نشرة دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع للأطفال وللكبار

نشرة دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع للكبار

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

                                 

                           العدد الرابع والثلاثون في 2011/1/2

 

 لا تقرأ هذه الرسالة


 

    جلس ماجد في ليلة رأس السنة يفكّر في صديقه المنحرف تحت ضغط أصدقائه، فانهمرت الدموع من مقلتيّه، وركع يصلّي من أجله، ثمّ أمسك بالورقة يكتب له رساله محبّة. لقد عرف ما وصل إليه صديقه من عناد، فهو لا يسمع لأحد، وإن سطّر له رسالة سيمزّقها ولن يقرأها. لذلك قال في نفسه: سأبعث إليه رسالة باسم إلهي، لكنّه تراجع عن هذه الفكرة، لأنّ صديقه لا يطيق أن يسمع اسم الله. أخيراً هداه فكره أن يكتب له رسالة باسم إبليس جاء فيها:

    

 

     "ابني العزيز...

     أكتب إليك رسالة خاصّة أرجو ألاّ تقرأها، بل اخفها إن استطعت عن كلّ محبّيك وأصدقائك...

    

     بالأمس استيقظت متأخّراً يسيطر عليك روح الخمول والكسل، ولم يكن لديك وقت للصلاة، ولا لبسط يديك ولو للحظات للشكر قبل الطعام ولا بعده.

رأيتك طول النهار متذمّراً لا تعرف الشكر. أشكرك لأنّك صرت شبيهاً بي أنا أبوك. يا أيّها الغبيّ، أنت لي. تذكّر أنّي أخطّط من أجلك بكلّ خبرتي وقدرتي سنوات هذه مقدارها. لقد اجتذبتك لتجحد بنوّتك لله لتقبل أبوّتي. إنّي ابذل كلّ جهدي لتصير حياتك جحيماً، فتذوق عربون الحياة التي أعدّها لك إن هنا أو هناك في الأبديّة. أنا أعلم أنّك تحزن قلب الله. شكراً لك فإنّه طردني بسبب كبريائي. شكراً لك ثانية، لأنّك سمحت لي ان أستخدمك بحياتك الغبيّة المتوانية.

        أنت تعلم أنّ الله يحبّك، وأنّه قد أعدّ خطّة لخلاصك. لكنّي أشكرك لأنّك تدير ظهرك وتغلق باب قلبك دونه. بالحقيقة لا أعلم كيف أشكرك، أيّها الابن البارّ، لأنّك ارتبطت بي. إنّي أبغضك، ولكن لا أقدر أن أفارقك، لأنّ هلاكك الأبديّ يشغفني ويسرّني. ولذلك أقدّم لك الكتب الرخيصة والمناظر الدنسة من خلال الأنترنت، وأحثّك على الصداقات الشرّيرة والحفلات الماجنة والموسيقى المثيرة والرقص الخليع. أؤكّد لك، يا صديقي العزيز، أنّ هذه هي الحياة اللاّزمة وهذه هي الرياضة الضروريّة لك. فلا تسمع لأقوال من يبغضونها بحجّة التقوى. إنّي أبرّر لك ممارسة كلّ الخطايا، إنّها ليست خطايا كما يقولون لك، بل هي مجرّد تسليات لشابّ مثلك لا يريد أن يدفن نفسه في الحياة.

     تعال، يا ابني الحبيب، لنحترق سويّة في النار الأبديّة، ولكن لماذا نبقى وحدنا؟!! علّم أولادك وأصدقاءك أن يشتهوا نيران جهنّم، فإنّها معدَّة لي ولكلّ أولادي ومحبّيّ. افعل ما استطعت من الشرور أمام أولادك وأصدقائك، وكن لهم مثلاً في ذلك فيتشبّهوا بك، فإنّي أحتاج دوماً إلى دماء جديدة.

     اعلم، أيّها الغبيّ، أنّك ملتزم بدفع ثمن الخطيئة. لقد غدا منظرك قبيحاً تشابه من هم أكبر منك بعشرين عاماً إذ حطّمت الشيخوخةُ المبكِّرة حياتك، لا بل حطّم الشرّ صورة الله النقيّة فيك. إن كنت تحبّني حقّاً، فلا تقرأ هذه الرسالة، واخفها عن الجميع. وإن حاولت الهروب منّي، فإنّي لا أعرف اليأس إذ أجتذبك بأمور لا تشعر ولا تحسّ بها إلاّ وقد كبّلتك من رقبتك. سأبعث فيك روح اليأس القاتل حتّى لا تشعر بمحبّة الله الفائقة، فتنتحر. أمّا أنا فلا أيأس من اجتذابك إليّ حتّى آخر نسمة من حياتك.

     أخيراً، أحذّرك من أن تتحدّث مع الربّ يسوع، لئلا تحبّه، فيجذبك ويطهّرك بدمه، ويفتح أمامك أبواب السماء، ويختطفك من يدي، فهو وحده الذي يقهرني ويغلبني. أحذّرك أيضاً من قراءة الإنجيل إذ به تستطيع أن ترى نفسك وتعود إلى الله، وطبعاً هذا يحزنني، ولا أظنّ أنّك تسرّ بإحزان أبيك. كن دوماً ابناً بارّاً لي. يسلّم عليك سلاماً حارّاً كلّ أعواني الذين هم إخوتك وأحباؤك.

    

                                           لك ملء محبّتي

                                            وأشواقي بهلاكك

                                             والدك الوفيّ إبليس

حذار، أيّها القارئ العزيز،

أن تكون شبيهاً بهذا الصديق،

عِدْ الربّ الحنون أن تقوّم، في هذا العام الجديد،

ما اعوّج من حياتك، لتكون ابناً وفيّاً صالحاً،

فيبارك لك حياتك، وأعمالك، وعائلتك.

 

 

 

 


راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

                                العدد الخامس والثلاثون في 9/1/2011

 

 

  الإنــاء

   المختـــــار

 

 

       

لاحظ اندراوس أنّ صديقه موسى يعاني من حالة إحباط شديد. وبعد حديث طويل معه، حاول خلاله اندراوس أن يستدرج صديقه لمعرفة سبب كآبته، قال موسى: بالحقيقة، يا صديقي العزيز، إنّي أعاني من الشعور بالنقص، فأنا أشعر أنّي لست مثل زملائي، فمواهبي قليلة جدّاً وربّما بلا مواهب، ضعيف البنية، وكثيراً ما أسائل نفسي: لماذا خلقني الله أقلّ من كلّ أصدقائي؟ تألّم اندراوس لكلام صديقه، وإذ أراد أن يشجّعه روى له القصّة الرمزيّة التالية:

 

EFOFT017        أراد السيّد المسيح أن يختار إناء يستخدمه، وعندما بحث وجد عدّة أوان موضوعة على الرفّ. فأمسك بأحدها وكان إناء ذهبيّاً. فقال له الإناء باعتزاز: أنا إناء ذهبيّ، مرصَّع باللآلئ، غالي الثمن، لي بريق ساطع. أظنّ أنّي أفضل من كلّ الأواني، وتستطيع أن تضعني في مكان لائق. فقال له السيّد: إنّني لا أعمل في القلب المتكبّر، ولا أريد إناء غالي الثمن لأضعه في مكان مرموق.

 

EFOSL004 ثمّ أمسك السيّد بالإناء الفضّيّ وكان إناء طويلاً ولامعاً. فقال: أظنّ إنّي الإناء المناسب، يضعني الأغنياء على المائدة أثناء الطعام لكي يحتسوا القهوة أو أيّ شيء ساخن، ويكمل جمالي إن وضعوا قربي أزهاراً جميلة. فقال له السيّد: إنّي لا أطلب إناء لا يقدر أن يقتنيه إلاّ الأغنياء.

 

 ثمّ انتقل السيّد بعد ذلك إلى الإناء النحاسيّ، فوجده ضخماً للغاية، فمه متّسع جدّاً، وكانت مادّته النحاسيّة تلمع ساطعة. فقال الإناء: أنا هنا، فإنّي قويّ يحتمل الكثير، ولي صوت رنّان. فأجابه السيّد: لست أطلب إناء فارغاً، فمه متّسع وحجمه ضخم، يعتزّ بقوّته وكأنّها صادرة عنه، ولا أفتّش عن صوت رنّان من دون عمل فاضل.

 

        انتقل السيّد بعد ذلك إلى الإناء الزجاجيّ الذي قال له: أنا زجاجيّ شفّاف ورقيق تضعني على المائدة فيرى الكلّ ما بداخلي، وإن كنت سريع العطب، ولكن لا يوجد بين كلّ الأواني من يعمل أحسن منّي. فردّ السيّد بابتسامة: لا تصلح لي، فإنّي لا أطلب من يظنّ أنّه أفضل من غيره، ولا من يظهر أسراره الخفيّة لكلّ الناس، وإنّما ذاك الذي تبقى علاقته محصورة معي. ثمّ التقى السيّد بالإناء الخشبيّ الذي بادره: إنّي من خشب ثمين مزيَّن بالحفر والنقوش الجميلة، ويمكن أن تضع في داخلي الفواكه اللذيذة أو الزهور الرائعة. فقال له السيّد: لا أطلب من يفتخر بزينته الخارجيّة مهملاً تلك الداخليّة الحقيقيّة.

 

EFOFT011        وأمسك السيّد بعد ذلك بإناء من الكرتون السميك، وقلّبه بيديه متفحّصاً، فقال له الإناء: أرجوك لا تتفحّصني هكذا، وكأنّي أقلّ قيمة من غيري. صحيح أنّي من الكرتون، ولكنّي مفيد للاستعمال السريع، وإن ألقيتني بعد ذلك في صندوق القمامة، فإنّي لا أتذمّر، فالكل سوف تكون لهم نهاية وإن كانت مختلفة عني. فأجابه السيّد: أنا لا أختار إناء هشّاً ينثني عند أوّل لطمة، ومع ذلك يتفاخر بمزاياه المتواضعة.

 

        أخيراً التقى السيّد بإناء خزفيّ الذي قال له بانسحاق شديد: يا سيّدي، إنّي مشتاق أن تستخدمني، ولكنّي أنا من التراب الذي لا قيمة له، فالكلّ يحتقرونني إذ لا أصلح لشيء إلاّ لكي أمتلئ من الماء كي يشرب منّي الفقراء المعدمون. أنا سهل الكسر. أنت وحدك يمكنك أن تُخرج منّي شيئاً نافعاً إن ملأتني بقوّتك وخيراتك. سرّ السيّد بكلام الإناء الخزفيّ وقال له: كم أشتاق أن أسكن في القلوب المتواضعة. ولذلك سوف أختارك إناء لي. 

 

والآن، أيّها القارئ العزيز، أيّ إناء هو أنت؟ وهل أنت مستعدّ أن تنقّي ذاتك من كلّ شوائب الكبرياء لكي يختارك الربّ إناء خاصّاً له، فيه يستقرّ ويستريح؟!!

 

لنرحض عقولنا، يا إخوة، من مرض الكبرياء،،،

حتّى إذا شاهدنا المسيح متّضعاً باختياره حتّى إلى صورة عبد،،،

نتواضع مترفّعين بالروح،،،

ومكرِّمين إيّاه مصطبغاً في الأردنّ بالأفعال الطاهرة.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

                                 

                                    العدد السادس والثلاثون في 9/1/2011

 

13.jpg

إيمان حيّ

 

  

     روى لنا كاهن إحدى الرعايا القصّتين التاليتين في معرض حديثه كيف أنّ الإيمان النظريّ لا يكفي إن لم يُترجم بأعمال المحبّة والشعور مع الآخرين فقال: 

    رضع جاري الشابّ المثقّف والوسيم الإيمان مع حليب أمّه، فتجلّى إيمانه الحارّ بمحبّة إخوة يسوع الصغار التي تميّزت بالخدمة المستترة السخيّة لكلّ محتاج. فكبر وكبرت في قلبه هذه المحبّة التي جعلته يبذل بلا حساب رغم الضائقات الماليّة التي كان يمرّ فيها من وقت إلى آخر، ولكنّه لم يكن ليبالي بها، بل كان يقول لي: لي إيمان كبير بالله، يا أبانا، أنّه سوف يمدّني دائماً بما أقدّمه لأخي المحتاج. بلغ به شغفه بعمل الخير حدّاً حتّى أنّه استقدم معه إلى بلده مريضاً فقيراً صادفه في إحدى الدول الفقيرة، التي كان يروّج تجارته فيها، حيث أجرى له عمليّة جراحيّة على حسابه، ثمّ عاد به ثانية إلى بلده وعائلته، متذكّراً قول الربّ القائل على لسان الرسول يعقوب "إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليوميّ فقال لهما أحدكم امضيا بسلام واستدفئا واشبعا ولكن لم يعطيهما حاجات الجسد فما المنفعة. هكذا الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته" (يع 15:2-17) وبناء على إيمانه هذا ومحبّته الفيّاضة، فقد أغدق عليه الربّ بنعمه، ونجّاه من صعاب وأخطار كادت تودي بحياته مرّات عديدة. وما هذه الحادثة إلاّ غيض من فيض:

فيما كان عائداً فجر أحد الأيّام من المرفأ إلى بيته غلبه النعاس، إذ قد أمضى الليل ساهراً يهتمّ بأمور تجارته، فألقى برأسه على المقود وغطّ في نوم عميق وهو لا يدري. مشت به السيّارة ما يقارب الكيلومترين، استفاق بعدها مذهولاً وهو يرى شابّاً لطيفاً جالساً على مقدِّمة السيّارة يشير بيده إلى السيّارات الأخرى لتبتعد من أمامه. لقد رآه بأمّ العين كما أكّد مراراً، وشعر بقشعريرة تسير في بدنه لم تزل تتكرّر كلّما روى الحادثة. فلمّا استفاق جيّداً اختفى ملاك الربّ من على السيّارة تاركاً أخانا يمجّد ويسبّح الربّ عل جزيل محبّته وعنايته ببني البشر. وهل هناك حبّ أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه؟ حقّاً إنّ الإيمان متى اقترن بالأفعال يثمر إلى مائة ضعف.

 

*****

 

     ازداد إيماني بقول الرسول يعقوب: "أما اختار الله فقراء العالم أغنياء في الإيمان وورثة الملكوت"، بعد أن سمحت لي النعمة أن أرى وألمس الكثير من هذه العيّنات. أحببت فيهم الإيمان النقيّ المعلَن بلا تكلّف ولا رياء، وكيف أنّ قلّة المال لم تكن شيئاً، ولم تؤذِ نفوسهم التي تشبّهت بمخلّصها الذي وُلد في المذود ولم يكن له أين يسند رأسه.

    أرملة فقيرة اتّسمت بالوداعة والهدوء كانت تقصدني لتستعطي مبلغاً بسيطاً إلى جانب ما كان يتوفّر من طعام أو فاكهة أو زيت أو سمن وإلى ما هنالك من أمور معيشيّة...

    وذات يوم قصدتُ مع زوجتي إحدى المناطق، ورحتُ أوزّع على فقرائها ما كان يجود به الإخوة الأغنياء عليّ. وصلتُ إلى أحد المنازل الشبيه بالقبو، حيث كان يقطن فيه عجوز مسنّ اعتدتُ أن أتفقّده بين الفينة والأخرى. استقبلني العجوز بابتسامته اللطيفة المعهودة، وبعد السؤال عن أحواله، قدّمت ما كنت قد أحضرتُه له. فقال لي: أتعلم، يا أبانا، إنّ الأرملة الفلانيّة تقصدني كلّ أسبوع لتعطيني ما أنا بحاجة إليه. لم تصدّق أذناي ما طرقها، وقلت في نفسي: يا لها من امرأة صالحة، لم ترضَ إلاّ أن تشارك هذا المعوز عوزه، فأعطته من حاجتها التي كنت أقدّمها لها. كانت تأخذ صدقة منّي لتتصدّق بمعظمها، وتكتفي بالقليل لنفسها محقّقة قول الربّ: "ما تفعلونه بأحد إخوتي الصغار فبي تفعلونه" (متى 42:10). نعم، إنّ عمل الخير لا يمكن أن تحدّه حدود. حقّاً إنّ هذه الأرملة هي أغنى من أغنياء كثيرين. وأيضاً الإيمان يثمر إلى مائة ضعف.

 

*****

 

    للإيمان وجوه مختلفة، فعدا عن أعمال المحبّة، فهو مغروس في تعاملنا اليوميّ. فأنت تعهد بأمورك للآخرين، بمقدار ما توليهم من ثقة، وبمقدار ما تشعر بالراحة. فالأمّ تعهد بابنها للمربّية، وبالطعام للطاهي، وبإدارة المنزل للخادم. وأنت تسلّم نفسك للطبيب حينما تمرض، وتثق في حكمته واقتداره. فلماذا إذن تستصعب الإيمان بالله الذي يحبّك؟ ألأنّك تطلب أن ترى وأن تسمع وأن تلمس؟

        عجباً منك!! تطلب من المشاعر الدليل على صدق الإيمان، وهذا الأمر ضدّ الإيمان، لأنّ قانون الحياة الروحيّة يقول أن ينمو الإيمان منفصلاً عن المشاعر. وهنا يأتي دور آخر للأحزان والضيقات: إنّها تخلّصك من الاعتماد على المشاعر، وتجعلك تكفّ عن كلّ شيء إلاّ عن الثقة والارتماء في أحضان الله.

        والله يسمح بفترات الظلام لينمو إيمانك به. كثيرون يظنّون أنّ الإيمان يقاس بمقدار الفرح الذي يختبره الإنسان، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. الإيمان هو أن تثق بالله في غياب المشاعر والأحاسيس، فالإحساس متقلّب ومتغيّر وليس له ثبات أو دوام. وإذا بنيت علاقتك بالله على ما تشعر به، تكون قد بنيت بيتك على الرمل (متى 26:7-27). ذلك لأنّ المشاعر تتذبذب وتتأرجح ما بين العلوّ والهبوط. أمّا الإيمان، فهو مؤسَّس على وعد الله الذي لا يتغيّر، مؤسَّس على الصخر (متى 24:7-25).

        نقرأ في إنجيل متّى أنّ السيّد المسيح ألزم تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى الشاطئ الآخر، وتركهم طول الليل يصارعون الأمواج (متّى 22:14-33). هل تعرف لماذا ألزم الربّ تلاميذه بالدخول إلى قلب الأحزان؟ لأنّه أراد أن ينمو إيمانهم به. وحينما يُلزمك الربّ بالدخول في وسط الضيقات، فهو يدعوك أن تؤمن به وتثق في وعوده، وتتجاوز مشاعرك كلّها، وترتمي بكلّ ما فيك على قدرته اللانهائيّة.

 


                      دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James Convent                              

 

                العدد السابع والثلاثون في 23/1/2011

 

اسكافي الإسكندرية

 

    كان القدّيس أنطونيوس من أوائل الرهبان الذين تركوا العالم قاصدين البريّة، ليصبح مؤسّس الحياة الرهبانيّة. وكثيراً ما يُذكر في الكنيسة بأنّه "معلّم البريّة" و"أب جميع الرهبان". وقد تجمّع مع مرور الوقت كثيرٌ من الرهبان حول منسكه، طالبين حياة الهدوء والتوحّد قربه.

 

     حارب الشيطان القدّيس أنطونيوس ككلّ القدّيسين الآخرين، وحاول بحيل مختلفة أن يوقعه في فخّه، إلاّ أنّ رجل الله كان يحاول بكلّ طريقة أن يواجه حبائل الشرّير، وأن يتغلّب عليها بالصلاة.

     ففي أحد الأيّام، حاول الشيطان أن يقنع أنطونيوس بأنّه قد بلغ رتبة عالية في الفضيلة حتّى إنّه لا يوجد شخص يماثله في التقدُّم الروحيّ، فأسرَّ الشيطان بأذنه: "من مثلك يصوم، يا أنطونيوس، من يصلِّي كما تصلّي أنت، من يتقشّف كما تفعل أنت؟ لا أحد".

      أدرك أنطونيوس حيلة الشيطان، وعمد إلى الاستجارة بالربّ الذي أمدّه بالمعونة السريعة. ففي ذلك المساء، بعد أن أنهى رجل الله صلاته الحارّة، وأطفأ قنديل الزيت، وأغلق أجفانه قليلاً طلباً للراحة، إذا به يسمع صوتاً إلهيّاً يقول له: "احتفظ يا أنطونيوس بتواضعك، واعلم أنّه في الطريق المؤديّة إلى الإسكندريّة تجد إسكافيّاً يفوقك قداسة".

     فهبَّ أنطونيوس من نومه متسائلاً: إسكافيّ! هل هذا ممكن؟ إسكافيّ يفوق أنطونيوس في النسك والفضيلة؟ حسناً، سأذهب صباح الغد إلى الإسكندريّة.

     وبعد أن أشرقت الشمس، تناول القدّيس أنطونيوس عصاه، وانطلق إلى المكان الذي أرشده إليه الله وهو يردّد: "إسكافيّ في الإسكندريّة أعظم من نسّاك البريّة"؟!!

      وفي الطريق الفرعيّة المؤدِّية إلى الإسكندريّة، ظهر دكّان صغير، كان يقبع فيه إسكافيّ شيخ بسيط قليل الكلام جلس يُصلح حذاءً باجتهاد وعناية.

قال الإسكافيّ للراهب المتواضع: "باركوا" ( وهي تحيّة المسيحيّين قديماً لمن يزورونهم).

أجاب القديس أنطونيوس ببساطة: "الربّ يباركك" (وهي الجواب على باركوا ومازال الرهبان يستعملون هذه التحيّة إلى الآن).

     تابع الإسكافيّ عمله في تصليح الحذاء وهو يهذُّ في أحد المزامير. فبادره القدّيس أنطونيوس بالسؤال:

-         قل لي، يا بنيّ، كيف تُمضِي أيّام حياتك؟

-         لا أعرف، يا أبانا، إن كنت قد صنعتُ خيراً لأحد ما، ولا أتذكَّر إحساناً ما عملتُه.

-         وكيف تُمضِي أيّامك؟ قاطعه الأب أنطونيوس متحيِّراً.

-         أنهض كلّ صباح وأقول لفكري: كلُّ سكّان الإسكندريّة والذين يسكنون أبعد من ذلك جميعهم سيخلصون إلاَّ أنا بسبب خطاياي الكثيرة. فيعبر نهاري كلّه وأنا مستغرق في هذا الفكر. وعند المساء أيضاً أتأمّل بالفكرة ذاتها، ملتمساً رحمة الله.

 نهض أنطونيوس وعانق الإسكافيّ الفقير وقبَّله بتأثُّر كبير قائلاً: لقد اشتريت، يا بنيَّ، الكنز الثمين بتعب بسيط! أمّا أنا فقد شخت في البريّة في الجهادات والأصوام، إلاّ أنّي لم أصل بعد إلى تواضعك.

 ثمّ تناول الناسك العظيم عكَّازه، ومضى في طريق العودة منتفعاً جدّاً.

 

                            من أقوال القدّيس

 

 

** ليكن كلامك في ذكر الله واستغفاره.

** الكتاب المقدّس كافٍ للتعليم، لكنْ حسناً أن يشدّد الواحد الآخر في الإيمان، وأن نطيّب النفس بالكلام الروحيّ.

** لا تخافوا عندما تسمعون عن الفضيلة، لأنّها ليست ببعيدة عنّا، وليست خارج أنفسنا بل فينا. الفضيلة أمر سهل يكفي أن نريده.

** جاهدوا يا إخوتي كي لا يطغي علينا الغضب، ولا تتسلّط علينا الشهوة.

** لا تكن مقاتِلاً باللسان. اجعل كلّ أحد يباركك، والربّ يسوع يعينك على العمل بمرضاته.

** إيّاك والكذب، فهو يطرد خوف الله من الإنسان.

** لا تحلف البتّة لا بحق ولا بغير حقّ.

** أحبّ الله واحيَ له، لأنّه سوف يطلب منّا هذا يوم الدينونة

 

دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James Convent

 

العدد الثامن والثلاثين في 30/1/2011

 

cadre de fleur.jpg

الأبواب

المنخفضة

 

 

     أمر أحد الملوك القدماء ببناء مدينة كبيرة عاصمة لمملكته، فنهض البنّاؤون والمهندسون والعمّال لتحقيق رغبة الملك، وتنفيذ أمره، وأبدعو في إنشاء القصور الشاهقة، وتعمير الشوارع الواسعة، وتنسيق الحدائق الغنّاء، وتجميل الميادين بالتماثيل. ثمّ دُعي حكّام المملكة وعظماؤها لحضور حفل افتتاح هذه العاصمة الجديدة، فارتدوا أفخر ثيابهم، وزيّنوها بالأوسمة والجواهر.

وحان موعد الدخول إلى المدينة، ففتحت أبواب سورها. ولكنّ الرجال والنساء تضايقوا، ولم يمكنهم الدخول بسهولة، لأنّهم وجدوا الأبواب منخفضة عن مستوى قامتهم!! الأطفال وحدهم استطاعوا الدخول والخروج بيسر. وهكذا تجمّع الكبار خارج السور وهم غاضبون. فلمّا أقبل الملك أحاطوا به قائلين: أيّها الملك السعيد!! إنّنا لم نستطع الدخول لأنّ الأبواب منخفضة. فسكت الملك برهة، ثمّ أشار إلى الأطفال وقال: "انظروا. هؤلاء الأبرار يدخلون ويخرجون من دون عائق. فإن أردتم أن تدخلوا مدينتي الجديدة، عليكم أن تكونوا أبراراً كهؤلاء الأطفال، وأن تلقوا ما عليكم من مظاهر العظمة والأبّهة، وأن تنحنوا قليلاً متواضعين، فتتمكّنوا من الدخول. وهذا ما قصدته أن تتذكّروا، كلّما انحنيتم للدخول، أن تتواضعوا كالأطفال. لقد أردت أن تذكروا في دخولكم وخروجكم الآية التي قالها الربّ يسوع: "إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات".

cadre de fleur.jpg

قميص

السعادة

 

 

     مرض أحد الملوك، واستدعى لعلاجه أشهر الأطبّاء المهرة. فقرّروا له نظاماً خاصّاً في الأكل والشرب، ووصفوا له أدوية المناسبة. حضر إلى القصر صديق للملك فيلسوف، تربطه بالملك روابط صداقة متينة، لكي يسلّيه ويخفّف من آلامه. ولم يكن يخشى أن يحاور الملك ويناقضه، كما كان الملك بدوره يفتح له صدره، ويعطيه حريّة التعبير كاملة، ويثق بحكمته كلّ الثقة. فقال الملك للفيلسوف: أليس عجيباً أنّ أشكو المرض، وأعاني المرارة، أو أضطرّ إلى ملازمة الفراش، مع أنّي الملك صاحب الجاه والسلطان والأمر والنهي في شعبي؟ إنّ هذه المنغّصات تضايقني وتحرمني السعادة. صحيح أنّي غنيّ جدّاً، ولكنّي مع ذلك غير سعيد. وإذا كان هذا حال الملك، فكيف يكون حال بقيّة الناس، وهم أقلّ منه مالاً وعظمة؟ إنّ هذا يثير عندي أكثر من سؤال: أولاّ: هل السعداء في الأرض كثيرون؟ أعني هل هم أكثر من غير السعداء؟ ثانياً: هل هناك ارتباط بين سعادة الشخص وبين ما يملك من المال، أعني هل الغنى هو سرّ السعادة؟

-       يمكننا يا سيّدي الملك أن نلجأ إلى التجربة. إنّي أقترح أن نحاول العثور على قميص شخص سعيد، فلتبعث يا مولاي مندوبيك ليبحثوا عن شخص سعيد، ويحضروا لنا قميصه!

-       عجباً، وما شأن القميص في هذه القضيّة؟

-       إنّي أرى هذا أمراً هامّاً، وأرجو ألاّ يخيب ظنّي.

فوافق الملك وخصّص عدداً كبيراً جدّاً من موظّفي الدولة، ليتجوّلوا بين ربوع المملكة بحثاً عن الرجل السعيد وعن قميصه. فتفرّقوا بين الناس، ولم يعثروا على أيّ شخص سعيد: كلّ إنسان يعاني من الهمّ والغمّ على اختلاف الأسباب والأنواع. إلاّ أنّ مندوباً واحداً وجد في أحد المراعي راعي غنم ممسكاً بالمزمار يردّد عليه أغانيه العذبة. وحين وجّه إليه السؤال هل أنت سعيد في حياتك أيّها الرجل؟ قال: نعم. ولماذا لا أكون سعيداً وأنا في رعاية الله تعالى، يكفيني من نعمه طعاماً وشراباً وكسوة، لا شأن لي بغيري، ولا لغيري شأن بي، ولي سلطان على هذا القطيع وهذا الوادي؟

        فرح رسول الملك، وطلب من الراعي أن يصحبه إلى قصر الملك قائلاً: "إنّ هذا هو طلب الملك، فلا تخف، فستلقى خيراً إن شاء الله. وهكذا عاد الرسول وقابل الملك الذي فرح به جدّاً، واستدعى الفيلسوف ليرى نتيجة التجربة. فسأل الفيلسوف الفلاّح عن قميصه فقال: أنا يا سيّدي لا أملك قميصاً إنّما يغطّي جسدي هذا الفرو الذي سلخته عن خروف ذُبح منذ زمان. فطلب الفيلسوف من الملك أن يهب الفلاّح قدراً من المال ليصرفه. فأخذ الرجل المال وانصرف.

        وأخذ الفيلسوف يقول: هذا ما كنت أتوقّعه. أعرف أن كثيرين من هؤلاء الفلاّحين الفقراء الذين لا قمصان لهم هم قوم مؤمنون بالله، سلّموا أمورهم له لذا يعيشون مطمئنّين في ظلّ رعايته. وأظنّ أنّ الإجابة عن سؤاليْك قد ظهرت الآن بوضوح: أوّلاً: قد رأيت يا مولاي أنّ السعداء أقلّ جدّاً جدّاً ممّن يشعرون بالسعادة. وثانياً: إنّ الغنى ليس هو سرّ السعادة. بالعكس لقد ظهر أنّ أفقر الفقراء هو أسعد السعداء. وهذه النتيجة تبطل رأي أغلب البشر الذين يحرصون على المال، ويتهافتون عليه اعتقاداً منهم أنّه سبب السعادة. إنّما يحس بالسعادة أصحاب القلب النقيّ والضمير الحيّ المطمئنّ مهما اشتدّ فقرهم. فلا تتعجّب يا مولاي أن تضايقك المنغّصات رغم أنّك صاحب الجاه والسلطان، فليس بالجاه والسلطان تنال الراحة والأمان.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

                                 

                   العدد التاسع والثلاثون في 6/2/2011

 

                             السيّد في البيت

 

 

كان الشابّ الغنيّ يعيش وحيداً في قصره الفخم المكوّن من العديد من الحجرات والطوابق المفروشة بالأثاث الفاخر الغالي الثمن. كان القصر تحفة فنيّة، فجدرانه مزيّنة باللوحات الزيتيّة الفريدة، وفيه العديد من التحف التي لا تقدّر بثمن. باختصار، كان القصر أروع ممّا يتخيّله إنسان. ذات يوم قرّر الشابّ أن يستضيف الربّ يسوع في قصره، ليعيش معه دائماً. استجاب الربّ لدعوة الشابّ، ووصل إلى القصر حيث استقبله الشابّ بترحاب بالغ، ومنحه أكبر وأفخم غرفة في القصر. كانت الغرفة في الطابق العلويّ من القصر، في آخر الممرّ، لكنّها كانت أجمل غرف القصر كلّه.

        وحدث في مساء ذلك اليوم قرع شديد على باب القصر، فأسرع الشابّ ناحية الباب ليستفسر عن الطارق. فلمّا فتح الباب وجد نفسه وجهاً لوجه أمام ثلاثة شياطين، من مملكة إبليس، يريدون اقتحام القصر. وحاول الشابّ أن يغلق الباب بكلّ قوّته أمامهم، فنجح بعد عراك طويل. بعدها عاد إلى غرفته متعَباً منهك القوى، واستلقى على سريره وهو يتساءل في دهشة: "هل من المعقول أنّ السيّد الربّ نائم في أفخم غرفة في قصري، بينما أنا أحارب وحدي رسل الشيطان؟ لكنّه عاد وقال: ربّما السيّد لم يسمع شيئاً ممّا جرى معي هذه الليلة. ونام الشابّ بعد ذلك.

        ومضى نهار اليوم التالي طبيعيّاً، ولكن، وعند منتصف الليل صار قرع عنيف على باب القصر، حتّى إنّ باب القصر كاد يتكسّر. فهرع الشابّ إلى أسفل، حيث وجد هذه المرّة اثني عشر شيطاناً يحاولون اقتحام البيت. واستمرّ الشاب يدافع عن منزله في مواجهة مستميتة استمرّت ثلاثة ساعات كاملة، بعدها انصرفت الشياطين تاركة الشابّ في حالة إعياء تامّ من شدّة المقاومة. واستاء مجاهدنا بينه وبين نفسه، وبدأ يتساءل من جديد: لماذا لم يسرع السيّد الربّ لنجدته من أيدي هؤلاء الشياطين؟ لا بدّ أنّه، هذه المرّة، قد سمع الجلبة والقرع الشديد على الباب. ثمّ دخل غرفته مهموماً ومتعباً وارتمى على الأريكة وكان نومه قلقاً في تلك الليلة.

        في الصباح قرّر الشابّ أن يستفهم من السيّد عن موقفه تجاهه، ولماذا لم يسرع لمساندته في الليلتين السابقتين وتركه يجابه الهجوم وحده. صعد الشابّ إلى غرفة السيّد، وقرع الباب، ثمّ دخل وهو يقول له معاتباً: "سيّدي، لست أفهم لماذا تركتني أقاوم الشياطين وحدي، بينما أنت تنام في غرفتك. ألا يهمّك أمري؟ ألم أمنحك أفخر غرفة في قصري؟ أتراني قصّرت في خدمتك؟ وراحت الأسئلة تجري على شفتيه كالنهر، فيما وقف السيّد ينظر إليه بعين مملوءة بالشفقة. لم ينتبه لنظرات السيّد، لأنّ العتاب أعمى عينيه، بل استطرد في الحديث: أنا ما زلت لا أفهم؟ لقد اعتقدت أنّني عندما دعوتك لتعيش معي في قصري، أنّك ستعتني بي، لهذا أعطيتك أفخر غرفة عندي، فما الذي لم أفعله من أجلك؟ أرجوك قل لي، وخفّف عذابي. عندئذ أجابه السيّد وقال: يا بنيّ أنا فعلاً أحبّك وأهتمّ بك، وأقدّر لك كلّ محبّتك واهتمامك بي. لكنّك دعوتني لبيتك، وأجلستني في هذه الغرفة الفخمة، وأغلقت الباب عليّ، فلم أستطع أن أرى بقيّة بيتك. جعلتني "السيّد" في هذه الغرفة فقط، ولكنّك لم تجعلني "السيّد" في كلّ منزلك. واجهت العدوّ ولم تدعني لمشاركتك المنازلة. نمت في الليلتين متَعباً ولم تشكُ لي تعبك لأبادر إليك. فسجد الشابّ بسرعة للسيّد وقال له: سامحني يا سيّدي. من الآن أنت السيّد في كلّ البيت. اغفر لي، يا سيّدي تهاوني في اللجوء إليك.

        وحدث عند منتصف الليل قرع مخيف على باب القصر. فاندفع الشابّ نحو المدخل منزعجاً مضطرباً، فرأى السيّد ينزل السلم باتّجاه باب القصر ليفتحه. وقف الشابّ مكانه يرقب الموقف، هذه المرّة كان الشيطان بنفسه واقفاً وجهاً لوجه أمام السيّد. فبادره السيّد بسؤاله: لماذا جئت؟ فتراجع الشيطان إلى الوراء أمام السيّد وهو يقول: أعتقد أنّني أخطأت العنوان" وهرب هو وأعوانه في الظلام.

        فيا عزيزي القارئ، افحص نفسك جيّداً: هل كلّ منزلك ملك للسيّد، أم إنّك أغلقت على السيّد في غرفة واحدة فقط؟!! سل نفسك ماذا عن حجرات الغضب، الحقد، النميمة... وبقيّة الخطايا، هل لها مكان في منزلك أي في قلبك، وهل دخلها السيّد ليطهّرها بدخوله وينير ظلماتها الداكنة؟ هل سمعت صوت الربّ يقول لك: يا بنيّ أعطني قلبك، وهل أعطيته له؟

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

 

                                        العدد الأربعون في 13/2/2011        

 

                              الباب المغلَق

 

 

التقى الصديقان ماجد وكريم حول مائدة الطعام، وكان ماجد متجهّم الوجه عبوساً، فراح كريم يسأله عن سرّ عبوسته هذه، فأجابه ماجد:

- ماذا أخبرك يا صديقي. بالحقيقة إنّي متكّدر جدّاً. إنّه الشهر الثالث الذي أفتّش فيه على عمل، ولكنّي للأسف لم أجد، حتّى أقرب الأقرباء ادّعى بأنّه لا يحتاج إلى موظّفين. هوذا الديون تراكمت عليّ، وأقساط مدارس أولادي تناديني بلجاجة، وأدوية زوجتي تصرخ طالبة أن أشتريها، والجيب فارغة ولا أدري ماذا أصنع. أحسّ بأنّ أمواج الهموم تغرّقني، والله قد أصمّ أذنه عن سماعي، وأغلق دوني كلّ أبواب الفرج. بالحقيقة إنّها أتعس أيّام أمرّ بها في حياتي. ألعلّه عندك حلّ لمشكلتي؟ أتعرف إنساناً يحتاج إلى موظّف أو عامل؟

- فأجابه كريم بابتسامة مشرقة وقال: يا صديقي العزيز، لا ريب أنّ ما تمرّ به موجع جدّاً. ولكن، وأنت الإنسان المؤمن، لا ينبغي أن تجعل اليأس يتسرّب إليك، وتطفئ شعلة الرجاء في قلبك. نعم يا صديقي، إذا كان المثل العاميّ يقول: "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"، فكم بالأحرى نحن أبناء الكنيسة المؤمنين علينا أن نثق بمراحم  إلهنا. دعني أقرأ عليك ما طالعته أنا البارحة في أحد الكتب الدينيّة، ولا تظنّ أنّي أعظك، ولكنّها محاولة لتخفيف ضيقك لا غير. أتودّ أن تسمع؟

- هات، يا عزيزي، إذ ربّما يتكلّم الله على فمك، وأجد تعزية لحالي.

"قد لا تكون الحياة "برّاقة" كما يتوقّعها الكثيرون. فإنّك تجد مآسي عنيفة لا تُحتمل أحياناً، ونحن لا ننكر هذه الآلام، ولا ندّعي أنّه يمكنك أن تتغلّب عليها تماماً. فهناك الكثير ممّا لا تستطيع أن تفعل شيئاً بصدده كالمرض أو العاهات أو الصدمات أو الضيقات الماليّة... أو... ولكن بالإيمان تجد أنّ المسيح يقدّم لك أفضل ما يمكن: إنّه يجعل كلّ شيء يخدم خيرك وسعادتك. فلا يوجد ألم أو فشل أو ضيق لا يمكن أن يؤول إلى الخير في حياتك. وفي هذه الحالة، أنت، بإيمانك هذا، تغني حياتك بالحزن!!!

        هناك دائماً في المسيحيّة مخرج وباب. فالباب المفتوح له معنى في حياة المسيحيّ، والباب المغلَق أيضاً له معنى، فكلاهما من صنع القدير. فهو "الذي يغلق ولا أحد يفتح، ويفتح ولا أحد يغلق" (رؤ 8:3). الباب المفتوح ينقلني إلى الرحب والسعة، أمّا إذ سمح الله، في محبّته، أن يغلق الباب، فهو يقصد أيضاً الرحب والسعة. الله هو الذي يغلق ليسعدني، ويفتح ليسعدني!! وثقتك بالله المحبّ الحكيم تجعلك تقبل الاثنين. فهل طلبت من الله أن يفتح الأبواب أمامك؟ طبعاً كثيراً ما فعلت ذلك لتحقّق آمالاً أو أمنيات عزيزة على قلبك. وطبعاً كثيراً ما تألّمت من عدم استجابته، واتّهمته بالقسوة أو الإهمال أو النسيان.

        أنت تريد راحتك، أمّا الله فيريد خيرك وخلاصك الأبديّ. وشتّان بين الخير والراحة. فقد يتطلّب خيرك أن تجتاز آلاماً وأحزاناً وضيقات تؤدّي إلى نموّك الروحيّ ونضوجك. فحينما يغلق الله الأبواب أمامك، تذكّر أنّه يريد خيرك الأبديّ حتّى ولو ضحّى براحتك الوقتيّة. وحينما يغلق الله الأبواب أمامك، لا تطلب منه أن يفتحها، بل اشكره لأجل اهتمامه بسعادتك التي لم ترها بعينيك، بل تراها بقلب الإيمان!! إن الله يستطيع أن يجعل كلّ الأبواب مفتوحة أمامك لو أراد، ولكنّه يغلقها لأنّه يحبّك، ومن خلال خطّته الحكيمة سيقودك إلى مقاصده الإلهيّة، وكلّ ما عليك هو أن تؤمن بحبّه وحكمته. إنّ الله يسمح  بالفترات "القاحلة" في حياتك ليتحدّث معك وفيك وبك.

- بالحقيقة يا صديقي، لن أكتم عنك بأنّي لم أتّكل بما فيه الكفاية على الربّ، بل حاولت أن أجد مخرجاً لضيقتي بنفسي. ولا أكتمك أيضاً بأنّي كثيراً ما تذمّرت عليه وسألته ما الذي صنعت من الشر ليجازيني هكذا. أنا أعلم أنّ الله أعطانا العقل لنفكّر به، ولكن، ومعك كلّ الحق، يجب أن يعمل الإيمان إلى جانب العقل ليصبح الحلّ صحيحاً. إنّي أشكرك على ما قرأت لي، ولقد أدركت أنّ لقائي بك اليوم كان، بلا شك، بترتيب من الله، ليقول لي: يا بنيّ ما نسيتك، ولكنّني وددت لو أمتحن قليلاً صبرك ومحبّتك الواثقة بي. أحببت أن تمرّ باختبارٍ إيمانيّ وأرجو أن تجتازه بنجاح.

- إنّ ما قلته صحيح. وسوف أساعدك على إيجاد وظيفة تناسبك، ولكن أرجو أن يلجأ كلانا إلى الصلاة، لتكون المحاولة مباركة وكذلك الوظيفة. كما أرجو ألاّ تغادر الابتسامة الحلوة شفتيك مردِّداً مع النبيّ داود بتواتر:

" ألقِ على الربّ همّك وهو يعولك."

 (مز33:45)

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

                             St. James Convent

 

                                العدد الحادي والأربعون في 20/2/2011

 

 

"وكان ابني ضالاً فوُجد"

 

 

                                   دموع التوبة

 

 

تقول قصّة قديمة إنّ الله قال لأحد ملائكته: "انزل إلى الأرض، وأحضر لي أثمن شيء في العالم". هبط الملاك إلى الأرض، وبقي مدّة شهور وأيّام وهو يعبر التلال والوديان والبحار والأنهار باحثاً عن أثمن شيء في العالم. وبعد عدّة سنوات قصد الملاك ساحة قتال، ورأى جنديّاً شجاعاً جدّاً مات للتوّ من الجراحات التي أصابته وهو يدافع عن كرامة وطنه. أمسك الملاك بنقطة من دم الجنديّ، وأحضرها أمام العرش الإلهيّ وقال: "أيّها السيّد الربّ، أظنّ أنّ النقطة هذه هي أثمن شيء في العالم، لأنّها أُهرقت في سبيل شريف جدّاً". فقال له الربّ: لقد نطقت بالصواب، فهذا شيء عظيم ثمين في نظري، ولكن ليس هو أثمن شيء في العالم".

 وهكذا عاد الملاك إلى الأرض ثانية، وبقي مدّة أطول من السابقة يفتّش، ثم خطر له أن يذهب إلى مستشفى حيث وجد ممرّضة راقدة في سريرها تعاني سكرات الموت من جرّاء مرض مُعدٍ أصابها أثناء عنايتها بأحد المرضى، وعند خروج النَفَس الأخير، التقط الملاك هذا النَفَس، وأسرع به إلى كرسيّ القضاء وهو يقول: "حقّاً أيّها السيّد الربّ، بالتأكيد هذا هو أثمن شيء في العالم، كيف لا وقد بذلت نفسها لأجل الآخرين". فابتسم الربّ للملاك وقال: "حقّاً أيّها الملاك، إنّ بذل الذات عن الآخرين هو تقدمة ثمينة جدّاً في نظري، ولكنّ، أيضاً، ليس هذا هو أثمن ما في العالم".

        عاد الملاك إلى الأرض، وأخذ يتجوّل هذه المرّة لسنوات أطول، فرأى شخصاً فظّاً شرّيراً يعدو مسرعاً في غابة مظلمة، وفي نيّته أن يحرق كوخ عدوّه وهو ممتلئ حقداً وكراهية. وعندما اقترب من الكوخ كان الضوء ينبعث خافتاً من نوافذه إذ كانت أفراد العائلة سكّانه يمارس كلّ منهم عمله. اقترب الرجل ونظر من النافذة، فرأى الأب جالساً قرب موقدة صغيرة يحاول إشعالها، وإلى جانبه ولد صغير لا يتجاوز الثامنة من عمره يناوله بعض قطع الحطب، والزوجة تضع طفلها الصغير على مقعد خشبيّ قديم وهي تعلّمه الصلاة، وتوصيه أن يشكر الله على جميع بركاته، ويغفر لكلّ من يسيء إليهم. لمّا أبصر الرجل هذا المنظر، نسي ما كان ناوياً فعله، وتذكّر طفولته، وكيف كانت أمّه تضعه على الفراش، وتعلّمه الصلاة إلى الله، وتذكّر كيف توقّف عند هذه الجملة من الصلاة الربّانية: "واغفر لنا خطايانا كما نغفر نحن لمن أخطأ إلينا"، كما ارتسمت أمام عينيه صورة أمّه وهي تقول له: "يا بنيّ ارحم الآخرين ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، واغفر لهم سيّئاتهم كي يغفر لك أبوك السماوي أنت أيضاً عندما تخطئ". ذاب قلب الرجل فيه، وانحدرت دمعة على وجنتيه، وهمس قائلاً: سامحني يا ربّي لقد أخطأت، ولست مستحقّاً بعد أن أدعى لك ابناً، فاجعلني كأحد أجرائك". سمع الملاك ما تفوّه به الرجل، وأسرع وأمسك بالدمعة، وطار بها إلى الله وهو يقول: "أيّها الربّ الرحيم، لا شكّ أنّ هذه أثمن ما في الوجود: دمعة التوبة". اغتبط الربّ قائلاً: "حقّاً أيّها الملاك، لقد أحضرت لي، هذه المرّة، أثمن شيء في العالم".





راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent                                   

 

العدد الثاني والأربعون في 27/2/2011

 

                               التطلّــــــــــــــع إلى فوق

                              

 

        دخل نجيب غرفة مكتبه والاصفرار يعلو وجهه، وتهالك على الكرسيّ دون أن يلقي التحيّة على زميله أسامة. استغرب أسامة تصرّف نجيب إذ لم يعهده إلاّ مرحاً فرحاً، فأخذ يرمقه بنظرات متفحّصة وهو يسائل نفسه: ترى ما الذي جرى له؟ وأيّة مشكلة ترهقه لدرجة أنّه نسي وجود الآخرين قربه؟ ولنفترض أنّه واقع في ضيقة عظيمة، أهكذا يجابه الأمور؟ إنّه إنسان مؤمن جدّاً، أفما عليه أن يحكّم إيمانه في هذه اللحظات الحرجة؟ ولكن، ما لي أدينه وأنتقده، وأنا لم أعرف سبب شحوبه. سامحني يا إلهي لا شكّ أنّي أخطأت في هذا التفكير. ثمّ التفت إلى نجيب، وقال له ممازحاً:

- يظهر، يا صديقي، أنّك أطلت السهر البارحة حتّى أنّك تعب جدّاً،  ولا شهيّة لك على العمل.  

- أيّ سهر تعني؟ نعم إنّي سهرت، ولكن ليس في الأماكن التي تظنّها. لقد سهرت على قريب لي في المستشفى كان يعالج سكرات الموت، ولقد توفاه الله في هذا الصباح، ولذلك إنّي حزين جدّاً، فلقد كنت أحّبه كثيراً. إنّه متقدّم في العمر، وكنت أحسبه في منزلة أبي، وكثيراً ما كنت ألجأ إلى حكمته وآرائه في أمور حياتي. حقّاً لقد فقدت به الإنسان الصديق والأب والمرشد. ولهذا فقد أتيت اليوم إلى هنا، لأستعفي من العمل في هذا النهار إذ يليق بي أن أكون قرب عائلته في لحظاتها الصعبة.

- إنّك على حقّ، فلقد ندر في أيّامنا هذه وجود أشخاص كقريبك هذا. ولكن دعنا نفوّض الله أمرنا، متذكّرين أنّه لا يجب أن نحزن كباقي الناس الذين لا رجاء لهم كما يقول الرسول الإلهي. ولقد سمعت البارحة عظة بليغة لأحد الآباء كان يقول فيها:

هناك عبارة جميلة ترد في القدّاس الإلهيّ:" لنضع قلوبنا فوق". إنّ الآلام والأحزان التي يرسلها الله لنا، تجعلنا نضع قلوبنا فوق، فالله يريدنا أن نرتبط بالأبديّة، ولهذا يسمح ببقاء الآلام لتحقيق هذا القصد. "ليس لنا هنا مدينة باقية" (عب 14:13)، فمسكننا سماويّ. أنت زائر على هذه الأرض تقضي فيها أيّاماً طالت أو قصرت، وإذا نسيت أنّك من "عند الله خرجت وإلى الله تمضي" (يو 3:13) سوف تسعى لتؤسّس لنفسك ملكاً باقياً هنا. وهذا لا يليق بك أن تعمله إن كنت تنظر إلى فوق.

        لا تنسى، أيّها الإنسان، أنّك "غريب في الأرض" (مز 19:118) وأنّك تسكن في خيمة (2كو 1:5) لئلا تسعى "وتغرس لنفسك جنّات وفراديس" (جا5:2)، وحينئذ تبيع أبديّتك مقابل أيّام قليلة تقضيها هنا. إنّ الأحزان تذكّرك أنّ الخلاص الكامل لا يتمّ إلاّ في السماء، وأنّ الراحة الكاملة لا نصل إليها إلاّ في المجد، وبهذا نشتهي الانطلاق كقول بولس الرسول "فإنّنا في هذه (الخيمة) نئنّ (من آلام الجسد وأتعاب الحياة) مشتاقين أن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء" (2كو 1:5-2) ثمّ يتابع قائلاً: "فنثق ونسرّ بالأحرى أن نتغرّب عن الجسد ونستوطن عند الربّ" (2كو 8:5).

        إنّ الأحزان تحرّك فينا "الأشواق" للسفر السعيد، فننتظره ونشتاق إليه. هناك فقط يزول الفراق والحزن واليأس والفشل. هناك نتمتّع بالفرح الكامل دون انقطاع. فإن تألّمت تذكر وطنك السعيد، وتذكر أنّ الله سمح لك بهذه الآلام لئلا تنساه. هل عرفت فوائد الآلام والأحزان؟ وهل تشكر الله عليها إن سمح ببقائها في حياتك؟ فدعنا إذن نطلب معونته لنفرح بهذه الأحزان، فمحبّته هي التي سمحت بها لخلاصنا. إنّ كلمات الشكر وسط الألم والضيق تشبه البخّور الذي يجوز النار، فيقدّم رائحة طيّبة ذكيّة تفرّح قلب الله في وسط كون أدار له ظهره، ورفض حبّه وتذمّر على تدبيره الصالح الحكيم.

- يا لها من كلمات بليغة، وحقيقة واقعة!! أرجو أن أنقلها لعائلة نسيبي، لا بدّ أنّها ستتعزّى لدى سماعها، فهي عائلة جدّ مؤمنة، وتواظب على المشاركة بالقدّاس الإلهيّ وسماع كلمة الخلاص. ولقد قالت زوجة الفقيد بأنّها، وتحقيقاً لطلبه، سوف لا تنقطع البتّة عن الحضور إلى الكنيسة، لأنّها، إيماناً منها، هناك ستلتقي بالذي فقدته. والأجمل من هذا أنّ هذه الزوجة المؤمنة قالت لي بأنّها قرأت أوّل أمس مقطعاً للقدّيس أغسطينوس غيّر مفهومها للموت تغييراً جذرياً، ولقد كتبت هذا المقطع، لأنّه بالحقيقة مقطع جميل ومعزّ، أتريد أن أقرأ لك بعضاً منه؟

- بكلّ سرور.

- اسمع إذن:

ليس الموت بشيء، لقد انتقلتُ فقط إلى مكان مجاور،،،

أنا أنا، وأنت أنت، ما كان يعنيه واحدنا للآخر لم يتغيّر،،،

كلّمني كما فعلت دائماً، ولا تستخدم نبرة مختلفة، ولا تكن حزيناً،،، اضحك كما فعلنا معاً دائماً. صلّ، فكّر بي، ابتسم،،، الحياة لا تعني إلاّ ما قد عنته دائماً، ولا زالت كما هي، فالخيط لم ينقطع،،، لماذا أكون خارج إطار تفكيرك،،، ألأنّني خارج إطار ناظريك؟

لست ببعيدة، أنا فقط في الجهة المقابلة،،،

أرأيت؟ كلّ شيء على خير ما يرام،،،

- جميل جدّاً. نعم، يا عزيزي، ولهذا نحن المؤمنين نسمّي الموت انتقالاً، لأنّه ينقلنا من هذه الحياة إلى أحضان الله، في حين نسمّي الخطيئة موتاً، لأنّنا تنقلنا بعيداً عن أحضان الله.

 - والآن، أيّها الصديق العزيز، لقد تأخّرت بما فيه الكفاية، ولا ريب أنّ أقربائي سيفتقدون وجودي، فأرجو أن تقوم بالعمل الذي كنت قد قرّرت أن أنجزه، وسوف أكون لك من الشاكرين.

- حبّاً وكرامة، وأنا أرجو أيضاً أن تكون كلّ عائلاتنا على هذا المستوى من الإيمان.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

 

                                    العدد الثالث والأربعون في 6/3/2011

 

لا تغرب الشمس

على غيظكم

 

 

اصطحبني أحد الإخوة إلى قرية قريبة قائلاً: سوف أريك مشهداً مؤثّراً ومعلِّما في الوقت نفسه.

كان جوّ القرية يوحي بالبساطة الشديدة والمحبّة والحياة المسيحيّة التي تجمع بين أفئدة أبنائها. كانت القرية بكراً لم تفسد المدنيّة نضارتها، أهلها بسطاء بلا علم وبلا فلسفة، يمارسون الفضائل المسيحيّة بلا تكلّف إذ يتسلّمها جيل الصغار عن آبائهم بعفويّة وبديهيّة.

وفيما نحن سائرون بتمهّل نمتّع ألحاظنا بسحر الطبيعة، ونتنشّق هواءها العليل، إذا بنا نلتقي بشيخين قاربا السبعين من العمر. لكزني صاحبي هامساً: انظر إليهما، إنّهما موضوع حديثنا، وسوف أسوق لك خبرهما عندما يجاوزانا.

        أخذ مرافقي يخبرني قائلاً: بينما كان هذان الرجلان، وهما أولاد عمّ، يعملان ذات يوم في الحقل، حدثت بينهما مناقشة كلاميّة ناتجة عن سوء تفاهم وتغاضبا وتشاجرا، فترك أحدهما الآخر ورجع إلى منزله وكأنّ شيئاً لم يكن، إذ إنّ الموضوع الذي كانا يتناقشان حوله موضوع تافه.

        وبعد ساعة من هذا، جاء الرجل الذي ترك ابن عمّه، وعاد إلى بيت ابن عمّه ونادى قائلاً:

-       هل فلان هنا؟

-       لا يا عمّ، إنّه ما زال في الحقل.

-       حسناً سأعود بعد قليل.

    وفعلا عاد بعد ربع ساعة يقول:

-       إيه ألم يأت بعد ابن عمّي؟

-       لا لم يأت بعد. تفضل. لماذا تسأل عنه؟ هل من أمر مهمّ؟

-       لا. سوف آتي بعد قليل.

        راح هذا الرجل يتمشّى قرب منزل ابن عمّه على أمل لقائه، وهو ينظر بين الفينة والأخرى نحو السماء متنهّداً. ثمّ ما عتم أن أعاد الكرّة مرّة واثنتين وأربع وهو يتفقّد قريبه حتّى تعجّب أهل البيت جدّاً، وانتابهم القلق إذ ليس من عادته أن يلجّ في أمر ما. ولمّا وجده قد تأخّر في الإياب، أسرع متّجهاً نحو الحقل، وقد أخذت الشمس تشرف على المغيب... وهناك لقي ابن عمّه عائداً. فوقع على عنقه مقبّلاً إيّاه وطالباً منه الصفح، وهو يشير إلى الشمس ودموعه تنحدر على لحيته. بادره ابن عمّه قائلاً: لا بل سامحني أنت يا ابن عمّي الحبيب، أنا الذي أخطأت، أنا رفعت صوتي بك، سامحني أرجوك فإنّي قد أحزنتك. خشيت أن تغرب الشمس قبل أن نلتقي... والربّ قال على لسان رسوله: "لا تغرب الشمس على غيظكم..."

        ولمّا انتشرت القصّة علم سكّان القرية أنّ الرجل كان قلقاً لئلا تغرب الشمس قبل أن يطلب الصفح من أخيه الذي كدّره. إلى هذا الحدّ كانوا يعيشون الإنجيل بالروح والنصّ معاً في بساطة متناهية وتدقيق مذهل.

    فلمّا سمعت أنا هذه القصّة قلت: إنّي أتأسّف على ما أرى وما أسمع كلّ يوم من مشاحنات ومخاصمات بل ومحاكم وبغضة وتفرقة حتّى الأذى. وأتساءل كيف يستطيع الإنسان المسيحيّ أن يعيش في عداوة وهو تلميذ المحبّة؟! كيف يستطيع أن يبغض إنساناً أو يحتدّ على أحد، وهولا يعلم إن كان يعيش حتّى المساء؟ بل كيف تدوم العداوة لا أيّاماً فقط بل وسنين، ونحن نمارس كلّ طقوسنا الكنسيّة؟ فكان الجواب من رفيقي: لقد عدمنا الحياة الروحيّة، لا بل المسيحيّة برمّتها. نعم، يا صديقي، إنّنا حينما نحفظ المحبّة نُعرف بأنّنا تلاميذ الربّ حقيقة، لأنّه هو القائل: "بهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي إذا كان لكم حبّ بعضكم لبعض".

    إنّ مثلاً واحداً من هذه الأمثلة الشاهدة للمسيح، لهو أبلغ من مئات العظات وآلاف الكتب. لأنّه لا توجد شهادة للمسيح أبلغ من شهادة الحياة، ولا توجد قوّة في الحياة الروحيّة، والمسيحيّة بشكل عام، أقوى من قوّة حفظ وصايا المسيح. فأنعم يا ربّ علينا، نحن أولادك، بنعمة السلام القائم على المحبّة الحقيقيّة، واحفظنا من البغض والانقسام وكلّ ما هو ضدّك أيّها الحبّ الإلهيّ الدائم إلى الأبد....

      عزيزي القارئ، كم نتمنّى لو كان جهادنا في هذا الصوم المبارّك حفظ المحبّة والصفح، لنسمع يوماً من فمه القدّوس: "من أحبّ كثيراً يغفر له الكثير، ومن أحبّ قليلاً يغفر له القليل" (لو 47:7). نسأل الله أن تكون الأيّام الأربعينيّة المقدّسة أيّام بركة وجهاد وتنقية. ألا بارك الله جهادكم وسعيكم.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

                            العدد الرابع والأربعون في 13/3/2011

4.jpg

                                 أحد الأرثوذكسيّة

 

 لمّا تقلّد عصا المُلْك الأمبراطور لاون الإيصافري سنة 726 دعا حالاً جرمانوس القدّيس بطريرك القسطنطينية، وقال له: على ما أرى أيّها السيّد أنّ الأيقونات المقدّسة لا تختلف بشيء عن الأصنام، فَمُرْ إذاً أن تُرفع حالاً من وسط الكنيسة. وإنْ كانت هي بالحقيقة صور القدّيسين إلاّ أنّه، مع ذلك، يجب أن تُعلَّق عالياً في الكنائس، لئلا بسبب توَحُّلنا في الخطايا ندنِّسها دائماً عند تقبيلنا إيّاها.

        فأخذ البطريرك القدّيس يصرف الملك ويُبعده عن تحقيق هذا العمل السيّئ قائلاً له: لا تفعل ذلك أيّها الملك إذ قد سمعنا أنّه سيقوم، وقتاً ما، مضطهِد للأيقونات المقدّسة يُلقَّب باسم "كونن". فأجاب الملك قائلاً: أنا هو، فإنّهم دعوني كونن عندما كنت طفلاً. وإذ لم يجارِ البطريركُ الملكَ برأيه، نفاهُ هذا الأخيرُ من أبرشيّتِه. وهكذا أعلن الملك الحرب ضدّ الأيقونات المقدّسة.

ولمّا انقضى أَجَل الإمبراطور بنهاية رديئة تولّى الأمر بعده شِبْلُه الأشدُّ عنفاً منه وهو قسطنطين الذي دُعيَ بالزبليِّ الاسم نظراً لأفعاله السيئة الكثيرة . ولمّا قضى هذا العاصي نَحْبَه، تولّى بعدَه ابنُه الذي انتقل أيضاً انتقالاً شنيعاً، فخلَفَتْه زوجته الملكةُ إيريني كوصيّة على ابنها القاصر قسطنطين اللاّبس البرفير. فهذان، وبإرشاد البطريرك طاراسيوس الكلّيّ القداسة عقدا المجمع السابع، وحازت كنيسة المسيح ثانية على تكريم الأيقونات المقدّسة.

ثمّ، وبعد توالي عدّة أباطرة على عرش المملكة، ملك سنة 830 ثاوفيلوس الذي عذَّب كثيرين من الآباء القدّيسين عذابات مُرّة، ونكّل بهم تنكيلاً جائراً جدّاً، فسُملت عيون، وجُدعت أنوف، وأُحرقت عظام، وحوِّلت الأديرة إلى ثكنات واصطبلات، وحُظِّر على الناس ذكر كلمة قدّيس.

 وبعد أن أقام اثني عشر عاماً في المُلك أصابه مرض الزحار (الدزنطاريا)، ودنا انقضاء أجَله، فانشقّ فمه حتّى بانت أحشاؤه الداخليّة، فحزنت ثاوذورة الملكة، وتوجّعتْ جدّاً لحاله. وذات ليلة رأت أثناء نومها والدة الإله الطاهرة تحتضن الطفل الذي قبل الدهور، مُحاطةً من ملائكة إلهيّين، وعاينت زوجها ثاوفيلس يُجلَد منهم. فلمّا استيقظت من النوم سمعت ثاوفيلس يصرخ: ويحي أنا الشقيّ، إنّني بسبب اضطهادي للأيقونات المقدّسة أُجلَدُ. وللحال وضعت الملكة فوق صدره أيقونة والدة الإله، وبدأت تتوسَّل إليها بدموع كي ترحم زوجها. أمّا ثاوفيلسُ، ومع أنّه كان في حالة إعياء شديد، إذ نظر واحداً من الواقفين حوله يحمل حجاباً مصوَّراً عليه السيّد المسيح، اختطفه منه وقبّله. فعاد، حينئذ، فمه الزائر على الأيقونات المقدّسة، وحلقه المفتوح بجسارةٍ إلى وضعهما الأوّل، وهدأ من الشدّة العنيفة التي كانت تُحيق به، واستيقظ معترِفاً أنّه جيّد ولائق أن تُكرَّم الأيقونات الشريفة المقدَّسة. وبعد فترة وجيزة من هذا الحادث ارتحل ثاوفيلس عن هذا العالم.

استدعتْ ثاوذورةُ الملكةُ، بعد انتقاله، جميعَ المنفيّينَ، وحرّرت المسجونينَ، وارتقى مثوديوس المعترف بالمسيح سدّة الكنيسة بعد أن احتمل عذابات كثيرة من بينها أنّه سُجن في قبر وهو حيّ.

ثمّ ما لبثتْ الملكة ثاوذورة أنْ طلبتْ من البطريرك مثوديوس أن يقيم صلاة من أجل غفران خطايا ثاوفيلس وراحة نفسه. فجمع القدّيس جميع الشعب والإكليروس ورؤساء الكهنة والرهبان في كنيسة الله العظمى آيا صوفيا، وحضرَ هو أيضاً مع الملكة ثاوذورة حيث أقاموا الليل بطوله مصلّين، ورافعين الابتهالات الحارّة بعبرات وتخشّع، واستمرّوا على هذا المنوال طيلة الأسبوع الأوّل من الصيام.

        وفجر نهار الجمعة، وبينما كانت الملكة نائمة، إذا بها ترى ذاتها واقفة عند الصليب، وبعض المارّة يُحدثون ضجيجاً عظيماً حاملين آلات التعذيب المتنوّعة الأشكالِ، وثاوفيلس يُساق مغلولاً ومربوطَ اليديْن إلى خلف. فلمّا عرفتْه تبعت الذين كانوا يسوقونه، ولمّا وصلوا إلى مكان الصليب رأت رجلاً بهيّ المنظر جالساً وأمامه أيقونة للسيّد المسيح، وثاوفيلس ينتصب إلى جانبه. فانكبّت الملكة ساجدة عند أقدام الرجل البرّاق، متوسِّلة إليه من أجل ثاوفيلس الملك. وأمّا هو ففتح فاه وقال: عظيم هو إيمانك أيّتها المرأة. اعلمي أنّني لأجل دموعك وإيمانك، وتوسّلات عبيدي وكهنتي أجود بالغفران والمسامحة على ثاوفيلس رجلك. ثمّ قال للذين يقتادون ثاوفيلس: حلّوهُ وسلّموه إلى امرأته. وأمّا هي فأخذته ورجعت فرحة مسرورة، وللحال استفاقت من نومها.

وأمّا البطريرك مثوديوس فبعد إتمام الصلوات والابتهالات من أجل ثاوفيلس أخذ ورقة بيضاء، وكتب عليها أسماء جميع الملوك الهراطقة مضطهدي الأيقونات، وفي جملتهم اسم ثاوفيلس، ووضعها تحت المائدة المقدّسة. وفي يوم الجمعة رأى هو أيضاً ملاكاً رهيباً داخلاً إلى الهيكل المقدّس، ولمّا اقترب منه قال له: لقد سُمعتْ طلبتك أيّها الأسقف، وحَظِيَ الملك ثاوفيلس بالغفران، فلا تعدْ تطلب أيضاً من أجله. ولكي يختبر مثوديوس صِدْق ما رآه توجَّه إلى الهيكل وأخذ الورقة. فيا لَعمقِ أحكام الله!!! لأنّه عندما فتحها وجد أنّ الله قد محا اسم ثاوفيلس منها بالكلّيّة.

 فلمّا علمت الملكة بذلك ابتهجت جدّاً، وأرسلت تطلب من البطريرك أن يجمع جميع الشعب. فتوافد الجميع وهم حاملون الصلبان المكرَّمة والأيقونات المقدَّسة في الكنيسة العظمى. فلمّا التأم الجميع تقريباً في الكنيسة حضرت الملكة مع ابنها، وأعلمتهم بالمعجزة الغريبة الحاصلة، وبضرورة إكرام الأيقونات وإبراز جمالها. وصار زياح بالأيقونات المقدّسة والصلبان الإلهيّة الموقَّرة، والإنجيل الشريف الإلهيّ، وخرجوا يطوفون حول الكنيسة صارخين يا ربّ ارحم. ثمّ أكملوا القدّاس الإلهيّ، وعُلِّقت الأيقونات المقدّسة. ومن ذلك الوقتِ حدّدَ هؤلاءُ القدّيسونَ أن يُحتفَلَ بهذا الموسمِ الشريفِ سنويّاً في الأحد الأول من الصوم.

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

 

                                      العدد الخامس والأربعون في 20/3/2011

 

 

تضحية أم

 

 

 

كانت عشيّة عيد ميلاد قاسية البرودة عام 1952 في كوريا. وكانت هناك أمّ حامل صغيرة السنّ تدعى "باك يوون" قُتل زوجها في الحرب الكوريّة في الخمسينيّات من القرن الماضي، ولم يكن لديها أحد آخر تلجأ إليه. فراحت تمشي متثاقلة فوق الجليد متّجهة إلى منزل صديقتها المسيحيّة الطيّبة "مس واطسن" حيث كانت تعلم أنّها ستجد المعونة، وقد تجمّدت دموع الحزن على وجنتيها، إذ وجدت نفسها وحيدة حزينة.

وكان هناك في الطريق بالقرب من منزل صديقتها الطيّبة قناة عميقة يربط ضفّتيها جسر. وبينما "باك يوون" تتعثّر قدماها، فاجأتها آلام المخاض بشدّة. فوقعت وأدركت أنّه لن يمكنها مواصلة طريقها مرّة أخرى، فزحفت حتّى نهاية الجسر. وهناك ولدت بمفردها وهي وحيدة طفلاً ذكراً.

لم يكن لدى "باك يوون" أيّ شيء غير ملابسها الثقيلة المبطّنة التي ترتديها. فأخذت تخلعها قطعة بعد الأخرى، وتلفّها حول المولود، الذي كان لا يزال مرتبطاً بها بواسطة حبل السرّة. وبعد ذلك داهمها إعياء شديد لم تتحمّله، فرقدت ساكنة على الجليد بجوار ابنها الوليد.

في صباح اليوم التالي كانت "مس واطسون" السيّدة المسيحيّة الطيّبة، التي لها مدّة طويلة مقيمة في كوريا، تقود سيّارتها عبر ذلك الجسر، ومعها سلّة ممتلئة بالأطعمة كهديّة لإحدى العائلات المحتاجة. وفي طريق عودتها للمنزل، ولدى اقترابها من الجسر، إذا بالسيّارة تقف بسبب نفاذ البنزين.

خرجت "مس واطسون" من السيّارة، وبدأت تعبر الجسر سائرة على قدميها، وإذا بها تسمع صوت صراخ طفل ضعيف. توقّفت للحظة لتتأكّد من ذلك الصوت، فسمعت مرّة أخرى الصرخة الخافتة وكأنّها صادرة من تحت الجسر. زحفت "مس واطسون" تحت الجسر لتبحث عن مصدر الصوت، وهناك وجدت ولداً صغيراً مقمّطاً كان جسمه دافئاً ولكنّه جائع، ووجدت أمّ ذلك الطفل متجمّدة وقد فاضت روحها. وبعد أن قطعت حبل السرّة، أخذت الطفل معها إلى المنزل. وبعد أن اعتنت به عادت ومعها بعض المعاونين الذين حملوا جثمان الأمّ "باك يوون" إلى قرب المكان الذي كانت تعيش فيه، حيث دفنوها.

أطلقت "مس واطسون" على المولود اسم "سو بارك" وتبنّته. كان قويّاً وبصحّة جيّدة، وأخذ ينمو وسط الكثير من الأطفال اليتامى الآخرين الذين كانت "مس واطسون" ترعاهم، ولكنّ "سو بارك" كان ذا منزلة خاصّة لديها.

وكثيراً ما كانت تقول له: "والدتك أحبّتك حبّاً عظيماً يا "سو بارك"، وقد برهنت على حبّها العظيم لك بأنّها ماتت متجمّدة، لأنّها خلعت ثيابها لتلفّك بها". لم يملّ هذا الصبيّ أبداً من سماع هذا الكلام مراراً وتكراراً عن أمّه التي أحبّته بهذا المقدار حتّى حفظته من الموت للحياة.

احتفل الأطفال بعيد ميلاد "سو بارك" الثاني عشر. وبعد أن ذهب الجميع، تقدّم فجلس إلى جوار "مس واطسون" وقال لها متسائلاً: "هل تعتقدين أنّ الله سمح أن تفرغ سيّارتك من البنزين في ذلك اليوم حتّى يمكنك أن تجديني؟ فأجابته قائلة: بالتأكيد هو فعل ذلك، لأنّه لو لم تتعطّل السيّارة يومها ما كنت قد وجدتك. إنّ الله لا ينسى أحداً من خلائقه ولو كان طفلاً رضيعاً. من الممكن نحن البشر أن ننسى أو نتجاهل الآخرين، ولكنّ الله لا يفعل ذلك مطلقاً. ألم تسمع ما قاله في الكتاب المقدّس: "حتّى ولو نسيت المرأة رضيعها لا أنساك أنا". الله أب حنون عطوف يعتني بنا، وإن لم نلاحظ نحن أحياناً هذا لانهماكنا بأمورنا الماديّة، وأنا مسرورة جدّاً أنّ سيّارتي توقّفت يومها، وإنّي لأشكر الله على ذلك، وها إنّي فخورة جدّاً بك يا سو بارك، فأنا أحبّك كثيراً". ثمّ أحاطته بذراعيها. فأسند سو بارك رأسه عليها وقال: ماما واطسون، هل تسمحين وتأخذينني إلى مقبرة والدتي؟ فأنا أريد أن أشكر الله من أجلها، وأشكرها أيضاً لأنّها وهبتني الحياة. فقالت له: نعم، ولكن ارتد معطفك الثقيل، فالجوّ شديد البرودة سيّما وقد بدأ الثلج يتساقط.

وبجوار المقبرة، طلب "سو بارك" من ماما واطسون أن تتركه وحده وتنتظره بعيداً. فمشت بعيداً وانتظرت. وإذا بماما واطسون تملأها الدهشة وهي تراقب الغلام من بعيد وقد بدأ يخلع ملابسه الدافئة قطعة بعد الأخرى. ظنّت أنّه بالتأكيد لن يخلع كلّ ملابسه، لأنّه حتماً سيتجمّد. ولكنّ الغلام نزع عن جسده كلّ شيء، ووضع جميع الملابس على قبر والدته، ثمّ ركع عارياً على الجليد، وهو يرتجف بشدّة من البرد. انتظرت مس واطسون دقيقة ثمّ دقيقتين. ثمّ بعد ذلك تقدّمت ووضعت يدها على كتف الصبيّ. فنظر "سو بارك" إليها، ثمّ انحنى نحو القبر، وفي حزن عميق صرخ من أجل والدته التي لم يعرفها على الإطلاق: هل شعرت أنت هكذا بالبرد الشديد؟ لا شكّ أنّك شعرت به، بل وأكثر من هذا من أجلي يا أمّي. ثمّ بكى بمرارة، لأنّه عرف بالطبع أنّها عانت أكثر من ذلك لكي يحيا هو ولا يموت.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

                        العدد السادس والأربعون في 27/3/2011

27.jpg

                               البساطة الكلّيّة

 

جرت هذه الحادثة في قرية صغيرة نائية تبعد مئات الأميال عن أقرب قرية إليها. هناك كان يعيش مزارع مجدّ لا يضيّع ثانية تفوته من دون عمل، ولكنّه كان أمّيّاً، ومع ذلك كان يملك قلباً نقيّاً يشبه الزجاج الصافي بنقاوته. عُرف بطاعته لضميره، وكان دقيقاً جدّاً في محاسبة نفسه إذ كان يردّد دائماً: عليّ بطاعة ضميري لأنّه صوت الله، وكلّ إنسان يعصى ضميره مرّة أو اثنتين لن يطيعه في ما بعد البتّة.

كان هذا الرجل البسيط حيويّاً جدّاً وفرحاً يحفظ الأصوام كلّها، ويقتات بالنذر اليسير من الخضار والفواكه التي ينتجها حقله. لم يكن ينتقد أو يدين أحداً معتبراً نفسه الأسوأ بين بني جنسه.

سمع ذات يوم من أحد الزوّار بأنّه إن أراد أحد أن يخلص عليه أن يحمل صليبه ويتبع المسيح. لم يكن هذا الرجل البسيط قد ذهب البتّة إلى الكنيسة الكبيرة في القرية المجاورة لقريته، لأنّه كانت بعيدة جدّاً كما أسلفنا القول. فوضع هذه الكلمات التي سمعها موضع التنفيذ، وصنع صليباً ضخماً مقرّراً أن يحمله ليتبع المسيح!! لقد كانت نفسه النقيّة تتوق إلى الربّ، وقلبه البسيط العادم الشرّ يعطش إلى الخلاص. ولكن بقي يتساءل كيف يتبع المسيح، وإلى أين؟ وفي أيّ طريق يذهب؟ وأين هو المسيح ليلاقيه؟ لقد صنع الصليب، ولكن أين يذهب به؟

ترك هذا الرجل البسيط كلّ ما يملك، وترك عمله، وحمل الصليب فوق ظهره وانطلق. مشى، ومشى ساعات طويلة إلى أن وصل في نهاية المطاف إلى دير للرهبان. وعندما قرع الباب فتح له راهب فسأله:

- من أنت، وإلى أين تذهب بهذا الصليب الضخم؟

- إنّي أحمل صليبي، ولكنّي لا أعلم كيف أصل إلى المسيح. أتستطيع أنت أن ترشدني إلى الطريق الصحيح؟

- انتظر قليلاً. وسوف أُعلم الرئيس.

أخبر الراهب الرئيس الذي بقي منذهلاً صامتاً لدقائق قليلة، ثمّ أمر بإحضار الرجل البسيط، ولكنّ الراهب عاد ليقول للرئيس: إنّه لا يقبل أن يتخلّى عن صليبه، ولا يستطيع الدخول به إلى قلاّيتك لأنّه كبير جدّاً. فذهب الرئيس بنفسه لمقابلة هذا الرجل الساذج. وبعد أن تحاور معه لمس أنّه رجل يخاف الله، وأنّه بسيط جدّاً. فقال له:

- إن أردت، يا بنيّ، فسوف نرشدك كيف تصل إلى المسيح، لأنّنا نحن أيضاً في طريقنا إليه.

- وأين هو صليبكم؟ لأنّ المسيح لا يقبل أحداً من دون صليبه.

- إنّه داخلنا. إنّنا نحمله داخلنا.

- كيف يكون ذلك؟

- أنت نفسك سوف تكتشف هذا. ولكن في الوقت الحاضر سوف أمنحك البركة لتبقى هنا في الدير، وسوف أعهد إليك بخدمة تنظيف الكنيسة. فخذ صليبك إذاً الآن واذهب إلى الكنيسة.

دخل الرجل البسيط إلى الكنيسة بخوف عظيم، وكانت كنيسة كبيرة لم يرَ مثلها في حياته، وبدأ ينظّفها. رفع رأسه إلى فوق، وتسمّر في مكانه جامداً، فهناك فوق رأسه ينتصب صليب كبير ضخم سُمّر عليه المسيح المصلوب. لم يكن صاحبنا قد رأى مسبقاً صليباً كهذا، فراح يتأمّله مراراً وتكراراً مناجياً نفسه: هناك مسامير سُمّرت بها يدا المصلوب، وكذلك رجلاه، ومنها يجري دم، وفي صدره أيضاً يوجد جرح ودم، ووجهه مغطّى بالدم، فمن هو هذا يا تُرى؟ من هو؟!! أيّها الإنسان، من أنت؟ وأنت أيضاً تحمل صليبك، ولا تريد التخلّي عنه؟!! ولكن كيف سُمّرت على صليبك؟!! أحسّ الرجل بأنّ قلبه ينزف دماً توجّعاً، وأحسّ بأنّ محبّة كبيرة تفجّرت في داخله لهذا المتألّم على الصليب، ويا ليته يستطيع مساعدته والتحمّل معه قليلاً!! ولكن، قلْ لي أيّها المصلوب، كيف تستطيع أن تبقى هكذا معلَّقاً من دون طعام؟ تعال إليّ. انزل عن صليبك، وسوف أعطيك أنا طعاماً. ركع الرجل ورفع يديه ليصلّي، ليصلّي من دون توقّف وهو يقول: تعال إليّ، وعلّمني أين وكيف يجب أن أحمل صليبي، وهل يجب أنا أيضاً أن أُعلّق عليه؟! هكذا كان يصلّي إلى المصلوب أيّاماً وليالي كثيرة ومن كلّ قلبه. إلى أن كان يوم ركع أمامه، وأخذ يبلّل أرض الكنيسة بدموعه، فسمع المصلوب صلاته، ونزل عن الصليب، وراح يعلّمه كيف يحمل صليبه، وكيف يصل إلى ملكوت السماوات، وأنّه لا أحد يخلص من دون الصليب.

شرح المصلوب للرجل البسيط سرّ الثالوث الأقدس، وسرّ محبّة الثالوث الآب والابن والروح القدس: أنا ابن الآب السماويّ، ولقد خلّصت الجنس البشريّ بصليبي من خطاياهم إذ لا أحد يدخل ملكوت السماوات من دون الصليب، ولا أحد يتقبّل داخله نعمة الروح القدس من دون الصليب. يلزمه فقط أن يوحّد صليبه مع صليب الجلجلة، وأن يزيّنه بزهور أعمال المحبّة والصبر والشكر.

سمع الرجل البسيط كلّ هذا، وتقبّل في قلبه نعمة الروح القدس، وكشف له الربّ المصلوب أنّه بعد أيّام قلائل سوف ينطلق إلى السموات. فراح الرجل، وبكلّ فرح، يستعدّ لهذا السفر الأبديّ، للموت مع الله ومن أجله، ثمّ أخذ الرجل يتضرّع إلى الربّ بحرارة من أجل الرئيس:

- خذ هذا أيضاً، أيّها الربّ، إلى ملكوتك السماويّ من هذه الحياة الحاضرة.

- لماذا آخذه؟ إنّها لم تأت ساعته بعد.

- أرجوك خذه من أجل المحبّة التي أبداها لي عندما أعطاني قسماً مضاعفاً من الخبز لأعطيك إيّاه. اصنع محبّة معه من أجل المحبّة التي صنعها معي، وخذه إلى ملكوتك السماويّ. آه أيّها الربّ إنّك مخلّصنا، وصُلبت محبّة بنا، استمع إلى صلاتي، ولا تحرمه من نعمتك، ولا من التمتّع بالفرح معك.

 استمع الربّ لسؤال الرجل البسيط، وأعلن له ساعة وفاة الرئيس. فهرع الرجل، وأعلنها للرئيس، فراح هذا يستعدّ للأبديّة. وفي اليوم والساعة المحدّدة انتقل الرجل البسيط إلى السماء، وبعد أسبوعين لحقه الرئيس في الساعة التي حدّدها له الرجل البسيط.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

                                        العدد السابع والأربعون في 3/4/2011

 

 

المجد الباطل

 

 

كان يعيش في أحد الأديار راهب كثير الكلام، فزجره ذات يوم رئيسه وأمره أن يلزم الصمت ويحيا في الخفاء  إلى أن يأمره ثانية بالكلام. مرّت الأيّام، وأخذ هذا الراهب ينمو في الفضيلة، مجاهداً في حفظ الصمت طاعة للوصيّة. فنظر الربّ إلى جهاده وطاعته، وأسبغ عليه بمواهب جزيلة منها معرفة الأسرار ودواخل الآخرين.

وكان يعيش بالقرب من هذا الدير ناسك مشهور بزهده وتقشّفه، فمرض وأشرف على الموت، فأرسل إلى رئيس الدير، وطلب منه أن يناوله الأسرار المقدّسة كزاد أخير له. فذهب الرئيس واصطحب معه الراهب الصامت. وفيما هما ذاهبان لقيهما أحد اللصوص باكياً، وجثا عند قدميّ الرئيس يريد أن يعترف معلناً له توبته الصادقة. فأمهله الرئيس إلى أن يعود إلى الدير ليسمعه ويحكم في أمره، وطلب منه أن يرافقه أيضاً إلى الناسك ليستمدّ بركته.

دخل الثلاثة إلى قلاّية الناسك، وعند مناولته كان اللصّ واقفاً برعدة وهو يقول: "طوباك يا قدّيس الله ومجاهده، يا ليت نفسي أنا الخاطئ تكون قد حازت القليل من الفضائل التي حزتها أنت، فصلّي من أجلي عساني أصل إلى درجة جهادك وفضيلتك". وبدلاً من أن يجيبه الناسك بلهجة متواضعة قائلاً: يا أخي، إنّي رجل خاطئ، ولم أدرك بعد إلى الدرجة التي يريدني الله أن أبلغها، فصلّ لأجلي كي أستحقّ المثول أمام الربّ نقيّاً، أو أن يصمت أمام هذا المديح، أجاب بتشامخ، وقد غلبه شيطان المجد الباطل في اللحظات الأخيرة من عمره، "كلّ إنسان يحصد ما قد زرعه، ويلاقي ما قد تعب من أجله". وما إن سمع الراهب الصامت هذا الكلام حتّى بكى بكاء مرّاً، ولكنّه لم يجب بحرف.

وعند وصولهما إلى الدير خلا الرئيس باللصّ، وبعد أن سمع اعترافه، ورأى ينابيع دموعه، أعطاه الكتاب المقدّس لكي يبدأ بمطالعته، كما لقّنه كيفيّة الصلاة بالمسبحة.

عاد اللصّ بعد عدّة أيّام ليطلع الرئيس على حالته، ولكي يتحقّق الرئيس من صدق توبته أمره أن يعترف أمام جميع الرهبان. وفعلاً اعترف اللصّ بكلّ جرائمه وأفعاله التي فعلها أمام جميع الإخوة، فلمّا رأى الراهب الصامت هذا تبسمّ ابتسامة عريضة معبّراً عن فرحه الكبير سيّما وقد سمع اللصّ يعِدُ الرئيس وشركة الإخوة أن يمضي بقيّة حياته في الدير بكلّ تواضع وزهد وانسحاق، وفيما هو يعترف بهذا وقع أرضاً ومات، وما إن نظر الراهب هذا حتّى تبسمّ ثانية ولكن من دون أن يتكلّم.

وبعد دفن اللصّ التائب أرسل الرئيس يطلب الراهب الصامت، ولمّا مثل أمامه سأله قائلاً:

- لماذا بكيت، يا أخي، عند مناولة الناسك، وضحكت عند موت اللصّ التائب؟

- لقد حزنت حزناً شديداً لرؤيتي هذا الناسك العظيم الذي قضى كلّ حياته يجاهد قد غُلب وهو على فراش الموت مفتخراً متعظّماً على صيامه ونسكه، ورأيت كيف أنّ الملاك الحارس قد ابتعد عنه، وسمعت صوته يقول له: "يا للخسارة لقد أضعت تعبك بتكبّرك وافتخارك". وضحكت لأنّي رأيت نفس هذا اللصّ التائب تجوز أبواب السماوات من دون مانع يرافقه ملاكه الحارس فرحاً مسروراً بخلاصه، وسمعته يقول له: "لقد ربحت السموات بتواضعك واعترافك، فهيّا لكي تمثل أمام الديّان بنقاوة ودالّة".

- حقّا يا بنيّ إن الاتّضاع هو إكليل الراهب، والتوبة والانسحاق يوصلان بسرعة إلى الملكوت.

أمّا الراهب الصامت، فعندما أراد الرئيس أن يحلّه من صمته قال له: "دعني، يا أبتي القدّيس، أبقى صامتاً، لأنّي بصمتي حزت على نعم سماويّة كثيرة، ورأيت الله في داخلي جلّيّاً. نعم، يا أبتي، إنّني ما كففت لحظة عن تذكّر القصّة التي قرأتها عن راهب أحضر ابن أخيه الطفل ليربّيه في الدير على الفضيلة بعد أن مات أبواه في حادث مؤلم. وبالفعل فلقد أنشأ الراهبُ الطفل على كلّ أنواع الفضيلة حتّى فاق الكثيرين من الرهبان بها، وكان عمّه يحسبه قدّيساً وهو لم يتعدَّ بعد الخامسة عشرة من عمره. ولكن، ما إن بلغ هذا الشاب التاسعة عشرة حتّى مرض مرضاً ثقيلاً وانتقل من هذه الدنيا.

حزن الراهب على فقدان ابن أخيه، وبدأ يصلّي بحرارة ليعلم أين مقرّه في الأبديّة، فرآه في حلم الليل موجوداً في مكان مظلم يتعذّب. انذهل الراهب، وأخذ يصلّي ويصوم ويسهر الليالي ليعرف لماذا وصل ابن أخيه إلى هذا المصير مع أنّه كان مكمَّلاً بالفضيلة، ومن حزن قلبه صرخ إلى الربّ قائلاً: "كيف حصل هذا أيّها الإله الرحوم، وكيف هلك هذا الشابّ البتول النامي في التقوى والفضيلة؟ أرجوك يا إلهي أوضح لي الأمر". فجاءه صوت يقول له: "لا تستغرب أيّها الراهب. إنّ الله يسألك أنت أيضاً: لِمَ لم تعلّم هذا الشابّ التواضع. إنّه بسبب نسكه وزهده حسب نفسه قدّيساً، فعوقب مع المتكبّرين. إن الله يحبّ المتواضعين لا المتكبّرين". فدعني إذاً، يا أبي القدّيس، أمضي بقيّة حياتي بالصمت والتواضع عساني أقف بين يديّ الخالق مبرَّراً.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

                   العدد الثامن والأربعون في 10/4/2011

 

لمن هذا الكرسيّ

 

       تعيّد الكنيسة المقدّسة في الأحد الخامس من الصوم الأربعينيّ المقدّس للتائبة الكبيرة القدّيسة مريم المصريّة. وبما أنّ سيرتها معروفة، لذلك سنورد قصّة تائبة كبيرة نظيرها تدعى تائيس:

       سمعت تائيس، يوماً، قرعاً على باب منزلها، وكم كانت دهشتها عندما رأت على عتبته راهباً غريباً. ارتبكت الفتاة، ولم تعرف ماذا تفعل. ابتسم الراهب، وهو يقول لها: "أتسمحين لي بالدخول؟". فأجابت: "تفضّل يا أبي". فدخل الراهب مع الفتاة إلى حجرة الاستقبال، وقد بدأ فكر الصبيّة يقول: "ترى ماذا يريد هذا الراهب منّي؟ ألا يعلم أنّي أفتح بيتي للخطيئة؟ ألعلّ الشهوة قد ألهبته؟ ألا يخاف من ألسنة الناس؟ ولكنّي، أرى ملامح العفّة واضحة على محيّاه، ألعلّه جاء ليوبّخني؟ لن أسمح له. فليفعل هذا في ديره أو في كنيسته. لن أدعه يقتحمني في بيتي". وفيما كانت الفتاة الجميلة تسترسل في أفكارها، قطع الراهب سيرابيون تفكيرها، وسألها في رقّة عن حالها، ثمّ ما لبث أن قدّم لها ديناراً وهو يقول: "ألا يوجد حجرة داخليّة لا يرانا فيها أحد؟"

- ليس في الحجرة غيرنا، ولن يدخل إنسان علينا هنا.

- أريد حجرة أكثر أماناً، لا يرانا فيها أحد. حجرة لا يرانا فيها الله.

- ماذا تقول أيّها الأب؟ لا يرانا الله؟! كيف يكون ذلك؟ الله يرانا أينما كنّا.

       بدأت الدموع تنهمر من عينيّ الراهب وهو يقول: "لا أستطيع، يا ابنتي، أن أرتكب هذا المنكر أمام عينيّ من أحبّني، وأسلم ابنه الحبيب فدية عنّي. أنا لا تهمّني أقوال الناس ولا أخافهم، لكنّني أخاف الله وحده الذي خلقني على صورته ومثاله". وهكذا، بدأ الراهب يسترسل في حديثه عن محبّة الله اللاّمحدودة، وبدأت، أيضاً، دموع الفتاة تتساقط من عينيها. وفجأة قطعت تائيس حديثه قائلة:

- وما هو الحلّ يا أبي؟ إنّي زانية، ولقد لوّثت حياة العديدين، وهدمت سلام عائلات كثيرة. فهل يقبلني الله بعد؟!

- نعم، يا ابنتي، الربّ يقدّس الخطأة وهو يريد خلاص الجميع، فلا تخافي. إنّ السماء كلّها تفرح بتوبتك.

- إنّي شرّيرة كبيرة. أنا لست إنسانة. أنا شيطان. لقد امتزج دمي وجسدي بالخطيئة، فهل يحتمل الله شيطاناً مثلي؟ لقد قاومت طريقه، وأفسدت خليقته.

       سقطت الفتاة عند قدميّ الراهب باكية، فبكى هو أيضاً قائلاً: "لا تخافي، يا ابنتي، لقد أرسلني الربّ، الذي يحبّك، لأجل خلاصك". فقالت له الفتاة: "ألا يوجد مكان أُكمِلُ فيه بقيّة أيّام حياتي بتوبة صادقة؟" فأجابها الراهب: "نعم، سأتدبّر الأمر". ثمّ ما لبثت تائيس أن قالت: "انتظرني بضع ساعات، فإنّي أريد أن أتخلّص من كلّ ما جمعته بواسطة النجاسة والخطيئة". ثمّ بدأت تجمع كلّ ما لديها من ملابس وأدوات زينة وحلي، ووضعتها في حقيبة، وخرجت تاركة الراهب في البيت بمفرده.

       سارت الفتاة إلى ساحة المدينة حيث كان الناس محتشدين، فنظرت إليهم وقالت والعبرات تخنقها: "هلمّوا جميعاً يا من تاجرتم معي، انظروا ها أنذا أحرق أمام أعينكم كلّ مكسب كسبته من الخطيئة". ثمّ أشعلت النار في حقيبتها.

       فتحت تائيس الباب، فوجدت الأب واقفاً وقد بسط يديه ليصلّي. لم تنتظر تائيس الراهب لينهي صلاته، بل ارتمت عند قدميه، وهي تقول: "ها أنا بين يديك يا أبي". فقال لها: "هيّا بنا إلى دير للعذارى قريب من هنا". وخرج الاثنان معاً، وكان أهل المدينة يتعجّبون قائلين: "من هو هذا الجبّار الذي غيّر شرّيرةً كهذه؟". أمّا هي، فكانت تسير بقلب منكسر، والدموع تنهمر من عينيها.

       سلّم الراهب تائيس لرئيسة الدير، وأوصاها بها. أمّا تائيس، فنظرت إلى الرئيسة بتذلّل، وقالت: "إنّي نجسة القلب والفكر والجسد. وأنا محتاجة أن أعيش في حجرة صغيرة بمفردي أبكي بقيّة أيّام حياتي على ما اقترفته يداي". فأعطتها الأمّ قلاّية[1] صغيرة بها نافذة ضيّقة كانت من خلالها تقدّم لها القليل من الخبز الجافّ والماء.

       وقبل أن يعود الراهب إلى ديره، سألته تائيس قائلة: "لم تقل لي يا أبي كيف أصلّي". فقال لها: "أنت لا تستحقّين أن تذكري اسم الله بشفتيك لأنّهما نجستان، ولا أن تبسطي يديك نحوه لأنّهما غير طاهرتين، بل عليك أن تجلسي، وتثبّتي نظرك إلى الشرق، وتردّدين: يا من خلقتني ارحمني". ثمّ استودعها عناية الله، وعاد إلى قلاّيته.

       مرّت أيّام وقصّة تائيس لا تفارق ذهن الأب سيرابيون، فذهب إلى القدّيس أنطونيوس، وروى له توبتها، ثمّ قال له: "دعنا، يا أبي، نصلّي نحن، وبقيّة الرهبان، حتّى يكشف الله لنا حال هذه الابنة". وبالفعل، نادى القدّيس أنطونيوس بعض الرهبان، وروى لهم قصّة التائبة تائيس، وطلب منهم أن يصلّوا الليل بطوله من أجلها. وفي الليل رأى أحدهم كأنّ السموات قد انفتحت، وظهر كرسيّ عظيمٌ غايةٌ في الجمال، تحمله ثلاثة ملائكة. أخذ الراهب يتأمّل جمال الكرسيّ وهو يقول: "لا شكّ أنّ هذا الكرسيّ البديع لأبي أنطونيوس إذ إنّه..." فقاطعه أحد الملائكة قائلاً: "لا، بل هو للتائبة تائيس".

       وفي الصباح غادر الراهب سيرابيون القدّيس أنطونيوس هو يشكر الله على ما آلت إليه حال تائيس، وتوجّه إلى الدير الذي كانت تقيم فيه، وما إن وصل حتّى علم من الرئيسة بأنّ تائيس قد انتقلت إلى الأخدار العلويّة. روى لها الأب الحلم الذي رآه الراهب، وأخذ الاثنان يمجّدان الله وهما يردّدان: "نعم لقد كسبت تائيس هذا الكرسيّ بتوبتها الصادقة".

 

 

 



[1]  وهي غرفة الراهب.

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

                                العدد التاسع والأربعون في 17/4/2011

 

 

متى تبخّر الملائكة؟

 

 

       كان القدّيس اندراوس المتباله لأجل المسيح، جالساً ذات صباح، في زاوية يستمع لابنه الروحيّ أبيفانيوس وهو يقرأ له أقوالاً للقدّيس باسيليوس الكبير. وطوال مدّة القراءة كانت تفيض رائحة طيب تشبه عطوراً جزيلة الثمن. وحين انتهت القراءة اختفت الرائحة. استدار أبيفانيوس منذهلاً نحو القدّيس وقال له: "ما هذه الرائحة العطرة التي كانت عابقة؟". وبما أنّ القدّيس كان يرى الشخص الذي يقوم بنضح الطيب، أجابه: "لقد حضرت ملائكة الربّ إلى هنا مريدة أن تكرّم أقوال الروح القدس المنطوق بها على لسان القدّيس باسيليوس، فكانت تبخّر حولنا فرحة".

    تعاظمت دهشة أبيفانيوس وحيرته. فتابع القدّيس قائلاً: "الملائكة تبخّر وترشّ الطيب على مختاري الله في ثلاثة حالات: أولاً، حين يقرأون الكتب المقدّسة، فتحيط بهم وتسمعهم. ثانياً، حين يصلّون ويتحدّثون مع الله، فتصلّي الملائكة معهم بفرح كبير. ثالثاً، حين يحتملون، محبّة بالله، تعباً أو ألماً أو عقوبات، فتقوم الملائكة بنضحهم بالطيب، وتحضّهم على جهاد العبادة الحسنة". وبخصوص الحالة الأخيرة سأروي لك القصّة التالية:

    انطلق يوليانوس الجاحد، ذات مرّة، ليحارب الفرس، فنزل إلى دفني، وهي إحدى ضواحي أنطاكية، ليضحّي للإله أبولون، ويستعلم منه عن نتيجة الحرب. ولكنّ الشيطان الذي كان يقيم في الوثن، لم يستطع أن يتنبّأ للأمبراطور بسبب وجود رفات القدّيس بابيلا. فأمر الجاحد الأنطاكيّين أن يقوموا بنقلها، فرفعوا رفات القدّيسين وساروا بها وهم يرتّلون: "ليخز جميع الساجدين للأوثان المفتخرين بأصنامهم".

    حين سمع الملك هذه الترانيم غضب وأمر بإلقاء القبض على جميع الذين كانوا يسيرون في الزياح وراء الرفات. ومن بين الذين تمّ القبض عليهم فتى في الخامسة عشر من عمره يدعى ثاوذورس.

    أوقف الجنود الفتى أمام الملك الذي أمر أتباعه أن يعلّقوه على خشبة ويقطعوا لحمه تقطيعاً، ممّا جعل الفتى يكابد عذابات فظيعة. ولمّا حلّ المساء ألقوه في السجن.

    بقي هناك عدّة أيّام إلى أن بلغهم خبرُ موت الملك في الحرب. وعندها قاموا بإطلاق سراح ثاوذورس، فعاد إلى بيته حيث راح أصدقاؤه وأقاربه يسألونه:

- ماذا كنتَ تشعر، أيّها الحبيب ثاوذورس، أثناء التعذيبات؟

-  في البداية احتملت الألم بصعوبة. ولكن بعد ذلك ظهر أمامي أربعة ملائكة ذوو وجوه جميلة يتسربلون حللاً ناصعة البياض. وكان واحد منهم يمسك بيده وعاء يلمع كالبرق، والثاني يحمل إناء ذهبيّاً يحوي طيباً يشبه زيت الورود. والاثنان الباقيان كانا يحملان غطائين أبيضين. فقام واحد من الملائكة بسكب الطيب في الوعاء، وبينما كان يحرّكه كنت أشعر بأنّ رائحة الطيب كانت تدخل مع كلّ نسمة أستنشقها، وتنتشر في كلّ أعضاء جسدي، وتطرد الآلام المبرِّحة. وبعد ذلك قام ملاك آخر بترطيب أحد الغطائين في الوعاء، ووضعه على وجهي مدّة طويلة، فنسيت الأوجاع بسبب لذّة الرائحة وعطرها. وحين رفع ذاك الغطاء، قام الثاني بوضع الغطاء الثاني فوق وجهي. استمرّ هذا الحال إلى أن أنزلني الجلاّدون عن الخشبة. وعندها غادرتني الملائكة، فحزنت لأنّني حُرمت تلك اللذّة البالغة الحلاوة، وكنت أريد أن أتعذّب أكثر.

      

       عزيزي القارئ، إنّ الحياة ليست حديقة من الزهور فقط، كما أنّها ليست حقلاً من الأشواك فقط، إنّما هي خليط من هذا وذاك. ولكن، هل يخطر ببالك أنّ للأشواك فوائد؟ نعم، فهي تحمي الزهور من العابثين والمتطفّلين. وهل لأشواك الحزن والألم والفشل من فوائد؟ لقد قال الرسول بولس عن نفسه: "أُعطيت شوكة في الجسد" (2كو 7:12)، فطلب من الربّ أن يرفعها عنه، فلم يستجب له الربّ. لقد تركها لأنّها مفيدة للرسول، وإلاّ لرفعها في الحال. أمّا أشواكنا نحن، فتفيدنا لأنّها تزيد من اتّكالنا على الله، وتشدّد إيماننا به، وتنقّينا من خطايانا، وتجعلنا نترفّق بالآخرين كوننا مثلهم مرضى، وتجعلنا أخيراً أن نترك الأرضيّات ونسمو في طلب العلويّات.

       فهل تنظر أنت، يا عزيزي القارئ، إلى أشواكك كطبيب مرسَل لك من الله؟!!

      

           هــو                              أنـت

 

* صعد على الصليب محبّة بك           تحملُ صليبك بشكر فتنال نعمة.

* سال دمه من أجل خلاصك             تسيل دموعك فتتنقّى من خطاياك.  

* ذاق المرّ لتذوق أنت حلاوة الفردوس    بمرارة الآلام تصبح شهيداً.

 

ربّي مَن أهّلت اللصّ إلى الفردوس في اليوم نفسه،،،

أنرنْي بصليبك مثله وخلّصْني.

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

                                        العدد الخمسون في 24/4/2011    

 

                                                      الصليب طريق القيامة

 

 لبّت مجموعة من الشباب نداء الربّ بالسير على درب الجلجة حاملاً كلّ منهم صليب آلامه وضيقاته ومشاكله بصبر جزيل. ساروا مسافة لا بأس بها، وكلّ منهم يردّد آيات الشكر والحمد والرضى، وأحياناً يترنّمون بأناشيد وتسابيح كنسيّة كانوا يعرفونها.

        وبعد مسير عدّة أيّام، بدا الصليب لأحدهم متعب للغاية بسبب ضخامته، وأنّه لا يستطيع حمله البتّة، فبدأ يصرخ قائلاً:

- آه، أيّها الربّ إلهي، إنّ صليبي كبير جدّاً، ولا أقوى على حمله، أرجوك دعني أقتطع قليلاً منه ليصبح أخفّ وزنا فأستطيع أن أجري بسرعة أكبر إليك.

فجاءه صوت من السماء يقول له:

- وهل صليبك أكبر من الصليب الذي حملته أنا فدية عن خطاياك؟

- ولكن، يا ربّ، أنا إنسان ضعيف لا أقوى على هذا الحمل الثقيل.

- ألا تعلم بأنّي أحمله معك، لا بل أنا أحمل الجزء الأثقل منه، وأنت لا تحمل سوى الجزء الخفيف.

-لا. يا ربّ، أنا لا أستطيع، إنّي أنوء تحت حمله. أرجوك دعني أخفّف قليلاً منه.

- ليكن كما تريد.

        وهكذا أخذ الشاب المنشار وبدأ يقتطع جزءاً من الصليب، ثمّ حمله بفرح وقد بدا أخف ثقلاً ممّا كان عليه.

        وبعد مسيرة طويلة، أحسّ من جديد بأنّ الصليب ما عاد محتمَلاً. إنّه كبير جدّاً، ولكنّه التفت إلى مرافقيه، فرآهم يحملون صلبانهم، وإن كان ببعض الصعوبة، إلاّ أنّهم لا يتذمّرون ولا يشتكون، بل هم فرحون يرنمّون مبتهجين لا يحسّون بثقل الصليب، ولا بمسافة الطريق الطويلة.

        نظر الشابّ إلى صليبه مجدّداً، فوجده أيضاً كبيراً، وأحسّ بأنّ العرق أخذ يتصبّب من جبينه لفرط ثقله، وودّ لو استطاع أيضاً الاقتطاع منه، فأخذ يقول ثانية للربّ:

- سامحني، يا ربّي، ولكنّه ثقيل. نعم، إنّه ثقيل جدّاً.

- أتتذمّر أيضاً؟

- إنّي لا أتذمّر، ولكنّي أشكو لك همّي.

- حسناً، يا بنيّ، سأساعدك في حمله.

- أنا أعلم، أيّها الربّ، أنّك إله رؤوف عطوف، فاسمح لي، إذاً، أن أقتطع جزءاً آخر منه، فيصبح حمله أسهل.

- ولكنّك بهذا سوف تخسر الكثير من الأكاليل والنعم، لأنّه بقدر ما تتحمّل بشكر، بقدر ما توهب من نعم، بالإضافة إلى أنّه قد لا يساعدك في اجتياز الهوّة الفاصلة بين الأرض والسماء، بين ظلمة هذا العالم وبين نور القيامة في العالم الثاني.

- لا بل أستطيع العبور، لأنّه مهما اقتطعت منه لا يزال كبيراً.

-حسناً، يا بنيّ، افعل ما يحلو لك.

        وهكذا، أيضاً، اقتطع هذا الشابّ جزءاً آخر من صليبه، حتّى بدا أصغر بكثير من صلبان رفاقه، ثمّ بدأ يسير بسهولة، وقد أحسّ بنشاط أكثر، وبدأ يسير فرحاً وهو يترنّم بلحن فرح، وما عاد العرق يسيل منه، فنظر إلى رفاقه، وإذا بهم قد سبقوه أشواطاً بعد أن كان هو منشغلاً بتصغير صليبه.

        وأخيراً وصل إلى الهوة التي تفصل بين هذا العالم وبين العالم الآخر، عالم النور والقيامة والفرح، ووجد أن رفاقه قد وضع كلّ منهم صليبه على حافتي الهوة مستعملاً إياه كجسرٍ عبر به إلى العالم الآخر بسهولة. فأراد هو أيضاً أن يضع صليبه، ولكن، ويا للمفاجأة، لا بل يا للحسرة!!! لم يكف صليبه ليصل بين الطرفين.

        أخذ الشاب يئنّ ويتأوّه، ولكن، هذا ما قد رزعه وإيّاه حصد. نعم، للأسف، بقي في ظلمة أهواء هذا العالم، ولم يحسّ بنور القيامة الوضّاء، لأنّه لم يستطع أن يتحمّل الصعوبات التي سمح بزرعها الربّ في طريقه، لكي بتحمّلها بشكر يحسّ بالظفر والغلبة وبنور القيامة، ولكنّه شعر، وهو في غمرة يأسه، بأنّ يد الربّ قد امتدّت إليه، وناولته صليباً جديداً، وصوتاً يقول له: "خذ صليبك واتبعني". أحسّ الشابّ بنور غمر كيانه، وفرح غريب شمله، فصرخ من أعماقه: "المجد والشكر لك، يا ربّ. نعم، سأتعلّم أن أحمل صليبي من دون تأفّف لأستحقّ الهتاف المسيح قام، فالمجد لقيامتك يا ربّ".

 من يحسّ حقّاً بالقيامة لا يعود يشغله أيّ أمر محزن، بل يردّد مع القدّيس سيرافيم ساروفسكي: "يا فرحي المسيح قام".

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

 

                                        العدد الحادي والخمسون في 1/5/2011

 

 

لمسات السيّد

 

           

 

            دخلت ليلى غرفة أخيها مازن، فوجدته جالساً على طرف السرير، وفي يده الكتاب المقدّس، وهو يقلّب صفحاته مفتّشاً، فسألته:

- على ماذا تفتّش يا مازن؟

- لقد كنت أقرأ الفصل الإنجيليّ الذي تُلي اليوم في الكنيسة عن الرسول توما، ولفت نظري كيف تجاسر توما ولمس الجنب السيّديّ، فخطر لي أن أفتّش على لمسات الناس للسيّد وأنواعها.

- وهل وُفّقت؟

- تقريباً. هيّا، اجلسي قربي لنتبيّن سويّة كيف لمست الجموع السيّد، وكيف تنوّعت لمساتهم ما بين الشفاء والفرح والخشوع والانسحاق... فالنازفة الدم، مثلاً، تقدّمت منه، بإيمان، ولمست هدب ثوبه طلباً للشفاء، ونالت مرادها بأيسر مرام (متّى20:9). وأمّا سمعان الشيخ الصدّيق الذي استأهل لصلاحه أن يلمس السيّد ويحتضنه بفرح، فصرخ كلمته المشهورة "الآن أطلق عبدك..." إذ لم يطق بعد البقاء في الحياة بعد رؤياه السيّد ولمسه إيّاه (لو 25:2).

ودعينا نتأمّل لمسة حاملات الطيب له، فقد أتين بخشوع وورع ليطيّبن جسده، فأشرق لهنّ نور القيامة. وهكذا نحن أيضاً نحسّ بإشراق القيامة متى تغلّبنا على رذائلنا كما تغلّبت أولئك على ضعف الطبيعة وعلى الخوف من الحرّاس (مر 1:16). وما أروع لمسة الانسحاق والتوبة الصادرة عن المرأة الزانية، والتي بها نالت مغفرة خطاياها وخلاصاً أبديّاً (لو 37:7).

أمّا لمسة توما المشكِّكة والتي غالباً ما نحاكيه فيها عندما نشكّ برحمة الله ووعده بأنّه سوف يبقى معنا إلى الأبد، أو بالإيمان به وبقدرته الإلهيّة، فقد ظهرت مدعاة تطويب لنا نحن المؤمنين بألوهيّته وإنسانيّته معاً "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (يو 26:20).

ولنختم بلمسة الجموع له الذين كانوا يزحمونه لينعموا بقربه المشعّ سلاماً، ولنماثلهم مجتمعين في بيت الله صارخين: "يا ربّ ارحم العالم"، لأنّ رحمتك أفضل من الحياة.

- جميل جدّاً، ولكن ماذا عن لمسات السيّد لنا، ألا تعتقد أنّها الأجمل والأهمّ؟

- لا ريب في ذلك. تعالي لنحاول اكتشافها.

- هات قلماً وورقاً واكتب معي:

1 – لمسة القوّة الإلهيّة: إقامته لميت ناين (لو 11:7).

2 – اللمسة المنيرة: "ولمّا جاء إلى البيت تقدّم إليه الأعميان فقال لهما يسوع: أتؤمنان أنّي أقدر أن أفعل هذا؟ قالا له: نعم يا سيّد. حينئذ لمس أعينهما قائلاً: بحسب إيمانكما ليكن لكما. فانفتحت أعينهما ...". (متّى28:9-30)

3 – اللمسة المطمئِنة: في حادثة التجلّي بعد أن سمع التلاميذ القول: "وفيما هو يتكلّم إذا سحابة نيّرة ظلّلتهم وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا. ولمّا سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدّاً. فجاء يسوع ولمسهم وقال: قوموا ولا تخافوا". (متى5:17-7).

4 – اللمسة المنجِّية: "وجاؤوا إليه بأصمّ أعقد وطلبوا إليه أن يضع يده عليه. فأخذه من بين الجمع على ناحية، ووضع أصابعه في أذنيه وتفل ولمس لسانه... وللوقت انفتحت أذناه، وانحلّ رباط لسانه، وتكلّم مستقيماً".(مر 32:7-35).

+++ وإذا أبرص قد جاء وسجد له قائلاً يا سيّد إن أردت تقدر أن تطهّرني. فمدّ يسوع يده ولمسه قائلاً أريد فاطهر. وللوقت طهر برصه" (متّى 2:8-3).

5 – اللمسة الشافية في بستان الجسمانيّة: "وضرب واحد منهم عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى. فقال يسوع: دعوا إلى هذا. ولمس أذنه وأبرأها". (لو 51:22).

+++ ابنة يايرس. (لو 49:8).

+++ حماة بطرس: (متى 15:8) – (مر 31:1).

+++ الأعمى منذ مولده: (يو 6:9).

6 – اللمسة المطهِّرة: "وإذا أبرص قد جاء وسجد له قائلاً: يا سيّد إن أردت تقدر أن تطهِّرني. فمدّ يسوع يده ولمسه قائلاً: أريد فاطهر. وللوقت طهر من برصه" (متى 2:8-3).

7- اللمسة المبارِكة: "وقدّموا إليه أولاداً لكي يلمسهم... فاحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم" (مر13:10-16).

+++ "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم... فوضع عليهم يديه ومضى" (متى 15:19).

عزيزي القارئ، ليتك تنظر معنا إلى لمسات السيّد، هذه اللمسات الحنونة العطوفة الرقيقة. لمسات الربّ كلّها عطاء، شفاء، بركة، نجاة. أمّا لمساتنا نحن، فتتأرجح ما بين السؤال والخشوع...

        دعنا نراجع أنفسنا ونسألها: كم مرّة أحسسنا في حياتنا بلمسات السيّد؟ وكم مرّة لمسناه نحن؟ وما نوع لمساتنا؟

كم نتمنّى لو نحسّ بلمسة الربّ بإيمان وطيد، فنصرخ مع توما ربّي وإلهي   المجد لك.

 

 

 

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

                                      العدد الثاني والخمسون في 8/5/2011

 

 

أمّ حنّـا

 

 

 

أمّ حنّا امرأة بسيطة عاشت كما تعيش معظم الأمّهات. خدمت بيتها وزوجها، وربّت أولادها تربية صالحة، ولم تقم بأيّ عمل خارق في حياتها سوى واجبها كزوجة وأمّ. حلمت يوماً أنّها ماتت، وأنّها دخلت باب السماء، ووقفت في صفّ طويل تنتظر أن يحاكمها الله تعالى.

وأثناء انتظارها، تكلّمت مع جارتها في الصفّ الطويل، وسألتها:

- هل أنت خائفة من مواجهة الربّ الديّان العادل؟

- آه، كلا لست خائفة، لأنّي قمت بالكثير من الأعمال الحسنة، وكان آخرها أنّني اقتحمت يوماً بيت أحد الجيران بينما كان يحترق، وخلّصت طفلاً صغيراً كان مهدّداً بالموت حرقاً.

خافت أمّ حنّا أكثر، لأنّها لم تقم أبداً بعمل مثل هذا. ثمّ التفتت خلفها، فإذا برجل ينتظر دوره، هو أيضاً، فسألته:

- وأنت، يا سيّدي، هل أنت خائف من مواجهة الله الديّان العادل؟

- كلا، كلا، ولماذا أخاف؟!! فكتاب حياتي الأرضيّة مليء بالأعمال التي ترضي الخالق، ومنها، مثلاً، تبنّيت ولداً معاقاً، وربّيته أحسن تربية، وعاملته مثل باقي أولادي تماماً.

 ازداد خوف أمّ حنّا، لأنّ ذاكرتها خالية تماماً من أيّ عمل بطوليّ. وأرادت أن تعود إلى الأرض لتقوم بعمل كبير يحسبه الله لها، لكنّ الملاك أخبرها أنّه لا يسمح لها بمغادرة السماء والعودة إلى الأرض.

حزنت أمّ حنّا لدى سماعها هذا الكلام، وأحسّت أنّه لم يبقَ لها إلاّ أن تنتظر دورها. فأخذت تحضّر في عقلها بماذا ستعتذر لله عن تقصيرها. وبعد تفكير قرّرت أن تقول له: "سامحني يا ربّ، فأنا لم أفعل شيئاً بطوليّاً في حياتي، ولا أعلم إن كنت أهلاً للسعادة الأبديّة".

وبعد فترة، وصل دورها، فنظرت إلى وجه الله، وفتحت فمها لتقول الجملة التي كانت قد حضّرتها بعناية فائقة، وإذا بالربّ يسبقها إلى الكلام، ويقول لها:

- تفضّلي، يا أمّ حنّا، إلى السعادة الأبديّة.

- لكن، يا ربّ، أنا لم أقم بعمل واحد بطوليّ في حياتي.

- ألم تغسلي ثياب زوجك وأولادك آلاف المرّات؟ ألم تهيّئي الطعام لهم عشرات آلاف المرّات؟ ألم تقومي بتنظيف البيت يوميّاً؟ ألم تمارسي سرّ التوبة وتتناولي باستحقاق، وتشتركي بالقدّاس الإلهي كلّ أحد وعيد، ألم تساعدي الفقراء، وتربّي أولادك تربية مسيحيّة صالحة، وتصلّين كلّ يوم، ألم تشكري في الضيقات والأمراض؟ ألم تحتملي أيّام الفقر والبؤس؟ أتظنّين أنّ ذلك ليس عملاً بطوليّاً؟ فتفضّلي إذاً.

 

 

                         هـل تعلـم

 

       

 

هلم تعلم، عزيزي القارئ، من هنّ القدّيسات حاملات الطيب؟

        إنّهن النسوة الشجاعات اللواتي أحببن الربّ حبّاً صادقاً قويّاً حتّى إنّهنّ ذهبن إلى قبر السيّد باكراً جدّاً لكي يطيّبن جسده المقدّس بالطيب جرياً على عادة اليهود، غير حاسبات حساباً لخوف أو لتعرّض حرّاس القبر لهنّ، ولهذا استحققن ظهور يسوع لهنّ أوّلاً بعد القيامة، حتّى قبل أن يظهر للتلاميذ الأحد عشر الذين اختبأوا جبناً.

 وأمّا أسماؤهن فهي: يونّا امرأة خوزي وكيل هيرودس (لو 3:8)، مريم زوجة كلاوبا (يو25:19)، مريم  ومرثا أختيّ لعازر (يو 1:11)، سوسنة (لو3:8)، سالومي (مر40:15)، ومريم المجدليّة التي أخرج منها سبعة شياطين (لو 3:8)

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

                         العدد الثالث والخمسون في 15/5/2011

 

 

موقف مسيحيّ

 

 

قال القدّيس زوسيماس[1]: جاءني أحد الإخوة مرّة، وكنت ألاطفه لأنّه كان من الشبّان المترفين، وقال لي: يا أبي إنّي أحبّك كثيراً. فقلت له: "إنّي لم أجد بعد من يحبّني كما أحبّه. أنت قلت إنّك تحبّني، وصدقت في قولك، ولكنّك إن رأيت منّي أمراً لا تريده، فإنّك لن تثبت في محبّتك هذه، وأمّا أنا فلا يغيّرني عن المحبّة أيّ أمر".

        وحدث بعد فترة أن انفصل عنّي، وصار يشتمني كثيراً، ويقول عليّ أقوالاً قبيحة، وكانت تبلغني كلّها. فكنت أقول في نفسي: "إن كلامه هذا وتصرّفه السيّئ معي ما هو إلاّ دواء أرسله لي الله ليداوي تكبّري وتشامخي". وكنت أقول لمن يخبرني بهذا الكلام: "إنّه يقول بما رأى من شروري التي كانت ظاهرة له، أمّا قبائحي الخفيّة، فلا يُحصى عددها".

        وبعد زمان، التقى بي، وسلّم عليّ كعادته. أمّا أنا فقبّلته ببشاشة، وكأنّه لم يبدو لي منه أمر قبيح، وأمّا هو فسجد لي وقال: "من أجل محبّة الربّ اغفر لي، يا أبي، لأنّي تكلّمت عليك كلاماً رديئاً جدّاً". فقلت له بطلاقة وجه: "هل تذكر عندما قلت لي إنّني أحبّك كثيراً؟ نعم، لقد وصلني كلّ ما قلته عنّي، ولم يخفَ عليّ لمن قلتَه وفي أيّ وقت قلتَه، ولكنّي لم أرد أن أقول أنا فيك قولاً سيّئاً، ولم أغفل عن ذكرك في صلواتي. ولكي تعلم مدى محبّتي لك، فقد حدث لي، في بعض الأوقات، أن أوجعتني عيناي وجعاً شديداً، فصلّيت، وأنا راكع على الأرض، وقلت: "يا ربّي يسوع المسيح اشفني بصلوات الأخ فلان. وفي الحال شفيت".

ثمّ أضاف الشيخ قائلاً: هذا جميع ما قلته للأخ.

 

إذا أساء إليك إنسان وأحزنك،

فقم في الحال، وصلِّ من أجله من كلّ قلبك

كي يغفر الله له،

وبذلك تنطفئ فيك محبّة مجازاة الشرّ بالشرّ.

 

 

        قيل إن القدّيس مكاريوس المصري[2] ذهب في إحدى المرّات إلى جبل نتريا[3]. ولمّا اقترب من مكان معيّن قال لتلميذه: "تقدّمني قليلاً". ولمّا فعل التلميذ هذا، قابله كاهن وثنيّ كان يجري حاملاً بعض الخشب، وكان الوقت حوالي الظهر. فصرخ الأخ قائلاً: "يا خادم الشيطان، إلى أين تجري؟" فاستدار الكاهن، وانهال عليه ضرباً ولكماً، وتركه ولم يبقَ فيه سوى قليل نفس. ثمّ حمل ما معه من الخشب وسار في طريقه.

        ولمّا ابتعد قليلاً، قابله القدّيس مكاريوس في الطريق وقال له:

- فلتصحبْكَ المعونة يا رجل النشاط.

- فاندهش الكاهن، وأقبل نحوه وقال: أيّ شيء جميل رأيته فيّ حتّى حيّيتني هكذا؟

- إنّي أراك تتعب وتكدّ وإن كنت لا تدري لماذا.

- وأنا إذ تأثّرت بتحيّتك عرفت أنّك تنتمي إلى الإله العظيم. ولكنّ هناك راهباً شرّيراً صادفني قبلك ولعنني، فضربته ضرب الموت.

        فعرف الشيخ أنّه تلميذه. أمّا الكاهن، فأمسك بقدميّ مكاريوس المغبوط، وقال له: "لن أدعك تمضي حتّى تجعلني راهباً". وإذ سارا معاً، وصلا إلى المكان الذي كان فيه الأخ مطروحاً، وحملاه وأتيا به إلى كنيسة الجبل. ولكنّ الإخوة عندما رأوا الكاهن الوثنيّ مع القدّيس مكاريوس تعجّبوا كيف تحوّل عن الشرّ الذي كان فيه. وأخذه القدّيس وجعله راهباً، وعن طريقه صار كثير من الوثنيّين مسيحيّين.

        وكان القدّيس مكاريوس يقول لتلاميذه:

 

"إنّ الكلمات الشرّيرة والمتكبّرة تحوّل الناس الأخيار إلى أشرار.

ولكنّ الكلام الطيّب المتواضع يحوّل الأشرار أخياراً".

 



 [1]  وهو ناسك مصريّ مشهور.

[2]  وهو ناسك عاش في بريّة مصر.

[3]  وهو جبل كان يتجمّع فيه عدد كبير من الرهبان.

 

St. James Convent

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

 

                                               العدد الرابع والخمسون في 22/5/2011

 

 

 

                                       

                             عفّة... وعفّة

وتعفّف بعد  فجور

  

 

 

تحدّثوا عن عذراء حرّة عفيفة هادئة في منزلها، فأحبَّها شابٌ رديء، ولم يكن يكفّ عن التردّد إلى منزلها، حتّى إنّه مراراً كثيرة منعها من الخروج إلى الكنيسة كي لا تلتقي به. ولكن لمّا كثر تردّده وإزعاجه، شقَّ عليها ذلك جدّاً وحزنت.

        وحدث في يوم من الأيّام أنّه جاء كعادته يدقّ الباب، وكانت العذراء حينئذ جالسة على المنسج، فلمّا علمت أنّه هو الذي يدقّ الباب، خرجت إليه ومعها مخرازها، وقالت له:

- ما الذي يأتي بك إلى ههنا يا إنسان؟

- هواك يا سيّدتي.

- وما الذي تهواه منّي؟

- عيناك فتنتاني، وإذا أبصرتك يلتهب قلبي.

        فجعلت العذراء النقيّة مخرازها في إحدى عينيها، وقلعتها بصرامة وطرحتها له، وشرعت في قلع الأخرى، فأسرع الشابّ، وأمسك بيدها، فدخلت إلى منزلها، وأغلقت بابها. فلمّا رأى الشابّ أنّ عينها قد قُلعت حزن جدّاً، وندم على ما كان منه، وخرج إلى البريّة من ساعته، وطرق، هذه المرّة، باب أحد الأديار ليترهّب فيه، ويقضي حياته ببرارة ونقاوة.

       

وقيل إنَّه لما نُهب بيت المقدس، وقعت عذراء راهبة شابّة جميلة، في يد أحد الفرسان الذي أراد إفسادها. فقالت له:

- تمهّل قليلاً، لأنَّ بيدي مهنة تعلّمتها من العذارى، ولا تصلح لعملها إلاّ عذراء، وإلاَّ فلا نفع لها.

- وما هي؟

- هي دهن إذا دُهن به إنسان، لا يؤثّر به سيفٌ أو أيّ نوع من الأسلحة البتّة. وأنت محتاج إلى ذلك، لأنَّك في كلِّ وقت تخرج للحرب.

- كيف أتحقّق صدق قولك؟

- فأخذت زيتاً، ووجّهت إليه الكلام قائلةً: إدهن رقبتك، وأعطني السيف كي أضربك به.

- لا، بل ادهني أنت رقبتك أولاً، وأنا أضرب بالسيف.

 فأجابته إلى ذلك ببشاشة، وأسرعت، فدهنت رقبتها وقالت: إضرب بكلّ قوّتك. فاستلّ سيفه، وكان ماضياً جدّاً، ومدّت القدّيسة رقبتها، وضرب بكلّ قوّته، فتدحرج رأسها على الأرض، ورضيت عروس المسيح أن تموت بالسيف دون أن تدنّس بتوليّتها. فحزن الفارس جدّاً، وبكى بكاءً عظيماً، إذ قتل مثل هذه الصورة الحسنة، وعرف أنَّها خدعته لتفلت من الدنس وفعل الخطيئة. 

 

        اندفع ذات يوم المغبوط أغسطينوس إلى بستان مجاور لمنزله، وارتمى على جذع شجرة تين، وهو يصرخ قائلاً:

عاصفة شديدة من الدنس... دافع عنّي!!

يا ربّ حتّى متى؟! لماذا لا تكون هذه الساعة حدّاً فاصلاً لنجاستي؟!

لقد كنت قبلاً أناديك: "يا ربّ أعطني الوداعة والعفّة، ولكن ليس الآن".

كنت أخاف أن تستجيب طلبتي، فلا أعود أتمتّع باللذّة!!

كنت أحبّ مجالسة الأشرار لا الجلوس معك!

والآن، إن قلت لك توبتي غداً، فاسمح أن أتوب الآن!

        وبينما هو يبكي سمع صوت طفل يردّد: "خذ واقرأ". فقام، وفتح رسائل القدّيس بولس الرسول، فإذا به يجد القول: "قد تناهى الليل، واقترب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة، نلبس أسلحة النور..." (رو 12:13). وفيما يتأمّل بهذه الكلمات، وفي حبّ الله للخطأة، وطول أناته مع كلّ إنسان، إذا بالباب يُقرَع. فسأل، من دون أن يفتحه، عمّن بالباب. وعرف القارع، فقال، عندئذ، من تطلبين؟ فأجابت: "أغسطينوس". فقال: "أغسطينوس مات". دهشت المرأة من تلك الإجابة وقالت: "الصوت صوت أغسطينوس، فكيف تقول لي إنّ أغسطينوس مات". فأجابها أغسطينوس: "يا أختي، إنّ أغسطينوس الذي تطلبينه قد مات. أمّا الذي يحدّثك الآن، فهو يسوع العامل في قلب أغسطينوس".

        لم تصدّق المرأة نفسها، وأسندت رأسها على يدها، ثمّ بدأت تخاطب نفسها: "ما هذا الذي أسمعه اليوم؟!! إنّه ليس كعادته!! أليس هذا أغسطينوس الذي كان يتوق إلى سماع صوتي؟! أليس هذا الذي كان يتمرّغ لاهياً في الفجور معي؟! أغسطينوس الذي ما كان يحتمل أن أغيب عنه يوماً واحداً، أغسطينوس يرفضني، ولا يريد حتّى أن يفتح الباب ليكلّمني!! ما الذي جرى؟!! بالحقّ هو مات. إنّه ليس أغسطينوس الذي كنت أعرفه. لكنّ المتكلّم هو يسوع العامل فيه!! أهكذا يا يسوع تقدر أن تميت الخطيئة، وتقتل الدنس، وتنزع الشهوات، وتلهب القلب بالعفّة، حتّى يرفض ذاك الفاجر مقابلتي؟!!!

والآن... لماذا لا تقتل شهواتي، أنا أيضاً، لأتمتّع بك، وأحيا فيك، وأختبر العفّة كما يحيا أغسطينوس اليوم؟!!

        انطرحت المرأة عند الباب باكية، وفي ندم صاحت:

"وأنا أيضاً أريد يسوع... يسوع... يسوع...!!!

فرام

 

 
Make a Free Website with Yola.