من كتابات راعي الأبرشيّة

عناوين بعض ندوات ومقالات صاحب السيادة
الميتروبوليت أفرام



الشريعة والنعمة
الصوم
الزواج في المسيحيّة


 ندوة حول الشريعة والنعمة في الحياة الروحية


محاضرة الأب افرام كرياكوس رئيس دير مار ميخائيل - لبنان

في قاعة كنيسة مار ميخائيل باللاذقية
يوم الثلاثاء  10 اذار الساعة 7 مساء
 

 

مقدمة
الأخ تميم جبور (عضو اللجنة الثقافية باللاذقية): الله معكم، نشكر الله دائما ، نجتمع في هذه المناسبة بالصوم الكبير حتى نتكلم في مواضيع ترفع من شأننا الروحي، هي عرف  باللاذقية
دائما تقام فيها هذه المحاضرات وحتى الان لنا فترة5  سنوات ننظم محاضرات ،ونشكر الله هذه النعمة مستمرة ، ونشكر الله لأنه يوفر لنا الاباء  اللذين يستطيعون اعطائنا هذه الذخيرة الروحية بشكل دائم .
 
اليوم المحاضرة ستكون عن الشريعة والنعمة في الحياة الروحية، القديس بولس في غلاطية (3.23) يقول ( فقبل ان يأتي الايمان  كنا بحراسة الشريعة مغلقا علينا من اجل الأيمان المنتظر
تجليه فصارت الشريعة لنا حارسا يقودنا الى المسيح لنتبرر بالأيمان فلما جاء الأيمان  لم نبق في حكم الحارس لأنكم جميعا ابناء الله  بالأيمان بالمسيح يسوع فانكم جميعا وقد اعتمدتم في المسيح قد لبستم المسيح) تحت حكم الشريعة كان الجماعات المؤمنة بهذه الشريعة تسمى  شعب الله اما نحن بالايمان نسمى ابناء الله .
 
هذا الموضوع سيشرحه لنا قدس الاب افرام كرياكوس فليتفضل مشكورا وطبعا هو غني عن التعريف  ويمكن كلنا نعتبر انفسنا ابناء له. 
 

نصّ محاضرة الأب افرام كرياكوس

مساء الخير، مساء الخير جميعا وصوم مبارك للجميع  موضوع اليوم الشريعة والنعمة من الناحية الروحية، اذا الحديث ليس حديثا فلسفيا ولا حتى حديث
لاهوتي صرف، المحاولة ان يكون الحديث روحيا حياتيا يمس كل واحد منا ابدا. من البداية الله خلق الأنسان على صورته ومثاله يقول الكتاب وخلقه كما تعلمون من التراب ومن العدم هذه هي عقيدتنا ان الله نقل هذا الكيان البشري من العدم الى الوجود ولن اطيل الكلام على تطور الأنسان بعد الخلق ولكن اذكر باختصار كما تعلمون ايضا ان الانسان سقط بمكيدة الحية اي الشيطان وجر ورائه الخليقة كلها اي بما فيه الخليقة غير العاقلة والطبيعة الخليقة  الجامدة .

هكذا نستطيع ان نقول ان الكيان البشري قد انعطب مع الطبيعة وكما قلت الخليقة غير العاقلة ومن ثم باختصار لم يتخل الله عن خليقته بل حاول الخالق بشتى الطرق ان يرمم هذا الكيان البشري اوجد اولا ضميرا ينذره وناموسا يعيده وانبياء يوقظونه وفي اخر الأزمنة تجسد وتألم ومات وقام من بين الأموات هذا كله وارسل روحه القدوس ليكون معه الى الدهر، اذا هذا هو ان شئتم ملخص التدبير الألهي والحق والواقع يدل ان الخالق لم يزل يرعى الأنسان والخليقة بعد السقوط فأوجد هذه النواميس الطبيعية لرعاية ألأنسان والخليقة العاقلة وغير العاقلة هذه القواميس الطبيعية التي يدرسونها في شتى العلوم في الجامعات، وفي مراكز الأبحاث، هذا النظام الكوني، لكن بحسب التفسير الكنسي الكتابي كما ذكرنا هذا النظام، النظام الكوني نظام الطبيعة يشارك خطيئة البشر والسبب كما ذكرنا ان هذه الخطيئة قد انعكست على كل خليقة الله ولذلك يقول الرسول بولس في رسالته الى اهل رومية: الخليقة تئن وتتمخض معا الى الان وهي ستعتق من عبودية الفساد الى حرية مجد ابناء الله.

هذه الموضوع الذي ذكره الاستاذ تميم في مقدمته وما كانت غاية الله في خلق الأنسان منذ البدء ؟ انه حاول ويحاول وسيحاول ان يشركنا نحن خليقته العاقلة بحياته بحياته الالهية، هذا هو المفهوم العقائدي الارثوذكسي ان الغاية من وجود الانسان في  النهاية ان يشترك في حياة الله ولذلك اعظم ما في اللاهوت دون ان اشرح مفصل هو موضوع التاله هذا  هو غاية وجودنا، ولكن كيف نصل الى هذه الغاية كيف نصل الى ان نشترك ان نذوق هذه المحبة القصوى التي دفعت الخالق ان يوجد مخلوقا على صورته ومثاله، هنا الحديث عن تطور تاريخ الأنسان من القديم الى الجديد وهذا الموضوع واسع وما نستطيع ان نقوله كما بدأنا القول انه في رعاية الله لضعفنا البشري بسبب الحرية التي اعطانع ايانا منذ البدء بدأ يدربنا شيئا فشئ لكي نستعيد الطبيعة الأصلية ونعود اليه ولذلك اوجد هذا الناموس.

وقلت قبل الناموس بقي الضمير موجودا في كل انسان ولم يزل ولكن اوجد هذا الناموس الذي يقول الكتاب هو من الله اصلا ويقول بولس الرسول ان الناموس كان مؤدبنا الى المسيح  كان عنده عمل مهمة ان يدربنا ان يهيؤنا كي نقتبل المسيح الاله المتجسد وحتى بعد مجئ المسيح بقيت الشريعة سائدة كما يقول الرب يسوع: لم ات كي الغي الناموس بل كي اكمل، وهذا هو واقعنا الان اننا تحت الناموس ولكن في المسيح في هذه النعمة التي اعطانا ارسلها الرب يسوع بفضل ارهاق دمه على الصليب اعطانا هذه لنعمة لكي تنخطى الناموس ونعود الى محبته الأولى ونشترك بالحياة الابدية، فاذا ما واجهنا هذا الواقع الحالي ما هي مهمة الناموس لماذا ابقى هذه الشريعة لماذا استمر النظام، القوانين ،الوصايا، لماذا نقرأ مثلا المزامير التي هي من العهد القديم لماذا نقرا الانبياء لماذا قال الرب لم اتي لالغي الناموس هذا طبعا بسبب رعايته لضعفنا.

الانسان الضعيف، وكلنا ضعفاء نحن بعد وخاصة في هذا العصر الذي نعيشه نحن بعد عالقون في شهواتنا والانسان الذي عالق في اهوائه وشهواته لا يستطيع ان يرى وجه، الله طوبى لانقياء القلوب لانهم يعاينون الله لذلك اباؤنا دائما يعلموننا انه لابد لكل واحد مننا ان يطهر اولا نفسه وجسده حتى يستطيع ان يدخل فيلقاء حميمي مع الله وهذا له تفصيل كبير، الذي يقرأ القديس يوحنا السلمي يرى الدرجات التي لا بد ان نمر فيها حتى نستطيع ان نتذوق حلاوة الله التي هي غايتنا كما قلت الانسان هذا كما يقول الرسول بولس هذا الكنز الذي في آنية خزفية عندنا كنز نحن المسيحيين المعمدين عندنا كنز، وهذا الكنزهو في داخلنا الذي هو نعمة الروح القدس ونحن غالبا ما لا نعي هذه الحقيقة الانسانية الالهية عندنا قدرة تفوق قدرة البشر وننساها ونحجبها بسبب ضياعنا، الأحد القادم نعيد للقديس غريغوريوس بالاماس هذا القديس العظيم الذي ظهر في القرن الرابع عشر والذي تكلم اوضح بشكل جلي وللاسف نجهله كثيرا، تكلم هذه النعمة الساكنة فيه ماذا يقول؟

 

يقول : ان الله بروحه القدوس كان يعمل في الأنسان في الكيان البشري قديما قبل المسيح وقبل القيامة والعنصرة كان يعمل من الخارج عن طريق الناموس، الناموس اصلا هو الهي يعمل من الخارج كما عمل في الانبياء وبصورة مؤقتة اما الان في عهد النعمة بعد معموديتنا فهو ساكن في قلوبنا يعمل بشكل دائم ومن الداخل وهذا هو التحدي للانسان المسيحي المؤمن اليوم  اننا لا نتحرك الأنسان لا ينمو لا يرتقي لا بجسده ولا حتى بعقله مع اننا بحاجة الى الجسد والعقل والى كل العلوم والابحاث وربما ايضا الله يعمل كما يقول هذا القديس بروحه من خلال اي انسان  ولكن نحن نرتقي ننمو من القلب لان الله بات ساكن بقلبنا كل الحياة تنطلق من الداخل وهذا ما يثبته اليوم اكثر وأكثر العلوم الحيثة النفسية ان كل شي يتاثر الجسد مثلا والامكانيات العقلية هي تتاثر من حالة الانسان الداخلية هذا ما يظهره علم النفس في الاعماق والاباء قد كشفوه منذ القديم واذا اردنا الان ان نتكلم عن عمل النعمة في النفس قلنا ان الناموس يعني كل قانون في الكنيسة وخارج الكنيسة لا بد منه بسبب ضعفنا لكي نضبط اهواؤنا. كما يقول القديس بولس: كل مجاهد في سبيل الملكوت يضبط نفسه في كل شي. ان استطعنا ان نضبط اهواؤنا دخلنا على عتبة الملكوت اي اصبح الانسان يتذوق مسبقا الدهر الاتي واصبحنا نتمتع شي فشي بعيش النعمة الالهية.

الشيطان موجود هو العائق كما يسميه الكتاب هو المعرقل لتدبير الله وهو يعمل اليوم بصورة كثيفة  ولكن اذا دخل الواحد كما نحاول في هذا الصوم في هذه الصلوات ان نطلب رحمة الله نفتح الطريق لعمل النعمة فينا يقول مثلا القديس باسيليوس الكبير ان وقديسون اخرون يتكلم عن النعمة يقول: ان بعد المعمودية تطرد الارواح الشريرة الى الخارج ولا يعود يسكن في القلب الا الروح القدس واذا ما اتبع الانسان وصايا الله عند ذلك تبدأ النعمة تعمل فيه واذا رفض لانه حر ان يتبع وصايا الله عند ذلك تاتي بالجديد الارواح الشريرة الموجودة في العالم وتحجب (ولا تاخذ مكان الله في القلب)وانما فقط تحجب تمنع وتعيق عمل النعمة في النسان وتجمدها ولكنها باقية في القلب ولذلك الانسان نحن المسيحيين لا نيأس من اي انسان ولو كان مجرم لانه اذا تاب من جديد الله يبدا ويعمل فيه ويمكن ان يقدسه ومثلما نعرف  كم يوجد من ناس تقدسوا بعد ان كانوا خطاة كبار، ولكن كما قلت القديس باسيليوس يوصف بشكل رائع كيف ان الانسان الذي بسبب ايمانه يريد ان يمشي في طريق الله ابدا هذه النعمة الالهية الساكنة فيه ان تنتشر من القلب الى كل الحواس بما فيها العقل، يستنير العقل وتستنير الحواس.

 

وهذا طبعا يغذى في الكنيسة عن طريق الأسرار الالهية، طريق سر الاعتراف وخصوصا سر الافخارستيا المناولة فتدخل النعمة وقتها الى كل اعضاؤنا حتى الى اطراف الحواس ويضيف: عند ذلك يصبح فكرنا فكر الله كما يقول بولس: فليكن فيكم الفكر الذي في المسيح ،عيوننا تصبح عيون المسيح واذاننا يتجلى المسيح فينا هذا ما بدأت ان اقوله ان غاية الامسان المسيحي وكل انسان حسب تقليدنا وتفسير ابائنا القديسي ن ان يتقدس منذ هذه الحياة وهذه هي علامة لوجود الدهر الاتي هذه علامة اذا فعلت النعمة فينا وتخطينا الناموس دون ان نلغيه هنا التناقض ان الانسان المسيحي يبقى في ضعفه وهذا الذي يفرقنا بين ايماننا وبين ايمان مثلا البوذيين والهندوس، ما الغاية مثلا ان نلغي الالم؟

 

المسيح لم يقل بعدنا نحن نمرض ونتالم ونموت لكن في ايماننا وهذه هي خبرة القديسين خبرة الانسان التقي انه في وسط الامه في وسط امراضه ورغم انه يحزن ويموت ولكن يلقى في وسط الامه التعزية الالهية هذه هي ايماننا بالقيامة نحن نحيا بالقيامة منذ اليوم المسيح قام وخلصنا من الخطيئة ومن الموت الجسد يموت ولا يموت هو يرقد ولكنه اذا سطعت فيه النعمة كما صار مع القديسين، لأجل ذلك نحن نسجد لرفات  القديسين، النعمة تفعل فيها في العظام المجردة، اذا تذكرتم مقطع من حزقيال اللذي يقرأ في الجمعة العظيمة :سوف تترمم هذه العظام ويعود الكيان البشري كيانا جسديا روحيا ولكن لا يعروه فساد ولذلك نحن نحيا في هذا الصراع ولا نقبله ولا نتنازل لكي نستعبد من الناموس نقبله لانه يجلد اهواؤنا نحن نحترم النظام أين ما كنا موجودين ولكن لا نكتفي به لانه يحد من طموحنا،  يريد ان نتخطى ونطيع كما اطاع المسيح  ولكن نحن لا نرضخ الا لله بطاعتنا بتوبتنا لناموس  هذه الدنيا مهما ارتقى هذا الناموس او هذا النظام او هذه القوانين نحن نرضى به ونطيعه ولكن نطمح كما قيل في المقدمة الى حرية ابناء الله وتصبح اذا فعلت فينا كما قلت النعمة الالهية تصبح حياتنا مشاركة لحياة الله ولا شي يعلو على المحبة الالهية يصبح كالقديس الكسيوس الذي يقول: عشق الله اخمد عشق الجسد وكما يقول القديس يوحنا السلمي: اذا لم يكن فينا هذه المحبة الواسعة لا نستطيع ان نتخلى عن اهواؤنا.

 

الانسان متمسك بذاته متمسك بانانيته وخاصة بهذه الايام متمسك باهتماماته الدنيوية بملذاته برفاهيته بارضاء جسده وعلى احسن الاحوال بعلومه وفلسفته ولكن اذا ذاق شي من حلاوة الله استطاع ان يتخلى عن كل شي وعند ذلك بالنعمة الالهية التي فينا، وليس بمقدورنا، نظل محدودين ومائتين ولكن بالنعمة الالهية بحريتنا عند ذلك يستطيع اي شخص اذا ذاق شي من محبة الله ان يتخلى عن هذه الملذات الارضية العارمة لانه قد ذاق شيئا افضل حياة افضل ويصبح فعلا كما يقول ايضا القديس باسيليوس: - وعيّدنا له الاحد الماضي احد الارثوذكسية احد الأيقونات- يصبح الانسان ايقونة للمسيح يعكس المسيح لهذا العالم الضائع الشقي ويصبح الانسان رسولا جديدا لكل واحد يلتقي به امين .

الأخ تميم جبور 

شكرا لقدس الارشمندريت افرام على هذه  الخبرة الحياتية اللي اخذناها ونتامل ان هذه الخبرة التي اليوم نعيشها مع الصيام، الذي هو ليس فقط الامتناع عن الاكل بل هو
الامتناع عن الرغبات و الشهوات، ان تفعل فينا محبة الله اكثر وان يبقى هذا القلب الذي تكلم عنه ابونا افرام هو مسكن لله، ان يبقى هذا القلب مفتوح ولا شي يحجب رؤيا الله عنا .
 

 

ندوة حول الصوم

للأرشمندريت إفرام كرياكوس (ميتروبوليت طرابلس المنتخب)

 

ما هي المعاني الهامّة للصوم؟

لماذا نصوم؟ هدف الصوم وفائدته.

كيف نصوم؟

كل إنسان يطرح على نفسه هذه الأسئلة. والأهم هو أن يصوم ويختبر معنى الصوم وحينئذٍ يفهم ويكتشف فائدته، إن لم يصم لن يكتشف حقيقة الصوم ولو قرأ وسمع الكثير عن هذا الموضوع. المطلوب أن يدرس ويطبّق ويختبر.

تُعطى هذه الملاحظات على رجاء أن تختبروا الصوم وتكتشفوا معانيه وفائدته. سأحاول أن أعطي حديثاً شبه شامل ومطول وجامع حول كل المعاني المهمة. ويتطلب ذلك منكم صبراً وانتباهاً ولو كانت فيه مراجع كتابية وآبائية تكون مراجع لنتأمل فيها فيما بعد.

 

الصوم

كلمة صوم في اللغة اليونانية هي (νηστεία) وهي الكلمة العادية وغير معبّرة كثيراً، والكلمة الأعمق هي (έγκρατεια) وهي معبّرة جداً عن معنى مهم للصوم، وتترجم عادة بكلمة إمساك، وهي تعني أن يمسك الإنسان نفسه وهو صائم.

ترجمة أخرى للكلمة هي إنضباط، وهي عملية ضبط النفس وهي عملية عفة أو تعفف وفيها يحرم الإنسان نفسه عن بعض الأمور غير الموافقة. وأولها الأطعمة والشرور.

في القاموس، كلمة إمساك (έγκρατεια) تعني أن يكون الواحد سيّدا على أهوائه وعلى رغباته. إذاً يبدو الصوم في أول معانيه أنه وصية إمساك، وصية إنضباط. لماذا؟ أي لماذا هذه الدعوة إلى الإمساك وضبط الجسد والنفس؟.

الوصية الأولى في الكتاب المقدس هي وصية صوم. وردت في التكوين. ويقول فيها الله لآدم "لا تأكل" وهي وصية قطع ونهي على نسق الوصايا لا تقتل، لا تزنِ. ويقول القديس باسيليوس الكبير (في ميمره الشهير عن الصوم): "كانت الوصية الأولى في الكتاب المقدس وصية صوم. ففي (تك2: 17) تقول الآية: "أما من شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل فإنك يوم تأكل منها موتاً تموت". وفي (تك3: 4-5) قالت الحية لحواء: "لن تموتا، لكن الله عالم أنكما في يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة عارفي الخير والشر" إذا ما تسألنا: لماذا هذه الوصية؟

لنحاول أن نربط هذه العملية - عملية الإمساك - بآدم وحواء.

طرد آدم وحواء لأنهما أكلا من الشجرة فصارا مريضين جسدياً ونفسياً ولأن المرض كان بسبب الأكل. يأتي الصوم كدواء لما نجم عن الطرد، والسقوط فيه حملنا ضعفاً ومرضاً جسدياً وروحياً.

إذاً الصوم دواء لهذا المرض الموروث، دواء لمرضنا.

طرد آدم من الفردوس بسبب الأكل فلنعد إليه (إلى الفردوس) عن طريق الصوم.

يقول الرسول بولس في (1كور 15: 32): "إنني أموت كل يوم".

ويقول الرب يسوع قبل آلامه عندما كان مع تلاميذه: (مر 14: 38): "أما الجسد فضعيف وأما الروح فنشيط" (مت41:26) ويقول بولس الرسول أيضاً في (2كور 10:12): "حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قوي" وهنا يعني بأني أتقوى بإذلال النفس واضعافها.[1]

 

الانضباط (έγκρατεια)

لنعد إلى فكرة الإنضباط. يقول بولس الرسول في (1كور 9: 25) كل مجاهد في سبيل ملكوت السماوات يضبط نفسه في كل شيء.[2]

السؤال المطروح دائماً هنا: لماذا المطلوب هو انضباط لنصعد إلى السماء؟ رغم أن الله جاء وخلصنا، فلماذا وصية المنع هذه؟ ودائماً الشعب يقول لماذا وصية المنع؟ وهل الأكل نجس؟ وبما أن الأكل والأطعمة لا تنجس الإنسان فلماذا ننقطع عنها؟

الجواب: إذلال النفس والجسد يؤدي إلى التواضع وهو شرط لدخول الملكوت. كما أن الصوم هو عملية إمساك، وهي عملية سلبية ولكن يبدو أن لا بدّ منها. وكيف نصل بهذه العملية إلى الحالة الفردوسية؟ وهل الموضوع هو عملية سلبية فقط؟ أم هناك بعد إيجابي. في الإنسان مرض، وعلينا أن نطهّر نفسنا وننقيها. لذلك يُعد الصوم فترة تنقية وتوبة ومدرسة للتوبة.

وضعت الكنيسة هذه الأسابيع السبعة كفترة تنظيف.

غسل التجديد. كل أسبوع تغسل جسمك وتنظفه أفلا تحتاج نفسك لفترة تنظيف وبذلك وضعت الكنيسة طرائق عملية من أجل هذه الغاية: كالصوم والصلوات الطويلة والإمتناع عن النشاطات الصاخبة.

تذكروا أن الصوم هو الخطوة الأولى ولا بدّ منها وفيها ينضبط الإنسان في جسده ونفسه. فللصوم وجهان: وجه جسدي ووجه روحي، هو صوم عن الأطعمة الثقيلة وصوم عن كل أنواع الشرور. نرى ذلك بوضوح في (اش58: 5-8): "أنا ما اخترت هذا الصوم ولا آثرت يوماً، يذلّل الإنسان فيه نفسه، ولو أنك أحنيت كالطوق عنقك وبسطت المسح والرماد تحتك فلا تدعو على هذه الجهة صوماً عند الرب مقبولاً. فصوماً مثل هذا ما اخترته انا يقول الرب. لكن فُكَّ كل رباط الظلم وحُلّ عقود المعاملات الإقتسارية، أصرف المهشمين بصفح وخزّقْ كل صكٍ ظالم. وفتَّ للجائع خبزك وأدخل مساكين لا سقف لهم إلى بيتك إذا رأيت عارياً فأكسه ولا تعرض عن مؤاساة آل ذريتك" (LXX الترجمة السبعينية). وهذا المقطع يقرأ في الكنيسة يوم الأربعاء قبل الشعانين في الساعة السادسة.

في تقليد الكنيسة هذه الفترة هي فترة للتفكير بالمحتاجين والمظلومين فالصوم يرافقه الإحسان.

 

اليقظة (νηψι)

فائدة أخرى للصوم مهمة.

من فوائد الصوم الإنضباط، إن هذا الإمساك الذي يمارسه الإنسان المؤمن يؤدي ليس فقط إلى تطهيرٍ أو تنقيةٍ للجسد والروح بل يؤدي إلى أكثر من ذلك. إلى الصحو واليقظة بأن يصبح الإنسان في حالة يقظة وحالة إنتباه.

يقول القديس يوحنا السلمي في كتابه "السلم إلى الله": "الصوم هو إخصاء لرغبات الجسد، إبتعاد عن الأفكار الشريرة، تحرّر من التخيّلات المذنبة، طهارة الصلاة، نور للنفس، يقظة العقل". ما هو المطلوب يقظة العقل أم يقظة القلب؟ بل يقظة العقل والقلب معاً. فالقلب هو مركز الإنسان.

إذاً علينا أن نختبر لنلمس بأن الإمساك والإنضباط سوف يعطيانا حالة يقظة.

ربما تكون هذه إحدى النواحي الإيجابية لجهاد الصوم. والنواحي الإيجابية الأخرى هي في إكتساب كل الفضائل بشكل عام. وبتخصيص يقول القديس باسيليوس الكبير: الصوم هو كالطير ذو جناحين لا يستطيع أن يطير ويُحلّق بدون جناحيه: الصلاة والإحسان[3].

لذلك يجب أن يترافق الصوم بكل الفضائل وخاصة الصلاة وعمل الرحمة. لماذا يجب أن يكون هناك صلاة وإحسان؟[4]

 

محاربة الشيطان

فكرة أخرى عن الصوم غير الفضائل واليقظة والمذكورة في الكتاب المقدس وعند الآباء:

صام السيد أربعين يوماً وحارب بعدها الشيطان وجابهه. فالصوم هو سلاح فعال لمحاربة التجارب والأرواح الشريرة والشيطان. لذلك فالآباء الروحيون يصومون قبل مواجهتهم الحالات الصعبة والشريرة.

يقول مثلاً القديس إفاغريوس في هذا الموضوع: "الصوم يهدىء النفس، ينقّي الفكر، يبعد الشياطين ويطردهم بعيداً ويجعل الله قريباً".

ويقول القديس باسيليوس: "الصوم يقرّب الإنسان إلى الله".

ويقول القديس أثناسيوس الكبير: "كل من يتعذب من جراء تجربة شريرة، ان استخدم دواء الصوم يطرد الروح الشرير للحال، لأن هذا الأخير يخشى الصوم كثيراً".

أما القديس سمعان اللاهوتي الحديث (القرن العاشر) فيقول:

"الصوم مثل الشمس يزيل شيئاً فشيئاً الضباب، وهكذا تضمحل غشاوة النفس".

 

الصوّامون الكبار

كان هذا عن معاني الصوم ولنُعط أمثلة عن الصوّامين الكبار:

موسى الذي صام أربعين يوماً على الجبل قبل أن يتسلم الوصايا وقبل أن يعاين الله. (خر 24: 18) (خر 34: 28).

"إن آدم لما تناول من الأكل كمخالف طُرد من الفردوس أما موسى لما نقّى حدقتي نفسه بالصيام صار معايناً لله". (اينوس أحد مرفع الجبن).

ولهذا فالهدف هو معاينة الله، وما الهدف الإنضباط ولا التطهير بل الهدف هو التنقية فمعاينة الله.

فالإنسان يصوم لأنه مشتاق إلى الله.

الإنسان المبتدىء يصوم مطيعاً إذ يوصونه بذلك، ولكن عندما يمارس ويعي، يصوم ليس كتنفيذ للوصايا بل لتذوق اللذة واختبارها واكتشافها.

بالصوم نميت أجسادنا، يقول الآباء، من يصوم لحدٍ كبير يختبر ويتذوق الموت لحد ما.

فالقديس سمعان العمودي بصومه القاسي ذاق الموت وبه ذاق القيامة فقد ذاق موت المسيح وقيامته بالصوم. راجع قصة حياته كيف كان يقضي الصوم الأربعيني كله بدون أكل ولا شرب.

لسنا جماعة تبتغي إماتة الأجساد وتعذيبها بل غايتنا هي تذوق الفرح وتذوق الفرح بالمسيح. وهذا محور كل جهادنا الروحي.[5]

إذاً محبتنا هي الدافع والمحرّك (το κίνητρον- La motivation) لكل السعي والجهاد وهي التي تدفعنا لمحبة القريب.

لا يمكن أن ينفصل الصوم عن ذكر الرب المحرّك الأساسي له كما المحرك للسيارة.

يقول الآباء: لم يخلق الرب الإنسان كاملاً بدون الرب، ليتكامل بالرب. وهي حجّتنا نحن المؤمنين أن بدون الرب لن نصل للكمال والفرح. غير المؤمن يجيب أن بدون الرب نصل للكمال ونحن نرى أن بدونه لن نصل.

وهناك أمثلة أخرى في الكتاب ومنها عن ايليا (3مل19: 8-15) الذي صام على جبل سيناء قبل أن يرى الله وأقام إبن الأرملة بعد صوم متغلباً على الموت نفسه (3مل17: 20-23).

ومثل الفتية الثلاثة الذين بعد أكلهم البقول بدت وجوههم أبهى من كل الذين في بابل (دا1: 12-16).

 

تاريخ الصوم

وأخيراً نذهب في نظرة تاريخية وقانونية لتطور الصوم:

يبدو أن الصوم ابتدأ في القديم، في القرون الأولى: إنقطاع كامل في نهاري الجمعة والسبت العظيم إستناداً لما جاء في (مت9: 15): "فهل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم حينئذٍ يصومون". هذه نبوءة عن :"صوم" التلاميذ أي عن عذاباتهم، جهاداتهم خلال آلام المسيح وموته وأيضاً خلال حياتهم اللاحقة كلها. إذاً هنا كلمة "صوم" مرادفة لكلمة "جهاد" حسب زيغافنوس.

في القرن الثالث: يوجد مخطوطة إسمها ذيذاخي (Didascalie) امتد فيها الصوم لكل الأسبوع العظيم وفيه انقطاع عن اللحم والبياض حتى الغروب.

وفي القرن الرابع: الشهادة الواضحة أنه في أورشليم كانوا يصومون أربعين يوماً وهي واردة في ما كتبته امرأة في رحلتها اثريا (Ethérie) وما كتبه القديس كيرلس الأورشليمي.

وهناك مخطوطة قديمة ومنحولة لقوانين الرسل ابو كريفا (400) سنة قوانين الرسل(Constitutions apostoliques). تتكلم عن صوم الأربعين يوماً من الصباح حتى التاسعة (ενάτη) وعند الفطور انقطاع عن اللحم والبياض أي أكل النواشف (ξηροφαγία) وتضيف هذه المخطوطة "ان كانت صحتكم تسمح لكم".

ليس في الكنيسة قوانين واضحة ومحددة وثابتة للصوم، وأصبح الصوم تقليداً الذي بات فيما بعد كقانون؛ التقليد بمثابة قانون.

وبالضبط هذا هو التقليد الذي عرفه القديس باسيليوس الكبير والقديس يوحنا الذهبي الفم والمغبوط أو غسطينوس، وهذه هي إرشادات وليست بأوامر قاطعة.

 

ملاحظة: لا تجبروا شعب الرعية على الصوم بل يجب أن تقنعوه.

وهناك مجمع ترلو (692): وقد أصدر قانوناً عن الصوم ورقمه (56) يتكلم عن الإمتناع عن اللحم والبياض ويقول هذا القانون: هذا الصيام إلزامي لكل الجماعة.

في القرن الثامن والتاسع: أصبح الصوم الأربعيني المقدس في الكنيسة اليونانية صوماً رسمياً ولا تتميز فيه الأديار عن الرعايا والشعب.

ولا بد من التمييز بين الحرف والروح فالكنيسة تعطي إرشادات لا أوامر ويجب العودة إلى الضمير والإرشاد الروحي.

 

خلاصة

الإنسان ضعيف بدون المسيح العريس، حزين بدونه يشعر بحاجة إلى عون، يلتجىء إلى الإمساك حتى ينضبط ولا يقوى عليه الشرير في غياب العريس أي غياب النعمة وهذا ما يسميه الآباء الفساد (φθορά) حالة الإنسان الطبيعية بدون الله شبه خطيئة التي ورثناها. صومه، شهادته البيضاء هذه، كذلك جهاداته، عذاباته، إضطهاداته، تجنّده، إمساكه. كل ذلك لكي يصون نفسه من الهجمات الشريرة، ليحفظ نفسه صحيحاً سالماً ولكن أيضاً ليفوز بالسباق بالقيامة بالمسيح ليتمتع بالحياة الأبدية. الذي يجاهد ويصوم هنا يرتاح هناك في الآخرة.

في آخر المطاف التوبة، الصوم، الصلاة، السهر، كل جهاد، إمساك حرمان من أجل المسيح هو إفتقار إلى الله، توق إلى المعشوق، إلى لقاء أوفر إلى التمتع الأقصى، إلى السعادة الحقيقية الأبدية، الاكتفاء بالمسيح وحده. لذا الصوم من أجل المسيح سرّ، سرّ التواضع أمام الله، سرّ محبة الله، الله خلقنا في المسيح بمحبّته ونحن نبادله المحبة بإفتقارنا إليه هكذا نشارك بعملية الخلق. خُلقنا صوامين حتى نبقى عشّاقاً إلى الأبد "أما من شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل" (تك 17:2).

 


مناقشة

* عندما نكون بحالة خاصة - عائلة فقيرة يمكن التساهل بأن يأكلوا معلبات عندما لا يتوفر لديهم غيرها. وقد أصدرت البطريركية نشرة توجيهية في الأحداث منذ سنين قريبة تسمح فيها أكل اللحم والمعلبات والحليب وغيرها مما وزعته الهيئات الدولية على المهجرين في لبنان إبان أحداث الحرب.

من الجيد أن تعمل الكنيسة في الصوم صندوقاً مشتركاً للمحتاجين في الكنيسة الأرامل، المرضى، المساجين...

- نلاحظ بأن سيدات البيوت تتفنن بطبخ وتحضير الأكلات الصيامية، التي باتت تكلف جهداً ومادة كثيرين.

* هذا مظهر من مظاهر التمسك بالقشور دون الجوهر. وينتج هذا عادةً من الجهل وعلينا أن نوعي ونعلم. وصلوات الصوم تساعد على الوعي أكثر.

- سألني أحدهم بأنه لا يحب اللحم ولا يأكله أبداً، فكيف يصوم؟

* يمكنه أن يقتصر صومه على تخفيف الكمية وتخفيف تشكيل نوعيات أكله.

- كيف يصومون في الجبل المقدس؟

* عند الرهبان، الصوم يتضمن الإنقطاع عن الزيت والخمر وعادة يصومون في الجبل المقدس أيام الإثنين والأربعاء والجمعة.

- لماذا إخترنا الزيت عن المنتجات الحيوانية بالذات؟ وليس غيرها؟

* هو تقليد ناتج عن أن الإنسان القديم لم يأكل اللحم والمنتجات الحيوانية. هذا ما يذكره القديس باسيليوس في ميمره والملاحظ أن علم الانسان (anthropologie) يقر بأن جمجمة الإنسان القديم كانت صغيرة لأن الإنسان كان نباتياً. ومن الجيد أن نعرف بأن الإنسان الذي يصوم يصبح دمه خفيفاً ويصير عنده فقر دم وهو مهم ولا بدّ منه لتنشيط الروح وتصفية العقل والفكر.

عملياً ألغت الكنيسة الكاثوليكية الصوم، إنما في الكنيسة الأرثوذكسية لا زال للصوم مكانته وأهميته كوسيلة فعالة ومفيدة للوصول إلى حالة روحية أفضل.

 

ندوة حول الزواج المسيحي
للأرشمندريت إفرام كرياكوس (ميتروبوليت طرابلس المنتخب)

"فيصيران كلاهما جسداً واحداً"  (أف ٥:٣۱) (تك ٢:٢٤)

عجب كيف يتكلّم راهب عن الزواج وهو لم يختبره؟ لكنه ليس بالعجب الكبير إذ إن أفضل كتاب عن البتولية ألّفه إنسان متزوّج هو القديس غريغوريوس النيصصي. عنوان الكتاب "فنّ البتولية". ليس بالعجب الكبير أن يتكلّم راهب عن الزواج المسيحي لأن البتولية الحقّة ليست بعيدة عن الزواج الحق. المواضيع كثيرة في هذا المجال والاسئلة كثيرة ايضاً مع الجدل. لنقتصر في حديثنا اليوم على النقاط الرئيسيّة التي تهمّنا.

فلنبدأ من البداية أي من قصة الخلق:
"فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام فاستلّ إحدى أضلاعه وسدّ مكانها بلحم. وبنى الربّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأةً فأتى بها آدم. فقال آدم ها هذه المرّة عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي هذه تسمّى امراة لأنّها من امرئٍ أُخذت. ولذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم امرأته فيصيران كلاهما جسداً واحداً." (تك ٢:٢۱-٢٤) وبعدها يُضيف "فخلق الله الانسان على صورته. على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم" (تك ۱:٢٧) ممّا يشير أنه منذ البدء منذ الخلق هناك تدبير إلهي يتضمّن وجود إثنين الذكر والأنثى، الرجل والمرأة. ويشير في الوقت نفسه الى واحد فيصيران جسداً واحداً "وليكن لكلّ واحد امرأته وليكن لكلّ واحدة رجلها" (۱كور٧:٢).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم في هذا الموضوع: "سمح الله للرجل في البدء أن يتزوّج أخته، لا أخته بل ابنته، لا ابنته بل لحماً من لحمه الخاص. تفرّع الجنس البشري من إنسان واحد هو آدم وبعدها لم يسمح بالزواج من أخواتنا وبناتنا حتى لا تنحصر المحبّة".

 

الرباط الوثيق بين الرجل والمرأة

إذاً هناك رباط وثيق ين الرجل والمرأة منذ البداية. الإلفة بين الرجل والمرأة تفوق كلّ إلفة والمحبّة قويّة لذلك جُبِلَت المرأة من الرجل. "هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تُسمّى امرأة لأنها من امرىءٍ أُخِذَت ولذلك...." (تك ٢:٢٣)

إذا انتقلنا الى العهد الجديد نسمع بولس الرسول يقول "ليس عبد ولا حرّ ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعاً واحدٌ في المسيح يسوع" (غلا ٣:٢٨) يشير هذا الكلام لا إلى اثنين بل إلى "واحد في المسيح" كما يوحي بالمساواة بين الرجل والمرأة وعدم التفريق بينهما. هل هناك من تناقض مع سفر التكوين ۱:٢٧؟ أم هنالك كشف للعلاقة المتكاملة والمميّزة في المسيح؟

يرفع بولس الرسول العلاقة بين الرجل والمرأة الى المستوى الروحي الثنائي: يُصبحا واحداً في المسيح. الجسد الواحد هو جسد المسيح. اتحاد المرأة بالرجل علامة لاتحادهما الروحي في المسيح. لأن المسيحيين وإن كانوا في الجسد إلاّ أنّهم لا يتصرّفون بحسب الجسد.

ماذا نستنتج من كل هذا؟
أوّلاً: ان العلاقة الحقة بين الرجل والمرأة ليست مجرّد علاقة جسديّة. هي في النهاية علاقة روحيّة لانها اتحاد سرّي بالمسيح: يجمعهما المسيح في جسد واحد هو جسده ضمن تدبير الله منذ
البدء وترتيبه، هذا التدبير الذي كشف واضحاً في المسيح. كيف يصبح الإثنان واحداً؟ ماذا يجعل الإثنين ان يصيرا واحداً أو ثلاثة او أكثر؟ هي المحبّة المتبادلة، المحبّة المبذولة المضحيّة، المسيح الذي هو المحبّة المصلوبة.

ثانياً: الشهوة الجنسيّة عابرة. طبعاً هي واردة. خاصة في البدء جُعل الميل الجنسي حتى لا يبقى الانسان وحيداً، متفرّداً أنانيّاً وأيضاً من أجل الإنجاب لا من أجل التمتّع فقط. من هنا تفهمون كيف أن الراهب الذي اقترن بالمسيح (سريّاً) يبقى بتولاً حافظاً على أمانته للمسيح تماماً كما أن الزوج ( الرجل والمرأة) يتحد بالمسيح ويبقى اميناً له. طبعاً ما يعزّز صلة الزوج بالمسيح هو الصلاة وقراءة الكتاب المقدس والمناولة وعمل الرّحمة.

 

في الطاعة والمحبّة

نأتي الآن إلى نقطة مثارة دائماً في العلاقات بين الرجل والمرأة. يقول الرسول بولس "أيها النساء اخضعن لرجالكنَّ كما للرب لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضاً راس الكنيسة" (أف ٥:٢٢-٢٣). ثم يضيف "أيها الرجال أحبّوا نسائكم كما أحبّ المسيح أيضاّ الكنيسة وبذل نفسه من أجلها" (أف ٥:٢٥).
قبل شرح العلاقات المتبادلة بين الرجل والمرأة من خلال كلام بولس لا بدّ أوّلاً ان نشير أنه في عصره لم تكن المرأة مساوية للرجل في الحقوق، لا في العالم اليوناني ولا في العالم
الروماني ولا في العالم اليهودي.

هذا الوضع التاريخي يمكن ان يبرّر التعبير القاسي" الذي جاء على لسان الرسول. لكن هذا الأخير كان يبغي لا العلاقة البشرية فحسب بل العلاقة الروحية لأنه يضيف "كما للربّ" ولأنه يقارن دائماً العلاقات المتبادلة بين الرجل والمرأة بعلاقة الكنيسة والمسيح. في هذه العلاقة الاخيرة، الطاعة تقابل المحبة والمحبّة تقابل الطاعة. هذا القانون يسري على المرأة كما على الرجل. أي إن أطاعت المرأة الرجل تنال محبّته وإن أحبّ الرجل امرأته يستدعي طاعتها والعكس بالعكس أيضاً.
هذا القانون يسري على العلاقات البشرية عامةً يعبّر عنه بولس هنا بطاعة المرأة للرجل وبمحبّة الرجل للمرأة. هذا التعبير جاء هكذا ربّما بداعي العوامل التاريخيّة او بداعي التدبير الإلهي
منذ البدء. على كلٍّ، تظهر في المسيحيّة المساواة بين الرجل والمرأة أمام الله والوحدة بينهما في المسيح وذلك على الرغم من وظائفها المختلفة والترتيب القائم في الأسرة حيث يصعب وجود رأسين.

 

الخلاصة

الزواج المسيحي مدرسة للمحبّة. هو أيضاً تمرين على الطاعة المتبادلة بين الرجل والمرأة ولكن في البدء وفي النهاية الطاعة والمحبة هما للمسيح. الإكليل إكليل العروسين هو إكليل المجد. هو في الوقت نفسه إكليل الشهادة للمسيح. لذلك نرتل في خدمة الإكليل "أيها الرب إلهنا بالمجد والكرامة كلّلهما" ثلاثاً. كما نرتّل ترتيلة الشهداء :أيها الشهداء القديسين الذين جاهدوا حسناً فتكللوا...." هذا عند دورة العروسين الذين يمسك بيدهما الكاهن الممثل المسيح ماسكاً بيده الأخرى الإنجيل الذي به يرشدهما الى الخلاص.
 

Make a Free Website with Yola.