كلمة المطران جورج خضر
في جناز الأسبوع للمثلث الرحمة المتروبوليت الياس (قربان)
كنيسة القديسة تقلا – عين السنديانة
الأحد 9 آب 2009
رُوي لي ان سيدة بهية جليلة أدركتُها في مطلع خدمتي لهذه الأبرشية كانت تسمع صبيا طالعا من هذه الضيعة لينتهي إلى دير مار الياس، كانت تسمعه يرتل. هذا الفتى بقي يرتل طوال حياته. هل كان يذهب إلى الدير ليلتقط الأناشيد، أم كان يذهب احتسابًا منه انه كان قادرًا أن يصعد على المركبة النارية ليبلغ السماء -ليس لكل انسان الحق أن يشتهي الجلوس على المركبة النارية- أم كان بخشوعه يلتمس مريم، مريم اللابسة الشمس، الواقفة على القمر كما يقول الكتاب العزيز. بقي هو ملازمًا الدير. وهذا لعمري شهادة كبيرة. قل لي من تحب أقل لك من أنت.
الياس قربان رأى نفسه مرميًا في الكنيسة الأرثوذكسية، وهذه الكنيسة على استقامة رأيها، وهذا هو الأصل، إنما تودّ أن تقول الكلمة ببهاء أداء. ليس يكفينا أن نؤمن. ينبغي أن نُمسرح الإيمان، أن نَبْسُطه ولكنا ناقلو تراث ثقيل من الفهم الجمال.
ماذا تعني الكنيسة الأرثوذكسية لإنسان مدقق، ليس مؤمنا بالضرورة؟ هي الإنجيل، وليست سوى الإنجيل مؤدّى. الكنيسة إذا شئتم هي الميديا لهذا الإنجيل. العظيم من يستطيع أن يقيم في المصدر. تحس الياس قربان احيانا أنه ادنى إلى الأداء. هذا ما سيقوله له ربه في اليوم الأخير. سيقول له ربه تأسيسًا على كلام يسوع: لن أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى أن أشربها معكَ ثانيةً في ملكوت أبي. فهمَ الآن بعد أن ودّعَنا أن كل هذه العبادات التي كان يخدمها ما كانت من قِبلنا إلا ركوعًا عند قدمي المصلوب. فان استطعت أن تبقى مقبّلاً لهاتين القدمين فقد انتقلت إلى مركبة الآب.
إذا سألت عجوزًا أرثوذكسيًا عنه. يقول لك إنه كان بسيطا. ولكنه بطريقة من الطرق كان يعرف أنه رُمي على قدمي يسوع وأنه استلم الدفء هناك ذاته. بَعد هذا وبطريقة أو أخرى بفهم كبير أو صغير، فهم انه ارتفع على صدر المعلم حتى يفهم.
لو أردنا أن نختزل الياس قربان لقلنا عنه ما قيل عن رجل كبير في الاسكندرية في القرن الثالث. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني إحساسا بأن كنيسة المسيح فيها كل شيء، وأن الأحاسيس والمفاهيم والفلسفات والجمالات تنصبّ فيها أو يذهب منها. هل يصدَّق أن طالبا في الجامعة الأميركية، العالية الشأن في الحضارات، العلمانية في تطوّرها الأخير، أن إنسانا بلغ الدرجة العليا من العلوم الإنسانية هناك يكتب أطروحة عن الكنيسة الأرثوذكسية؟ لا تستطيع أن تكون مسيحيا كبيرًا وتلعب بالفكر أو بالحياة.
لم يخرج من عين السنديانة. ولم يخرج من دير مار الياس. بقي فيه، ولكنه في حاجة إلى لغة علمية وإلى منهجية تاريخية. لم يخرج لأنه كان عائشا في الحق. لا تستطيع أن تكون مسيحيا كبيرا وتلعب بالفكر أو بالحياة.
ماذا يعطي هذا على صعيد الفضائل الإنجيلية؟ المركبة النارية تعني العلى. والعلى في إنجيلنا ينزل فقط على المتواضعين .عندنا متطلبات عسيرة في كنيسة الله راح إليها المطران الياس. عندما يقول الرسول الأكرم «من اشتهى الأسقفية يشتهي شيئًا حسنا»، تظن العامة ويظن المستكبرون أن شهوة الأسقفية عظيمة عند الله، ولكن ليس هذا هو المعنى الذي أراده بولس. إذ استنتج بقول آخر له: فليكن الأسقف بلا لوم. عندما صور لك أن الاسقفية عظيمة ما عنى انك تسعى لتصبح مطرانًا. هذا شيء منحطّ. ليس فقط سخيفًا، ولكنه الانحطاط بذاته. تريد أن تكون أسقفًا؟ انحت ذاتك من الصغر على الإنجيل، أي لازم يسوع طوال حياتك بحيث لا تكون منزلة في دماغك لغير يسوع. طبعًا للإنسان رفاق بين الفلاسفة والأدباء والشعراء وما إلى ذلك. هؤلاء فقط رفاق. لا يوجد الا المسيح وحده وهو القائل «لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي».
أظن أن أهمية الياس قربان كانت في هذا أنه في ثنايا ضعفاته كان يعرف أن المسيح هو كل شيء، ويحاول أن يلازمه. وقد رأى منه أهل رعيته أنه معهم ومنهم. لم يروا أنه فوقهم أو يدّعي أن يصبح فوقهم. كان يشتهي أن يكون دونهم. ولكنهم رفعوه فقد استطابوه وأحبوه واستلذوه. في الظاهر لخدمته وصوته وتعاطيه المؤسسات والجمعيات وحبه لحركة الشباب عندنا.
هذا كان الظاهر. وأما الباطن فكان أنهم عرفوه على بساطة المسيح. هذه فضيلة يتكلم عنها بولس، أي التمَسوا المسيح فيه، والمسيح سوف يقول في اليوم الأخير بأي قدر كان الياس قربان فيه. ما كان يبدو لنا أنه التمس المعلم لأن المركبة النارية كانت تغريه، ولأنه كان يحس بنفسه ابنا لتلك اللابسة الشمس الواقفة على القمر.