----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

المطران الياس: الطفل الذي قاد أنطاكية إلى الإيقونة
بقلم المحامي جوزيف يزبك

 

 

"إن لم تعودوا كالأطفال، لن تدخلوا ملكوت السّماوات" - متى 18:3

 

من على جدران التاريخ، كلمتني أيقونة لمديح العذراء في صِربيا من القرن الرّابع عشر فخِلتني في حضرة نبوءة: يصوّر كاتب الإيقونة طفلا يقود جوقة والعيون شاخصات إلى والدة الإله. فتساءلتُ: ألعلّ الكاتب يصوّر ما بلغ عينيه من خدمة المديح، أم أنّ الله أعطاهُ أعينًا للنبوءة فحدّث عن مطران سيأتي في سبع قرون ويُعيد القيادة للأطفال؟


إنه المطران الياس (قربان). إنه قلبُ الطفل الذي طلـَّق الجسد فعزم ألا يكبر لا وأن يشيخ. نزّهَ التواضُعَ عن عِبء الزمن وعن نير المراكز. كرّس الرّوحَ للخلودِ على أقدام السيّد وأطلق الجسد للتعبِ في خدمة أخصّاءه. هذا الطفلُ أعطاه سيّده أن يقود.


في الإيقونة الطفلُ يلقــّم الجوق. يتلو آيات ومدائح، يرفع صوته في افتخار بإيمانه، والجوقة تتبع وترتل. هكذا تنبّأ الكاتبُ عن الذي قاد مرتلي أنطاكية في افتخار وثبات. هو رتل، هو أنشد القيامة بافتخار والتوبة بهدوء، ونحن كلنا رتلنا وراءه واقتفينا تردّدات لصدى نغماته. لم يُثنه تواضعُ الطفل السّاكن قلبه عن رئاسة في الحقّ وفي العلم وفي الأمانة. لا بل أن تواضعه هو الذي كان يتكلم فيه، يبني الجسور من قلبه إلى أفئدة الناس بلطفه وبالهدوء فيُوَلـُّونه على أنفسهم.


طفلُ الإيقونة يتلو من الكتاب، ومطراننا تلا، لا من عنده، بل من العقيدة ومن التقليد ومن الآباء، ونحن تعلمنا عليه وتسلمنا الأمانة من دون عيب. سلم كما تسلم وما سكب في النغمات إلا ما أعطاه إيّاه الله في الصّلاة وفي العفة فطبع التواضع في الترتيل كما في القيادة.


على نغمات المطران الياس، وعلى ما تنبأت به الأيقونة، جاءت عيوننا شاخصات في إيقونة والدة الإله. لم يقبل "سيّدنا" لنفسه أن تكون إلا جسرًا للعبور إلى الإيقونة وإلى الله. رفض مطربات الأرض ومغرياتها. رفض أن يرفع الصّوت ويُنادي الناس إليه، بل آثر أن يُخبرهم بخشوع، لا عن شخصه، بل عن الله وحده وعن قدّيسيه. محا نفسه كي لا يرى الناس إلا الإيقونة حتى صار هو نفسه الإيقونة، وعادت القيادة إلى الأطفال!

هامش:
الإيقونة المقصودة هنا هي جداريّة تصوّر خدمة مديح السيّدة العذراء وهي تعود إلى السّنوات 1370-1372. الجداريّة موجودة في كنيسة القدّيس ديمتريوس في ماركوف ماناستير في تشوسيتشا في صربيا.
الجداريّة المذكورة هي من الإيقونات التي رُسم فيها مرتلون ومن هذه الإيقونات تعلمنا الكثير عن مرتلي تلك الحقبات. وممّا تعلمناه هو دور "الكانونارخوس" الذي كان موجودًا تاريخيًّا في كلّ الجوقات البيزنطيّة وهو كان طفلا (أو ولدا) يلقم الجوقة حتى ترتل. فكان يتلو متالاة كلّ جملة بصوت عال ثمّ تعيدها الجوقة خلفه مرتــَّلة.


(Moran, Neil, “Singers in Late Byzantine and Slavonic Painting”, 1986, P. 86,104, and 107)

في: 02-09-2009 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

عودة إلى الصفحة العامة حول أخبار الجنازة والدفن

 
Make a Free Website with Yola.