدد 23802
المثلث الرحمة المطران الياس قربان في أربعين غيابه
كم اذكرك في هذه الامسيات الرمضانية، يا صاحب السيادة، ورفيق ايامي واخي وصديقي؟ لم اعرفك الا حاضرا في كل المناسبات، ولم تشأ الا ان اكون معك حاضرا بعدسة "النهار" في كل احتفالاتك ومناسباتك الدينية، حتى انك كنت تذكرني في عظاتك محييا من خلالي الزملاء الصحافيين جميعا.
يا صديق الجميع، يا صاحب اللسان الطيب الدافىء، تذكرتك في شهر رمضان الكريم وقد كنت سباقا الى المعايدة والتبريك بحلوله لمعرفتك بأن مائدته، عند الافطار، تضم اهل طرابلس من دون تمييز، كما كانت مائدتك في كل يوم تستقبل كل آت على غفلة، وكنت من الذين يحبون ان يتشاركوا اللقمة مع الآخرين، صدقت يا صاحب السيادة لقد جمعنا الملح والماء، وهذه هي طرابلس التي عرفتها واحببتها فأحبتك.
ما زالت، تلوح امام ناظري، صورة وقفة مفتي طرابلس السابق الشيخ طه الصابونجي، وقد منعه المرض عن السير وراء نعشك، واقفا امام باب منزله يودعك، فيما جثمانك يطوف على ايدي اهل طرابلس والميناء والكورة والمنية والضنية وزغرتا في شوارع المدينة، من دار مطرانيتك الى الكاتدرائية الاثرية في شارع الكنائس في قلب طرابلس. لقد وقف الشيخ طه الصابونجي مع ابنته ليقولا: لقد مات عظيم من مدينتنا، ألفت معه فريق عمل واحدا ابان الازمات التي عصفت بطرابلس وحفظتما بحكمتكما المدينة واهلها ونسيجها الوطني شهادة للبنان والعالم، وقد كتبتما معا تاريخا مجيدا في درء الفتن وحماية الناس ورعايتهم.
لقد خبرت، انا الحاج المسلم، انفتاحك، في شخصك ومؤسساتك، فانا ربيب مدرسة مار الياس في الميناء، واشهد ان حريتي الدينية كانت محترمة وكنا كتلامذة نشترك احرارا في دروس المحبة والتآخي عند الشيخ ان غاب الكاهن، وعند الكاهن ان غاب الشيخ، وما زالت هذه المدرسة، بادارة الاخ المحب شفيق حيدر تسير على خطى من اسسها في مطلع القرن العشرين وبالتربية المنفتحة التي أرسى دعائمها المتروبوليت الراحل.
ايها الراحل، نم قرير العين فالبذور التي زرعتها ستثمر تفهما وتفاهما، وقبولا للآخر ورعاية له. هذه هي طرابلس التي رسمت لها شهادتها، مع الغيورين والعارفين،
في غيابك شطبنا سبعا واربعين سنة من عمرنا، كنت فيها مطرانا على ابرشية طرابلس والكورة وتوابعهما، ولكن كنت مطرانا للجميع، من دون تمييز، وتشهد لك بذلك مؤسساتك المنتشرة والخادمة لكل من احتاجها. لقد كنت بركة لطرابلس ولعلك تذكرها وتذكر البلد وسلام العالم في تلك الدنيا الآخرة.
نعيم عصافيري