أعداد الكرمة لشهر شباط 2010
الكرمة
الأحد 28 شباط2010 - العدد 9
الأحد
الثاني من الصوم (غريغوريوس بالاماس(
اللحن
الخامس - الإيوثينا الخامسة
28: باسيليوس المعترف، البار
كاسيانوس الروماني، البارتان كيرا ومارانا، * 1: أفدوكيا البارة في الشهيدات،
البارة دومنينا. 2: ايسيخيوس الشهيد. * 3: الشهداء أفطروبيوس وكلاونيكس
وباسيليسكس. * 4: جراسيموس البار الاردني. * 5: قونن الشهيد، مرقس الناسك،
المديح الثالث. * 6: الاثنان والأربعون شهيداً الذين في عمورية،
أركاديوس البار.
(النور الإلهي)
الأرثوذكسيَّةُ إيمانٌ وحياةٌ.
مَنْ لا يعرفُ عقيدتَه الأرثوذكسيَّة لا يكون
فعليًّا
عضوًا في كنيستِه، ولو كان أرثوذكسيًّا على
هوّيته.
الصوم الأربعينيُّ
المقدَّسُ يعيدُنا إلى البرِّيَّة، إلى الصحراء حيث نتعرَّى من ألبستِنا
الجلديَّةِ (أي أهواء النفس والجسد واهتماماتنا الدنيويّة الكثيرة)،
لكي نلبسَ مِن جديد لباسَ النعمةِ الإلهيَّةِ، هذا اللباس الّذي يليق
بالإنسان الجديد المخلوق على صورة المسيح الإله، الذي خلق كلَّ شيءٍ حسنًا.
نعم، تقليدُنا الشرقيّ المسيحيّ الأرثوذكسيّ هو
تقليدٌ نسكيّ
تقشفيّ. نحن لا نخجل من ذلك بل نفتخر به. لأجل
هذا واجب على الإنسان الأرثوذكسيّ أن يصوم عن ملذّاته
الجسديّة حتى يشرِقَ من جديد، من قلبه المتطهّر بالأصوام وحتى من جسده، نورُ
نعمةِ الله غيرِ المخلوق الذي لا يُشبِهُ بجماله الفائق أيّ شيء من
المخلوقات.
هذا النور الإلهي يحمل لنا
السلام الحقيقيّ الذي ليس مثل السلام الذي يعطيه العالم، إنّه يحمل
لنا الفرح الذي لا يضاهيه أيّ فرح أو لذّة عالميَّتَين.
أيها الإخوة
الأحبّاء، يا أبناء كنيستي العزيزة جدًّاً، لِنُقْبِلْ إلى الصِّيام المُشْرِق،
بشَغَفٍ، مشتَرِكِينَ بهذه الصلوات الخشوعيّة الجميلة، صائمين عن
الملّذات الدنيويّة، مندفعين إلى أعمال الرحمة السخيّة.
"لقد تناهى الليل واقترب النهار فلنَدَعْ
عنّا أعمال الظلمةِ ونلبَس أسلحةَ النُّور" (رو 13: 12) بفرح صليبه
مع آلام هذا العالم متوثِّبين إلى لقاء العريس في فصحه الخلاصي. آمين.
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
طروبارية القيامة باللحن الخامس
لنسبِّح نحن المؤمنين ونسجدْ للكلمة المساوي
للآبِ والرّوح في الأزليّة وعدمِ الإبتداءِ، المولودِ من
العذراءِ لخلاصِنا. لأنّه سُرَّ بالجسد أن يعلوَ على الصليبِ ويحتملَ
الموت. ويُنهضَ الموتى بقيامتهِ المجيدة.
طروبارية القديس غريغوريوس
باللحن الثامن
يا كوكبَ الرأي المستقيم، وسَنَدَ الكنيسةِ ومعلِّمَها. يا جمالَ المتوحِّدينَ، ونصيراً لا يُحارَب للمتكلِّمينَ باللاهوت، غريغوريوسَ العجائبيّ، فخرَ تسالونيكية وكاروزَ النعمة، إبتهلْ على الدوامِ في خلاصِ نفوسِنا.
القنداق باللحن الثامن
إني أنا عبدُكِ يا والدةَ الإله، أكتبُ لكِ راياتِ الغَلَبة يا جُنديَّة محامية، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكرَ كمُنقِذةٍ مِنَ الشَّدائد. لكنْ، بما أنَّ لكِ العِزَّةَ التي لا تُحارَب، أعتقيني من صُنوفِ الشَّدِائد، حتى أصرُخَ إليكِ: إفرحي يا عروساً لا عروسَ لها.
الرسالة:
عبرانيين 1: 10-14، 2: 1-3
أنتَ يا رَبُ تَحْفَظُنا وتَسْتُرُنا في هذا الجيلِ
خَلّصني يا رَبُّ فإنَّ البار قَد فَني
أنت يا ربُّ في البَدءِ
أسَّستَ الأرضَ، والسماواتُ هي صُنعُ يديْكَ، وهي تزولُ وأنت تبقى وكلُّها
تَبْلى كالثوب، وتطويها كالرداء فتتغيَّر، وأنتَ أنتَ وسنوك لن تفنى.
ولِمَنْ من الملائكة قال قطُّ اجْلِسْ عن يميني حتى أجعل أعداءَك موطئاً
لقدميْكَ، أليسوا جميعُهُم أرواحاً خادمة تُرْسَلُ للخدمةِ من أجلِ الذين
سَيَرِثون الخلاص. فلذلك يجب علينا أن نُصغِيَ إلى ما سمعناهُ إصغاءً أشدَّ
لئلاَ يَسْرَبُ مِنْ أذهانِنا. فإنَّها إن كانتِ الكلمةُ التي نُطِقَ
بها على ألسنةِ ملائكةِ قَدْ ثَبُتَتْ وكلُّ تَعدٍّ ومعَصِيَةِ نالَ جزاءً
عدلاً، فكيفَ نُفْلِتُ نحنُ إنْ أهْمَلنا خلاصاً عظيماً كهذا، قد إبتدأ
النُطقُ بِهِ على لسانِ الربِّ، ثمَّ ثبَّتَهُ لنا الذين سمعوهُ؟
الإنجيل:
مرقس 2: 1-12
في ذلك الزمان، دخل يسوعُ كَفَرْناحومَ، وسُمِعَ أنَّهُ في بَيتٍ، فَلِلوقتِ اجتمعَ كثيرونَ حتى أنَّه لم يَعُدْ مَوْضِعٌ ولا ما حَول البابِ يَسَعُ. وكان يخاطِبُهم بالكلمة، فأتَوْا إليْهِ بِمُخلَّع يَحمِلُهُ أربعةُ، وإذ لم يقْدِروا أن يقتربوا إليهِ لِسَببِ الجمع كَشَفوا السقفَ حيث كانَ. وَبعْدَ ما نَقَبوهُ دَلوا السريرَ الذي كان المخلَّعُ مُضْطجعاً عليه. فلمّا رأى يسوعُ إيمانَهم، قالَ للمُخلَّع: يا بنيَّ، مغفورةٌ لكَ خطاياك. وكان قومٌ مِنَ الكتبةِ جالسينَ هُناكَ يُفكِّرون في قُلوبِهِم: ما بالُ هذا يتكلَّمُ هكذا بالتجديف؟ مَنْ يَقْدِرُ أن يَغفِرَ الخطايا إلا اللهُ وَحْدَهُ؟ فَلِلْوقْتِ عَلِمَ يَسوعُ برِوحِهِ أنَّهُم يُفَكرِونَ هكذا في أنفسِهِم، فقالَ لهُم: لِماذا تفَكِّرون بهذا في قلوبكم؟ ما الأيسَرُ أن يُقالَ مَغفورةٌ لكَ خطاياكَ أمْ أن يُقالَ قُمْ واحمِلْ سريرَكَ وامشِ؟ ولكن لكي تَعْلموا أنَّ ابنَ البشر لَهُ سلطانٌ على الأرضِ أن يَغفِرَ الخطايا (قالَ للمُخلَّع) لكَ أقولُ قُمْ واحمِل سَريركَ واذهَبْ إلى بَيتِكَ، فقامَ للوَقتِ وحَمَلَ سَريرَهُ، وخرَج أمامَ الجميع، حتى دَهِشَ كُلُّهُم ومجَّدوا الله قائلينَ: ما رَأينا قطُّ مِثلَ هذا.
في الإنجيل
تتمحوّر
التلاوة
الإنجيليّة، التي سمعنا، حول شفاءٍ أتمّه يسوع،
في كفرناحوم، المفلوج قدّمه إليه أربعة. وتأتي هذه الحادثة في سياق
حوادثِ أشفيةٍ سبقتها، ويعرض لها الإصحاح الأوّل من مرقس، أو تلتها،
ويعرض لها الإصحاح الثالث. واللاّفت، في هذه كلّها،
أنّ ما يهمّ يسوع، بالدرجة الأُولى، ليس الشّفاء بحدّ ذاته، بل إنّما
الكلمة التي يكرز بها. في هذه كلّها يبدو اهتمام السيّد منصبًّا على الكلمة
التي من أجل الكرازة بها خَرج، كما يصرّح بذلك في مرقس 1/28 حيث يقول:
"لِنّذهبْ إلى القُرى المجاورة لأكرز هناك أيضًا، لأنّي لهذا خَرجتُ".
المركزيّة عنده هي، إذاً، للكلمة التي بها يحاول أن يستقطب الجموع،
لئلاّ يكون لحاقها به غوغائيًّا أو غريزيًّا، بل يكون حركة كيانيّة إليه
تنشئها فيهم كلمته إذا ما سمعوها فيؤمنون ، في وقتٍ موافق، أنّه من الآب
أتى ليتمّم مشيئته وأنّه إلى الآب ماضٍ. وهكذا، إذا ما ثبتت الجموع في كلمته
وثبتت كلمته فيها، يأتي الشفاء فيضًا طبيعيًّا لهذه الكلمة، إحساساً إنسانيًّا
وتعطّفاً يتحرّك بهما يسوع فيتحنّن على طالبي الشّفاء ويشفيهم، على
رجاء أن يكون الشّفاء الممنوحُ لهم مجّانًا فرصةً لهم ليؤمنوا بكلمته. قد
نأتي إلى الإفتقاد عن طريق الكلمة أو إلى الكلمة عن طريق الإفتقاد، لا فرق،
المهمّ أن تكون الكلمة وتثبيت المؤمنين فيها مُبتغانا أوّلاً وآخِراً.
في حادثة كفرناحوم- وهي موضوع تلاوتنا
الإنجيليّة اليوم- نحن نتحرّك في المناخ نفسه. كثيرون اجتمعوا إلى يسوع
فجعل يخاطبهم بالكلمة. وإذ جاؤوا اليه بمفلوج، لَمَس إيمانهم، واستجابةً
منه لإيمانهم "قال للمفلوج: يا بُنيَّ مغفورةٌ لك خطاياك". إنّ
السيّد يعرف طلباتنا قبل الطلب، ويمنحنا أشفيته
ونِعمه مجّاناً، ولكنّه، مع ذلك، ينتظر منّا أن نقابل مبادرته بجواب مسؤول،
بإيمانٍ يدلّ على أنّ السيّد يحترم إرادتنا الإنسانيّة ويحرص على أن
نكون، بإراداتنا الحرّة، مستحقّين لما وَهَبنا إيّاه هو مجّاناً. لا شكّ في
أنّ ثمّة حركة جدليّةً قائمة في مسألة خلاصنا، فمن جهةٍ هو ممنوحٌ لنا مجاناً،
ومن جهةٍ أخرى نحن نستحقّه على قدر ما نسعى إليه ونعمل له.
قال السيّد للمفلوج "يا بنيّ مغفورة لك
خطاياك"، ولم يبادر فوراً إلى شفائه جسديًّا،
لماذا؟ لأنّه يعتبر أنّ اعتلال النفس أكثر فتكاً بكثير من اعتلال الجسد،
وأنّ شفاء النفس له، بالتالي، الأولويّة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ربّما
أراد السيّد أن يتعاطى مع اليهود بمنطقهم. فهم يعتبرون أنّ المرض الجسديّ
ثمرة الخطيئة أو عقوبتها، لذا قال لمفلوجهم "مغفورةٌ لك خطاياك" باعتباره
أنّ بُرْءَه من خطاياه لا بدّ وأن يُثمر بُرءًا جسديًّا. مع ذلك، لم
يُعجب الكلامُ الكتبة الذين كانوا هناك يَرَون ويسمعون. صَدَمَتهم بادرة السيّد
لأنّهم لم يتوقّعوها. توقّعوا منه أن يبادر فوراً إلى شفاء المفلوج.
"فاليهود يطلبون آيّة" "كما يقول بولس ليس هذا وحسب. بل إنّ أكثر ما
أغاظهم أن يروا يسوع يتعدّى، برأيهم، صلاحيّات ليست له. فنَسبُوه إلى التجديف
وعبّروا عن استنكارهم بالقول: "لماذ يتكلّم هذا هكذا بتجاديف. من يقدر
أن يغفر
خطايا إلاّ الله وحدّه". أمّا يسوع فكان همّه أن يفتح أعين الكتبة
ومَن معهم على رؤيتين: رؤيةِ أنّ معجزة الشّفاء الجسديّ ليست بشيء إذا ما
قُورِنَت بمعجزة غفران الخطايا. فالأطباء الجسديّون قد يجترحون في
الطبّ معجزات والمؤمن منهم يعترف لله تحقيقًا لقول داود: : ألعلّك للأموات
تصنع االعجائب أم الأطبّاء يقيمونهم فيعترفون لك" (مز88/10)، أمّا غفران
الخطايا فسلطان مَنُوط بالله وحده وهو، إذاً، المعجزة الوحيدة الحقيقيّة.
ورؤيةِ أنّه هو ابن الله وأنّ الآب السّماويّ "أعطاه السلطان ليجري
الحكم لأنّه ابن البشر" كما يقول يوحنّا في إنجيله.
أمّا هم فقد أصرّوا
على أن تبقى أعينهم مغمضةً دون الرؤية. إلاّ أنّ السيّد، لعظيم رحمته،
لم يشأ أن يترك نفوسهم على اضطرابها، ورأفةً منه بنفوسهم صنع لهم ما أرادوا
و"قال للمفلوج: لك أقول قُم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك".
أَعطِنا، أيّها
السيّد، ألاّ نماثل الكتبة، وأن تبقى أعيننا مفتوحة على الرؤية التي هي
أنت، لكَ المجد إلى الأبد.
ملاحظات حول الصوم
كثيرون يفصّلون صيامهم على ما يريحهم. فهذا
يصوم عن الحلوى فقط وآخر عن التدخين وثالث عن هذا العمل أو ذاك. فالفكرة
السائدة هي أنّ الصوم مرتبط بالتخلّي عن شيء ما من أجل الله. لكن المعنى
الحقيقي للصوم أكثر غنى من ذلك، فالصوم ليس فقط في التخلّي بل في الكَسب،
في الوصول إلى أمور لا يُمكن تحقيقها إلاّ من خلال هذا النشاط الروحي.
في المعنى القانوني للخلاص، يعتقد البعض بأنّ المسيح أتى إلى العالم ليتمم
مهمة ما، ويصلح إساءة الإنسان لله، وأن تضحيته على الصليب تسدّ هذه
الحاجة وتُدخِل الجنس البشري مجدداً في حظوة الله. من هذا المنظار يكون
الصوم رمزاً: تضحية شخصية يقدمها الإنسان ليعود إلى نعمة الله. وهذا
قد يكون التخلي عن أي شيء، بدءً من قطعة حلوى مروراً بالامتناع عن
استعمال الفايسبوك خلال فترة الصوم وصولاً إلى التخلّي عن أكثر من ذلك...
لكن هذه التخليّات التافهة لا علاقة فعلية لها بالمعنى الحقيقي للصوم.
فالله ليس بحاجة لكل هذه التضحيات كما لم يكن بحاجة لكلّ محرَقات العهد
القديم. نحن مَن يحتاج قانون الصوم وليس الله.
إن تحويل الصوم إلى رمز أو
إلى مجرد فكرة يفسِد كلّ جهاد الصوم الكبير. في هذا العالم المكوَّن من
أفكارنا المشبَعة بالقيَم الدهرية، تُنسى أهمية انخراط الجسد بالصوم، لأنّ
الفكر يكتفي بالرموز. لكن الإنسان ليس موجوداً في خيال فكري بل هو حيّ في
عالم حقيقي، كشخص فعليّ مكوّن من جسد ونفس، مادي وروحي. لا يخلّص
المسيحُ العالمَ بنشره فكرة الخلاص، بل بالنزول بنفسه إلى الأرض واتّخاذه
جسداً من مريم العذراء وصيرورته مادياً واحداً منا، لا طيفاً ولا روحاً
بل لحماً ودماً. موته على الصليب ليس رمزاً بل حقيقة مؤلِمة. لم تكن قيامته
مجرّد قصة مفعمة بالأخلاقيات، بل اللحظة التي قرّرت مرحلة جديدة في الوجود
البشري. بتحويل كل الأشياء إلى رموز تنتهي إلى العيش في أفكارنا مفتقدين
الوجود الحقيقي.
في فهمنا الأرثوذكسي نعي أن الإنسان، لكونه يعيش في عالم مادي بطبيعة ساقطة مشوّهة، فجسده يخضع للأهواء التي تؤثّر على كامل كيانه. ضبط الجسد عن طريق الصوم يوجّه كامل الكائن البشري نحو الله، لأنّ "جسداً مكبوحاً بالصوم يجلب للنفس البشرية الحريّة والقوة والاعتدال والطهارة والتمييز" (القديس إغناطيوس بريانشانينوف). بتجويع الجسد يتغذّى كل الكائن ويصير قادراً على "الارتفاع ليتأمّل الأمور النبيلة وليضع الأمور السماوية فوق أمور الحياة السارّة والممتعة" (القديس يوحنا الذهبي الفم)
هذا ولا يليق أبداً تحويل الخبرة الصيامية إلى مجرّد نظام نباتي. الصوم الكبير هو فترة تحوّل، كما يسميها الآباء تغييراً للفكر (ميتانيّا). يجاهد الصائم لتحويل طريقة حياته بالكامل، معيداً توجيه أولوياته، ساعياً نحو إيجاد سبل جديدة إلى الله، مستبسلاً للكمال في المسيح. كما ينصح القديس باسيليوس الكبير: "يكمن الصوم الصحيح في رفض الشرّ، ضبط اللسان، قمع الحقد، طرد الشهوة والكلمات البذيئة والكذب والحنث بالوعود".
من هذا المنظار يمكننا أنّ نقول أن صوم الجسد
هو صوم
للنفس. النفس المتحررة من ثقل الجسد المتخم
والمتغذيّة بمَنّ الفضائل يمكنها أن تصل إلى العلو الروحي، حرّة
من الأهواء التي تشدّها إلى الأرض.
إن نفساً كهذه تصلّي أكثر وتسامح أكثر وتحبّ
أكثر. ليس الصوم مجرّد تخلٍ بل هو تدريب على المحبة، لأن الخلاص ليس
إكراماً يُمنَح بديلاً للتضحية بل هو أعظم ما عرف البشر من أعمال المحبة.
أخبـــارنــــا
سلسلة أحاديث روحية في الرعايا
- يسرّ حركة الشبيبة الأرثوذكسية -فرع شكا دعوتكم للمشاركة في الحديث الروحي الذي يلقيه د. فادي جورجي بعنوان " كتاب التريودي وروحانية الصوم الكبير" وذلك مساء الخميس الواقع فيه 4 آذار 2010 بعد صلاة النوم الكبرى التي تبدأ الساعة الخامسة في كنيسة تجلي الرب.
- يسرّ رعية كفرحزير دعوتكم للمشاركة في الحديث الروحي الذي تلقيه الأم مريم، رئيسة دير القديس يوحنّا المعمدان – دوما، بعنوان "بساطة العيش والفرح بالرب" وذلك مساء الخميس الواقع فيه 4 آذار 2010 بعد صلاة النوم الكبرى التي تبدأ الساعة الخامسة والنصف، في كنيسة مار يعقوب.
- يسرّ رعية بشمزين دعوتكم للمشاركة في الحديث الروحي الذي يلقيه قدس الأب جورج يوسف بعنوان "التوبة والإعتراف" وذلك مساء الجمعة الواقع فيه 5 آذار 2010 بعد صلاة المديح التي تبدأ الساعة السادسة، في كنيسة مار جرجس.
- يسرّ حركة الشبيبة الأرثوذكسية- فرع كوسبا دعوتكم للحديث الروحي الذي يلقيه قدس الأرشمندريت أنطونيوس الصوري بعنوان "الإعتراف" وذلك مساء السبت الواقع فيه 6 آذار 2010 بعد صلاة الغروب التي تبدأ الساعة الخامسة، في قاعة كنيسة القديسين سرجيوس وباخوس.
الأحد 21 شباط 2010 - العدد 8
الأحد الأول
من الصوم (أحد الأرثوذكسيّة(
اللحن الرابع - الإيوثينا الرابعة
*21: البار تيموثاوس، أفستاثيوس
الأنطاكي. * 22: وجود عظام الشهداء في أماكن أفجانيوس. * 23: بوليكربس
أسقف أزمير، القديسة غورغوني أخت القديس غريغوريوس اللاهوتي.* 24: ظهور
هامة السابق للمرّة الأولى والثانية.* 25: طاراسيوس رئيس أساقفة القسطنطينية.
26: بورفيريوس أسقف غزة، البار ثاوكلتس، فوتيني السامرية، المديح
الثاني * 27: بروكوبيوس البانياسيّ المعترف، ثلالاوس السوريّ.
(الرّعاية بين الرّاعي والرّعيّة )
الرّعاية عمل الرّعيّة بأكملها. ليس هناك
مَن يَرعَى ومَن يُرعَى. الكلّ برسم الرّعاية. كلٌّ يرعى سواه، وغيرُه
يرعاه في حدود مواهب الجميع وطاقتهم على حمل أثقال بعضهم البعض، لأنّ
القول الإلهيّ هو: "إحملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا أتمّوا شريعة المسيح"
(غلاطية 6: 2). لا سلبيّة في رعيّة المسيح. ليس فاعل ومنفعل بل الكلُّ
متفاعل. فقط الأموات في نفوسهم هم خارج الصّورة ويشوِّشون!
أوّلاً الرّاعي، بامتياز، في الرّعيّة، هو الأسقف، صورة المسيح، والكاهن منتدب منه. الأسقف هو المرجع والكاهن كلمته. على هذا يُفترَض بالكاهن أن يكون رجل الله والقدوة والسّالك في القداسة ومعلّم القداسة. لا هو موظّف ولا هو أجير بل خادم خراف المسيح الموكلة إليه للخلاص. خارج هذا السّياق يكون الكاهن دخيلاً على خدمة كنيسة المسيح. وعلى هذا الأساس يُدان ويُقطَع.
ثلاث مهامّ
يؤدّيها الكاهن: هو معلِّم المؤمنين ومقدّسهم وراعيهم في إطار وصيّة المحبّة
والتماس خلاص النّفوس. يعلّمهم ممّا تعلّم لجهة حياة الفضيلة الّتي
يُفترَض أن يتعاطاها في كلّ حين. ويعلّمهم ممّا في الكتب المقدّسة. لا
ضرورة لأن يكون حائزًا شهادة عليا في اللاّهوت. المهمّ أن يقرأ ويتعب على
نفسه ليطعم الرّعيّة من تعبه.
الجهل عند الكاهن والرّعيّة، سواء بسواء،
خطيّة. وإلى التّعليم، هو إمام الصّلاة ومقدّس كلّ حاجة من حاجات المؤمنين.
فقط الخطيئة لا تُقدَّس. كلّ ما عدا ذلك يُتعاطى بكلمة الله والصّلاة. لذا
لا يجوز ولا يليق إلاّ أن يعبق جوّ الرّعيّة بالصّلوات التقديسيّة
وأن تكون الكنيسة زاخرة بالخِدم الإلهيّة تؤدَّى، لا يوم الأحد وحسب،
بل كلّ يوم من أيّام الأسبوع. لا همّ إن لم يأت المؤمنون إلى الكنيسة بادئ
الأمر.
في الحال الّتي نحن فيها، الصّلوات تأتي
بالمؤمنين إلى
الكنيسة لا المؤمنون بالصّلاة. وإلى التّعليم
والتّقديس عندنا الافتقاد الشّخصيّ لكلّ أبناء الرّعيّة واحدًا
واحدًا.
الرّاعي الصّالح يعرف خرافه
وحاجاتها وآلامها وأفراحها ويسهر عليها ويخرج باحثًا عن الضّال منها،
ولا يرتاح، بالصّلاة والتّعب، إلاّ باستعادتها.
ثانيًا الرّعيّة
تَرعى راعيَها، لا بمعنى أن تهتمّ بحـاجـاتـه المعيشيّة وحسب، هـذا
تحصيل حاصـل، ولكن بمعنى أن تتعهّده بالصّوم والصّلاة والمحبّة. هو عرضة،
دائمًا، لاحتيالات الشّيطان الّذي يسعى إلى ضرب الرّاعي، بطريقة أو بأخرى،
ليبدّد، إثر ذلك، خراف الرّعيّة. لذلك هو بحاجة إلى تحصين الرّعيّة له.
وأكثر ما يسعى الشّرّير إليه هو ضرب الكاهن من
خلال الطّابور
الخامس الّذي يروّج، بشكل عشوائيّ، إشاعات
مغرضة في حقّ الكاهن. هذا شائع جدًا في أوساطنا. علينا أن نتنبّه له
ونحذر منه ونعمل على التّصدّي له.
الرّعيّة الطّيِّبة، الّتي ترعى راعيها، لا
تتحدّث بكلام السّوء على الرّاعي وعلى الكهنة عمومًا ولا تسمح
بذلك. صحيح، الكاهن معرَّض للشّطط.
لذا نأتي إليه بلطف ومحبّة وروح البنوّة
والاتّضاع ونلفته دون أن نسمح بالتّداول، فيما بيننا، بما بدر عنه من
إساءة.
الرّعيّة الّتي لا توقف
السَّجَس فيها تعرّض المؤمنين للعثرة والضّلال. أمّا الكاهن، إن تمادى في
غيّه، ولم يرتدّ، فإنّ الرّعيّة تعود إلى راعيها الأوّل، الأسقف، ليصلح كلّ
نشاذ.
على هذا، إذا اهتمّ الرّاعي بإصلاح نفسه
والرّعيّة،
والرّعيّة بإصلاح نفسها والرّاعي، تزدهر
النّعمة في النّفوس وتنتعش القلوب وتنمو القامات الرّوحيّة إلى ملء قامة
المسيح.
طروبارية القيامة
باللحن الرابع
إن تلميذات الربِّ تعلَّمنَ من الملاك الكرز
بالقيامة البهج، وطرحنَ القضاءَ الجدّيَّ، وخاطبنَ الرسل
مفتخراتٍ وقائلاتٍ: سُبي الموت وقام المسيح الإله، ومنح العالم الرحمة
العظمى.
طروبارية أحد
الأرثوذكسيّة باللحن الثاني
لصورتِكَ الطاهرة نسجدُ أيّها الصالح، طالبينَ
غُفرانَ
الخطايا أيُّها المسيحُ إلهنا. لأنّكَ سُررتَ
أن ترتفعَ بالجسدِ على الصَّليبِ طَوعًا لتُنجَّيَ الذينَ
خَلَقْتَ مِنْ عُبوديَّةِ العَدُوِّ.
فلذلكِ نهتِفُ إليكَ بشُكر: لقد ملأتَ الكُلَّ
فَرَحًا يا مُخلِّصَنا، إذ أتيتَ لِتُخَلِّصَ العالم.
القنداق باللحن الثامن
إني أنا عبدُكِ يا والدةَ الإله، أكتبُ لكِ راياتِ
الغَلَبة يا جُنديَّة محامية، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكرَ كمُنقِذةٍ مِنَ
الشَّدائد. لكنْ، بما أنَّ لكِ العِزَّةَ التي لا تُحارَب، أعتقيني من صُنوفِ
الشَّدِائد، حتى أصرُخَ إليكِ: إفرحي يا عروساً لا عروسَ لها.
الرسالة:
عبرانيين 11: 24-26، 32-40
مبارَكٌ أنتَ يا رَبُّ إلهَ آبائنا
لأنَكَ عَدْلٌ في كلِ ما صنعتَ بِنا
يا إخوة، بالإيمان موسى لمّا
كَبِرَ أبى أن يُدعى ابنّا لإبنةِ فرِعَون، مختاراً الشَّقاءَ مع
شعبِ اللهِ على التَّمَتع الوقتي بالخطيئة، ومعتبراً عارَ المسيح غنىً أعظمَ
من كنوزِ مِصر، لأنّه نظر إلى الثَّواب. وماذا أقولُ أيضاً؟ إنه يَضيقُ
بِيَ الوقتُ إنْ أخبرتُ عن جِدعَونَ وباراقَ وشَمشونَ ويَفتاحَ وداودَ
وصموئيلَ والأنبياء، الذين بالإيمانِ قَهَروا الممالكَ وعمِلوا البِرَّ
ونالوا المواعدَ، وسَدُّوا أفواهَ الأسود، وأطفأوا حِدَّة النارِ، ونجَوا
من حَدِّ السَّيف، وتقوَّوا من ضُعفٍ، وصاروا أشِداّءَ في الحربِ، وكسروا
معسكَراتِ الأجانب. وأخَذَتْ نِساءٌ أمواتَهُنَّ بالقيامة. وعُذِّبَ آخرون
بتوتير الأعضاء والضَّرب. ولم يقبلوا بالنجاة ليحصلوا على قيامةٍ أفضل.
وآخرون ذاقوا الهُزْءَ والجَلْدَ والقيِوِدَ أيضّاً والسِّجن. ورُجِموا ونُشِروا وامتُحِنوا، وماتوا
بِحَدِّ السَّيف. وساحوا في جُلودِ غَنَمٍ ومَعزٍ، وهم مُعْوَزونَ
مُضايَقونَ مَجهودون (ولم يَكُنِ العالم مستحقاً لهم).
وكانوا تائهين في البراري والجبالِ والمغاور وكهوف الأرض. فهؤلاءِ كُلُّهم مشهوداً لهم بالإيمانِ
لم ينالوا الموعد، لأنّ الله سبقَ فنظر لنا شيئاً أفضل، أن لا يَكمُلوا
بدونِنا.
الإنجيل:
يوحنا 1: 44-52
في ذلك الزمان، أراد يسوعُ
الخروجَ إلى الجليل، فوجد فيلبُّسَ فقال له: "اتبَعْني". وكان فيلِبُّسُ
من بيتَ صيدا من مدينةِ أندراوسَ وبطرس. فوجد فيلِبُّسُ نثنائيلَ فقال
له: "إن الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياءِ قد وجدناه، وهو يسوعُ
بنُ يوسُفَ الذي من الناصرة". فقال له نثنائيلُ: أَمِنَ الناصرةِ يمكنُ
أن يكونَ شيءٌ صالح! فقال له فيلِبُّسُ: "تعالَ وأنظر". فرأى يسوعُ نَثَنائيلَ
مُقبلاً إليه، فقال عنه: "هُوَذا إسرائيليٌّ حقًّا لا غِشَّ فيه"
فقال له نثنائيلُ: "مِنْ أين تعرفُني؟ أجاب يسوع وقال له: "قبلَ أن يدعوَكَ
فيلِبُّسُ وأنتَ تحت التينةِ رأيتُك". أجاب نثنائيل وقال له: "يا معلِّمُ،
أنتَ ابنُ اللهِ، أنتَ مَلِكُ إسرائيل". أجاب يسوعُ وقال له: "لأني
قلتُ لكَ إنّي رأيتُكَ تحت التينةِ آمنت. إنّك ستُعاينُ أعظمَ من هذا".
وقال له: "الحقَّ الحقَّ أقول لكم، إنّكم من الآنَ تَرَونَ السَّماءَ مفتوحة،
وملائكةَ اللهِ يصعدون وينـزلون على ابنِ البشر.
في الإنجيل
"قَبْلَ أَنْ يَدْعوَكَ
فيليبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّيْنَةِ رَأَيْتُكَ".
في هذا الأحد المبارك الذي هو اوّل آحاد
الصوم الكبير الأربعيني المقدّس، والذي يُعرف بأحد الأرثوذكسية (استقامة
الرأي)، أو أحد إكرام الأيقونات المقدّسة، نسمع من إنجيل يوحنا هذا
المقطع الذي يُدخلنا في صميم لاهوت هذا الأحد.
فالحوار الذي دار بين الربِّ يسوع ونثنائيل، من
بَداءَته إلى
نهايته، يعبّر عن البُعدَين الموضوعَين لهذا
الأحد.
البُعد الأوّل الذي يتناول
هذا اليوم كأوّل أحد في الصوم الأربعيني، هذا الصوم المنقّي لنفوسنا
وأجسادنا، وقد عُبِّر عنه في بداية الحوار إثرَ استغراب نثنائيل معرفة
يسوع به، فسأله: "من أين تعرفني؟"، وكان جواب الرب له: "قَبْلَ
أَنْ يَدْعوَكَ
فيليبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّيْنَةِ رَأَيْتُكَ". وهذا الجواب الذي
يوضح أنّ الرب عالِمٌ بكلّ شيء كان يكفي نثنائيلَ لكي يتحوّل من إنسانٍ
يشكّ بأن يخرج من الناصرة شيء صالح، إلى إنسان مؤمن وقد عبّر عن إيمانه
باعترافه مباشرةً بأنّ يسوع "هو ابن الله...".
البعد الثاني الذي يتناول
هذا اليوم كأحد إكرام الأيقونات المقدّسة، وقد عُبّر عنه في نهاية الحوار.
فإنّه إثر اعتراف نثنائيل بألوهة يسوع، وقول يسوع له: "لأنّي قلت
لك إنّي رأيتُكَ تحتَ التينةِ آمنت، إنّكَ ستعاين أعظم من هذا"، ختم يسوع
كلامه: "الحقّ أقول لكم، إنّكم من الآنَ تَرَونَ السماء مفتوحة، وملائكةَ
الله يصعدون وينزلون على ابن البشر". وبهذا أُعطي نثنائيل النعمة بأنّ
سبب إيمانه (قول يسوع له أنّه رآه تحت التينة) هو أمر صغير أمام الأمور
العظيمة التي سيعاينها بسب هذا الإيمان. فيسوع قد أعطاه، ومن خلاله جميع
المؤمنين به، (أقول لكم)، أن يدخلوا في شركة القدّيسين أصحاب الأيقونات
المكرّمة الذين يتمتّعون بمعاينة مجد الله الذي تحفّ به الملائكة ممجِّدين
إيّاه على الدوام.
ولأنّ الربّ يسوع قد هَدَفَ من جذب نثنائيل
إلى الإيمان بألوهَتِهِ حتى يعاين مجده، وقد علّمنا بوضوح أنّ أنقياء
القلوب هم الذين يعاينون الله "طوبى لأنقياء القلوب فإنّهم لله يعاينون"،
فَلْنُبادِرْ إذًا إلى تنقية قلوبنا بكشفها أمام الربّ الذي يعرف مسبقًا
"ما في القلوب والكلى"، من خلال عيش السرّ الذي غالبًا ما نهمله، أي
سرّ الاعتراف الذي مُنح لنا في الكنيسة أفضلَ وسيلة لتنقية قلوبنا ونفوسنا
وخصوصًا في موسم الصوم. إنّ ربّنا يرانا حيثما نكون، ويعلم كلّ ما نفعله،
هو ليس بحاجة لأن نأتي إليه ونخبره ما نفعل، بل نحن هم الذين بحاجة ماسّة
لكي نأتي إليه ونخبره بمكنونات قلوبنا لأنّنا نسعى إلى خلاص نفوسنا، واثقين
بأنّه قد وعدنا بأن "إذا كانت خطاياكم كالقرمز فأنا أبيّضها كالثلج".
وهذا هو أسمى هدف من أهداف هذا الصوم المبارك، لذلك تذكّرنا به الكنيسة
في بَداءَته، فلنبادر إلى كشف نفوسنا ونوايانا في حوار صادق مع ربّنا،
عسى أنّنا بذلك نتطهّر، ويُنعم علينا ربّنا بأن نكون شركاء الذين "يَرَونَ
السّماءَ مَفْتُوحَةً وَمَلائِكَةُ اللهِ يَصْعَدونَ ويَنْزِلُونَ عَلَى
ابْنِ البَشَر". آمين.
كلّنا فرِّيسيّون!
إنّ معظمَنا اليوم، إن لم نكن
جميعنا، نشبه الفرّيسيّ الذي تحدّث عنه الإنجيل في الأحد الأوّل من
زمن التريودي، لكوننا ننتهج منهجه. فكلّنا مائتون في الخطايا، وليس أننا
لا ندرك ذلك وحسْب وإنّما نشعر بالمقابل بأننا ممتلئون بمواهب الروح القدس
ومتزيّنون بثروة الفضائل. وما يدعو للأسف هو أنّ هذا الاكتفاء الذي يصيبنا
يدمّر عمل الربّ الخلاصي. إذ كيف يمكن للمسيح أن يكلّم إنساناً يبرّر
ذاته؟ أو كيف يمكن لنعمة التوبة والحزن العظيمة أن تتجلّى في قلب لا يشعر
بخرابه؟
الفرّيسيّة إذاً هي الجهل الكليّ لأنفسنا، أي
الشعور
بالصحّة والعافية بسبب أفعال التقوى، فيما نحن
غارقون في سمّ الأمراض والأهواء التي نَفَذَت إلى نفوسنا منذ
السقوط وتأصّلت فيها. وهذه الفرّيسيّة هي التي تجعلنا غير قابلين
للنُصح أو لأيّ إصلاح روحي.
لكي يستطيع المرء أن يُشفى يجب أن يكون
واعيًا لمرضه، لأنّ الجهل بالمرض يجعل الشفاء عديماً، كما أنّ الجراح التي
تُعرَف تُشفى. لهذا كانت، بحسب تعليم الآباء القديسين، معرفة الذات التي تنبع
من التواضع إحدى الخطوات الأولى نحو الشفاء، أي نحو الخلاص، كما أن محبة
الذات التي تتأتّى من الكبرياء والعُجب، هي إحدى الخطوات الرئيسية نحو
الهلاك. لهذا، يجب أن يصاحب الشعور بالمرض "إدانة للذات" أو
تذليل لها، وهذا حِمْلٌ روحي إذا ما وُضِع على النفس "يسحق
ويضغط ويعصر نبيذ الخلاص الذي يُبهج قلب الإنسان، الذي هو إنساننا
الداخلي. وهذا النبيذ هو تأنيبُ الضمير".
كل إنسان مريض وبحاجة إلى
مستشفى وبالتالي إلى علاج ومعالِج. وكما أنّ في المستشفيات عيادات خاصة
بالأمراض، كذلك لدى الكنيسة، التي هي مستشفى ومصحّ روحيّ، عياداتها
الخاصّة بها. فعمل الكنيسة، أولاً وأخيراً، هو عمل علاجيّ. فكلّ الصلوات
والأسرار والأصوام والطقوس والقوانين التي في الكنيسة تهدف إلى شفاء
أمراض الناس وبخاصة أمراض النفس، أي الأهواء التي تصرعهم وتأسرهم وتشتتهم
عقلاً وقلباً.
يبقى أنّ الإحساس بالمرض ليس كافياً بذاته للوصول
إلى الشفاء، بل ينبغي اللجوء إلى المعالِج، وهو الكاهن أو الأبُ الروحي
الذي يقود الناس بواسطة الاعتراف من عبوديّة الجسد إلى حريّة الروح، ومن
المرض الروحي إلى الصحّة الروحيّة. وهذا الأبُ الروحي لا بُدّ ان يُشفى
هو أوّلاً من أمراضه الخاصّة، أو على الأقلّ أن يكون مجاهداً، لكي يُشفى
ثمّ يشفي هو أيضاً أولادَه الروحيين. وبهذا تكون الرعاية فاعلة ومتفاعلة.
فالأرثوذكسي الحقّ، أكان إكليريكيّاً أم علمانيّاً، يعطي أهمية كبرى
للحفاظ على إيمان كنيسته وعقيدته، لأنه عندما يشوَّه الإيمان يُقصي إمكانية
الشفاء معه. فالأرثوذكسية إن عيشَت بالطريقة الصحيحة وفي الروح القدس
توجِد شركة بين الله والناس، بين السماء والأرض، وبين الحيّ والميت. وفي
هذه الشركة تكون كلّ المشاكل التي تواجهنا محلولَة بحقّ، لكون دخول الإنسان
في شركة
محبةٍ مع الله ومع الآخرين هو الشفاء بذاته.
أخبـــارنــــا
سلسلة أحاديث روحية في
الرعايا
- يسرّ رعية كفرعقا أن تدعوكم إلى حديث روحي
يلقيه سيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) راعي الأبرشية وذلك مساء الثلاثاء
الواقع فيه 23 شباط 2010 بعد صلاة النوم الكبرى التي تبدأ الساعة
الخامسة في كنيسة القديس جاورجيوس.
-يسرّ رعية فيع أن تدعوكم إلى حديث روحي يلقيه قدس الأب إبراهيم سعد بعنوان "نظرة الأنبياء للصوم في العهد القديم" وذلك مساء الإثنين الواقع فيه 22 شباط 2010 بعد صلاة النوم التي تبدأ الساعة السادسة في كنيسة القديس سمعان العموديّ.
-يسرّ حركة الشبيبة الأرثوذكسية- فرع شكّا دعوتكم إلى الحديث الروحي الذي سيلقيه قدس الأرشمندريت أنطونيوس الصوري بعنوان "الصوم بحسب الكتاب المقدس" وذلك مساء الخميس الواقع فيه 25 شباط 2010 بعد صلاة النوم الكبرى التي تبدأ الساعة الخامسة في كنيسة تجلّي الرب.
-يسرّ رعية ددّه
دعوتكم الى الحديث الروحي الذي يلقيه قدس الأرشمندريت يوحنا بطش بعنوان
"الكتاب المقدس والتسليم الكنسي" وذلك مساء الخميس الواقع فيه 25 شباط
2010 بعد صلاة النوم الكبرى التي تبدأ الساعة الخامسة والنصف في كنيسة مار
الياس.
-يسرّ رعية بشمزين دعوتكم الى الحديث الذي
سيلقيه قدس
الأرشمندريت أنطونيوس الصوري بعنوان "بعض
من كتاب السلم إلى الله" وذلك مساء الجمعة الواقع فيه 26 شباط 2010
بعد صلاة المديح التي تبدأ الساعة الخامسة والنصف في كنيسة مار جرجس.
-يسرّ رعيّة بصرما أن تدعوكم إلى
حديث بعنوان: "حقيقة القيامة في وجه المشكّكين" مع عرض سلايدس يلقيه الأب
بسام ناصيف، أستاذ مادة الرعائيات في معهد اللاّهوت في البلمند، وذلك نهار
الخميس الواقع فيه 25 شباط بعد صلاة النوم الكبرى التي تبدأ الساعة الخامسة
والنصف، في كنيسة القدّيس جاورجيوس.
- يسرّ حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة
فرع كوسبا دعوتكم إلى حديث يلقيه قدس الأرشمندريت بندلايمون فرح بعنوان:
"الشباب والكنيسة" وذلك يوم الخميس الواقع فيه 25/2/2010 بعد صلاة
النوم الكبرى التي تبدأ الساعة الخامسة والنصف في كنيسة القديسين سرجيوس
وباخوس.
الكرمة
الأحد 14 شباط 2010 - العدد 7
أحد مرفع الجبن
اللحن الثالث - الإيوثينا الثالثة
الصوم وارد في سائر الديانات القديمة. أراده أنبياء العهد
القديم مقروناً بعمل الإحسان.
أما نحن المسيحيين فنصوم بعد ارتفاع
السيّد عنّا تشّوّقاً منّا، وترقباً لمجيئه الثاني.
لقد صام الربّ
أربعين يومًا، وقاوم بجهاد الإمساك إبليس، معلّماً أن "ليس بالخبز وحده
يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى 4: 4).
وبهذا
نقاوم، نحن، شهوة الطعام، ومنها كلّ رغبة جسديّة أو غير جسديّة، كون الجسد
والنفس مترابطين.
هذا المجهود الصيامي، أيّها الأحبّاء، يساعدنا
لنتحدّى الشراهة والجشع بل كل أسباب الحضارة الإستهلاكية الحديثة التي تميل
إلى التطرّف.
فترة الصوم فترة تنقية للجسد والنفس، غسلٌ خارجي
وداخلي. هو زمن للتوبة بامتياز. والتوبة الحقيقية لا تكون بدون ألم وجهاد،
حسب القدّيس يوحنا الدمشقي (في كتابه "في الإيمان الأرثوذكسي"). وبحسب
القدّيس إسحق السرياني "الذّي يعترف بخطاياه هو كمن ينتقل من الموت إلى
الحياة".
الإنسان واحدٌ في كيانه أي في جسده وفي نفسه. وما الصوم
مجرَّد حميّة صحيّة (ريجيم)، لكنّه تدريب للنفس أيضًا، عن طريق الصلاة
والإحسان، وتهيئة لها للقاء الربّ يوم الفصح.
صدق القدّيس باسيليوس
الكبير في قوله: "الصوم هو كالنسر لا يستطيع أن يحلّق عالياً من دون جناحي
الصلاة وعمل الإحسان".
فإن الصوم مع الصلاة وعمل الخير واجب في الكنيسة لمن يريد أن
يلتزم في حياة الشركة المسيحية (راجع القانون 56 من المجمع البنثكتي الخامس
– السادس).
نعم الصائم هو ناقض للشيطان، بل هو بالحري عاشقٌ
للمسيح.
الربّ قريب. "تعال أيها الربّ يسوع، تعالَ" (رؤيا 22: 20).
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة
وتوابعهما
(طروبارية القيامة
باللحن الثالث)
لتفرح السماويّات، ولتبتهج الأرضيات، لأنّ الربَّ صنعَ عِزَّا
بساعدِه، ووطِئَ الموتَ بالموتِ، وصارَ بكرَ الأموات، وأنقذنا من جوفِ
الجحيم، ومنح العالم الرحمةَ العُظمى.
(قنداق أحد مرفع الجبن باللحن السادس)
أيُّها الهادي إلى
الحكمةِ والرازقُ الفَهْمَ والفِطنة، والمؤَدِّبُ الجهّال والعاضِدُ
المساكين، شدَّدْ قلبي وامنحْني فَهْمًا أيّها السيَّد، وأعطِني كلمة يا
كلمة الآب، فها إني لا أمنعُ شَفتيَّ من الهُتافِ إليك: يا رحيمُ ارحَمْني
أنا الواقِع.
الرسالة
رومية 13: 11-14، 14:
1-4
رتّلوا لإلِهِنا
رتِّلوا
يا جميعَ الأُممِ
صَفِقّوا بالأيادي
يا إخوة، إنّ خَلاصَنا الآنَ أقربُ مِمّا كان حينَ آمَنا. قد
تَناهى الليلُ واقتربَ النهار. فَلْنَدَعْ عَنّا أعمالَ الظُّلمةِ
ونَلْبَسْ أسلِحَةً النور. لِنَسْلُكَنَّ سُلوكاً لائقاً كما في النهار، لا
بالقصُوفِ والسُّكْرٍ، ولا بالمضاجع والعَهَرِ، ولا بالخِصامِ والحَسَدِ.
بَل البَسُوا الرَّب يسوعَ المسيحَ، ولا تهتمّوا لأجسادِكُم لِقَضاءِ
شَهَواتِها. مَنْ كان ضعيفاً في الإيمان فاتَّخِذوهُ بغير مباحَثةٍ في
الآراء. مِنَ الناس مَن يعتقْدُ أنَّ لهُ أن يأكلَ كلَّ شيءٍ، أمّا
الضَّعيفُ فيأكُلُ بُقولاً. فلا يَزْدَرِ الذي يأكل من لا يأكل، ولا يَدِن
الذي لا يأكل من يأكل، فإن الله قدِ اتخّذّهُ. مَنْ أنت يا من تَدينُ عبداً
أجنبياً. إنّه لمَولاهُ يَثبتُ أو يَسقُط. لكنَّه سيُثبَّتُ، لأنّ الله
قادِرٌ على أن يُثبَّتهُ.
الإنجيل
متى
6: 14-21
قال
الربُّ: إنْ غَفَرْتُم للناسِ زَلاّتِهمْ يَغْفرُ لكم أبوكُمُ السَّماويُّ
أيضاً. وإنْ لم تَغْفِروا للناسِ زلاتِهم فأبوكُمْ لا يغفرُ لكم
زلاتِكُمْ. ومتى صُمتُمْ فلا تكونوا معبِّسين كالمُرائين، فإنّهم يُنكِّرون
وُجوهَهْم ليَظهَروا للناسِ صائمين. ألحقَّ أقولُ لكم إنهم قد أخذوا
أجْرَهم. أمّا أنتَ فإذا صُمتَ فادهَنْ رَأسَكَ واغْسِلْ وَجْهَكَ لئلاّ
تَظْهرَ للناس صائماً، بل لأبيكَ الذي في الخِفيةَ، وأبوكَ الذي يرى في
الخِفيةِ يُجازيكَ عَلانية. لا تَكنِزوا لكم كنوزاً على الأرض، حيث يُفسِدُ
السُّوسُ والآكِلةُ ويَنقُبُ السّارقون ويَسرِقون، لكنْ اكنِزوا لَكمْ
كُنوزاً في السّماء حيث لا يُفسِد سوسٌ ولا آكِلَةٌ ولا يَنْقُب السّارقون
ولا يسرِقون. لأنه حيث تكونُ كنوزُكم هناكَ تكونُ قلوبُكم.
(شرح الإنجيل)
ها قد وصلنا إلى
الأحد الرابع من فترة التهيئة للصوم الكبير. اليوم هو أحد مرفع الجبن،
ومعنى هذا أننا نرفع البياض من موائدنا بعد أن رفعنا الأحد الماضي اللحم من
موائدنا. وهكذا نلاحظ أن هناك تدرُّجاً تهيئنا به الكنيسة لكي نستقبل
الصيام غداً بإذنه تعالى ونعيشه كما ينبغي. لكن قضية الصيام ليست مجرد
امتناع عن اللحم أو عن البياض في الأكل. قضية الصيام هي أبعد من ذلك بكثير.
من أجل هذا يقول القديس بولس في رسالة الأحد الماضي "يا إخوة إن الطعام لا
يقربنا من الله، لأَنَّا إن أكلنا لن نزيد وإن لم نأكل لا ننقص". وهنا
يشير إلى أن الطعام لا يقربنا إلى الله بحدّ ذاته، فليس صيامنا هو مجرد
امتناع عن الطعام أو تغيير في نوعه.
إمساكنا عن الطعام هو وسيلة
مساعدة مع وسائل أخرى كثيرة مثل الصلاة والتوبة وحفظ وصايا الله وعلى رأسها
المحبة كي تساعدنا على أن نمسك عن الخطايا ونتنقى من الأهواء التي
تستعبدنا. لأجل هذا سمعنا في رسالة اليوم الرسول بولس يحذرنا من السكر
والعهر والخصام والحسد، أي من التصرفات الردئية التي يعيشها الإنسان البعيد
عن معرفة مشيئة الله.
الصوم هو إذاً توبة بالدرجة الأولى، هو موسم
جهاد روحي نعيشه نحن بمعونة الله بصلوات وسهر وسجدات وصمت ودموع وتأمل
وقراءة روحية. يعني أننا نحاول أن نتوب عن خطايانا من جهة، ولكن أن نقتني
الفضائل التي شددت عليها أناجيل ورسائل الآحاد الماضية من جهة أخرى منها:
الإتضاع، الطهارة، المحبة، الخدمة والإحسان. هذه الفضائل كلها تتكامل
لتساعدنا في مسيرة حياتنا الروحية، لأجل هذا نستطيع أن نقول "قد تناهى
الليل واقترب النهار". بمعنى أننا نصبح قريبين أكثر من الله عندما نكون معه
عاملين وصاياه ومجاهدين لكي نعمل مشيئته فيضيء علينا نهار ملكوته في هذا
الصوم المبارك.
يقول لنا الرب: أنتم تريدون أن تُغفر لكم خطاياكم،
لكي تكونوا معي وتحصلوا على ملكوت السماوات الذي وعدتكم به. أنا مستعد أن
أغفر لكم خطاياكم ولكن هناك شرط مهم وهو أن تغفروا أنتم للناس زلاتهم كما
سمعنا في مطلع انجيل اليوم "ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي
أيضًا، وان لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضًا لا يغفر لكم زلاتكم". هذا
الشرط الواضح هو ما نعاهد الله عليه ونكرره في صلاة "أبانا الذي..." التي
نصليها كل يوم. ماذا نقول؟ "واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا
عليه". فلنتذكر إذاً هذا الشرط المهم الذي بدونه لا توجد حياة أبدية بل موت
أبدي. لأنه ان بقي في قلبنا حقد أو ضغينة على أخينا فلم نغفر له ولم نقبل
أن نتصالح معه، لا تفيدنا لا صلاتنا ولا صومنا بشيء. لأجل هذا سمي هذا
الأحد أحد الغفران، إذ فيه في صلاة الغروب التي تتم مساء يستغفر الأخوة
بعضهم من بعض. الكل يستغفرون لأنهم يريدون أن يعيشوا في ما بينهم بسلام
ويبدأوا صوماً نقياً يحصلون فيه على غفران الله ومحبته وسلامه. هكذا نعيش
صيامنا ليس بحزن وانما بحزن مؤدٍّ إلى الفرح بنعمة ربنا يسوع المسيح. له
المجد إلى الأبد. آمين.
(الـمسؤولية في الكنيسة)
نُخطئ، أحياناً، في فهمنا للمسؤولية في
الكنيسة وأهدافها. وكثيراً ما تعود أسباب هذا الخطأ إلى تعاطينا معها
بمنظار العالم وارتكازنا الى مقاييس دنيوية في تقييمنا للنجاح والفشل فيها.
هذا في حين أنه لا يستقيم رأيٌ في الكنيسة أو ممارسةٌ، بمعزل عن النظر الى
شؤونها بعينيّ الربّ، والاخلاص لرسالتها وغاية وجودها في العالم.
الكنيسة
هي جماعة خاصةّ الربّ، هو يرعاها (يوحنا 10: 14 - 15)، وجسد المسيح
المبنيّ على تعاليم الرسل وأساس واحد هو يسوع المسيح (أفسس 2: 20-21). وهي،
كما يقول القديس غوريغوريوس بالاماس، شركة التألّه، لأن غاية وجودها أن
تقود الانسان الى التألّه. إذاً الكنيسة هي واحةٌ للحضور الالهي في الأرض،
غايتها أن تمدّ هذا الحضور في العالم وترتفع به من دنيويته الى الألوهة.
ولهذا تحفظ تميّزها عن العالم لكونها ليست منه وإنّما تنحدر من الله لتكون
ملحاً
إلهيّاً فيه وخميراً.
انطلاقاً من هذا المفهوم، يولد كلّ
مسيحيّ، في إيمانه، من الله ليخصّه ويختصّ به ويكون رسول كلمته في العالم.
فلا يُعجن بعجين الدنيا ويحمل الفكر الدُنيوي في عالمه، بل يثبت في كونه
خميراً حاملاً، أينما حلّ، فكر مسيحه ونوره. فينظر، بهذا الفكر ومن خلاله،
الى كلّ وجوه كنيسته والحياة ويتعامل معها مستنداً الى الرؤية الايمانية
التي يتحلّى بها. بهذا المنظار، يمسي كلّ مؤمن في الكنيسة مسؤولاً،
ومسؤوليته تُختصَر في تحقيق مشيئته الله وإرادته والاهتمام بما يعنيه
ويُفرحه ويُرضيه.
فإن تناقضت رؤية الكنيسة للأمور مع رؤية مُعظم
الناس لها، واختلفت الصفات التي ترتجيها في كلّ مسؤول كنسيّ عن تلك التي
يرتجيها العالم، فهذا ليس مدعاة لتخلّي المسؤول الكنسيّ عن الأساس الذي منه
ينطلق بل حافزاً للتشبّث به. فالربّ لا يعنيه غير أن يتحلّى كلّ مسؤول في
حياة كنيسته بالبساطة الانجيلية والوداعة والمحبّة والعطاء ليكون، وسط
الجماعة، مثالاً مُربّياً. وأن يساهم بتحقيق غاية الكنيسة في بناء النفوس
والارتقاء بها الى الخلاص. وأن يسود الفقراء على ضميره واهتماماته لأنّهم
أحبّاء سيّده. وفي غير هذه الحال نحن مدعوّون الى توبة. توبةٌ، الى أن نرفد
خدمتنا، في أيّ لجنة أو هيئة أو مجلس وجدنا، بمزيد من الصلاة، ونخلع عنّا
روح المُزاحمة والانتفاخ، ونصون حياتنا الكنسية مما يُسخّرها لخدمة أمجاد
الناس. فنولي الأولوية لبناء الانسان في محبّة الله، وليس لبناء الحجر،
ونكون أبناءً لملكوت الله في الكنيسة والدُنيـا لا شهوداً للدنيا في
كنيسته. حينها سنفرح ونُسرّ بكلّ ما يمجّد يسوع المسيح، حقيقةً، في كنيسته
والعالم.
( أخبـــارنــــا )
سلسلة أحاديث روحية في
الرعايا
-
يسرّ حركة الشبيبة الأرثوذكسية فرع شكا دعوتكم للمشاركة في الحديث الروحي
الذي يلقيه سيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) راعي الأبرشية وذلك يوم
الخميس الواقع فيه 18 شباط 2010 بعد صلاة النوم الكبرى التي تبدأ الساعة
الخامسة مساءً في كنيسة تجلّي الرب.
- يسرّ رعية فيع أن تدعوكم إلى
حديث روحي يلقيه قدس الأرشمندريت أنطونيوس الصوري بعنوان "شرح صلاة أيها
الرب وسيد حياتي" للقديس أفرام السرياني وذلك مساء الثلاثاء الواقع فيه 16
شباط 2010 بعد صلاة النوم التي تبدأ الساعة السادسة مساءً في كنيسة القديس
سمعان العموديّ.
- يسرّ رعية المنية دعوتكم للمشاركة في الحديث
الروحي الذي يلقيه قدس الأرشمندريت أنطونيوس الصوري بعنوان "كيف نعيش
الصوم" وذلك مساء االخميس الواقع فيه 18 شباط 2010 بعد صلاة النوم الكبرى
التي تبدأ الساعة الخامسة في كنيسة النبي الياس.
- يسرّ رعية بشمزين
دعوتكم لحضور حديث روحي يلقيه قدس الأب أنطونيوس ملكي بعنوان "التباله
للمسيح" وذلك مساء الجمعة الواقع فيه 19 شباط 2010 بعد صلاة المديح التي
تبدأ الساعة الخامسة والنصف في كنيسة القديس جاورجيوس. يتخلل الحديث عرض
سلايديس.
عشاء
للرابطة الأرثوذكسية
برعاية صاحب السيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) الجزيل
الإحترام وحضور صاحب السيادة المطران باسيليوس منصور مطران عكار وحضور دولة
نائب رئيس مجلس النواب الأستاذ فريد مكاري والنواب روبير فاضل- رياض رحال-
نضال طعمة- فريد حبيب، أقام فرع الشمال في الرابطة اللبنانية للروم
الأرثوذكس عشاء في 2/2/2010 في منتجع لاس ساليناس تخلله كلمات لسيادة
المطران كرياكوس ورئيس فرع الرابطة في الشمال فواز نحاس، ومسك الختام كانت
كلمة لدولة الرئيس فريد مكاري ركزت الكلمات على الدور الأرثوذكسي الوطني
وضرورة المحافظة على حقوق أبناء الطائفة في التعيينات المزمع إقرارها في
إدارات الدولة وضرورة وصول صاحب الكفاءة والجدارة للمساهمة في خدمة الوطن.
إسترجاع كنائس في
روسيا
ذكر مصدر رسمي في موسكو أن الحكومة سوف تعيد للكنيسة
الأرثوذكسية عدداً من الممتلكات التي تمّت مصادرتها منذ العام 1917. ويبدو
أنّ القرار قد اتّخذ وهو في الطريق إلى التنفيذ الإداري، ويشمل عدداً مهماً
من الكنائس في مناطق مختلفة.
الكرمة
الأحد 7 شباط 2010 - العدد 6
أحد مرفع اللحم
اللحن الثاني - الإيوثينا الثانية
يقول الرسول بولس: "عظيم هو
سرّ التقوى، أَلله ظهر في الجسد". (1 تيمو 3: 16)
سرّ التقوى هو
سرّ التواضع الأسمى، هو سرّ كمال الله المكشوف لنا في تجسّد محبته لخليقته
عبر إخلاء ابنه ذاتَه لمّا صار على "شبه الناس" (في 2: 7).
التواضع
هو أساس التقوى، والتقوى جلباب المتواضع. لذلك، في ذهن الناس ترتبط التقوى
بمظاهر وأشكال وأعمال يرى فيها الناس تجليَّات لنعمة الله في الإنسان.
التقوى
تُكشَف بالتواضع العامل بالمحبَّة والمُثبَّت بالصبر.
الإنسان
التقيّ هو على صورة المعلم "وديع ومتواضع" (مت 11: 29). من امتلك التواضع
والوداعة كان في المحبّة لا محالة، لأنَّ هذه العطايا الثلاث مترابطة في
وحدة لا تنفصم، وهي تتنزَّل على الإنسان التائب والساعي إلى التنقية.
عالمنا
المضطرب بشتى أنواع التوتُّرات الآتية من استسلام الناس لشهوات الجسد و
حبِّ التملُّك والكبرياء، يحتاج إلى أتقياء حتى يستيقظ من سبات موت الخطيئة
الذي يتخبَّط فيه.
المؤمنون بالمسيح، وعلى رأسهم الأساقفة والكهنة
والشمامسة والرهبان والراهبات، بالإضافة إلى كلّ مؤمن وخادم في الكنيسة، هم
مسؤولون عن كشف سرّ "التقوى" هذا، وخلاص الله الممنوح للعالم بابنه.
الإكليروس
والرهبان والراهبات هم بشكل أساسيّ العثرة والشهود للحقّ في آن. هذا يعتمد
على مدى تجلِّي تقواهم حتى يستنير الضعفاء بنور الله الساكن فيهم.
الصلاة
الفردية الخاصَّة في المخدع، والصلاة الليتورجيَّة في الكنيسة، ورأسها
القداس الإلهي، هي منابع التقوى ومصدرها، لأنه بدون صلاة لا تقوى، وبدون
تقوى في الصلاة لا صلاة.
كلّ انسان مسؤول عن اكتشاف هذا السرّ وكشفه
للعالم في آنٍ، في جهاده الشخصي وفي جهاد الجماعة في الصلاة، لأنّ "التقوى
نافعة لكلّ شيءٍ إذ لها موعد الحياة الحاضِرة والعتيدة". (1 تي 4:
8).
طروبارية القيامة
باللحن الثاني
عندما انحدرتَ إلى الموت، أيُّها الحياةُ الذي لا يموت، حينئذٍ
أمتَّ الجحيمَ ببرقِ لاهوتك وعندما أقمتَ الأموات من تحتِ الثَّرى، صرخَ
نحوكَ جميعُ القوَّاتِ السَّماويِّين: أيُّها المسيحُ الإله معطي الحياةِ،
المجدُ لك.
(قنداق أحد مرفع اللحم باللحن الأول)
إذا أتيتَ يا الله على الأرضِ بمجدٍ، ترتعدُ
منكَ البرايا بأسرها، ونهرُ النارِ يجري أمامَ المِنبر، والكتبُ تفتحُ
والأفكار تشَهَّر. فنجِّني من النار التي لا تطفأ، وأهِّلني للوقوف عن
يمينِك، أيُّها الدَّيَّانُ العادِل.
الرسالة:
1 كورنثوس 8: 8-13، 9:
1-2
قُوَّتي وتَسْبِحَتي
الربُّ، أدباً ادَّبَني الربّ
وإلى
المَوْتِ لَمْ يُسلِّمني
يا إخوة، إنّ الطعامَ لا يقرِّبُنا إلى الله، فإنّنا
إن أكلنا لا نزيدُ، وإن لم نأكل لا ننقُص. ولكنْ أنظروا أن لا يكونَ
سلطانُكم هذا مَعثرةً للضعفاء. لأنّه إن رآك أحدٌ يا من له العِلمُ
مُتَّكِئاً في بيتِ الأوثان، أفلا يتقوّى ضميرُه، وهو ضعيفٌ، على أكلِ
ذبائح الأوثان، فيهلكُ بسببِ علمك الأخُ الضعيفُ الذي مات المسيحُ لأجلِه.
وهكذا، إذ تخطِئون إلى الإخوةِ وتجرحون ضمائرَهم، وهي ضعيفة، إنما تُخطئِون
إلى المسيح. فلذلك، إن كان الطعامُ يُشَكِّكُ أخي فلا آكلُ لحمًا إلى
الأبد لئلا أُشكِّكَ أخي. ألستُ أنا رسولا؟ ألستُ أنا حُرّاً؟ أما رأيتُ
يسوعَ المسيحَ ربَّنا؟ ألستم أنتم عملي في الربّ؟ وإن لم أكن رسولاً إلى
الآخَرين فإنّي رسولٌ إليكم، لأنّ خاتَمَ رسالتي هو أنتم في الربّ.
الإنجيل:
متى 25: 31-46
قال الربُّ: متى
جاءَ ابنُ البشر في مجده وجميعُ الملائكةِ القدّيسين معه، فحينئذٍ يجلس على
عرش مجدِه، وتُجمَعُ إليه كلُّ الأمم، فيميِّزُ بعضَهم من بعضٍ كما
يميِّزُ الراعي الخرافَ من الجِداء. ويقيمُ الخرافَ عن يمينه والجِداءَ عن
يسارِه. حينئذٍ يقول الملكُ للذين عن يمينه: تعالوا يا مبارَكي أبي، رِثوا
المُلكَ المُعَدَّ لكم منذ إنشاء العالم، لأنّي جُعتُ فأطعمتموني، وعطِشتُ
فسقيتموني، وكنتُ غريباً فآوَيتموني، وعريانا فكسَوتموني، ومريضاً
فعُدتموني، ومحبوساً فأتيتم إليّ. يُجيبه الصدّيقون قائلين: يا ربُّ، متى
رأيناك جائعاً فأطعَمناك أو عطشانَ فسقيناك، ومتى رأيناكَ غريباً فآوَيناك
أو عُريانا فكسَوناك، ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك؟ فيُجيبُ
الملكُ ويقولُ لهم: الحقَّ أقولُ لكم، بما أنَّكم فعلتم ذلك بأحدِ إخوتي
هؤلاء الصِّغار فبي فعلتُموه. حينئذٍ يقولُ أيضاً للذين عن يسارِه: إذهبوا
عني يا ملاعينُ إلى النار الأبدَّية المُعدَّةِ لإبليسَ وملائكتِه، لأني
جُعتُ فلم تطعِموني، وعطِشتُ فلم تسقُوني، وكنتُ غريباً فلم تؤووني
وعُرياناً فلم تكسوُني ومريضاً ومحبوساً فلم تزوروني. حينئذٍ يُجيبونَه هم
أيضاً قائلين: يا ربُّ متى رأيناكَ جائعاً أو غريباً أو عُرياناً أو
مَريضاً أو مَحبوساً ولم نخدُمْك؟ حينئذٍ يُجيبُهم قائلاً: الحقَّ أقولُ
لكم، بما أنَّكم لم تفعلوا ذلك بأحدِ هؤلاء الصِّغار فبي لم تفعلوه. فيذهبُ
هؤلاءُ إلى العَذابِ الأبدي، والصِدّيقونَ إلى الحياةِ الأبديّة.
(ثوب الحِداد)
.. و أعني به، هنا، الأسود الذي ترتديه
النّسوة حزناً على فقيد. وبرأيي أنّ المشكلة ليست قائمة في اللباس الأسود
بحدّ ذاته، إذ هو، في النهاية، لباسٌ كغيره من الألبسة. المشكلة قائمة،
برأيي، في الذهنيّة التي تتحكّم بمعظم نسائنا في تعاطيهنّ مع ثوب الحداد،
والبعيدة كلّ البعد عن السّلوك الذي على المسيحيّ أن يسلكه سواءٌ أَحَزِن
أم فَرِح.
والغريب في الأمر هذا التناقض الذي تلمسه عند نسائنا في
مقاربتهنّ هذه المسألة. فلو أخذتَ، مثلاً، عيّنةً منهنّ وسألتهنّ لماذا
يتمسَّكن بالأسود لباساً للحداد، لسمعتَ منهنّ، بالإجماع، جواباً كالتالي:
"اللباس الأسود،ُ بحدّ ذاته، لا قيمة له، ونحن نعرف أنّه لا يردّ إلى
الحياة عزيزاً مات. بل ونعرف يقيناً أنّ إكرام الميت لا يكون باللباس أو ما
شاكله. ولكّننا مضطّرّات لأن نتمسّك به، لأنْ هذا هو مجتمعنا وهذه عاداته،
ولا يَسَعُنا أن نخرج على عاداتٍ تأصّلت فينا حتّى باتت تشكّل مكوّناً
أساسيًّا من مكوّنات شخصيّتنا المجتمعيّة. وإلا فماذا يقول النّاس عنّا؟".
جوابٌ كهذا يعني أنّ هؤلاء النّسوة غير مقتنعات بهذا اللباس، ولربّما كُنّ
جميعاً، في قرارة نفوسهنّ، راغباتٍ في التحرّر منه، لكنّ واحدة منهنّ لا
تجرؤ على كسر هذا الطَّوق خوفًا من حَكْي النّاس.
هنا تكمن، في
رأيي، الإشكاليّة الأساس. وأنا، عندما اخترتُ اللباس الأسود موضوعًا لهذه
الأسطر، لم تكن غايتي أن أتوقّف عنده، بل إنّما اتّخذتُه مناسبة لي للتبسّط
في الإشكاليّة التي نحن بصددها الآن، وهي هذه: هل نحن، في ما نلبس،
واستطراداً، في ما نأكّل وما نشرب وما إلى ذلك من هذه الأمور، نبتغي ما
يُرضي النّاس (مع علمنا سلفاً أن لا شيء من هذا يرضي النّاس)، أم نبتغي ما
ينسجم مع إيماننا المسيحيّ؟ هل، إذا حَزِن أحدنا أو فَرِح، يبتغي ما يَقيه
ألسنة الناس،
أم يبتغي ما يوافق كونه ابنَ الإيمان والرجاء بالحياة
الأبديّة؟
يقول الرسول بولس، في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكية:
"ولا نريد، أيّها الإخوة، أن تجهلوا مصير الأموات لئلاّ تحزنوا كسائر الناس
الذين لا رجاء لهم. فأمّا ونحن نؤمن بأنّ المسيح قد مات ثمّ قام، فكذلك
نؤمن بأنّ الذين ماتوا في المسيح سينقلهم الله اليه معه...(1 تسا4: 13-14).
لم يكتفِ الرسول بالقول: "لئلا تحزنوا"، لكنّه قال: "لئلا تحزنوا كسائر
النّاس الذين لا رجاء لهم"، ما يعني أنّ الرسول لا يُنكر على الإنسان حزنه
البشريّ، وهو يُقرّ بمشروعيّة هذا الحزن باعتباره من تعابير العاطفة
البشريّة. ولا يخفى عنه أنّ السيّد نفسه دمعت عيناه على قبر لعازر. لكنّ
الرسول يريد أن يكون لنا في الحزن تعبيرٌ آخر يختلف عن تعابير سائر الناس،
ويترجم رجاءنا المسيحيّ بالقيامة. هذا يعني أنّنا لا نطلب موتانا في
القبور، ولا نرثي لهم بالبكاء والنَّوح، ولا بهذا اللباس أو ذاك، فهذه
جميعها يطلبها أبناء هذا الدهر. أمّا نحن فنطلب موتانا في راحة القدّيسين
"حيث لا وجعٌ ولا حزنٌ ولا تنهّد، بل حياةٌ لا تفنى"، ونرثي لهم بالصلاة
وبالرحمة نطلبها لهم من ربّ الرحمة. وهكذا نتواصل معهم تواصُل الكنيسة
المجاهدة مع الكنيسة الظّافرة.
أنا أعرف أنّ الموضوع الذي نحن
بصدده، أي موضوع الأسود كلباس للحداد، على قدر كبير من الحميميّة، وأنّك لا
تستطيع، بهذه البساطة، أن تقتحم وجدان الحزين بقناعة يلزمه، حتى يقبلها
ويتبنّاها، وقت ضروريّ لبلسمة الجراح. لكّنني أرى، في الوقت عينه، أنّه آن
الأوان كي نفتح في هذا الجدار ولو كُوّةً بسيطة.
ذلك أنّ المسألة
ليست مسألة شكليّات، أو مسألة زِيٍّ سخيف نلبسه اليوم ونخلعه غدًا. لا، بل
هي أبعد من ذلك. إِنّها مسألة مقاربتنا للحياة والموت. فإمّا هي مقاربة
أُناس آمنوا بيسوع المسيح واتّخذوا من حياته وتعاليمه نهجًا لحياتهم، أو هي
مقاربةُ بشرٍ دهرّيين حدودُ الحياة، عندهم، هي حدود هذا الدهر، والموتُ،
عندهم، فناءٌ كاملٌ بدلاً من أن يكون انتقالاً من حياة عابرةٍ فانية إلى
حياةٍ لا تفنى.
( القديس برثانيوس العجائبي )
أسقف لـمـبساكا
في هذا اليوم الذي هو السابع من هذا الشهر
المبارك، تُعيّد كنيستنا المقدّسة للقديس برثانيوس العجائبي (القرن الرابع)
أسقف لمبساكا.
و"برثانيوس" لفظة يونانية تعني البتول أو العفيف،
وهي مشتقّة من مؤنث كلمة "برثينوس" التي تعني العذراء. لذلك تُطلق هذه
التسمية على العذراء مريم وتصفها بالبتول. "أليوم العذراء (برثينوس) تأتي
إلى المغارة..." (قنداق تقدمة الميلاد).
ولد القديس برثانيوس في كنف
عائلة مسيحية في آسيا الصُغرى (أي تركيا اليوم) في بدايات القرن الرابع،
وقد اقتبل والده درجة الشموسية. أهمية هذا القديس تأتي في كونه برزَ منذُ
حداثته ليكون إناءً مختاراً للنعمة الإلهية. فكان، منذ سن الثامنة عشرة،
يطرد الشياطين من الممسوسين باستدعاء اسم الرب يسوع. هذه كانت موهبة من
الله لِشِدّة تواضعه ومحبته. لذلك، أوصلتهُ فضائله إلى أن يقتبل سُدّة
الأسقفية على لمبساكا التي حوّلها إلى عبادة الإله الحقيقي، بعد أن كانت
غارقة في عبادة الأوثان. فصلّى وصامّ ولقّن الكلمة الإلهية، بكل ثبات
وإصرار، وفق ما تمليه النعمة. فبدأ الشعب المؤمن يلتفّ من حول أسقفه كالنحل
على شهد العسل.
فساعدهم بعجائب باهرة وفائقة الطبيعة، وشفاءاتٍ لا
تُحصى، وخاصة مرضى السرطان، المستشري بكثرة في أيامنا. فبات ضريح برثانيوس
الأسقف، من بعد رقاده، محجّة بركة، إذ ترك لنا ذخيرة جسدِه علامة على فعلِ
النعمة فيهِ من بعد مماتهِ.
ميزة هذا القديس أنه أضحى اليوم في
الأوساط الشعبية طبيب مرضى السرطان. فإنّ بعض الأخبار المتداولة اليوم تشهد
لعجائب كثيرة تحصل على قبرهِ. بعض الناس الذين زاروا لمبساكا، ليس من وقت
طويل، يخبرون عن امرأة مسلمة تحرس ضريح القديس وتضيء له القنديل يوميًا.
فقد اتخذت هذه المهمة بعد أن شاهدت القديس برثانيوس حيّا أمامها ومُوبِّخًا
إياها بقوله: "لا تتركيني أعيش في الظلام". فهي منذ ذلك الحين تضيء له
قنديلاً لا ينطفِىء. وسكان المنطقة الأتراك اليوم يوقرونُه ويستدعونه عند
مرض أحدهم. أما رفاتهُ الشريفة فهي موزّعة على أديار في بلاد اليونان
اليوم، لا سيما دير إسفيغمينو في جبل آثوس، ودير رقاد والدة الإله في جزيرة
إيفيا.
وخدمة القديس التسبيحية تقرِّظ من أضحى "للتواضع أميناً"،
و"للعجائب شائعاً"، و"للفضائل عموداً ناريًّا". وتمدح من صار "شافيًا
للأمراض" وخاصة داء السرطان الرهيب.
هذه سيرة قديس عاش نموذجاً
للأسقف الذي يحمل رعيته على منكبيه إلى حظيرة المسيح. فالأسقف هو على صورة
ذاك الذي يترك الخراف التسعة والتسعين ساعياً وراء الخروف الضّالّ. هو
"مفصل كلمة الله بحق واستقامة" وفق ما تقوله الكلمة الإلهية في الإنجيل.
فلنبتهل
اليوم إلى هذا القديس العظيم، والطبيب العجائبي، طالبين منه أن يُشرق لنا
في هذه الأيام الصعبة نور رجاء، ويمحو عنا قتام الأمراض والأوجاع والأحزان.
آمين.
أخبـــارنــــا
سهرات إنجيلية لراعي
الأبرشية
سيقيم راعي الأبرشية
المتروبوليت أفرام (كرياكوس) السهرة الإنجيلية الرابعة في رعية بشمزين يوم
السبت الواقع فيه 13 شباط بعد صلاة الغروب التي تبدأ الساعة الخامسة مساءً
في كنيسة القديس جاورجيوس.
حديث روحي في رعية فيع
تدعوكم رعية فيع إلى حديث روحي يلقيه قدس
الأب أغابيوس نعوس بعنوان "الدينونة" وذلك يوم الخميس الواقع فيه 11 شباط
2010 الساعة الخامسة مساءً في كنيسة مار سمعان العمودي.
إيريناوس البطريرك 45
لصربيا
انتخب
المجمع الصربي المقدس يوم الجمعة 22 كانون الثاني بطريركاً جديداً للكنيسة
الصربية خلفاً للبطريرك السابق بولس. وقد شارك في الإنتخاب 45 مطراناً
وأسقفاً، ووقعت القرعة على المطران إيريناوس (غفرائيليوفيتش) مطران نيصص
بطريركاً للكنيسة الصربية. وقد تم تنصيب البطريرك الجديد بشكل رسمي في
كنيسة الملاك ميخائيل. والبطريرك من مواليد 1930 في قرية فيدوفا (وسط
صربيا) .
الإرسالية الأرثوذكسية في هايتي
وصل خبر من هايتي مَفادُه أنّ الكاهنين الأبوين
غريغوريوس ويوحنا التابعين لإرسالية الكنيسة الروسية خارج روسيا، هما بخير
مع عائلتيهما، وهم يبيتون في خيم في العراء خوفاً من اهتزازات ارتدادية.
أمّا مبنى الكنيسة الرئيسية، كنيسة ميلاد السيدة، في بورت أو برنس، فقد
تعرّض لضرر جزئي وما زال قائماً مع سقفه، فيما تهدّم مبنى المدرسة الملاصق
للكنيسة. هذا ولا أخبار محددة عن أبناء الرعية. جدير بالذكر أن أغلب
الكنائس الأرثوذكسية في العالم تحرّكت لإرسال
المساعدات إلى هايتي
ومعها جمعيات الإغاثة الأرثوذكسية كالـ "أي أو سي سي" و "أو سي م سي"
وغيرها في أميركا وروسيا وأوروبا.