أكل اللحم
19-2-2012
تستوقفنا الكنيسة اليوم بأحدٍ عنوانه "مرفع اللحم" لتقول لنا: إرفعوا اللحم عن موائدكم. طبعًا هذه دعوةٌ أولى للصوم، ولكنْ، في الحقيقة، أكل اللحم لا ينحصر فقط بما نشتريه من الملحمة أو ما شابه، بل يذهب ليطال معنى أخر قد يصدم كثيرين ولكنّه واقع، ألا وهو أَكْلُ لحم بعضنا بعضًا.
نعم لا تتفاجأوا، ما زلنا، حتى اليوم، آكلين للحم البشري!!
ألا نأكل الأخرين عندما: نفتري عليهم؟ أو نسلبهم حقوقهم؟ أو نحتال عليهم؟ أو نشوّه صيتهم؟ أو نظلمهم؟ أو نستغلّ ضعفهم؟ و... أليس في كلِّ تعدٍ على الأخر أكلٌ للحمه؟
ألا نكون مسترسلين في الخطيئة ومستسلمين للأهواء فنصبح أكثر وحشيّةً من الحيوانات المفترسة؟
دعوتنا اليوم أن نعيد حساباتنا لنعود ملائكة السماء على الأرض كما أرادنا ويريدنا الله أن نكون، عندها إذا رفعنا في الأسبوع القادم البياض عن موائدنا لا نزيله من قلوبنا ونفوسنا
+أثناسيوس
شاطر- شاطر
11-2-2012
كلمتان متشابهتان في الظاهر، ولكن في الواقع، وفي لغَة الضاد، تحملان معنيَين مختلفين. معنيان يحملانِنا، من جهةٍ، إلى وقفةِ تأمُّلٍ وإعادةِ حسابات، ومن جهةٍ أخرى، إلى شجاعةٍ وعدم تراخٍ.
المعنى الأوَّل يذكّرُنا بإنجيل الابن الشَّاطر، ولكنّه لا يتوقَّف هناك لينحصرَ فيه، بل يمتَدُّ إلى كلِّ واحدٍ منّا، فَمن منّا يجرؤ ويقول أنَّه لم "يشطُر" ميراثَ الملكوت ويبدّدْه، يومًا، في ظلمةِ الخطيئة وعبادةِ الأهواء؟ مَن منّا يجرؤ وينفي أنَّه لم يتجاسر، يومًا، ويتواقح مع أبيه السماوي، إذ اعتبرَ نفسه مستحقًا أن يرث ميراث أبيه، وغادرَ منزل النعمة، ليَتوهَ ويغرقَ في وساخةِ النَّزوات؟
وقد تكثر الأسئلة في هذا الاتجاه، لكنَّ الجواب يأتي منَ المعنى الثاني: "الشَّطارة"، أي "شطارة الرجوع إلى البيت الأبويّ، وعدم الاستسلام والوقوع في اليأس".
نعم، لا غربة أبديّة إن شطرنا
ما أراد الله أن نتنعّم به، ولكننا عرفنا، حقًا، كيف نعود لنقوم مع المسيح
+أثناسيوس
وجه الشعوب
8-2-2012
يُناجي سمعان الشيخ الرَّبَّ طرِباً ويقول:" ... لأنَّ عينَيَّ قد أبصرتا خلاصك، الذي أعددَّته قدَّامَ وجهِ جميعِ الشعوب... ". كم هو جميلٌ أن نتوَقَّف هنا عند كلمة "وجه"، إنها العلامة الفارقة التي تتميّز بها المسيحيّة، إذ إنَّ الله لم يرتضِ أن يبقى في السماوات، بل كلَّمَنا "وجهًا لوجهٍ"، ليجعل سماواته فينا.
تصوَّروا كيف كان وجه سمعان الشيخ يشعُّ وهو يشاهدُ الوجهَ الإلهي أمامه! وكيف كان بريقُ عينيه يسطَعُ وهو يحملُ الخالق على ذراعيه!
نعم عندما يقف الوجهُ الإلهي أمام الوجهِ الإنساني، عندها يكون اللقاء الكياني بين الخالق والمخلوق، وهذا معنى عيد "دخول السيِّد إلى الهيكل"، إذ تخاطبُ الكنيسةُ كلَّ امرئٍ وتقول له:"وجهُكَ يا إنسان وجهٌ إلهي، إن كشفتَه للرَّبِّ، وجعلتَ نورَ المسيح يلتقي به، عندها يدخلُ السيِّدُ إلى هيكلك أنت، وتكتَمِلُ الصورةُ فيك لتتحقَّقَ النبوءة، ويكون وجهُكَ و"وجهُ الشعوب" - إن حذَوا حذوَك - كما يريده الرَّب، "وجهاً إلهياً".
+أثناسيوس
عائلتنا محفوظة
22/1/2012
أتاني صديقٌ، بعد طول غياب لأكثر من عشرين سنة في فرنسا، فشاهدتُ على وجههِ غُربَةَ الغَربِ وقساوته. سألته عن عائلته التي كنت أعرفها من خلال الصور والإنترنت، فأخبرني أنَّهم بخير ولكن قليلاً ما يجتمعون، وأكملَ قائلاً: "الحياة هيك".
استوقفتني كثيرًا هذه العبارة، ولكنِّي لم أقوَ أن أبوحَ له بأفكاري وتأثُّري، خوفًا من أن أزيد جرحه جرحًا، فاكتفيتُ بالإصغاء له! ولكنّي لا أخفي على أحد أنني خفتُ كثيرًا، فهوَ الذي عرفتُه رجلاً شرقياً متمسِّكاً بتقاليدِ عائلته، صبورًا، جلودًا، وكان يردِّد دائمًا: "الزواج عائلة تُكنْكِنُ بعضَها على بعض"، أسمعه اليوم يقول بألمٍ "الحياة هيك".
خفتُ وحزنتُ، لأنَّ العصر الجديد سرقَ منه حلمَه الصغير! ومجَّدتُ الله شاكرًا، أنّه بالرُّغم من كلِّ الصِّعاب التي مرَرنا بها ونَمُرُّ، ما زالت العائلة عندنا، أو عند أغلبيتنا على الأقل، لها الدَّور الكبير.
حرامٌ علينا أن نفرِّط بهذا الإرث العظيم، ولنجاهد صابرين كي تكون عائلاتنا محفوظةً حقًا، بنعمة الرَّبِّ والتصاقنا به
+أثناسيوس
الاتِّصال" و "التَّواصل"
14/1/2012
لم يُخلق الإنسان ليكون وحده أو ليعيش مع نفسه فقط والفخُّ الأكبر الذي يقع فيه المرء، هو أن يكون محورَ ذاته، حتى إنَّهُ ولو تطلَّعَ صوبَ الآخر، يكونُ ينظرُ إليه من خلال نفسه.
في القديم كانت وسيلة الاتِّصالات بدائية جدًا، وكان "الاتِّصال"، بمن هو بعيد، شبه مستحيل وصعب جدًا، ولكن بالمقابل كان "التَّواصل" أعمق بكثير مما نعيشه في أيامنا هذه، أمّا "الاتِّصال" اليوم فأضحى سهلاً جدًا وبمتناول الجميع، ولكن هل هناك حقًا "تواصل"؟ هل القلب يتَّصل بالقلب الآخر، ليغدو الكلامُ أعمقَ من مجرَّد اصطفافِ أحرفٍ غريبةٍ عجيبة، تُلَخَّصُ برسالةٍ عبر الهاتف الخليوي أو ما شابه؟! قلبُ البشرية - في عصرنا اليوم – ينْزُفُ من الوحدة والتَّقوقع والانغلاق وعدم الإصغاء. لماذا يا ترى؟! ولما هذه الغربة المؤلمة بالرغم من كلِّ التطوُّرِ التكنولوجي الذي يُحيط بنا؟ أليسَ السَببُ أننا أحيانًا كثيرة، في عدم "تواصلٍ" مع الرَّب! وأنَّ لغتَنا باتَتْ رقميَّة، خاليَةً من لغةِ "الأنسنة" التي دعانا إليها الله، ودعانا لنسمُوَ بها لتُصبحَ إلهية؟!
الجواب بسيطٌ: "التَّواصل" مع العليِّ، يحوِّلُ "اتَّصالنا" مع بعضنا البعض إلى "تواصل".
+أثناسيوس
أسماؤنا إلى الأبد
1-1-2012
تبتهج العائلات بمولود جديد عندها، وبفعل هذه الولادة تتغير أسماء أفراد
العائلة كلّها: فالوالد يُصبح أبًا، والتي حملت بالمولود تُضحي أمًّا، كذلك
الأكبر سنًا وغيرهم تلحقهم موجة التغيير هذه، فمنهم من يصير الجدّ
والجدَّة والعم والخال والخالة...
وهذا كله ما كان ليكون، لو لم تتم الولادة، والمفارقة هنا أنه حتى من يغيب
عن العائلة لاحقًاً بفعل الموت مثلاً، يحمل معه لقبَهُ الجديد، إذ تُصبح
هذه الأسماء أبدية وتلازم ذِكر الإنسان وهويته.
وهكذا نحن إذ نعيِّد اليوم للسَنَةِ الجديدة، قد يسهو عن بالنا أنَّ
الرَّقم المذكور -2012- مرتبطٌ بولادة المخلّص، الذي به دُعِيَ كلُّ واحدٍ
منّا باسمٍ جديدٍ (هو اسمه في المعمودية)، وبهذا المولود الإلهي، تغيَّرت
أسماؤنا، فدُعينا أبناءَ الله - بالتبنّي - ومهما تغرَّبنا بالخطيئة أو
ابتعدنا أو حتى لو غبنا، نبقى أبناء العليّ، وهكذا تبقى "أسماؤنا إلى
الأبد".
موقع الإنترنت والعمل البشاري
الميلاد
25-12-2011
" إن أردت أن تعرف نعمة الله عليك أغمض عينيك".
جميلٌ هذا المثل الشائع الذي يُحاكي الإنسان في وجدانه ويدعوه لأنّ يشكر الله على نعمه فيه، فيستدعيه أن يختبر الظلمةَ لبُرهة فيُدرك مرارة الظلام ليصرخ من أعماق قلبه " رحمتكَ يا رب " ويناجيَ النور ويستعيد نظره.
ولكنّ في الحقيقة ما هو أجمل ما تقوله المسيحية في هذا المثل: "إن أردت أن تعرف نعمة الله عليك إفتح عينيك". نعم، إفتح عيني البصيرة الروحية لتشاهد الله إنسانًا أمامك وتُعاين قمّة محبة الخالق لنا إذ هو بكامل ألوهيته إتحّد بالإنسان إتحادًا كاملًا رافعًا إياه إلى العلى. المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي أناسٍ المسّرة.