نشرة دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع للأطفال

الميراث

 

(قصة قصيرة للأطفال من الأدب المسيحي الروسي)

 

  كان أهل ليزا فقراء لكنّهم كانوا صادقين ومجتهدين. وليزا نفسها كانت فتاة لطيفة جداً يحبها كلّ أولاد الجوار لسلوكها المهذّب والرقيق. الكلّ كان يتلهّف ليلعب معها مع أنّها كانت الأفقر ولم تكن ترتدي الثياب الجذابّة مثل نتاشا وناستيا والأصدقاء الباقين. لم يكن أحد ينظر إلى ثيابها بل بالأحرى كانوا يهتمّون بقلبها الذي كان بالتأكيد أكثر قيمة من أي ملابس حريرية أو مخملية.

  فجأة تغيّرت ليزا. لقد تلقى أهلها ميراثاً كبيراً وصاروا أغنياء. فصارت ليزا تتخيّل أنّها أكثر أهمية من أصدقائها. لقد صارت متكبّرة إلى أبعد حد ولم يبقَ أي أثر من لطفها السابق ورغبتها في مساعدة الآخرين. تفاجأت نتاشا وناستيا والأصدقاء الآخرون بالبداية، لكنهم صاروا يضحكون منها لاحقاً، إلى أن قالت لها ناستيا في نهاية الأمر: "اسمعي يا ليزا. أنت تتصرفين بطريقة سخيفة. إذا لم تغيّري تصرفاتك سوف تبقين وحدك، وسوف لن نلعب معك. تذكّري ذلك."

  بعد سماعها هذه الكلمات، عقدت ليزا حاجبيها، وابتعدت عن أصدقائها ثم قالت لهم: " أنا الآن غنيّة وسوف أجد أصدقاءً كثيرين غيركم." لكنها كانت مخطئة. لقد تركها كلّ الأولاد الباقين. وما إن تخلّى عنها أصدقاؤها حتى أحسّت بالضجر الشديد. عندها أدركت كم هو كريه أن يكون الإنسان وحده. وفيما كانت جالسة إلى النافذة تتفرّج على أصدقائها يلعبون معاً ويفرحون، راحت تبكي. وقد لاحظت أمّها تغيّرها وسألتها: "لماذا أنت جالسة وحدك وما عدت تلعبين مع أصدقائك؟"

  في بادئ الأمر، خجلت ليزا من إخبار أمها عن السبب. لكن لما أصرت أمها، اعترفت لها بتصرفها الأحمق وقالت بأنها نادمة على تكبّرها.

  فقالت لها أمّها: "اذهبن الآن إلى أصدقائكِ واعتذري منهم قائلةً قد أخطأت، سامحوني لأجل المسيح وصلّوا لأجلي ليساعدني الرب وأصبح صالحة من جديد. وتذكّري أن ما يجعل الإنسان محبوباً ليس الثروة بل هو التصرف الرقيق اللطيف. ماذا يهم الآخرين إن كنتِ غنية أو فقيرة؟ أيهتم الآخرون بثروتك؟ تخلّي عن الكبرياء إلى الأبد. ولا تتركي مجالاً للشرير أن يجد في قلبكِ مكاناً له."

  عملت ليزا في الحال حسب نصيحة أمّها. واعتذرت من أصدقائها بوداعة عن تصرّفها المتعجرف معه، وقد رحّبوا بفرح بعودتها إلى رفقة الأولاد السعداء.

  لقد كان لهذه الخبرة تأثير نافع جداً على ليزا. إذ إنها منذ ذلك الحين لم تعد تتباهى بثروة أبيها. بل كانت تشكر الله على كلّ ما يرسله لها وخاصة على أصدقائها المحبّين.  

 

هل تعلم أنه في كلّ مرة تغلط فيها إلى الآخر تكون قد أخطأت إلى الرب يسوع نفسه لأنه قال كلّ ما تفعلونه بأحد هؤلاء الصغار فبي تفعلونه.

وهل تعلم أنّه كلّ مرة تندم فيها على غلطك يفرح بك الرب يسوع مع ملائكته والأم العذراء وجميع القديسين ويكون عرس في السماء.

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال                            العدد الثاني في 10/9/2010

 

المحبة تقهر الضجر

 

قصة قصيرة للأطفال من الأدب المسيحي الروسي

 

 

  في قديم الزمان، على قمة جبل عالٍ جداً وفوق الغيوم بكثير،   عاش عملاق وابنته العملاقة. وكان لهمابعض الجيران من العمالقة الذين غالباً ما يتبادلون معهم الزيارات. لكنّ كلّ هذه الوجوه صارت مألوفة عند العملاقة إلى درجة صارت تتعب من رؤيتها. لقد استنفدوا كلّ المواضيع التي يمكن مناقشتها إلى حدٍّ أنّها صارت تشمئزّ من هذه المواضيع. لم تكن العملاقة تعرف ما يجب أن تفعل تالياً، فحاولت أن تملأ أيامها عن طريق التبرّج ولعب الموسيقى والرسم، لكنّ شيئاً من كلّ هذا لم يثر اهتمامها أو يبهجها. لقد بقي قلبها خالياً وبارداً.

في الأودية العميقة عند قدميْ الجبل، كانت العملاقة ترى الناس صغار القامة بالنسبة لها يتحركون ذهاباً وإياباً ليؤمّنوا حاجاتهم اليومية.

 

    كانت تقضي أحياناً بعض الوقت تراقبهم دون أن تفهم أعمالهم حتى ما لبث أن عاد إليها الضجر. بالنسبة لها كانوا مثل النمل فوق هضبة، يروحون ويجيئون بدون تناغم أو سبب لحركاتهم.

 

  لقد كانت تضجر من وجودها عالياً فوق الجبل، كما كانت تضجر من مراقبة الأشخاص الضئيلي القامة في الوديان، حتى ظهر الأمر وكأنّ حياتها تمرّ في الضجر، إلى أن لمحت في أحد الأيام رجلاً يتشبّث مستقتلاً بالحروف الخشنة لمنحدر الجبل. لقد كان واقعاً في مصيبة إذ إن انهياراً ثلجياً هدر على الجبل وغطّى الرجل كلّياً. أتت العملاقة إلى عند الرجل وراحت تسحبه من تحت الثلج المتراكم ثم رفعته فوق تلة الثلج وحملته قرب قلبها لتدفئه. فعاد الرجل رويداً رويداً إلى الحياة. فرفعته العملاقة إلى قرب أذنها لتسمعه. شكرها الرجل لإنقاذها إياه وأخبرها أنّه أتى إلى المنحدر بحثاً عن حمل ليطعم عائلته. لأن زوجته المريضة وأولاده في المنزل بدون أي شيء ليأكلوه، حتى ولا قطعة خبز.

 

    استمعت العملاقة للرجل باهتمام كبير وطلبت منه أن يخبرها كيف يعيش الناس الصغار في الوادي أسفل. فأخبرها الرجل عن الأفراح والأحزان، عن النجاحات والمحن في حياته وفي حياة عائلته. لقد خشيت العملاقة أن تتفوّه بكلمة. لقد تذكّرت أن في طفولتها كانت المربّيات تحكين لها قصصاً لا تُحصى، كلن شيئا من كلّ تلك الحكايات لم يكن مثيراً للاهتمام كما كلام هذا الرجل. حتى الكتب التي وجدتها هي وأبوها، لا يمكن مقارنتها بهذه القصص الساحرة التي أخبرها إيّاها هذا الرجل. تحنّنت العملاقة على الرجل ودفئ قلبها. لقد أحسّت بالرغبة في مساعدة هؤلاء الناس واختبار أحزانهم وحاجاتهم بشكل شامل. لقد أصبحت مهتمة كثيراً بهؤلاء الناس الصغار القامة حتى لم تعد تحس بالضجر. راحت تقضي أياما طويلة تجمع الأعشاب لتحضّر الأدوية لهم. كذالك راحت تسهر على المنزلقات الثلجية والمنحدرات الخطرة لتبعد الناس عن خطرها.

 

لقد كان الناس ممتنّين لها كما أنّ العملاقة باركت ذلك اليوم الذي جمعها بأولئك الناس. ومنذ ذلك الحين امتلأ قلبها بالفرح والسعادة.

 

 هل تريد أن تشعر بالسعادة والفرح؟ ساعد من حولك. فمن كان جائعاً أطعمه. ومن كان برداناً أدفئه. ومن كان محتاجاً أعطه من مالك. ومن كان وحيداً كن له صديقاً. ومن كان متألماً أو حزيناً صلِّ لأجله. إذ ذاك يملأك الرب يسوع من محبته وتشعر بفرح وسعادة لا يوصفان. لأن "الله محبة"

 

 

 



 


راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصة للأطفال                             العدد الثالث في 26/9/2010

 

 

 

 

يايسوع ارحم أطفال العالم


أطفال اليوم دعامة كنيسة الغد،،،

أطفال اليوم بناة مجتمع الغد،،،

أطفال اليوم آباء وأمّهات الغد،،،

 فلنحرص على تربيتهم ليكونوا خير أغصان لخير أشجار

 

 

الشجرة المنحنية

 

    لاحظ جورج أنّ ابنه الصغير الوحيد نبيل شارد الفكر منذ عاد من المدرسة. فصار يحدّثه وهو يشاركه ألعابه ليعرف بماذا يفكّر. فقال له لوقا: لدينا في الصفّ زميل منحني الظهر لا يستطيع الانتصاب البتّة. إنّه طفل رقيق الطبع ومحبّ جدّاً، وأنا أحبّه، إنّه يسير وحده، فليس من يرغب في السير معه أو التحدّث معه، وأخشى مرافقته لكي لا أخسر رفاقي الذين يسخرون منه. وعندما نمارس الرياضة في المدرسة لا يستطيع المشاركة، فيبقى وحيداً في الفناء، ومع ذلك فإنّ ابتسامته لا تفارقه. إنّي أسأل نفسي لو كنت أعاني مثله من هذا المرض، فهل كان يهرب الجميع منّي؟

    صمت الأب قليلاً، ثمّ روى لابنه قصّة الشجرة المنحنية قائلاً: كان بعض الرسّامين الفنّانين يعبرون بين الأشجار لكي يرسموا لوحات فنيّة جميلة لأشجار مزهرة نضرة. لاحظوا شجرة منحنية وقد التفّت أغصانها حول مبنى قديم صغير. كان المسافرون يجدون راحتهم في هذا المبنى الذي تظلّله الشجرة وتنحني عليه كمن تحتضن من به.

    وقف الفنّانون في حيرة، فالبعض قالوا إنّها شجرة غير مستقيمة لا جمال لها كسائر الأشجار المحيطة بها. والبعض الآخر قالوا: "لا بل هي تحمل صورة رمزيّة للحبّ، فإنّها بانحنائها تحتضن غيرها وتظلّلهم من حرارة الشمس".

    هبّت عاصفة شديدة، فاهتزّت الأشجار المستقيمة وسقطت أمّا الشجرة المنحنية فلم تتأثّر كثيراً بالعاصفة، بل انحنت شجرتان بجوارها واتّكأتا عليها. انكسرت كلّ أشجار المنطقة، ولم تبق سوى هذه الشجرة المنحنية، وقد استند عليها بعض الأشجار الصغيرة التي حولها.

    جاء فصل الربيع، فأزهرت الشجرة المنحنية وكذلك الأشجار الملتفّة حولها، فصارت رائحة المنطقة زكيّة. أخرجت الشجرة بذوراً تساقطت وتبعثرت هنا وهناك، فنبتت شجيرات كثيرة. حزن كثيرون قائلين: ستمتلئ المنطقة أشجاراً منحنية، وبهذا يضيع جمال المنطقة. ولكن ظهرت بعد فترة أشجار مستقيمة، فأدرك الجميع قيمة الشجرة الأمّ المنحنية التي أفاضت بالحبّ على الكثيرين.  

    هكذا نحن أيضاً يا ولدي الحبيب، كلّ منّا يحمل الخير في ذاته، وإن كنّا لا نتمتّع جميعنا بصحّة كاملة. لذلك علينا أن نصلّي من أجل جميع الأطفال المرضى وأن نحبّهم كثيراً لأنّ يسوع نفسه يحبّهم. والآن هيّا بنا لنقف أمام الأيقونة ونصلّي: "يا ربّي يسوع ارحم كل طفل يتألّم".

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصة للأطفال                          العدد الرابع في 3/10/2010 

 

الأميرة المتخفّية

 

 

    عاش قديماً ملك عظيم الشأن واسع الغنى، وكانت له ابنة وحيدة رائعة الجمال، وافرة الذكاء. ولمّا بلغت الأميرة مرحلة الشباب تقدّم لخطبتها كثير من الشبّان، ولكنّها رفضتهم جميعاً، لأنّها لمست أنّهم طامعون في ممتلكاتها، ويطمحون إلى الجلوس على العرش بعد وفاة أبيها الملك.

 

    كانت الأميرة تريد أن تتزوّد بشابّ طيّب النفس رحيم القلب صادق الحبّ. ولكن كيف تصل إلى مثل هذا الفتى؟ وكيف تعرف صدق حبّه وطهارة نفسه؟. فكّرت طويلاً، وراحت تصلّ إلى الله ليرشدها ماذا تعمل، كما فكّر أبوها أيضاً. وأخيراً اهتديا إلى خطّة اتّفقا على تنفيذها. كانت الخطّة تتلخّص في أن تخرج الأميرة من قصرها متخفّية، لابسة ثياب الفقراء، ثمّ تتجوّل باحثة عن الشابّ المنشود. ولم يعلم أحد بهذه الخطّة إلاّ واحداً من الحرس الملكيّ كلّفه الملك أن يتبع الأميرة المتخفّية من بعيد يحرسها ولا يتدخّل في أمرها إلاّ إذا رآها تتعرّض للخطر.

   

    وفعلاً، أبدلت الأميرة ثيابها الفاخرة وجواهرها الثمينة بثوب بسيط، ولبست حذاء قديماً، وغطّت رأسها "بشال" يقيها حرارة الشمس، وتركت القصر فجراً قبل أن يصحو أحد، وتسلّلت منه دون أن يراها غير الحارس المكلَّف بمراقبتها عن بعد.

   

    وسارت الأميرة أميالاً طويلة حتّى تعبت، فمالت إلى جانب الطريق لتستريح. وأثناء ذلك أقبل شابّ راكباً حصاناً أبيض تبدو عليه مظاهر العظمة والجلال، فتقدّمت واستوقفته قائلة: أيّها السيّد الكريم، إنّي متعبة جدّاً من السير، وعليّ أن أسير مسافة طويلة بعد حتّى أبلغ إلى بلدي، فهل أطمع في كرمك أن تحملني على حصانك قليلاً؟ فانتهرها الشاب قائلاً: ابعدي عنّي وعن طريقي ابعدي. وغمز حصانه فانطلق يعدو. فقالت الأميرة في نفسها: يا له من أنانيّ عديم الرحمة.

   

    وتابعت الأميرة سيرها حتى لقيت رجلاً خارجاً من قلعة راكباً مهراً فصاح بها: ماذا تفعلين هنا؟ فاجابته: إنّي يا سيّدي أبحث عن الراحة والمأوى. لقد سرت على قدميّ طويلاً وأنا في غاية التعب. فزمجر فيها بغضب: ابتعدي فوراً عن هذا المكان وإلاّ لحقك السوء منّي.

   

    وبعد قليل قابلت الأميرة تاجراً غنيّاً يتقدّم حميراً محمَّلة ببضائع كثيرة، فاستوقفته قائلة: إنّني تعبة وجائعة جدّاً، أتعطيني قليلاً من الطعام يا سيّدي؟ فزجرها التاجر وأمرها أن تبتعد عن طريقه. فمالت عنه وشرعت تسير في طريق العودة إلى القصر وهي حزينة جدّاً كونها لم تلتق من يظهر لها رحمة وعطفاً.

   

    وفي منطقة قرويّة ريفيّة رآها راع قرويّ شابّ وهي تمشي مجهَدة متثاقلة، فرقّ قلبه لها، وتقدّم منها وقال: يبدو أنّك تعبة جدّاً أيّتها الفتاة، تعالي واجلسي على شاطئ هذا المجرى لتستريحي قليلاً. فأجابت طلبه شاكرة، وجلست في ظلّ شجرة ممتدّة الفروع متكاثفة الأوراق. فقال لها الراعي: يبدو أنّك جائعة. إذن شاركيني طعام الغذاء. وأخرج من حقيبته رغيفاً وقطعة كبيرة من الجبن وشيئاً من البلح وقدّمها للأميرة. فتناولت الطعام معه بشهيّة. ثم شكرته واستأذنته في الانصراف. وأحسّت الأميرة عند ذلك بسعادة تغمرها. لقد عثرت أخيراً على شخص نبيل رحيم طيّب القلب كريم رغم فقره.

   

    وعادت الأميرة إلى القصر، واتّجهت فوراً إلى والدها الذي سألها: هل وجدت الشابّ الطيّب الذي ترضين به زوجاً؟ فأجابت نعم يا والدي. إنّ الشخص الوحيد الذي أظهر نبلاً كان راعياً. لقد شاطرني طعامه حين كنت جائعة ومتعبة. فقال الملك بانذهال: راع؟! حسناً فليحضر إلى القصر لنراه.

 

    وحضر الراعي القروي إلى القصر، وابتسم الملك والملكة، وأخبروه باختيارهم له زوجاً للميرة. وأقيمت الأفراح وتمّ الزواج وعاش العروسان معاً في منتهى السعادة.

 

دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصة للأطفال                           العدد الخامس في 7/11/2010

 

 

 

نحن الأولاد مثل الملائكة في السماء

 

بابا، أنا أحبّ يسوع لأنّه كلّه نور

 

 

 

الشمعة المطفأة

 

 

 

 

كانت ولا ابنة صغيرة وحيدة لوالدها يحبّها جدّاً. لذلك فحينما مرضت،  ولم تفلح في علاجها كلّ جهود أمهر الأطبّاء؛ صار والدها كالمجنون يجوب كلّ مكان لكي تستعيد ولا صحتها. ولكن للأسف الشديد لم تتعاف، بل انطلقت إلى أحضان حبيبها يسوع.

        حزن والدها جدّاً، وابتعد عن أصدقائه، وما عاد يريد الخروج من المنزل، ورفض أن يأكل أو يشرب، ورفض أيضاً الذهاب إلى الكنيسة، وهكذا بقي وحيداً كئيباً.

        وفي ليلة من الليالي، رأى في منامه حلماً وكأنّه في السماء يشاهد موكباً كبيراً من الملائكة الصغار يسيرون في صفّ واحد طويل، متوجّهين نحو عرش الله العظيم اللاّمع ببياض أنصع من الثلج. وكانّ كلّ ملاك صغير لابساً ثوباً أبيضاً، ويحمل بيده شمعداناً. لكنّه لاحظ أنّ شمعدان أحدهم غير مشتعل، بل مطفَأً. فحدّق النظر، فإذا بالملاك حامل هذا الشمعدان المطفأ هو ابنته الحبيبة. فاندفع نحوها بسرعة فائقة ممّا أدّى إلى اضطراب الموكب، وأمسك بذراعيها، ملاطفاً إيّاها بحنوٍّ، ثمّ سألها:

- ما هذا، يا ابنتي العزيزة، إنّ شمعتك الوحيدة المُطفأة"؟

- كثيراً ما أشعلوها لي، لكنّ دموعك، يا أبي الحبيب، تطفئها دائماً. أنا أعيش حياة كلّها نور وفرح مع يسوع والملائكة.

        استيقظ الوالد من نومه، وعلم بأنّ ابنته أعطته درساً مفيداً كي لا يحزن. ومنذ تلك الساعة ما عاد منعزلاً، بل خرج وبدأ يندمج ويختلط مع أصدقائه القدامى. وذلك حتى لا تعود شمعة ابنته تنطفئ بسبب دموعه التي لا فائدة منها، خاصّة وقد علم أنّ ابنته الحبيبة سعيدّة جدّاً في أحضان يسوع، تشترك مع الملائكة الصغار في الترتيل له تراتيل حلوة جدّاً.

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال             العدد السادس في 5/12/2010

 

-       ماما، هل هذا القناع حلو؟

-       لا. نحن المسيحيّين يا حلوتي لنا صورة واحدة هي وجه يسوع المرسوم على وجوهنا.

 

قنــاع

البربارة

 

 

        إيمان ويونّا أختان تحبّان الربّ يسوع كثيراً، ويسوع المسيح الذي يحبّ الأولاد كثيراً يحميهما ويحبّهما كما يحميك أنت ويحبّك.

        إيمان يونّا تستعدّان لعيد البربارة، وقد اتّفقتا أن لا يضعا أقنعة بشعة مخيفة، لأنّ الربّ يسوع خلق الإنسان جميلاً، وأعطاه نعمة بأن يصبح أجمل كلّما اقترب منه أكثر.

        لبست الأولى ثياب راعي، فوضعت الكفيّة على رأسها وأمسكت العصا بيدها، ورسمت شانبين ولحية على وجهها. أمّا الثانية فقد ارتدت ثوب امرأة قرويّة جميلة، وأمسكت جرّة بيدها. دارت الفتاتان من بيت إلى بيت تنشدان الأغاني الحلوة، وتجمعان المال إلى أن حلّ الليل، فعادتا إلى البيت. وفي البيت سألتهما أمّهما ماذا ستفعلان بالمال الذي جمعتاه. فكّرتا جيّداً ثمّ قالتا: قولي لنا ما يجب فعله يا أمّنا الحلوة. فقالت الأمّ: اسمعاني جيّداً. هذا المال يخصّ إخوة يسوع الفقراء، وعليكما غداً بعد القدّاس أن وتوزّعاه على من كان محتاجاً أو مريضاً. فرحت الطفلتان باقتراح أمّهما، وذهبتا إلى النوم بعد أن صلّيتا معها صلاة النوم، وقرأتا قليلاً في الإنجيل المقدّس لتتعرّفا إلى مايقوله الربّ يسوع لنا.

        آه لقد طلع النهار ولم أشعر، قالت إيمان لنفسها، هيّا لأسرعْ إلى الكنيسة. لقد سبقتني أختي إليها. وفي طريقها تقدّمت منها امرأة فقيرة تبكي تطلب بعض المال لتشتري شيئاً لأولادها الجائعين. لم تلتفت إليها إيمان، بل مشت نحو الكنيسة مسرعة. ثمّ بعد عدّة دقائق سمعت أنيناً صادراً من إحدى النوافذ، ففكّرت قائلة: ربّما قد يكون هناك مريض بحاجة إلى دواء، هي لا تريد أن تصرف وقتها الضيّق عليه، لذلك لم تتوقّف بل استمرّت تجري إلى أن وصلت، فسمعت الكاهن والجوق يرفعون التسبيح للربّ. لكن، ويا للعجب!!! لقد دخلت الكنيسة فوجدتها فارغة، فلا جوق هناك ولا كاهن ولا مؤمنون حتّى أهلها لم ترهم هناك. رفعت عينيها إلى أيقونة الربّ يسوع، لكن يا للهول!! ماذا رأت؟! لم تجد صورة الربّ يسوع ضمن الكادر. فراحت تتلفّت يميناً ويساراً علّها تراه أو تجده في مكان ما. ولكنّها رأت تحت الأيقونة إنساناً راكعاً ويده على بطنه يتألّم. ترى من يكون؟! هل هذا ممكن؟!! لا يا ربّ لم أتوقّع أن تكون أنت!! أنت الإله القويّ القادر، إله السماء والأرض، فكيف تبدو الآن متألّماً مريضاً؟ هل هذا معقول؟! نظر إليها ربّنا نظرة حبّ وحنان وقال: نعم أنا أتألّم لأنّي جائع في شخص من رفضت أنت أن تساعديهم، وأتألّم مع ذاك المريض الذي كان يئنّ، ولم تتوقّفي لتسأليه عن حاجته. لم تتحمّل إيمان ما سمعت، فركعت على الأرض وهي تقول: سامحني يا يسوع، لقد أخطأت. فلمسها يسوع بحنان قائلاً: "لا بأس يا إيمان ابدأي من جديد". شعرت إيمان بيد تهزّها بقوّة، فظنّتها يد الربّ يسوع، ولكنّ هذه اليد هزّتها بقوّة أكبر، ففتحت عينيها لترى أمامها أمّها تدعوها للنهوض من سريرها استعداداً للذهاب إلى الكنيسة. فنظرت إلى والدتها وقالت بوداعة:

أعطني يا يسوع

قناع المحبّة

لأضعه على وجهي

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصة للأطفال                      العدد السابع في 12/12/2010

 

ماما، من فضلك،

 ماذا يقول الإنجيل عن ميلاد يسوع

 

 

إنّه صاحب العيد، فلا تنشغلوا عنه

 

 

 

 

 

طفل يقرع أبواب المدينة

 

       

 

     كان الطقس شديد البرودة، وقد وقف الطفل على الطريق وعيناه تجولان هنا وهناك باندهاش شديد. فالشوارع مزدحمة جدّاً، والسيّارات تحمل الهدايا، وبعضها قد تزيّن بزينات عيد الميلاد المجيد. والكلّ سهران. فأسرع إلى أقرب بيت إليه، وبدأ يقرع قرعات خفيفة، لعلّ أحداً ينقذه من هذا البرد وينجّيه. فتح ربّ البيت الباب، فرأى هذا الطفل فنظر إليه بازدراء، وأغلق الباب، وأمر الطفل بالخروج والابتعاد عن المنزل. وعلى أبواب منزل آخر، وكان سكّانه يلبسون أفخر الملابس، وأمامهم أشهى المأكولات، قوبل الطفل مقابلة سيّئة مرّة أخرى حيث رفض صاحب المنزل استضافته، وأمره بالذهاب من حيث أتى. وهكذا قوبل الطفل بالرفض من كلّ البيوت التي قرع أبوابها. ونتيجة لهذا الرفض بدأ جسم الطفل الصغير يتجمّد من شدّة البرد. ولكن فجأة شاهد أمامه كوخاً صغيراً، فلجأ إليه مسرعاً. وفور قرعه الباب فتحت له سيّدة عجوز. وإذ بها تفاجأ بالطفل وعلى جسمه ملابس خفيفة وممزّقة، وقد تجمّد جسمه من شدّة البرد. وبسرعة احتضنت السيّدة العجوز الطفل الصغير، وقابلته بحفاوة. وبدأت ربّة البيت تدلك يديه المتجمّدتين وكذلك رجليه. وبسرعة أحضرت له قطعة من الحلوى، وقدّمتها بمناسبة عيد الميلاد المجيد. في هذه الأثناء طلب ربّ الأسرة الكبيرة المقيمة في الغرفة الصغيرة من الجميع أن يجتمعوا لصلاة قصيرة. وأثناء الصلاة، أضاء نور أقوى من نور الشمس، واختفى الطفل الصغير فجأة. فأدرك الجميع أنّه كان يسوع، وقد جاء إلى المدينة بصورة الطفل، وقرع أبوابها فوجدها كلّها مغلقَة أمامه. انشغل عنه سكّان المدينة بملابسهم الجديدة الفخمة بينما كانت قلوبهم لا زالت عتيقة. انشغلوا بذكرى الميلاد، ونسوا صاحب العيد نفسه. وإن كان سكّان بيت لحم قديماً أغلقوا أبوابهم أمام الطفل، فاليوم لا يزال معظم سكّان الأرض لا يرحّبون بمولد الطفل في قلوبهم. ليتنا نفتح قلوبنا طالبين أن يولد الطفل يسوع مرّة أخرى، ولتكن هذه المرّة في القلب. 

 

Picture 002دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال               العدد الثامن في 19/12/2010

 

 

يا فرحي، الأسبوع القادم رح يولد يسوع

 

 

شجرة الميلاد

 المنحنية

 

    قيل إنّه غُرست في حقلٍ أشجارُ عيد الميلاد، فجاءت حمامة تسأل الأشجار شجرة شجرة إن كانت تستضيفها لكي تقيم عشّاً بين أغصانها لتحتضن بيضها. وكانت بعض الأشجار تعتذر بأنّها مغروسة حديثاً، وترغب أن تنمو سريعاً، فلا تريد أن يُقام بين أغصانها عشّ يدوم فترة طويلة يمثّل ثقلاً على الأغصان الحديثة والعاجزة عن احتمالها. والبعض اعتذر بأنّ وجود العشّ يفسد منظرها ويفقدها جمالها، فلا يقتنيها أحد ويزيّنها بالأنوار وأنواع الزينة الثمينة في عيد الميلاد المجيد.

    بين كلّ الأشجار وُجدت شجرة واحدة صغيرة نادت الحمامة وسألتها عن طلبها ورحّبت بها. فرحت الحمامة بالشجرة المتميّزة بمحبّة إضافة الغرباء، والتي لا تطلب ما لنفسها بل ما هو للآخرين. فسألتها الحمامة: "وما هي طلبتك مقابل هذه الضيافة الكريمة؟" فأجابت الشجرة: "وجودك بين أغصاني هو أجرتي، فإنّك إذ تجدين دفئاً وتحتضنين البيض ليغدو حماماً صغيراً، هذا يفرّحني تماماً. أرجو أن تقبلي هذه الدعوة، فإنّني أجد راحتي في راحة الآخرين". وبفرح شديد قبلت الحمامة الدعوة، وبدأت تجمع القشّ وتقيم عشّها بين أغصان شجرة عيد الميلاد الحديثة.

    جاء الشتاء قارصاً جدّاً، فأحنت الشجرة الجزء العلويّ في حنوّ نحو العشّ لتحمي الحمامة وبيضها من موجة البرد الشديد. وبقيت الشجرة تنحني بكلّ طاقتها، وتلتفّ حول العشّ حتى فقس البيض، وكبر الحمام الصغير وطار. فحاولت الشجرة أن ترفع الجزء العلويّ منها لتكون مستقيمة، لكن بعد هذه الفترة الطويلة من الانحناء لم يكن ممكناً أن تفعل ذلك، فبقيت منحنية.

    وقبل أيّام من عيد الميلاد جاء التجّار ليقطعوا أشجار العيد الخضراء ويبيعونها كي يزيّنها المسيحيّون استقبالاً للعيد. وكان كلّ تاجر يرفض شراء الشجرة المنحنية حتّى كادت أن تصير وحيدة في الحقل كلّه. تألّمت الشجرة جدّاً بسبب هذا الرفض، فإنّه سوف يأتي العيد وتتزيّن كلّ الأشجار زميلاتها أمّا هي فستبقى في العيد بلا زينة وبدأت تسائل نفسها: ترى هل أخطأت حين انحنيت لأحمي الحمامة وبيضها وفي ما بعد صغارها؟ فأتت الإجابة قويّة في داخلها: الحبّ الذي قدّمته هو الزينة التي تفرّح قلب مولود المزود. إنّني لن أندم قطّ على عمل محبّة صنعته.

    وبعد أيّام قليلة جاء مؤمن كان قد اشترى بيتاً حديثاً، ويريد أن يغرس شجرة في الحديقة الأماميّة. مرّ الرجل وزوجته بالحقل، فوجدا الحقل قد فرغ من الأشجار، ولم يبق سوى هذه الشجرة المنحنية. أُعجبا بها فاشترياها، واقتلعاها من جذورها، وغرساها في الحديقة الأماميّة للمنزل الجديد. وقبل العيد بيومين قام الرجل بتزيين الشجرة، ففرحت وتهلّلت. وإذ مرّ العيد جفّت كلّ الأشجار المقطوعة، وأُلقيت بين النفايات إذ أراد الجميع التخلّص منها. أمّا الشجرة المنحنية، فبدأت جذورها تدبّ في الأرض الجديدة، وصارت تنمو على الدوام، وشرع صاحبها يزيّنها في كلّ عيد للميلاد وفي كلّ مناسبة سعيدة.


دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال                                      العدد التاسع في 26/12/2010

 

 

 

تعالوا يا رفقاتي نقول ليسوع: ميلاد مجيد

 

un poisson.jpg                   هديـة العيـد

 

 

 

 

 

 

    اقترب عيد الميلاد المجيد وكلٌّ يسعى لشراء الهدايا، فدخلت سهام بدورها أحد المتاجر الكبرى لتشتري هديّة لولديها الحبيبين. لم تعرف ماذا تقدّم لهما، فإنّه لا يعوزهما شيء، فكلّ شيء لديهما بكثرة. أخيراً استقرّ رأيها على شراء هديّتين ثمينتين وجميلتين.

    وقفت سهام في أحد الصفوف لدفع الثمن متأكّدة أنّها على الأقلّ ستقف حوالي عشرين دقيقة في الصفّ ريثما يأتي دورها. لاحظت أمامها صبيّاً صغيراً يرتدي ملابس مهلهلة، وقد أمسك بإحدى يديه بعض ورقات نقديّة يقبض عليها بطريقة عجيبة كأنّه يمسك كنزاً ثميناً يخشى أن يضيع منه، وأمسك باليد الأخرى يد أخته الصغرى التي حملت حذاء كبيراً من الجلد اللاّمع الرخيص.

    بعد حوالي عشرين دقيقة قدّمت الطفلة الحذاء، فأمسكته البائعة وقالت لها بلطف: ستّة دولارات يا طفلتي. نظر الصبيّ إلى يده، فلم يجد سوى ثلاث دولارات، فقال للبائعة: هل نتركه عندك ونعود فنشتريه؟ بكت أخته وهي تقول:

- أريد أن نشتري الحذاء الآن.

- لا تخافي، فإنّي سأعمل في حديقة جيراننا اليوم كلّه لأؤمّن المال.

- لا، غداً سيغلق المتجر. إنّي أريد الحذاء الآن.

    انسابت الدموع من عيني سهام، وقدّمت ثلاثة دولارات للبائعة، فسلّمت الطفلين الحذاء. لمع بريق الفرح في عينيّ الطفلة التي التفتت إلى سهام وهي تقول:

- شكراً على محبّتك.

- لمن هذا الحذاء؟

- لوالدتي.

- من الذي اختاره؟

- نحن الاثنين، أنا وأخي.

- ولماذا اخترتما لها حذاء لامعاً؟

- والدتنا مريضة جدّاً. ووالدنا قال لنا إنّها ربّما ستعيّد عيد الميلاد مع بابا يسوع. وفي مدارس الأحد قيل لنا إنّه في السماء كلّ شيء بهيّ ولامع جدّاً. كلّ الطرق في أورشليم العليا من الذهب اللاّمع. لهذا قرّرنا أن نشتري لها حذاء لامعاً يناسبها في سفرها إلى بابا يسوع. ثمّ نظر الطفلان إلى السماء وقالا بصوت واحد: نشكرك يا يسوع الطفل لأنّك أرسلت لنا من يساعدنا على إدخال الفرح إلى قلب والدتنا.

    تأثّرت سهام جدّاً، وكانت الدموع تسيل من عينيها وهي تقول: وأنا أشكرك يا طفل المذود لأنّك أهّلتني أن أفرّح قلب هذين الطفلين.

وأنت يا عزيزي ماذا قدّمت هديّة للطفل الآتي من السماء ليمنحنا الفرح والسلام؟

 

أنتو بتعرفوا يا حلوين تقولوا مثلنا ترتيلة عيد الميلاد

 

 

 راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال                             العدد العاشر في 2/1/2011

 

 

 

          باي باي عام 2010 ، أهلاً وسهلاً عام 2011

      يا رب بارك ها العام حتى يكون كل العالم مبسوط

 

نزلت البحر وطلعت

 

   

عاش في قديم الأيّام صائغ اعتاد كلّ صباح عندما يفتح دكّانه أن يقول بصوت عال يسمعه جيرانه أصحاب الدكاكين المجاورة: الربّ عظيم وقويّ ولو نزلت إلى البحر تطلع منه سليمة. وكان صاحب الدكّان المجاور له صائغاً حسوداً، فكان يقول لنفسه: أنا أعرف أنّ الله عظيم، ولكن ما هي التي إن نزلت إلى البحر تطلع منه سليمة يا ترى؟!

    كان ذلك الصائغ معتاداً يوم عيد رأس السنة أن يشتري مقداراً كبيراً من السمك، فتقليه زوجته، ثمّ يوزّعه على المحتاجين والفقراء ليفرحوا يوم العيد.

    وحدث ذات يوم أن سقطت الجوهرة الغالية الثمن من خاتم السلطان، فأرسل يستدعي الصائغ وقال له: أنا أعلم أنّك صائغ ماهر، فأرجو أن تعيد لي الجوهرة الواقعة، وإن لم تستطع ذلك خلال ثلاثة أيّام فسوف أقطع لك رأسك. فأخذ الصائغ الخاتم، وقال لنفسه: لقد حان المساء، ولن أستطيع أن أعمل اليوم شيئاً، فلأضعه إذن في هذا الدرج إلى الغد. ثمّ أغلق الدكّان وذهب إلى بيته. وكان الصائغ الحسود يراقبه ويسمع كلّ شيء. وما إن ابتعد الصائغ حتّى احتال الحسود وفتح الدكّان وسرق الخاتم، ثمّ ذهب إلى البحر ورماه فيه وهو يقول: سأعرف الآن كيف سيطلع من البحر سليماً.

    ذهب الصائغ في اليوم التالي إلى السوق، واشترى السمك كالمعتاد ليوزّعه على الفقراء إذ كان يوم رأس السنة. ثمّ قصد دكّانه ليشتغل في إعادة الجوهرة إلى الخاتم. وكم كانت دهشته كبيرة عندما فتح الدرج ولم يجد الخاتم. فقال في نفسه: حسناً سوف يقطع لي السلطان رأسي، فلأذهب أوّلاً وأوزّع السمك على الفقراء ثمّ بعد نرى ماذا سنعمل.

    وعاد إلى البيت، فوجد أنّ بائع السمك قد أحضر سمكة كبيرة جدّاً وقد أخذت الزوجة في تنظيفها. وما إن فتحت أحشاءها حتّى وجدت داخلها خاتماً ثميناً. فأسرعت تخبر زوجها، وأرته الخاتم، فإذا هو نفس الخاتم الذي فقده، ففرح وتهلّل وأخبر زوجته بالقصّة كلّها وهو يقول: حقّاً إن الله قويّ وعظيم وإن نزلت إلى البحر تطلع منه سالمة. وقام بتركيب الجوهرة وحمل الخاتم إلى السلطان ونال مكافأة كبيرة. وانتهت الأيّام الثلاثة والصائغ الحسود متلهّف ليعرف ماذا سيحدث. فوجد جاره قد جاء كالمعتاد، فركض إليه يسأله ماذا فعلت بخاتم السلطان؟ فأجاب: لقد نفّذت له طلبه. قال: وكيف هذا؟ فتفرّس فيه الصائغ وقال: لماذا تسألني؟ فاعترف له بما فعله وقال: كنت أريد أن أعرف كيف تطلع من البحر سليمة. فضحك الصائغ وأخبره كيف وجد الخاتم في بطن السمكة. فانذهل الحسود وقال: حقّاً إنّ الله عظيم وقويّ، وحقّاً هو مدبر الكلّ بحكمته.

 

جدّو تعال نبدأ العام الجديد بقراءة الإنجيل

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال             العدد الحادي عشر في9/1/2011

 

 

 

يا ملاك الله الحارس احرسنا

                               

                             

                         الملاك الحارس

 

 

 

- جاك، لا تنسَ، يا حبيبي، أن تُهيّئ هديّتك لرالف ابن خالتك، فغداً سوف نذهب لنشارك في معموديّته.

-كلا، يا أمّي، لم أنسَ فالهديّة جاهزة، وقد لففتها بأوراق ملوَّنة ومذهَّبة جميلة. 

- جميل جدّاً. ولكن، يا جاك، أتعرف ماذا سيهدي يسوع رالف غداً؟

- كلا وماذا سيقدَّم له؟

- ملاكاً حارساً.

- ومن هو هذا يا أمَّي؟

­- إنَّه ملاك جميل جدّاً كلّه نور. يعطيه يسوع لكلّ طفلٍ يعتمد كي يرافقه مدى الحياة، ويحفظه ويحرسه من كلَّ شرّ.

- وأنا هل لديَّ ملاك حارس؟

- نعم، يا عزيزي، فعندما كنت طفلاً صغيراً أخذتك، أنا وأبوك، إلى الكنيسة حيث اعتمدت بحضور كلِّ الأقارب، ويومها أعطاك الربُّ يسوع أنت أيضاً ملاكاً يحميك.

- وهل أنتِ أيضاً لكِ ملاكٌ حارس؟

- أجل. كلُّ واحدٍ منّا له ملاكه الحارس.

- ولكنّي لا أراه.

- معك حقّ. نحن لا نستطيع أنْ نراه لأنَّ لا جسم له كما يوجد لنا ولذلك يُسمَّى ملاكاً. الملائكة يعيشون مع يسوع في السَّماء. عملهم أن يُرتِّلوا للربّ على الدوام وأن يحمونا من الأضرار. وللبعض منهم أسماء مثل ميخائيل أو (ميشيل كاسم ابن عمَّتك ) وجبرائيل أوكابي (كاسم رفيقك في المدرسة) ... والملاك الحارس ملاك يكون معك ليلاً ونهاراً. يفرح عندما تعمل أعمالاً حسنة مثلاً: عندما تصلّي قبل أن تذهب إلى المدرسة كي يبارك الربّ يومك ودروسك. وعندما تصلّي قبل الأكل كي يبارك لك طعامك، وعندما تشكره بعد الأكل على كلّ ما أعطاك من أطعمة طيّبة، أو عندما تخدم رفقاءك وتطيع أهلك، أو عندما تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد أو يوم العيد وتتناول من الأسرار الطاهرة، أو عندما تطالع في الإنجيل المقدّس... وطبعاً يحزن كثيراً، ويبتعد عنك عندما لا تقوم بهذه الأعمال.

-(بعد تفكير) حسناً. ولكن كيف أكلّمه وأطلب منه ما أريد؟

- عندما تصلّي تستطيع أن تقول له كلّ شيء. وهناك صلاة خاصّة نقولها له وهي:

" أيّها الملاك القدّيس الملازم نفسي الشقيّة وحياتي الذليلة، لا تهملني أنا الخاطئ، ولا تبتعد عنّي من أجل إسرافي وتبذّخي، ولا تعطِ فرصة للشيطان الشرّير لكي يسود على جسدي هذا المائت، بل أمسك بيدي الشقيّة المسترخية، واهدني إلى طريق الخلاص. نعم يا ملاك الله القدّيس الحارس والساتر نفسي الشقيّة وجسدي، سامحني بكلّ ما أحزنتك به جميع أيّام حياتي، وإن كنت قد أخطأت في نهاري هذا اليوم، فكن أنت ساتراً لي في هذه الليلة، واحفظني من جميع حيل المعاند لكي لا أسخط الله بخطيئة من الخطايا، وتشفّع من أجلي إلى الربّ الإله، ليثبّتني في مخافته، ويظهرني لصلاحه عبداً مستحقّاً آمين."

-أف. إنّها كبيرة جدّاً وصعبة.

- لا بأس يا حبيبي، سوف نتعلّمها على مراحل، وسوف تحفظها أكثر عندما تكبر قليلاً. ويمكنك أن تصلّي له في المسبحة التي أعطيتك إيّاها وتقول: يا ملاك الله الحارس تشفّع بنا.

- هذه أهون وأسرع.

- حسناً. إذن هلمّ بنا نصلّي له.

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال                 العدد الثاني عشر في 23/1/2011

                                  حـرّاس

                                  البــاب

 

 

 

    كانت ماريّا فتاة يتيمة تعيش في كوخ سقفه من القصب. وكان كوخها منعزلاً وسط أشجار متشابكة على جانب الطريق. كانت الفتاة تستطيع أن ترى من باب كوخها المراعي الواسعة تسطع عليها الشمس الذهبيّة، والأرض المكتسية بالحشائش ذات الزهور البنفسجيّة، وهنا وهناك تنمو الشجيرات ذات الثمار الحمراء. ولكنّ في الليل، وبخاصّة في ليالي الشتاء، كان الظلام مطبقاً وموحشاً حتّى إنّ الإنسان قد يتملّكه الخوف أحياناً، فحينما تهبّ الريح في العتمة، يُسمع لها أصوات غريبة كأصوات العويل.

        كانت ماريا في الرابعة عشرة من عمرها عندما مات أبوها الذي كان رجلاً فظّاً قاسياً. أدركه الموت وهو راجع من المقهى في إحدى ليالي الشتاء العاصفة. وإذ ضلّ الطريق وُجد ميتاً وسط الثلوج. أمّا أمّها فكانت قد ماتت حين كانت ماريّا طفلة صغيرة حتى لا تكاد تتذكّر وجهها.

        كانت ماريّا طفلة ذكيّة وشجاعة يحبّها كلّ من ينظر إلى وجهها البشوش ولهجتها اللطيفة. اعتادت ماريّا أن تبيع بيض دجاجها الذي تستطيع أن تستغني عنه، وكان كلبها الذي درّبه والدها على كلّ فنون الصيد يحضر لها أحياناً بعض الحيوانات البريّة، فكانت تطبخها وتتغذّى بها.

        اعتادت ماريّا أن تصلّي كلّ ليلة الجملة التي علّمتها إيّاها أمّها التي كانت تردّدها لها وهي تهدهدها على ركبتيها لتنام: "ليبارك الربّ هذا البيت، وليكن الرسل الإثنا عشر حرّاساً للباب. وليحرس سريري أربعة ملائكة صالحين: اثنان عند القدم، اثنان عند الرأس. آمين".

        بالرغم أنّها كانت وحيدة في العالم إذ لم يكن لها أقرباء أو صديقات من سنّها إلاّ أنّها كانت سعيدة قانعة، تمضي أوقاتها ما بين الصلاة ومطالعة حياة القدّيسين وتنظيف كوخها. ومع هذا ابتدأت القصص الغريبة تتهامس في القرية. فلقد أكّد الناس الذين كانوا يمرّون قريباً من كوخها العتيق في الليل أنّهم شاهدوا ضوءاً غريباً يلمع من زجاج النافذة. وآخرون قالوا إنّهم لاحظوا رجالاً  غريبي الشكل واقفين تحت أغصان الشجرة الكائنة قرب الباب!! لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الكوخ، ولكن من المؤكّد أنّ أشياء غريبة كانت تجري داخله، وأنّ الفتاة ماريّا التي كانت تظهر في منتهى البساطة والبراءة لم تكن طيّبة كما كان الناس والجيران يحسبونها. فوصلت الشائعات إلى أذني الكاهن الشيخ، فأرسل في طلب الفتاة وسألها بتدقيق. حزنت ماريّا إذ علمت بمثل هذه القصص الكاذبة التي تُحكى عنها، وقالت إنّها لا تعرف شيئاً عن أيّة أنوار أو رجال. فحالما يحلّ الليل، ويتعذّر عليها أن ترى ما تعمله، كانت تغلق بابها، وبعد أن تتعشّى تطفئ موقدها ومشعلها وتذهب إلى سريرها. فقال لها الكاهن في حنان: وماذا تقولين في صلواتك يا ابنتي؟ فأحنت ماريّا رأسها وأجابت بصوت منخفض: إنّني لا أعرف أيّة صلوات، ولكنّي أقول دائماً الكلمات التي علّمتني إيّاها أمّي: ليبارك الربّ.... فابتسم الكاهن وقال: لا يوجد أحسن من هذه الصلاة يا ابنتي العزيزة. اذهبي الآن إلى بيتك، ولا تهتمّي لما تردّده ألسنة الناس، واتلي كلّ ليلة صلاتك الصغيرة هذه، والله سوف يعتني بك.

        ولكن، وفي وقت متأخّر من الليل، أضاء الكاهن فانوسه وخرج من منزله، دون أن يخبر أحداً، وكان السكون والظلام يخيّمان على القرية. كان يمشي وهو يقول في نفسه: إنّها فتاة طيّبة، وربّما لاحظ الناس شيئاً غريباً دعا إلى ذيوع هذه القصص. سأذهب وأرى بعيني.

        أخيراً ظهر له الكوخ من بعيد، فوقف مبهوتاً إذ شاهد كما قيل له تماماً أي نوراً وهّاجاً يظهر من النافذة الصغيرة، فاقترب بحذر بعد أن أطفأ فانوسه، ورغم أن الطريق أصبح معتماً إلاّ أنّه استطاع أن يتبيّن على ضوء النجوم أنّ هناك أشخاصاً عديدين واقفين قرب الباب وكأنّما يتحادثون فيما بينهم. امتلأ قلب الكاهن الطيّب دهشة وأسفاً، فأشعل فانوسه، وتقدّم بشجاعة ليواجه المعتدين. لكنّهم لم ينزعجوا على الإطلاق، ولم تظهر عليهم أيّة محاولة للهرب منه، ثمّ إذ سقط الضوء عليهم انذهل الكاهن وتملّكته الدهشة والرهبة، فوقف في مكانه كالعاجز. كان الواقفون رجالاً من عالم آخر، وقد اكتسوا لباساً طويلاً غريباً جليلاً في منظره. وفي لحظة عرف الكاهن من هم، وضرب لهم مطانيّة (سجدة)، لكنّ الغرباء اختفوا ببطء في الظلام. وأمّا الكاهن فظنّ أنّه في حلم لا في حقيقة لولا أنّ النور الذي بقي مشعّاً من النافذة. إنّه نور الملائكة.

        نهض الكاهن من سجوده، واتّجه نحو النافذة لينظر داخل الكوخ، وفي الحال امتدت يد غير منظورة ملوّحة بسيف مسلول، وكلّمه صوتٌ منخفض قائلاً: "لا تنظر، وإلاّ ستقع غشاوة على عينيك تمنعك من الرؤية". لكنّ الكاهن العجوز أمسك السيف بيده، وحاول أن يبعده قائلاً: "دعني أرى، فإنّ نظرة واحدة إلى الملائكة أفضل من ألف سنة ننظر فيها إلى الأرضيّات". وفي صيحة فرح رأى الكاهن ركناً من السرير الخشبيّ، وإلى جانبه جناحان كانا لأحد الملاكين الواقفين عند القدم. ثمّ اختفى كلّ شيء، وخيّم ظلام عميق. فظنّ الكاهن أنّه قد وقعت عليه الغشاوة، ولكنّه كان يأسف، فقط، لانحجاب رؤية الملائكة عنه . ولمّا أراد الرجوع وجد أنّه لم يفقد نور عينيه، بل بالعكس أصبح في استطاعته أن يرى الأشياء بوضوح أكثر. وعاد الكاهن راجعاً إلى بيته، وكان من حين لآخر يلتفت إلى الوراء، فكان في كلّ مرّة يرى الاثني عشر ذوي الثياب الطويلة يحرسون الكوخ الواقع على طرف البراري.

 

أطفالنا ملائكة أطهار تحرسها ملائكة أطهار

فلنحافظ على طهارتهم

 

دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال            العدد الثالث عشر في 30/1/2011

 

 

أطفالنا زهور فوّاحة، دعوها تتفتّح على حبّ المساعدة

 

 

 

    النملة الفرحة

 

 

   طلبت ليليان من أمّها أن تقصّ عليها حكاية حلوة قبل أن تنام. لبّت الأمّ الطلب بكلّ محبّة وفرح سيّما وقد لاحظت أنّ ليليان لم تهبّ لمساعدة أختها ماريا في عمل كانت تقوم به:

     اعتادت النملة سعيدة أن تعود كلّ يوم إلى جحرها متهلّلة تروي للنمل أصحابها عن الخالق المبدع الذي أوجد هذا العالم الجميل، فكانت تخلق لهم جوّاً من الفرح. وإذ عادت يوماً وهي تغنّي وتسبّح الله سألها أصحابها: أروي لنا ماذا أعجبك اليوم يا سعيدة، فنحن نراك متهلّلة جدّاً أكثر من كلّ يوم آخر؟ فقالت لهم: بعد أن انتهيت من عملي في تنظيف مسكني انطلقت أتمشّى على صخرة كبيرة، ووقفت أتأمّل السماء الزرقاء الجميلة وبعض الغيوم المتناثرة هنا وهناك. عبرت بي حمامة تطير، كان جناحاها الجميلان أشبه بمروحتين رائعتين. فقلت لها: يا لك من حمامة جميلة! لقد أعطاك الله جناحين جميلين، ويا لجمال ريشك الناعم الأبيض. إنّي أرى لمسات الخالق المبدع واضحة فيك.

وبينما كنت أتحدّث معها إذا بتيّار جارف يقتحم المكان فانجرفتُ في الماء. أشفقت الحمامة عليّ، وأسرعت تحاول إنقاذي، وقد أمسكت بمنقارها فرعاً صغيراً من الشجر. تسلّقتُ عليه، ثمّ انطلقت بي الحمامة تحملني بعيداً عن الماء. لقد أنقذتني من موت أكيد. شكرتها على محبّتها ولطفها وحنانها، ثم أكملت نزهتي وأنا فرحة أغنّي.

بعد قليل نامت الحمامة على فرع شجرة، وإذا بصبيّ يراها، فأمسك بمقلاع ليصوّب حجراً عليها ويصطادها. أسرعت إليه، وقد تحقّقت من الخطر المحدق بصديقتي ومنقذتي، ولدغته في قدمه لدغة قويّة، فصرخ من الألم وقفز بعيداً.

     استيقظت الحمامة وطارت في الجوّ وهي تضحك على الصبيّ الذي لم يستطع اصطيادها. لقد أنقذتُها من يد الصبيّ القاسية، وإنّي أشكر الله الذي أعطاني القوّة لأنقذ الحمامة، وتأكّدت بأنّي محتاجة إليها، كما أنّها هي أيضاً محتاجة إليّ.

     والآن، يا حبيبتي ليليان، أأعجبك عمل النملة، وهل علمت لماذا هي دوماً فرحة؟ فأجابت ليليان وهي خجلة: نعم، يا أمّي، وأنا منذ اليوم سوف أسرع لمساعدة كلّ شخص بحاجة إلى معونة. ثمّ التفتت إلى أختها وهي تقول: سامحيني، يا أختاه، فغداً سوف أساعدك في تنظيف غرفتك. عانقت الأمّ ابنتها، ثمّ قالت لها إذن، خذي هذا اللوح من الشوكولا لتأكليه مع أختك بعد أن تنتهيا من عملكما. واعلمي أنّ القويّ محتاج إلى الضعيف، كما الضعيف يحتاج إلى القويّ. والكبير يحتاج إلى الصغير، كما الصغير إلى الكبير. وبهذه المناسبة سوف أعلّمك هذه الآية من الكتاب المقدّس:

 

"إن كان عضو يتألّم،،،

فجميع الأعضاء تتألّم معه،،،

وإن كان عضو يُكرَّم،،،

فجميع الأعضاء تفرح معه،،،

(1كو 26:12)

 

                  راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

                             St. James Convent

 

نشرة خاصة للأطفال                                العدد الرابع عشر في 6/2/2011

 

 

 

يا أولادي أنا لا أحبّكم غضوبين بل وديعين وهادئين

 

 

                                              

الماعز الثائرة

 

 

كان لدى فلاح ماعز جميلة ربط حول عنقها جرساً ذهبيّاً. فكانت الماعز تقفز يميناً ويساراً، وتحرّك رأسها باعتزاز وفخر لكي يسمع الكل صوت الجرس فيأتون إليها معجبين بها. وبينما كانت تقفز ذات يوم إذا بالجرس يدخل وسط شجيرة شوك قائمة على تلّ. نظرت الماعز إلى الشجيرة وطلبت منها أن تردّ إليها الجرس. قالت لها الشجيرة: إن أردت الجرس فاصعدي على التلّ وخذيه، فأنا لن ألقيه إليك أبداً. اغتاظت الماعز جدّاً وهدّدت الشجيرة بأنَّها ستنتقم منها. فذهبت في الحال إلى المنشار وروت له ما حدث، وطلبت منه أن يقطع الشجيرة انتقاماً لها. فأجاب المنشار: الشجيرة لم تخطئ فكيف أقطعها سيَّما وقد صرت قديماً جدّاً وأسناني ما عادت حادّة.

اغتاظت الماعز للمرّة الثانية، وتوعّدت المنشار بأنّها ستنتقم منه، فقصدت النار وروت لها كلَّ ما حدث، وسألتها أن تحرق المنشار. فقالت لها النار: كيف أحرق المنشار وهو على حقّ فيما قاله، كما أنَّه يعجز بأسنانه غير الحادّة أن يقطع الشجيرة؟ غضبت الماعز جدّاً وتوعّدت النار بأنّها ستنتقم منها هي الأخرى. ثمّ توجَّهت نحو الماء ترجوها أن تطفئ النار انتقاماً لها. فرفضت المياه قائلةً: لماذا تغضبين سريعاً، أيّ ذنب اقترفته النار لتنتقمي منها؟!

ثارت الماعز ثورة شديدة، وحسبت كلّ ما حولها ضدّها، فتحوّلت إلى الثيران، وتوسّلت إليهم أن يشربوا المياه التي رفضت أن تطفئ النار. وإذ سمعت الثيران القصّة بأكملها قالوا لها: إنّنا لسنا عطاشاً، والمياه لم تخطئ في حقّك، ولذلك لن نشربها. هدّدت الماعز الثيران بالانتقام منها، ثمّ ذهبت إلى ذئب كان في الجوار، وسألته أن يأكل الثيران بعد أن قصّت عليه ما جرى معها. فأجابها أيّتها الماعز الثائرة على كلّ ما هو حولك، لماذا تحرّضينني ضدَّ الثيران البريئة، فأنا لست جائعاً. اذهبي من هنا قبل أن أفترسك. هربت الماعز من الذئب وكان قلبها يغلي غيظاً، وانطلقت إلى البندقيّة تسألها أن تنتقم لها بقتل الذئب. فأجابت البندقيّة بأنّها ليست مزوَّدة بالرصاص، وأنّها لا ترغب في قتل ذئب يرفض افتراس الثيران. لجأت الماعز إلى الفأر تطلب منه أن يتلف البندقيّة بأسنانه لأنّها رفضت أن تنتقم لها من الذئب. فرفض الفأر بدوره قائلاً: إنّ البندقيّة من معدن ولا أقدر أن آكل المعادن، بخاصّة وأنّ البندقيّة لم تؤذ الذئب.

وفي غضب شديد تطلّعت الماعز إلى القطّة، وراحت تطالبها بافتراس الفأر الذي رفض أن يتعاون معها. فنظرت القطّة إلى الماعز وقالت لها: أنت دائماً ثائرة، كم مرّة أردت أن تقتليني بقرنيك؟ اذهبي من هنا، فلن أسمع منك.

وإذ ضاق الأمر بالماعز جدّاً عادت إلى الراعي تروي له كلّ ما حدث. فقال لها الراعي: أيّتها الماعز الغضوب، لماذا لم تأتِ لكي أحضر لك الجرس من بين أشواك الشجيرة. لقد خلقت جوّاً رهيباً من العداوة بينك وبين كلّ الكائنات التي حولك حتّى الجماد. هذا خطأ منّي لأنّي تركتك طول اليوم تتجوّلين هنا وهناك. أدخلي إذن إلى الحظيرة.

أغلق الراعي الباب على الماعز وجاء بالجرس، وعوض أن يضعه على رقبتها لكي تتمايل معجَبة بنفسها، وضعه على حافّة الباب حتّى إذا خرجت يشعر بها، فلا يتركها خارج الحظيرة مدَّة طويلة. وهكذا حوَّل الغضب حياتها الحرَّة إلى شبه سجينة في حظيرة صغيرة لا تلتقي مع أحد.

 

علّمني يا ربّ إلاّ أغضب على أحد،،،

لأنّ الغضب يفقدني سلامي مع الآخرين.

 

 

دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James Convent

نشرة خاصّة بالأولاد                     العدد الخامس عشر في 13/2/2011

                              ماذا يفعل                         

                          يسوع في الفردوس؟

 

 

اعتاد ميشيل أن يقرأ الكتاب المقدّس لابنه روبير منذ طفولته، ويروي له بعض القصص منه: كقصّة يوسف وإخوته، قصّة داود النبيّ، قصّة إبراهيم، قصّة موسى... وكان روبير يحب أن يسمع من والده هذه القصص وبخاصّة عن شخص الربّ يسوع المسيح، ويودّ أن يعرف الكثير عن شخصيّة المسيح، فكان يكثر من الأسئلة، وكان الوالد يجيب ابنه على جميع الأسئلة بكلّ صبر ومحبّة مشجّعاً إيّاه دوماً على الاستفسار، وانتقاء آيات من الكتاب المقدّس تعجبه.

        وذات مساء، وبينما كان ميشيل يحكي لابنه كعادته، إذ بروبير يقاطع أباه قائلاً: أنا أعلم، يا أبي، أنّ الملائكة ورؤساء الملائكة وكلّ السماويّين يسبّحون الله على الدوام، وأيضاً القدّيسون في السماء يرنّمون له. ولكن، تُرى ماذا يفعل ربّنا يسوع في الفردوس؟! لم يعرف ميشيل كيف أو بماذا يجيب على سؤال ابنه، لكنّه قال له وهو يشتعل إيماناً: هلمّ بنا نصلّي إلى الربّ يسوع المسيح، وهو يكشف لنا ماذا يفعل في الفردوس.

       

ركع روبير إلى جانب والده، وأخذا يصلّيان بحرارة، وإذا بميشيل يسمع ابنه يقول: أيّها الربّ يسوع المسيح، إنّي أحبّك كثيراً، ولقد علّمني والدي أن أقرأ معك في كتابك المقدّس كلّ مساء قبل أن أنام، ولكنّه لديّ سؤال أريد أن تجاوبني عليه، فأنا محتار أتساءل ماذا تفعل في الفردوس، وكيف تقضي وقتك وأيّامك؟

       

نام الاثنان، وإذا بروبير يرى في حلم السيّد المسيح جالساً على العرش، وحوله ألوف من الملائكة والقدّيسين يسبّحون بفرح عظيم، ويرنّمون ترانيم جميلة جدّاً. رأى المجد والبهاء حوله بحيث لا يمكن التعبير عنهما. كما لاحظ الكلّ يقتربون إليه، وكان السيّد المسيح يمسح دموع كلّ مؤمن، ويداوي جراح كلّ من يطلب منه، فينعكس بهاء الربّ عليه.

        اقترب روبير من المسيح، فلاحظ أنّه يئنّ متوجّعاً، فدهش لذلك وسأله:

- كيف تئنّ يا سيّدي يسوع، وأنت تمسح دموع المتألّمين، وتمنحهم من مجدك وبهائك؟!!

- إنّي حزين، لأنّي أحبّك كثيراً، ومع ذلك أنت لا تزال تخطئ. تُغضب أمّك ولا تطيعها، تتشاجر مع إخوتك ورفقائك ولا تتصالح معهم. تنسى أن تصلّي أحياناً، ولا تذهب كلّ أحد إلى القدّاس الإلهيّ. أريد أن أدخل إلى أعماقك عندما تتناول دمي وجسدي، وأنت لا تريد ذلك. أريد أن تتحدّث معي قليلاً، وأنت تتشاغل بالمجلات والتلفزيون... وتتركني وحيداً، بينما أنا لا تُشغلني عنك لا السماء ولا الملائكة السماويّون. أُرسل إليك كلّ يوم طعاماً وشراباً، وأنت لا تشكرني. أعطي أبويك صحّة ليعملا ويقدّما إليك ما تحتاجه، وأنت لا تشعر بذلك، ولذلك أنا حزين، لأنّ كلّ هذا يعني أنّي بعيد عنك.

       

بدأت الدموع تسيل من مقلتيّ روبير، فاقترب من السيّد بخجل، فاحتضنه يسوع بيديه، وإذا بالطفل يرى الدم يسيل منهما، فصرخ بحنوّ: ما هذا يا يسوع الحلو؟ فأجابه السيّد المسيح قائلاً: إنّي أحبّك كثيراً يا روبير، وسأبقى دوماً بجانبك طالما أنت بجانبي. لا تخف، يا طفلي الحبيب، إنّه الدم الذي سال منّي لكي يغفر كلّ خطيئة ارتكبها الكبار، لكي يأتوا هم أيضاً إلى حيث أتيت أنت الآن لأنّي أحبّهم كلّهم. فابتسم روبير ابتسامة مشرقة، وقبّل الربّ يسوع بفرح قائلاً: أعدك يا يسوع بأن أحبّك كلّ عمري، وأن أبقى قربك.

        استيقظ روبير على صوت أمّه تناديه لكي ينهض استعداداً للذهاب إلى المدرسة.

 

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

نشرة خاصّة بالأولاد                                العدد السادس عشر في 20/2/2011

 

                             لا أريد زيارتها

 

 

لاحظت منى ساعي البريد يضع رسالة في صندوق البريد الكائن قرب باب المنزل، فأسرعت والتقطته، ثمّ قدّمته لوالدتها. تناولت الأمّ الخطاب وقالت لمنى: هذه رسالة من خالتك تعلمنا بقدومها إلينا مع ابنتها ماريان في الأسبوع القادم.

- ولماذا تحضران؟

-إنّهما يحبّاننا، ويريدان زيارتنا.

- وأين ستنام ماريان؟

- طبعاً معك في غرفتك.

- أنا لا أريد أن ينام معي أحد.

- ولكنّها ابنة خالتك، وهي تحبّك كثيراً.

- لا أريد محبّتها، ولا أريدها أن تعلب بألعابي، ولا أن تنام قربي.

- ولكن يجب أن نستضيفها.

- قلت لك لا أريد زيارتها.

        صمتت الأمّ قليلاً ثمّ قالت: إنّني واثقة بأنّك عندما تلتقين بها ستحبّينها كثيراً.

- لا. لن أحبّها.

- لا تتكلّمي هكذا يا ابنتي، فأنت لن تكوني سعيدة ما لم تحبّي الآخرين، ولا تحكمي على شيء قبل أن تختبريه. قالت الأمّ هذا، ثمّ تركت الطفلة الصغيرة تفكرّ بما سمعت.

        مرّت  الأيّام، وحضرت الخالة ومعها ماريان، فاستقبلتهما الأمّ بكلّ بشاشة، ثمّ فتحت باب حجرة ابنتها، وقالت لماريان: هذه حجرة أختك منى. إنّها تحبّك كثراً، وسوف تستمتع بوجودك معها، وستنامين بجوارها على هذا السرير المتّسع.

        انزعجت منى لهذا الكلام، ولكنّها لم تنطق بكلمة، ولم ترحّب بابنة خالتها. وبعد ساعات قليلة، وعندما حان وقت النوم، قالت منى لماريان بفظاظة: سأسمح لك بالنوم على السرير على أن تستعملي طرفه فقط، وإيّاك أن تلمسيني.

- لا تخافي، سأكون كالعصفور الصغير الذي لا يأخذ مكاناً متّسعاً من السرير.

- لا تمسّي أيّة لعبة في الصباح ما لم أسمح لك.

- (بابتسامة هادئة) أمرك يا عزيزتي. اطمأنّي، فلن ألمس شيئاً.

        وبمقدار ما كانت منى عابسة الوجه كانت ماريان مبتسمة مشرقة. أدارت منى ظهرها لماريان، وأخذت جانباً من السرير. لكنّ ماريان لمست كتف منى قائلة بلطف: ألا تريدين أن تلعبي قليلاً قبل أن تنامي. فصرخت منى بانزعاج: ألم أحذّرك بألاّ تلمسيني؟! فابتسمت ماريان قائلة: إنّني أعتذر، ولكنّي معتادة ألاّ أنام ما لم ألعب لعبة "ضرب الوسائد" مع أخي الصغير.

- ماذا تعنين؟

- هلمّ بنا تمسك كلّ واحدة بوسادة وتضرب أختها. إنّها تسلية لطيفة.

        أمسكت كلّ منهما بوسادة، وصارت تضرب أختها، فتظاهرت ماريان أنّها مغلوبة، وبدأت ترمي بنفسها من على السرير، فصارت منى تضحك، وهكذا شيئاً فشيئاً بدأ صوت ضحكهما يعلو، فسمعت الوالدتان وتعجّبتا من ذلك، وانطلقتا لتنظرا ماذا يحدث. وإذ شعرت الطفلتان باقتراب الوالدتين تظاهرتا بأنّهما نائمتان، وعانقت كلّ منهما الأخرى، وأغمضتا عينيهما، كاتمتين أنفاسهما. ولمّا فتحت الوالدتان الباب أدركتا ما يحدث، لكنّهما تظاهرتا بدورهما بأنّهما لا تفهمان ما يجري، ثمّ خرجتا من الغرفة.

        قامت الطفلتان، وصارتا تلعبان معاً فترة طويلة، وفي الصباح طلبت منى من ماريان أن تتصرّف كما تشاء في الغرفة وفي الألعاب، ودعتها بكلّ بشاشة إلى احتساء الشاي معها.

        انقضى الأسبوع، وحان موعد سفر ماريان، فصارت منى تبكي، وتطلب منها أن تعود ثانية وهي تقول: لم أشعر بالسعادة كلّ أيّامي كما شعرت بها في هذا الأسبوع. ثمّ التفتت إلى أمّها وهي تقول: لقد غلبتني  ماريان بمحبّتها. لقد عرفت يا أمّي السعادة الحقيقيّة. أودّ أن يشاركني كلّ إنسان بما أملكه. العطاء والحبّ هما سرّ السعادة. ثمّ التفتت إلى أيقونة السيّد المسيح المعلّقة على الحائط، وركعت أمامها مصلّية:

انزع منّي يا ربّ روح الأنانيّة،،،

واجعلني أراك في كلّ إنسان أتعامل معه،،،

واجعلني أن أكون السبّاقة في المحبّة،،،

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

 

 

نشرة خاصّة بالأولاد                                 العدد السابع عشر في 27/2/2011

 

 

 

يا يسوع، وأنا أيضاً صغير مثلك، ومثلك أيضاً أحبّ المساعدة

 

 

 

 حامل الكتب

 

 

 

أراد سامر أن يعلّم ابنه الصغير جوني ذا السبع سنوات حبّ العمل. فطلب منه ذات يوم أن يساعده في نقل بعض الكتب من غرفة مكتبه القديم إلى المكتب الجديد الأكثر اتساعاً. لم يكن يهمّ سامر كيف يعمل الصبيّ، بل أن يُشعره بأنّ لعمله أهميّة كبرى إذ يقدّم مساعدة مثمرة له رغم تباطئه في العمل بسبب صغر سنِّه. نعم، لقد كان لجوني أب حكيم وصبور يعرف كيف يدرّب صغيره على الشعور بمساندة الغير إن كانوا بحاجة إلى مساعدة.

وكان من بين كتب هذا الرجل، بعض المجلدات الدراسية الكبيرة حول الكتاب المقدّس التي شكّلت أمراً مرهقاً للصبيّ الصغير كي ينزلهم من على الرفوف حيث رُتّبت، وينقلها بكلّ عناية إلى موضعها الجديد. ولذلك، وبينما كان يحمل بعضاً من هذه المجلّدات أن وقعت من بين يديه عدّة مرّات.

جلس الصبيّ الصغير على درجات السلّم، وأخذ يبكي بحرقة. فقد كان يحسّ بأنّه لم يفعل أيّة خدمة مثمرة على الإطلاق. فهو ليس قويّ العضلات حتّى يحمل هذه المجلَّدات الضخمة، وينزل بها السلَّم الضيق المؤدّي إلى المكتب الجديد الكائن في الطابق السفليّ من المنزل. والذي آلمه كثيراً هو شعوره بالفشل، وبأنّ والده لا ريب سوف يؤنّبه.

ولكن سامر، ودون أن يوبّخ ابنه، جمع الكتب المبعثرة على السلّم وهو يقول: تعالَ أيّها الربّ يسوع وأعنّا في عملنا هذا. ثمّ رتّبها ووضعها بين ذراعي ابنه، وهو يكفكف له دمعه مبتسماً، وحمله مع الكتب، ونزل السلم الضيّق قائلاً: لماذا تبكي، يا صغيري، إنّي أشكرك من كلّ قلبي على عملك هذا الجبّار، ولولاك لما كنت أستطيع بمفردي نقل كلّ هذه الكميّة الكبيرة من الكتب؟ أحزنتَ لأنّها وقعت؟ لا بأس ها نحن قد جمعناها من جديد. تعلّم، يا صغيري، ألاّ يحزنك أيّ أمر، بل بالعكس تغلّب على الصعوبات بصبر، واطلب معونة الربّ يسوع، فيسرع إلى مساعدتك. ألم تسمعني كيف ناديته؟ افعل أنت هكذا، فتعمل دوماً بفرح. هيّا بنا الآن نعمل من جديد ونحن نصلّي بالتناوب مرّة منّي ومرّة أخرى منك: أيّها الربّ يسوع تعال وأعنّا.

وهكذا أكمل الاثنان نقل رُزم الكتب مرّة تلوى الأخرى، وهما مبتهجَيْن يصلّيان. وما إن انتهيا من عملهما هذا الشاقّ، حتّى نادى سامر ابنه قائلاً: والآن هيّا، يا أحلى جوني في العالم، خذ أجرة تعبك. ثمّ ناوله هدّية ملفوفة بورق فضيّ لامع، وطلب منه أن يفتحها. فوجئ الصبيّ بالهديّة، فلقد كانت أيقونة يسوع الطفل.

سرّ الصبيّ بالأيقونة، وسأل والده تفسيراً لها، فأجاب سامر: إنّه الطفل يسوع الذي يفكّر في خلاص البشر من خطاياهم، والملائكة تحيط به، وإلى جانبه أحد الأنبياء القدماء الذي يؤكّد أن يسوع هو المخلّص.

 

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

 

نشرة خاصّة بالأولاد                            العدد الثامن عشر في 6/3/2011

 

- غداً الصوم فماذا قرّرت يا زياد أن تعمل؟

- لقد وعدت أمّي أن أذهب إلى القدّاس الإلهيّ كلّ يوم أحد.

-وأنتِ يا جويل؟

- وأنا سوف أصوم، لأنّ أمّي وعدتني أن تدعني أصوم هذه السنة لأنّي كبرت قليلاً، وأصبح باستطاعتي الصوم.

- وأنت يا بيير؟

- أنا لست مطيعاً كما ينبغي، ولذلك وعدت أمّي بالطاعة.

- وأنتِ يا كارين؟

- أنا سوف أهتمّ بالفقراء، لأنّي البارحة قرأت هذه الآية وأعجبتني جدّاً: "من سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ فالحقّ أقول لكم إنّه لا يضيع أجره" (متى 42:10).

- حسناً يا أصدقائي، أتمنّى لكم صوماً مبارّكاً، على أن نلتقي بعد الصوم لنرى ماذا حقّق كلّ واحد منكم. إلى اللقاء

 

 

                                جئت إليك

    ثلاث مرّات

 

       

 

كان الإسكافيّ القرويّ فيكتور يحبّ الله كثيراً، كريماً، أميناً عمله، يتّسم بالبشاشة في لقائه مع الناس. وكثيراً ما كان يصلّي إلى الربّ يسوع قائلاً: "يا يسوع الحبيب إلى قلبي جدّاً، كم أتمنّى لو أراك، وكم أودّ لو ألتقي بك".

        وفي إحدى الليالي رأى فيكتور يسوع في الحلم يَعِدُهُ بأنّه سيأتي إليه في اليوم التالي. قام من النوم فرحاً، وذهب إلى الغابة القريبة، وقطف بعض الأزهار الجميلة الملوّنة، وزيّن بها حجرته البسيطة التي كان يمارس فيها عمله، وفيها أيضاً ينام ويطبخ... وبدأ يصلّي فرحاً وهو يمارس عمله منتظراً مجيء المخلّص. وفجأة رأى شيخاً بدت عليه علامات التعب الشديد، وفي بشاشة أخذ يتحدّث معه، وبكلّ احترام سأله أن يستريح قليلاً عنده. فجلس الشيخ، وإذا بالإسكافيّ يتطلّع إلى حذائه، فيجده عتيقاً مهلهلاً مملوءاً ثقوباً، فأحضر إليه حذاء جديداً وقدّمه له هديّة. اعتذر الشيخ بأنّه لا يملك ثمن الحذاء، أمّا الإسكافيّ فقال له أن يصلّي من أجله وهذا يكفيه لكي يباركه الله.

وبعد أن فارق الشيخ الإسكافيّ، بقي فيكتور يترقّب مجيء الضيف الإلهيّ. وإذا بسيّدة عجوز تسير أمامه ببطء شديد تحت ثقل الحمل الذي على كتفيها، فطلب منها الإسكافي أن تستريح هي أيضاً قليلاً عنده، ثمّ أحضر لها بعضاً من الطعام الذي كان قد أعدّه لنفسه، فصارت تأكل فرحة إذ كانت جائعة وهي تشكره على محبّته وسخائه.

        وعند الغروب لاحظ فيكتور صبيّاً صغيراً يبكي في الطريق، فترك ما كان في يده وذهب يسأله عن سبب بكائه، فقال له الصبيّ بأنّه ضلّ الطريق. وفي حنان كبير هدّأ نفس الصبيّ، وقال له إنّه يعرف والديه، وإنّه سيرافقه إلى بيته. وبالفعل ترك دكّانه، وانطلق مع الصبيّ، وكان يسرع في خطواته ذهاباً وإياباً خشية أن يأتي السيّد المسيح ولا يجده.

        وإذ حلّ المساء أغلق فيكتور دكّانه وجلس يفكّر هل يأتي السيّد المسيح في المساء، وماذا سيفعل عندما يأتي، وبدأ يقول لنفسه: سوف أغسل يديه وقدميه اللتين ثقبتهما المسامير، وأجلس عند قدميه أستمع إلى صوته الحنون، وأقدّم له طعاماً من صنع يديّ". مرّت الساعات ولم يظهر له السيّد المسيح، فبدأ فيكتور يعاتبه قائلاً: آه يا يسوع، ألم تعدني بأنّك سوف تأتي إليّ ليفرح قلبي بقدومك، فلماذا لم تأت؟ ثم ما لبث أن ذهب إلى النوم وهو حزين. وفي الليل ظهر له يسوع في الحلم قائلاً: لقد وفيت بوعدي لك يا فيكتور وأتيتك ثلاث مرّات: جئت إليك في شكل شيخ منهك القوى، وقدّمتَ لي حذاء جديداً بحبّ وبشاشة، ثم أتيتك بشكل سيّدة عجوز، وقدّمت لي طعاماً من صنع يديك، وأخيراً جئت إليك في شكل صبيّ تائه، وسرت معي إلى المنزل".

        استيقظ فيكتور فرحاً، وركع يشكر يسوع لأنّه التقى به من خلال المحتاجين والفقراء والتائهين والمتعَبين. ثمّ أسرع إلى الكتاب المقدّس وقرأ المقطع التالي:

"تعالوا يا مبارَكي أبي رِثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم

لأنّي جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني،،،

وكنت غريباً فآويتموني وعرياناً فكسوتموني،،،

ومريضاً فزرتموني ومحبوساً فأتيتم إليّ"

(متى 34:25-37)

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

نشرة خاصّة بالأولاد                       العدد التاسع عشر في 13/3/2011

 

 

لصورتك الطاهرة نسجد أيّها الصالح

 

 

أيقونة حارسة البوابة

 

 

        كانت أرملة غنيّة جدّاً لها ابن وحيد، وكان عندها أيقونة لوالدة الإله. واتّفق أنّ جنود الملك ثاوفيلس جاؤوا إلى مدينة هذه الأرملة بقصد التفتيش عن الأيقونات ونزعها من المنازل. فدخلوا منزل هذه الأرملة، ورأوا الأيقونة، وفرحوا فرحاً عظيماً، وقالوا للأرملة: إمّا أن تعطينا الأيقونة حسب أوامر الملك أو نذيقك مالا تتصوّرينه من العذابات. فطلبت الأرملة فرصة إلى الغد، فقبلوا بذلك. وبعد انصرافهم، دخلت هي وابنها إلى الغرفة حيث توجد الأيقونة، وركعا سويّة، وراحا يصلّيان بحرارة مدّة طويلة. ثمّ أخذت المرأة الأيقونة، وانطلقت مع ابنها إلى الشاطئ وهي تصلّي: يا سيّدة العالم إنّي أسألك أن تنجيني بقوّتك من غضب الجنود، وتسلّمي أيقونتك هذه من ضرر المياه. ومع قولها هذا رمت الأيقونة في البحر، ويا للعجب، فإنّ الأيقونة سارت في البحر منتصبةً لا مطروحة.

        وبعد أن عادا إلى المنزل، قالت المرأة لابنها: يا ولدي، لا شكّ أنّ السيّدة العذراء سوف تحمينا من المضطهدين، ولكنّنا يجب أن نحترس منهم، لذلك أنصحك بالذهاب من هنا لئلا يصيبك مكروه. أمّا أنا، فإنّي مستعدّة أن أتحمّل كلّ العذابات وحتّى الموت من أجل والدة الإله. وهكذا ذهب الشابّ إلى الجبل المقدس آثوس في بلاد اليونان حيث يوجد الكثير الكثير من الأديرة والرهبان ودخل أحد الأديرة المدعو إيفيرون حيث صار راهباً.

        وذات يوم بينما كان الرهبان جالسين عند شاطئ البحر قرب الدير، وفيما هم يتحادثون ببعض الأمور الروحيّة، ظهر لهم بغتة عمود في البحر مثل لهيب النار يصل رأسه إلى السماء. فلمّا أبصروا ذلك اندهشوا وصرخوا يا ربّ ارحم. فتحمّس أحدهم ويدعى جبرائيل ونزل إلى الماء، ووجد أنّ العامود يظلّل أيقونة لوالدة الإله، فأخذها بفرح ومشى على الماء، وأتى بها إلى الدير. ولكن ما إن رأى الشابّ الأيقونة حتّى صرخ مندهشاً وقال: إنّها نفس الأيقونة التي رمتها أمّي في البحر، فسجد لها بإيمان، وقبّلها بشوق وهو يقول: افرحي يا عروساً لا عروس لها. وهكذا نجّت الأيقونة نفسها من ضرر المياه.   فوضعوها  فوق بوابة الدير ريثما يجهّزون لها مكاناً في الكنيسة. وفي اليوم التالي نقلوها إلى الكنيسة. لكنّهم رأوها في الصباح فوق البوابة مجدّداً. فنقلوها إلى الكنيسة ثانيةً. لكنّها عادت فانتقلت إلى السور فوق البوابة. وبعدما تكرّر الأمر مرّات عديدة، ظهرت والدة الإله لأحد الرهبان قائلة: لم آتِ إلى هنا لتحموني أنتم داخل الكنيسة إنّما أتيتُ لكي أحميكم أنا لذا فمكاني هو فوق البوابة. منذ ذلك الحين عُرفت الإيقونة بالسيدة حارسة البوابة وهي ما تزال حتّى اليوم في الدير تعمل معجزاتٍ كثيرة.

        لقد أردنا، يا أحبّاءنا، أن ننقل إليكم هذه الأعجوبة عن الأيقونة، لأنّ هذا الأحد الأول من الصوم يُدعى "أحد الأرثوذكسيّة"، وذلك لأنّه في مثل هذا اليوم أكّدت الملكة ثاوذورة أنّه علينا أن نكرّم الأيقونات بعد أن كان زوجها الأمبراطور ثاوفيلس قد منع إكرامها ونزعها من جميع الكنائس. وفي مثل هذا اليوم اجتمع الشعب في الكنيسة يوم الأحد، وصار زياح شاركت فيه الملكة ثاوذورة، وكان الشعب يحملون الأيقونات والصلبان والأنجيل المقدّس. لذلك نحن أيضاً في مثل هذا اليوم من كلّ عام نحمل أيضاً الأيقونات أثناء القدّاس الإلهي.  يجب علينا أن نقدّم كلّ احترام وسجود لأيقونات السيّد المسيح ووالدة الإله والقدّيسين والملائكة، ونطلب شفاعتهم لنا. إنّنا بإكرامنا الأيقونة نكرّم صاحب الأيقونة المرسوم عليها، كما نكرّم صور والدينا وإخوتنا ونحترمها.

 

 

نسجد ونقبّل باحترام أيقونة السيّدة وسائر القدّيسين

 


راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

 

نشرة خاصّة بالأولاد                          العدد العشرون في 20/3/2911

الشخصيّة القويّة

 

       

أسرعت نجوى إلى غرفة الجلوس على صوت تكسّر أدوات زجاجيّة، فوجدت ابنتها سامية البالغة ثماني سنوات قد صعدت على كرسيّ صغير لتمسك بمجلّة خاصّة بالأطفال موضوعة في الرفّ العلويّ من المكتبة، وهي تشدّ طرف القماش لكي تستطيع الإمساك بها.

        صرخت نجوى خوفاً عليها وقالت لها:

- ماذا تفعلين، يا بنيّتي، ولماذا لم تطلبي منّي لأحضرها لك؟

- إنّني كبيرة، وأستطيع أن أحضرها بنفسي.

- هذا صحيح. ولكنّك استعملت وسيلة خاطئة للوصول إليها، وها قد تكسّرت التماثيل الزجاجيّة والرخاميّة التي كانت قربها، وماذا لو وقعت قطعة عليك وجرحتك. إنّ ما فعلته خطأ، وأرجو في المرّة القادمة ألاّ يتكرّر.

- هزّت سامية كتفيها بلامبالاة وقالت: بل سأفعله الآن، وغداً، ودوماً.

        دهشت نجوى من إجابة ابنتها، ولكنّها أنزلتها برفق وهي تتصنّع الابتسامة قائلة:

- ألا تظنّي، يا سامية، بأنّ ما فعلته كان خطأ؟

- أنا أعلم أنّه كان يجب أن أناديك وأنّ ما فعلتُه خطأ، ولكنّي سأفعل هذا كما قلت لكِ لئلا أظهر ضعيفة الشخصيّة، وأنا لا أحب أن أكون هكذا.

- فوجئت نجوى بهذا الجواب لا سيّما وأنّه صدر من طفلة ذي ثماني سنوات فقط، وقالت لها:

- من قال لك هذا؟

- رفيقتي في المدرسة.

- لا، يا حبيبتي، إنّ من يتراجع عن قرار أو عمل خاطئ لا يعدّ ضعيف الشخصيّة. ألم تري كيف قبلت ليلى البارحة أن تساعد أخاها بغرس الأشجار في الحديقة بعد أن امتنعت عن ذلك أوّلاً بإصرار؟ وهل تتذكّرين كيف طلبت خالتك من ابنتها أن تجهّز الطعام لجدّتها المريضة فرفضت بعناد، ثمّ قبلت بعد ذلك بفرح لأنّها عرفت أن قرارها كان خطأ مع أنّها ليست بضعيفة الشخصيّة؟

        لم تجب سامية بحرف، بل أخذت المجلّة وبدأت تقلّب صفحاتها، وهي تنظر إلى أمّها نظرات تفحّص.

        وعند المساء، وفيما كانت نجوى تسامر طفلتها سألتها بدعابة قائلة:

- أما زلت مصرّة على ارتكاب الأخطاء لتظهري قويّة الشخصيّة؟

- ضحكت الطفلة وقالت: كلا.

- إذن، الشخصيّة القويّة هي من تتقبّل الملاحظات لتصلح ذاتها، وعلينا أن نفكّر جيداً قبل البدء بأيّ عمل حتّى لا نقع في أخطاء قد تؤذينا نحن أو من حولنا. كما يجب ألاّ تثقي كثيراً بأقوال الآخرين، بل بالأحرى قوليها لي لنرى سويّة الصحيح منها والخاطئ، فالصحيح نستطيع أن نعمله، وأما الخاطئ فلا.

عزيزي الفتى،،،

عزيزتي الفتاة،،،

كثيراً ما نظنّ أنّ قوّة الشخصيّة هي في الإصرار على الرأي دون الخضوع أو الاستماع إلى مشورة الغير ورأيهم، وبخاصّة والدينا ومن نحبّهم.

الشخصيّة القويّة هي البعيدة عن المعاندة، وهي التي تتشبّه بالطفل يسوع إذ قيل عنه في الإنجيل المقدّس: "وكان خاضعاً لهما" (لوقا 51:2) أي للبتول مريم العذراء والقدّيس يوسف مع أنّه هو خالقهما.

اطلبْ من الربّ أن يعلّمك كيف تكون الشخصيّة القويّة، وكيف تتعامل مع الجميع، وكيف تستفيد من أقوال الجميع وخبرة.

 

 

Picture 002دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James Convent

 

نشرة خاصّة بالأولاد                        العدد الحادي والعشرون في 27/3/2011

 

 

 

كل عام وأنت بألف خير يا أمّي الحبيبة

 

 

يسوع الحلو إنّي أصلّي لك

من أجل أمّي الحبيبة،

أعطها القوّة والحكمة كي تربّيني على محبّتك

ومحبّة الكنيسة

 

     

                            الابــن الـوفـي

 

       

 

عادل ولد مؤدّب مجتهد وهو طالب بإحدى المدارس الابتدائيّة. كان أبوه قد مات منذ فترة، وهو يعيش مع أمّه الفقيرة عيشة كفاح وحبّ.

        قال عادل يوماً لأمّه: إنّ مدرستنا ستقيم السبت القادم حفلها السنويّ للمتفوّقين، ويسرّني أن أدعوك لحضوره معي، لأنّي والحمد لله من المتفوّقين وستمنحني المدرسة جائزة قيّمة. ولكنّ الأمّ اعتذرت بأنّها لا تملك ثوباً فاخراً ثميناً، وأنّها ستخجل أن يراها المدرّسون في مظهر غير مشرّف فتحرجه. فعاد عادل ليقول: أرجوك لا تحرميني من رؤيتك بجواري وأنا أتسلّم الجائزة القيّمة. فربّتت الأمّ على كتفه وقبّلته ودعت له بأطيب الدعوات.

        وفي موعد الحفل خرج عادل من بيته وحده. ولكنّ الأمّ لم يطاوعها قلبها أن تترك ابنها يذهب وحده، فلبست أحسن ثيابها، وهو ثوب غير غالي الثمن ولكنّه نظيف ومرتّب، وذهبت إلى الحفل.

        ولمّا نادى مدير المدرسة اسم عادل صعد إلى المنصّة، فقال له المدير: يسرّنا أن نعطي عادل جائزتين: الأولى لتفوّقه العلميّ، والثانية لتفوّقه الأخلاقيّ، ثمّ صافحه بحرارة.

        وعندئذ لمح عادل أمّه واقفة في نهاية الصالة، ففرح فرحاً عظيماً، ولمّا أعطوه مكبّر الصوت ليلقي كلمة قصيرة عن أسباب تفوّقه قال: يرجع الفضل في تفوّقي إلى الله أوّلاً، ثمّ إلى أساتذتي، ثمّ إلى إنسانة عظيمة لا يمكن أن أنساها، كانت تسهر معي وتشجّعني، وتشرح لي ما صعب من الدروس إلى جانب متاعبها في الأعمال المنزليّة. إنّها أمّي هذه، وأشار بإصبعه، ثمّ نزل بين تصفيق وإعجاب الحاضرين جميعاً، وعانق أمّه بكلّ فخر واعتزاز.

 

 

 

يا والدة الإله أنت أمّنا كلّنا

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

St. James convent

 

نشرة خاصّة بالأولاد                              العدد الثاني والعشرون في 3/4/2011

 

 

افرحي يا ممتلئة نعمة الربّ معك

 

 

                               ثلاثة ملائكة

 

  

       دعا نجيب صديقه بسّام ليتناولا طعام الغذاء سويّة، وأثناء الطعام كانا يتحدّثان عن الملائكة وإمكانيّة رؤيتهم، فقال نجيب:

- لقد رأيت يا بسّام ثلاثة ملائكة.

- أنت رأيتهم؟! أين؟ وما هو شكلهم؟

- منذ أسبوع إذ كنت في طريقي إلى المدرسة، رأيت صديقاً لي يسرع نحو كاهن متقدّم في السنّ  تبدو عليه علامات التعب، يستند على عصاه محاولاً عبور الشارع، فأمسك صديقي بيد الكاهن وقال له:

- أتسمح لي، يا أبي القدّيس، أن أساعدك في اجتياز الطريق إلى الرصيف الآخر؟

- شكراً، يا ولدي، فإنّي أعاني من ضعف البصر، والطريق مزدحمة للغاية. وكنت أصلّي إلى الله أثناء سيري أن يرسل لي ملاكاً يمسك بيدي ويحفظني في الطريق. ولقد استجاب لي إلهي صلاتي، وأرسلك لي ملاكاً. لست أعرف من دون مساعدتك كيف كان يمكنني أن أعبر الطريق. لقد ظهرت علامات الفرح  على صديقي، وفارق الكاهن وهو يطلب منه أن يصلّي من أجله. وعندما عاد إلى المنزل قصّ على أمّه ما جرى معه، فمدحته أمّه وكافأته على عمله مكافأة جميلة، وهكذا بقي صديقي اليوم كلّه متهلّلاً.

- ومن هو الملاك الثاني؟

- في إحدى الأمسيات كانت أختي الصغيرة تسير وحيدة في ممرّ المنزل المظلم، فنادت والدتي وقالت لها: أمّاه، أمسكي بيدي فإنّي خائفة جدّاً. أمسكت والدتي بيدها، ثمّ حملتها على ذراعيها، وصارت ترنّم لها بصوت عذب، وأجلستها قربها، وبدأت تقصّ عليها بعض قصص القدّيسين المشوّقة. فهدأت نفس أختي، وأخذت تبتسم ابتسامة ملائكيّة وهي تنظر إلى والدتي نظرة ملؤها الحبّ، وقالت لها: "أنت ملاك من السماء يا أمّي. بدونك ما كان يمكن لي أن أعيش بهدوء واطمئنان". ومنذ تلك اللحظات وأنا أرى أمّي ملاكاً، وأحسبها هديّة السماء لي.

- ومن هو الملاك الثالث يا تُرى؟

- هو أنت يا عزيزي بسّام. لقد أرسلك الله لكي تشجّعني على الصلاة، وحضور الخدم الإلهيّة، وتحدّثني عن حلاوة العيش مع الربّ يسوع، وتسرد عليّ سير القدّيسين والشهداء، وكيف أحبّوا الربّ محبّة شديدة، وتحثّني لكي نقتدي بحياتهم وصلاحهم. نعم، إنّك يا بسّام أحسن صديق لي، فأنا أراك ملاكاً حيّاً، لأنّك تمسك بيدي وتقودني إلى فعل الخير.

- بالحقيقة، يا نجيب، كلّ واحد منّا يستطيع أن يصبح ملاكاً بأقواله اللطيفة وأفعاله الحسنة. ولكنّي أتساءل أحياناً عن طبيعة الملائكة، فهل تعرف عنهم شيئاً؟

- نعم، لقد أخبرتني أختي أنّهم أرواح خلقها لله لتسبّحه وتخدم البشر إذ تحفظهم من كلّ شر كالملاك الحارسّ (وقد تحدّثنا عنه في العدد الحادي عشر، وكيف أنّه يُعطى للإنسان أثناء المعموديّة ليرافقه طيلة حياته)، أو تبشّرهم بأمور مفرّحة كما حدث في بشارة العذراء، أو تنبّههم ليبتعدوا عن السيّئات. وهم على مراتب: الملائكة ورؤساء الملائكة والقوّات والعروش والسارافيم والشاروبيم والسلطات والسيادات والربوبيّات. ولقد حدّدت الكنيسة كلّ يوم إثنين من الأسبوع لتكرّم فيه الملائكة، ولكي نتضرّع إليهم ليساعدونا على السير في طريق الربّ.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصّة بالأولاد                           العدد الثالث والعشرون في 10/4/2011

 

 

- سامحني، يا أبونا، أريد أن أعترف، لأنّي كذبت.

- الله يسامحك، يا ابنتي، انتبهي، فيسوع لا يحبّ الكذب أبداً، ولقد مدح المرأة السامريّة التي ذكرها القدّيس يوحنّا الإنجيليّ، لأنّها قالت الصدق.

 

 

                                      لا تكذب،

              فلقد سمّى الربّ يسوع الشيطان

            "بالكذّاب وأبو الكذب" (يو 44:8).

 

 

 

أنقذوا غنمي

 

في جلسة هادئة أخذ عماد يتصفّح مع والده إحدى الجرائد كان قد شاهدها موضوعة على الطاولة، وقد لفت نظره موضوعاً عن الكذب، فسأله:

- ما رأيك، يا أبي، في الكذبة البيضاء؟

- وهل يوجد كذب أبيض وكذب أسود؟

- أقصد حين يكذب الإنسان على الآخرين كنوع من الفكاهة دون أن يصيب أحداً بضرر.

- نحن، جماعة المؤمنين، لا نحبّ الكذب، ليس لأنّه مضرّ للغير فقط، بل لأنّه يؤذي من يكذب أيضاً.

- كيف يؤذيه؟

- لأنّ فمه لا يكون مقدّساً إذ لا ينطق بالحقيقة، والربّ يقول عن نفسه أنّه هو "الحقيقة"، وبذلك يبتعد عن المسيح.

- لكنّنا نحن نحتاج، من وقت لآخر، إلى نوع من المزاح البريء، والكذب الأبيض يخلق جوّاً من المرح.

- لا، يا بنيّ، فالإنسان يفقد احترام غيره له بهذا المزاح، ويفقد ثقة الآخرين به. كما أنّك تستطيع المزاح بطرق مختلفة من دون أن تلجأ إلى الكذب. أما تعرف قصّة الصبيّ والذئب؟

- لا، يا أبي، أرجوك قصّها عليّ.

- أراد صبيّ، يوماً، أن يلفت أنظار أهل قريته له، فترك حقله، وصار يجري وهو يصرخ: "ذئب، ذئب، لقد هاجمني ذئب شرس، أرجوكم أنقذوا لي غنمي". فانطلق كثير من الرجال إلى الحقل، وهم يحملون العصيّ، ولكنّهم فوجئوا بالصبيّ واقفاً في وسط حقله وهو يضحك قائلاً: "آه، إنّي كنت أمزح معكم". فعاد القرّويّون إلى أعمالهم وهم يقولون: "يا لها من مزحة سيّئة. لقد أخافنا، وجعلنا نترك أعمالنا، ونسرع لإنقاذه".

       وبعد يومين قام الصبيّ بالحركة نفسها، وأسرع بعض القرويّين إلى الحقل ثانية، واكتشفوا أنّه يكرّر اللعبة نفسها، إنّه يكذب. فقال لهم بعضهم: "لا تعد إلى هذه الكذبة، فقد يأتي يوم لا يعود يصدّقك أحد". هزّ الصبيّ كتفيه باستخفاف ومضى في طريقه وهو يضحك، ويلعب بعصاه فرحاً.

       وبعد أسابيع، دخل، فعلاً، ذئب إلى حقل الصبيّ، فانطلق يجري إلى مساكن الفلاّحين، وهو يصرخ: "أغيثوني، أغيثوني، لقد هاجم ذئب كبير غنمي، وأتلف بعضها". كانت صرخات الصبيّ تتزايد، ولكن لم يقترب أحد إليه، ولم يهتمّ أحد بصراخه واستغاثته ظنّاً منهم أنّه "يمزح" كباقي المرّات. لم يستطع الصبيّ أن يقتل الذئب، فقد كان كبيراً وشرساً، وهكذا فقد هذا الصبيّ، ذو الكذبة البيضاء، كلّ غنمه، لأنّ الذئب كان قد جرّح بعضها، وقتل اثنين منها، وكسر ساق واحد آخر. ولذلك، يا بنيّ، وردت وصيّة إلهيّة بين الوصايا العشر تقول: "لا تكذب"، ولم يميّز الربّ فيها بين الكذبة البيضاء والسوداء.

- معك حقّ، يا أبي، وإنّي أشكرك على توعيتك لي، وعلى إرشادك.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

نشرة خاصّة بالأولاد                          العدد الرابع والعشرون في 17/4/2011

 

"وكثيرون فرشوا ثيابهم في الطريق،

وآخرون قطعوا أغصاناً من الشجر وفرشوها في الطريق"

(مرقص 8:11)

 

 

هديّة أحد الشعانين

 

طلبت المعلّمة من تلامذة صفّها في ساعة التربية الدينيّة أن يكتبوا لها قصّة كيف استقبل كلّ واحد منهم أحد الشعانين قائلة: "سوف أعطي هديّة قيّمة لأجمل قصّة". وهكذا بدأ كلّ تلميذ يؤلّف قصّة وهو يرجو أن تكون الأجمل. وبعد أن انتهى الجميع، أخذت المعلّمة تقرأ القصص الواحدة بعد الأخرى، وهي تمدح أسلوب الواحدة، وتعطي ملاحظاتها على الثانية، وهكذا إلى أن وصلت إلى ورقة كُتب عليها:

       "حضرة المعلّمة المحترمة، أنا لن أكتب لك قصّة من خيالي، بل سأقصّ عليك ما جرى معي شخصيّاً في العام الماضي:

       "في أوّل يوم من أيّام الصوم الأربعينيّ المقدّس، جمعتنا أمّنا أنا وإخوتي: رنا (8 سنوات)، ومجد (10 سنوات)، وأنا (12 سنة)، وقالت لنا: "ما رأيكم، أيّها الأولاد، أن تبدأوا منذ اليوم بالاقتصاد من مصروفكم اليوميّ في علبة خاصّة تفتحونها قبل أسبوع من أحد الشعانين، وتشترون بما قد جمعتموه ثياباً حلوة لمريم ابنة جيراننا الفقيرة.

رنا: رائع، فكرة رائعة. أنا موافقة.

مجد: يا لك من أمّ رائعة، وهكذا ستفرح مريم كثيراً.

أمّا أنا، فقبّلت أمّي قائلاً: وهكذا، أيضاً، نُلبس المسيح أيضاً كما كنت دوماً تعلّميننا.

الأمّ: يجب أن يبقى هذا الأمر سرّاً بيننا، وسوف أساعدكم ونشترك سويّة بتقديم الهديّة.

       وهكذا، بدأنا بجمع المال حتّى حلّ الأسبوع الذي قبل أحد الشعانين حين أتت والدتنا وهي تحمل العلبة. وهنا انبرت رنا متحمّسة وقائلة: "دعيني يا أميّ أفتح العلبة أنا". وبالفعل، فتحت رنا العلبة، وعدّت أمّي المال، فوجدته يكفي لشراء ثوب معتدل الثمن، ولكن لا يكفي لشراء الشمعة المزيَّنة، فقالت لنا: "لا تحزنوا، فأنا أتكفّل بشراء الشمعة، والآن هيّا بنا إلى السوق".

       ما إن دخلنا أحد المخازن، حتّى قالت لنا والدتنا: "هيّا اختاروا ما يعجبكم"، رحنا نتجوّل بين الثياب المعروضة، فوقع نظرنا على فستان أبيض مزيّن بالورود الخضراء، ولكنّه كان صغير الحجم، فانتقينا ثوباً آخر أحمر جميلاً جدّاً. أمّا رنا، المتحمّسة دائماً، فاختارت شمعة بيضاء مزيّنة بالورود الحمراء والصفراء، ثمّ لففنا الجميع في ورقة مذهّبة، وأخذنا طريقنا إلى بيت مريم حيث قدّمنا لها الهديّة.

       لم تتوقّع مريم مثل هذه المفاجأة، وبكت فرحاً وهي تغمر كلّ واحد منّا، شاكرة إيّاه على محبّته ولطفه. فوقف أخي مجد، وهو يمسك بيد مريم، قائلاً: "نحن الذين يجب أن نشكرك، يا مريم، لأنّنا أعطيتنا فرصة لنقدّم للربّ يسوع بواسطتك هديّةً صغيرةً. في أحد الشعانين، يا مريم، قدّم الأولاد ثيابهم وفرشوها في الطريق ليمشي عليها الربّ يسوع، وبما أنّنا لا نستطيع نحن أن نعمل مثلهم، فكّرنا أن نُلبس المسيح بشخصك ثوباً جديداً".

       "حضرة المعلّمة المحترمة، هذه قصّتي التي عشتها، والتي أحسست بعد أن قمت بهذا العمل، مع إخوتي، بفرح كبير، وقد قرّرنا على أن نقوم به مرّة أخرى في كلّ عيد".

       فرحت المعلّمة، بدورها، لأنّها أحسّت بأنّ هذا التلميذ يطبّق فعليّاً ما يتعلّمه وما يقرأه في الإنجيل المقدّس، وقالت: "إنّي مسرورة جدّاً، وفخورة بك يا جاك، لأنّك تتذكّر دوماً كلام الربّ يسوع، وتحاول أن تطبّقه، وفعلاً تستحقّ أن أقدّم لك أنت الهديّة. صحيح أن كلّ رفقائك كتبوا أشياء حلوة، ولكنّهم لم يقوموا بها بأنفسهم. فتعال، إذاً، لكي أقبّلك على عملك هذا، وأقدّم لك الهديّة".

        تقدّم جاك، وهو محمّر الوجه خجلاً، وفتح الهديّة، فإذا هي جذع شجرة مصنوع بشكل فنيّ كُتب عليه بأحرف كبيرة:

 

"كلّ ما صنعتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه"

                             (متى 40:25)

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصّة بالأولاد                         العدد الخامس والعشرون في 24/4/2011

 

                            بيضة القيامة

توما ولد في العاشرة من عمره، ضخم الجسم قويّ العضلات، وهو طيّب القلب كثيراً. لم يكن يذهب ورفاقه الى الكنيسة، ولم يسمعوا عن الربّ يسوع شيئاً كثيراً، لأنّه لم يكن هناك كاهن في القرية لكي يعلّمهم.

حصل مرّة فيما كان بعض الأولاد يتراشقون بالحجارة أن قتلوا دجاجة الجيران دونما قصد، فهربوا خوفاً من أن تراهم صاحبة المنزل. مرّ توما صدفة من ذلك المكان في الوقت التي رأت فيه المرأة دجاجتها المقتولة، فاتّهمت توما بأنّه القاتل، وأخذت تصرخ في وجهه، وتهدّده، فاجتمع الناس حولهما، وبدأ توما يقول لهم بأنّه بريء، لكنّهم لم يصدّقوه، وأجبروه على دفع ثمن الدجاجة. لكنّ توما كان فقيراً لا مال له. فأجبروه، عندئذ، أن يعمل في حقل المرأة مدّة شهر دون أجرة ليعوّض لها ثمن الدجاجة.

حزن توما كثيراً خصوصاً وأنّ رفاقه أصبحوا يلقّبونه "بتوما قاتل الدجاج"، وما عادوا يلعبون معه كما كانوا من قبل، بل كانوا يعيّرونه بأنّه إنسان شرّير يجب الابتعاد عنه. حوّلت هذه الكلمات السيّئة توما الطيّب القلب إلى إنسان شرّيرٍ بالفعل، إذ لم يستطع أن يتحمّل ما حدث، وشعر بحبّ الانتقام يكبر ويكبر ويكبر في داخله أأأ   . فلمّا انقضى الشهر، اختفى توما في إحدى الغابات، ولم يعرف أحد بعد ذلك مكانه. هناك كان يخطّط للانتقام. نعم سوف ينتقم من جميع الأولاد الذين سخروا منه، سيسرق دجاجاتهم، ويتركها في الغابة لتأكلها الوحوش. حتّى الذين لم يسيئوا إليه، سوف يفعل بهم الشيء نفسه، لأنّه غاضب جدّاً، وهو الآن يكره كلّ العالم.

وبعد مرور فترة على اختفائه، صار يأتي القرية ليلاً لينفّذ خطّته. خاف الناس كثيراً، وصاروا يحرسون دجاجاتهم، لذا تحوّل توما إلى قرية أخرى، وصار يسرق دجاجتها لينتقم لنفسه.

ومرّة لمّا كان الربيع قد أزهر، وقد اقترب عيد الفصح إذ لم يتبقّى سوى أيّام قليلة، وأهل القرية يستعدّون له بسلق البيض وتلوينه، تسلّل توما ليلاً إلى حديقة جميلة فيها بيت صغير للدجاج. ولمّا دخل ليسرق، كعادته، فوجئ بألكسندر الولد الطيّب المعروف بقوّته الكبيرة . كان ألكسندر قد أتى ليأخذ البيض باكراً جدّاً، ليسلقه ويصبغه باللون الأحمر، ثمّ يقدّمه لجيرانه الفقراء بمناسبة عيد قيامة المسيح. فلمّا رآه توما، نظر إليه نظرة قاسية شرّيرة، وأراد ضربه، فما كان من ألكسندر سوى أن ابتسم له ابتسامة حلوة مملوءة بالمحبّة والوداعة، وأخرج من جيبه بيضة حمراء كان قد زيّنها برسوم جميلة وقال له:  "هذه لك. المسيح قام. "انحدرت دمعتان على وجه توما، ثمّ ما لبث أن ابتسم، هو أيضاً، إذ شعر بمحبّة ألكسندر وأجابه: "حقّاً قام." وبعد أن هدأ قليلاً قال لألكسندر:

- لماذا، وأنا أريد أن أؤذيك، تعطيني بيضة، رغم أنّك قادر أن تغلبني لأنّك أكبر منّي وأقوى؟

- كيف أفعل هذا وأنا مسيحيّ؟ ألم يوصِنا الربّ يسوع بأن نحبّ أولاده جميعاً.

- وأنا رغم شروري الكثيرة هل أُدعى له ابناً؟

- نعم، أنت ابنه، وتستطيع الرجوع إليه بالتوبة وهو يقبلك بكلّ تأكيد، فالذي بذل نفسه على الصليب من أجلنا، ألا يقبلنا عندما نعود إليه نادمين على خطايانا؟ أنّه يقبلك، ويقبلني، ويقبل الجميع. إنّه أبونا ومخلّصنا الذي أحبّنا حتّى موت الصليب، ثمّ قام لكي يمنحنا الفرح والحياة الجديدة.

فرح توما بكلام ألكسندر، وطلب إليه بدموع أن يعلّمه كيف يحيا حياة مسيحيّة حقيقيّة. ومنذ ذلك الحين، ترك حياته الشرّيرة، وصار يحبّ الجميع ويخدمهم ويهتمّ بهم بكلّ حماس. وتغيّر اسمه من "توما الشرّير" إلى "توما الصالح".  

هل تدرون، يا أحبائي، لماذا نسلق البيض ونلوّنه في عيد الفصح؟

هناك جوابان: أوّلهما أنّ القدّيسة مريم المجدليّة ذهبت إلى روما لكي تشكو اليهود قاتلي يسوع لدى الإمبراطور وهي تحمل بيدها بيضة، وفيما هي تؤكّد للإمبراطور أنّ المسيح قام تحوّل لون البيضة إلى الأحمر فجأة. وثانيهما: لأنّ البيضة تحمل داخلها فرخاً حيّاً مع أنّها مغلَقة، هكذا أيضاً كان القبر يحمل الحياة فيه، أي يسوع المسيح، مع أنّه كان مغلَقاً.

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصّة بالأولاد                            العدد السادس والعشرون في 1/5/2011

 

 

                                    شفاعة

                                 القدّيس جاورجيوس

25.jpg

 

عجزت نجوى عن إقناع ابنها مروان ذي العشر سنوات بالاهتمام بأموره الروحيّة رغم نصائحها المستمرّة حول ضرورة الصلاة والذهاب إلى القدّاس الإلهي، والتناول من الأسرار الإلهيّة إلى ما هنالك من أمور روحيّة ضروريّة لحياة كلّ إنسان في هذه الدنيا. ولكنّ مروان كان دائماً متهاوناً كسولاً يفضل اللّعب أو قراءة المجلات أو متابعة بعض المسلسلات التلفزيونيّة الشيّقة، بالنسبة إليه، أكثر من كلّ ما يتعلق بحياته الروحيّة.

وذات يوم، وأثناء تناول وجبة الغذاء مع والديه، سأل أمّه قائلاً:

- ماما، ما الاسم الذي أعطيتني إيّاه يوم معموديّتي؟

- إنّ لك اسماً، يا حبيبي، جميل جدّاً لقدّيس كبير وعظيم في الكنيسة، وهو القدّيس جاورجيوس الذي نعيّد له في 23 نيسان. ولكن، لماذا تسألني هذا السؤال؟

- لقد قالت لنا معلمّة التربية الدينيّة في المدرسة أنّه علينا أن نعرف اسم شفيعنا في المعموديّة لكي نصلّي له كلّ يوم مساء قبل أن ننام.

- جميل جدّاً. وأنت تملك، كما أذكر، مسبحة كنت قد اشتريتها من الدير أليس كذلك؟

- نعم.

- إذن، عليك أن تطلب شفاعة القدّيس جاورجيوس كلّ ليلة بتلاوة المسبحة.

- وماذا أقول فيها؟

- يا قدّيس الله جاورجيوس تشفّع فينا، وهو سوف يطلب من الله، بدوره، أن يحمينا ويباركنا، ويوفّقنا في أعمالنا.

        ورغم كسل مروان ولامبالاته في الأمور الروحيّة، إلاّ أنّه كان يواظب يوميّاً على تلاوة هذه الصلاة. وذات ليلة وبينما كان نائماً، رأى حلماً أخذ يقصّه على والدته في صباح اليوم التالي، فقال:

        "لقد رأيت وكأنّني موجود في حقل واسع جدّاً لا أستطيع وصف جماله، إذ كان مغطّى بأنواع الزهور والورود الرائعة، وفيما أنا أتمشّى فيه أتأمّل جماله، إذا بيد ضابط شابّ بهيّ يمسك بيدي وهو يقول: أتريد أن ترى الربّ يسوع؟ فقلت له بحماس: طبعاً، ولكن أين ومتى؟ فأجابني الجنديّ: الآن، إن أردت. فقلت له: ولكن من أنت يا سيّدي؟ فردّ قائلاً: أنا القدّيس جاورجيوس الذي تصلّي له كلّ ليلة.

        وهكذا سرنا بين الورود الجميلة ذات الروائح العطرة إلى أن وصلنا إلى قصر كبير ذهبيّ يشع بنور وهّاج. فقال لي القدّيس: استعدّ، يا مروان، لأنّنا سوف ندخل، الآن، إلى هذا القصر حيث يجلس الربّ يسوع على عرش جميل جدّاً لكي نسجد له، ونشكره على عطاياه لنا. فقلت بفرح كبير: نعم، سوف أقبّل قدميه، وأشكره، وأسأل منه الصحة لوالديّ. فابتسم القدّيس ولم يجب. ثمّ أكملنا سيرنا إلى أن وصلنا إلى عتبة باب القصر، وفيما كنّا ندخل، إذا بصوت يقول: قف أيّها القدّيس جاورجيوس، لا تدع هذا الطفل يدخل معك. ادخل أنت وحدك. فخفت أنا كثيراً، ووقفت في مكاني جامداً لا أجسر على التقدّم خطوة، ورأيت، من بعيد، العرش الإلهيّ، ولكنّي لم أستطع أن أرى الربّ يسوع بوضوح.

        تقدّم القدّيس إلى أن وصل إلى العرش، فقال له الربّ يسوع:

- نعم، أيّها القدّيس جاورجيوس، إنّي غير راضٍ عن مروان، فهو كسول لا يصلّي، ولا ينتبه إلى حياته الروحيّة، فكيف سأدعه يدخل لأباركه؟

- نعم، يا ربّ، ولكنّه طفل صغير.

- صحيح إنّه صغير، ولكنّ أمّه كانت دوماً تريد إرشاده وهو يرفض السماع لها، ويهمل كلّ حياته الروحيّة، ولذلك فهو غير مستحقّ للدخول ولا لينال بركتي.

- فركع، عندئذ، القدّيس على ركبتيه وهو يقول للربّ: سامحه يا ربّ، وأنا أتكفّل به، وأعدك بأنّه، منذ الآن، سوف يهتمّ بكلّ ما تريده منه. لا تنس، يا يسوع، أنّه في كلّ ليلة يصلّي لي. فمن أجل هذه الصلاة سامحه ودعه يدخل لينال بركتك ومحبّتك.

        فابتسم الربّ يسوع لدى سماعه هذه الكلمات، وقال: من أجل محبّتك أنت لمروان سوف أصفح عنه، فدعه يدخل. ثم تقدّم منّي القدّيس، وأمسك بيدي حيث قادني إلى العرش، فنظر إليّ الربّ يسوع بكلّ محبّة وعطف، وباركني قائلاً: "من أجل شفاعة القدّيس جاورجيوس سوف أباركك، ولكن عدني بأن تصلح حياتك". فبكيت وقلت: "نعم يا ربّ أعدك". فاحتضنني، عندئذ، الربّ وقال لي: "أنا أحبّ الأطفال كثيراً، وكما أحبّهم أريد أن يحبّوني، وأن يهتمّوا بحياتهم الروحيّة، لكي تكون لي شركة متينة معهم". وبعد ذلك استيقظت.

        ما إن سمعت نجوى حلم ابنها، حتّى بكت بدورها، وقالت لمروان بحنان: "أرأيت، يا مروان، كم هو حلو الربّ يسوع". فأجاب الصبيّ: "نعم، يا أمّي، إنّي أحسّ بمحبّته في قلبي، وأنا منذ اليوم سوف أعمل كلّ ما يرضيه.

- إذن، هلمّ بنا نركع أمام أيقونته لنشكره ونصلّي له.

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصّة بالأطفال                      العدد السابع والعشرون في 8/5/2011

 

 

 

المجد لقيامتك المقدّسة يا ربّ التي بها أنقذتنا من خطايانا

 

 

آثار المسامير

        كان ألفريد يتمرمر في داخله غاية المرارة، فقد استخدم كافّة وسائل اللطف والحزم مع ابنه الوحيد فيليب دون جدوى. كان الابن مهملاً في دراسته، ومستهتراً بوقته، ولا يشعر بأيّة مسؤوليّة، وعنيفاً وفظّاً في كلامه وتصرّفاته.

        وفي يوم الخميس العظيم المقدّس من أسبوع الآلام، دخل ألفريد حجرة ابنه، وأخذ، ببشاشته المألوفة، يحدّثه عن الاستعداد لعيد الفصح المجيد، ثمّ ما لبث أن قدّم له هديّة فرح بها فيليب فرحاً عظيماً.

        كانت الهديّة صورة كبيرة للسيّد المسيح المصلوب، فأظهر فيليب إعجابه الشديد بالصورة. ثمّ عاد الأب فقدّم لابنه علبة مسامير رفيعة، وطلب منه قائلاً: "في كلّ مرّة تخطئ، يا فيليب، ثبّت مسماراً في جسد السيّد المسيح المصلوب، وفي كلّ مرّة تندم وتتوب، وتسلك سلوكاً جيّداً، انزع مسماراً. وبهذه الطريقة تكتشف ضعفك، وتدرك مراحم الله، وكم يحبّك بقوّة. كرّر هذه العمليّة لمدّة شهر كامل، وفي نهايته سنرى سويّة ماذا ستكون النتيجة".

        وفعلاً، بدأ فيليب يفعل ذلك، وفي نهاية الشهر جلس ليرى ماذا حدث بالصورة، وكم كانت دهشته كبيرة عندما وجد أنّ الصورة امتلأت بالمسامير حتّى كادت معالمها تختفي. بكى فيليب بمرارة، وطلب من الله أن يغفر له، واعداً إيّاه بإصلاح نفسه، سائلاً إيّاه المعونة لكي يقوم بما وعد به، ولكي يُقدِمَ على كلّ عمل صالح محبّة به.

        شعر الأب بتغيير واضح في حياة ابنه، فطلب منه أن يفعل ذلك شهراً آخر. وعندما دخل بعد مضي الشهر الثاني، وجد مسماراً واحداً فقط في الصورة، فتهلّل قلبه، واحتضن ابنه وهو يقول: "قوّاك الله، يا ولدي، لا شكّ بأنّ الربّ يسوع المصلوب فرح بتقدّمك، وسوف يباركك على مجهودك الذي قمت به"، ثمّ تقدّم برفق ونزع المسمار الأخير من الصورة. وهنا بدأ فيليب يبكي بمرارة، فسأله والده:

- لماذا تبكي، يا فيليب، فإنّ الله يفرح بكلّ من يندم على أعماله السيّئة، ويساعده لكي يقوّم اعوجاجه.

- أنا أعلم هذا، يا أبي، ولكن...

- ولكن ماذا؟

- لقد انتزعتُ كلّ المسامير من الصورة، وبقيت آثارها عليها. أنا متأكّد أنّه يغفر خطاياي، ولكنّ آثار الجراحات بقيت على جسده. نعم، يا أبي، لقد صلبتُ مخلّصي مدّة طويلة تساوي مدّة اقترافي الأعمال التي لا يحبّها.

- إنّ ما تقوله صحيح، يا ولدي الحبيب، ولكنّك نسيت أنّ الربّ قد قام، وبقيامته غلب ضعفنا، وأعطانا الفرصة لكي نعيش فرح القيامة وغلبتها. منذ الآن أنت إنسان جديد: فيليب القائم مع المسيح من خطاياه. أتذكر، يا حبيبي، أيقونة القيامة، وكيف يمسك فيها الربّ يسوع القائم يد كلّ من آدم وحوّاء وينهضهما من القبر معه، هكذا، أيضاً، هو يمسك بيدنا، ويقودنا إليه مقيماً إيّانا معه من قبر زلاّتنا.

 

عزيزي الفتى، كم مسماراً غرزت في جسد المصلوب بتصرّفاتك السيّئة

وكم مسماراً نزعت عنه بأفعالك الصالحة؟

افحص نفسك جيّداً ثمّ أجب على هذا السؤال.

أتمنّى لك حظّاً موفّقاً مع نفسك...

 

                                 المسيح قام

                                  حقّاً قام

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

 

نشرة خاصّة بالأولاد                             العدد الثامن والعشرون في 15/5/2011

 

                            عـدم

                          

                         الجـرأة

 

 

 

سافرت جنان لتتفقّد والدتها المريضة، وقد تركت في البيت ابنتها الكبرى ماريّا (14 سنة) ونادين (8 سنوات). أرادت ماريّا أن تعلّم أختها العمل في المنزل، فأوكلت إليها أن تمسح الغبار عن الأثاث. فرحت نادين بهذه المهمّة، وصارت تقوم بها بكلّ نشاط. ولكن، للأسف الشديد، وقع من يدها، أثناء عملها، إناء زجاجيّاً من الكريستال الثمين الذي تلقّته أمّها هديّة في يوم عيد ميلادها من صديقة لها عزيزة.

حزنت نادين جدّاً لما جرى، وبدأت تبكي. فجاءت ماريّا على صوت بكائها، وعرفت ما حدث، فلم تتكلّم البتّة، بل راحت، بكلّ هدوء، تلملم القطع المكسّرة.

وبعد أن هدأت نادين قليلاً، قالت لها: "سوف تأتي والدتنا غداً، ومن المؤكّد بأنّك سوف تخبرينها بما حدث". لم تجب نادين شيئاً لأنّها كانت خائفة، وهي بالطبع خجولة جدّاً، ولا تملك الجرأة الكافية لتبوح بما عندها.

وفي اليوم التالي قدمت جنان، ولاحظت أنّ ابنتها نادين قد استقبلتها باضطراب، ولكنّها تجاهلت ذلك لتعلم السبب. وبعد وجبة الغداء، انفردت جنان بابنتها ماريّا وسألتها عن سبب اضطراب نادين، فأخبرتها ماريّا بكلّ ما حدث. أسفت جنان لفقدانها الإناء، ولكنّها طلبت من ماريّا أن تشجّع أختها على الإقرار، مؤكّدة لها بأنّ محبّتها لها تفوق كنوز الدنيا كلّها. وهكذا حاولت ماريّا تشجيع أختها، فوعدتها نادين بالتنفيذ.

مرّ أسبوع، ولم تنفّذ نادين ما وعدت به، وفي كلّ مرّة كانت تقول لأختها:

- تنقصني الشجاعة يا أختي.

- ولكن، لماذا يا نادين، فأنت فتاة في الثامنة من عمرك، ويجب أن تتعلّمي أن تقرّي بكلّ عمل سيّئ تقومين به، لأنّ هذا الأمر يجعلك مرتاحة الضمير، وينعم قلبك بالفرح والسلام.

- حسناً، سوف أحاول مرّة أخرى. أرجوك صلّي من أجلي.

        وأيضاً، وأيضاً، لم تنجح نادين في محاولاتها. إلى أن كان ذات مساء، وقد جلست ماريّا تتحدّث معها، محاولة تشجيعها، فقالت لها:

- أتعرفين قصّة الفئران والقطّ؟

- كلا، وما هي.

- اسمعيها إذاً.

        كان هرّ جميل أبيض اللون كبير الحجم يجول في البيت والحديقة يبحث عن الفئران ليأكلها، وبالفعل أكل فئراناً كثيرة حتّى اضطرّ الباقي إلى الاختفاء في جحورهم مدّة طويلة. جاعت الفئران، ولم تجرؤ على الخروج لكي تأكل.

        وذات يوم، أراد الهرّ أن يقوم برحلة حول العالم، فانتهزت الفئران الفرصة، وخرجت تأكل وتجمع الكثير من الأطعمة في جحورها. وإذ اقترب الشهر أن ينتهي، عقدت الفئران مؤتمراً للبحث كيف يتدبّرون الأمر، وقد قرب قدوم حضرة الهرّ.

        وبعد مناقشات طويلة قال أحد الفئران:

- الأمر سهل جدّاً، لقد وجدت حلاّ للمشكلة.

- وماهو، يا ترى، هذا الحلّ؟

- نعلّق جرساً في رقبة الهرّ، حتّى متى تحرّك نهرب منه.

- يا لها من فكرة صائبة، ويا لك من فأر ذكيّ حكيم وفهيم.

        أصدر مؤتمر الفئران قراراً بالإجماع بضرورة تعليق جرس في رقبة الهرّ، وآخر في رقبة القطّة عروسه، وأنهى المؤتمر اجتماعه بتعيين لجنة لتنفّذ هذا القرار الجماعيّ المهمّ.

        وفي اليوم التالي اجتمعت اللجنة التنفيذيّة، وبدأ يتساءل كلّ واحد منهم: من الذي سيقوم بتعليق الجرس؟ ولم يوجد من يجرؤ أن يحقّق عمليّاً ما أجمع عليه مؤتمر الفئران! وهكذا بسبب فقدهم الجرأة لم يحصلوا على الأمان وبقي قرارهم معلّقاً في الهواء. وأنت أيضاً، يا أختي، رغم أنّك قرّرت الإعتراف بخطئك، ولكن بسبب عدم جرأتك لم ينصلح الموقف، وبقي الأمان بعيداً عنك.

- ولكنّي، يا أختي، لست فأرة.

- وأنا أعلم ذلك أيضاً، وإنّما يجمعكم موقف واحد وهو عدم الجرأة وفقدان الأمان والراحة، ولقد رويت لك هذه القصّة لأريك كيف أنّ عدم الجرأة يعيق تحقيق الأعمال الحسنة، ويجعل الإنسان يشعر بالضعف والفشل، وينسى أنّ:

الطفل المسيحيّ جريء، لأنّ

لأنّ الربّ يسوع قويّ في داخله.

 

        وهكذا بعد وقفة صلاة، طلبت فيها نادين المعونة من الربّ يسوع اعترفت لأمّها بكلّ ما حدث. عند ذلك ضمّتها أمّها إلى صدرها، وهنّأتها على شجاعتها، فعاد الفرح والسلام يلمعان على وجه نادين من جديد.

 

 

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

St. James Convent

 

نشرة خاصّة بالأولاد                          العدد التاسع والعشرون في 22/5/2011

 

 

تذكّر عطاياي

 

كان ﭙول دائم التذمّر، لا يرضيه شيء، ولا يرى شيئاً جميلاً في هذا العالم، ولذلك فهو حزين لا يعرف للسعادة طعماً، ولا يوجد شيء يبهجه مهما حاول أهله وأصدقاؤه أن يوفّروا له الفرح.

        وذات يوم، ركب الباص، وكان حافلاً بالأولاد من كلّ الأعمار، فصدف أن جلس إلى جانب فيها فتاة جميلة يشعّ وجهها بالفرح والإشراق، ولا تفارقها الابتسامة، فقال في نفسه: "يا لها من فتاة جميلة مرحة، حتما إنّها تشعر بحبّ الأكثرين لها واهتمامهم بها، ومن المؤكّد أنّه لا ينقصها شيء؟ آه لو كنت مكانها، لما فارقت البشاشة وجهي.

        وقف الباص، وإذا بالفتاة تنحني وتسحب عصا من تحت المقعد، ثمّ تمسك بها، وتستند عليها لتنزل، وعرف ﭙول أنّها مبتورة القدم!!! فراح يتأمّلها بصمت منذهلاً، وممّا زاد في انذهاله أنّه سمعها تقول وهي تنزل  من الباص: "أشكرك، يا ربّ، لأنّك أعطيتني قدماً واحدة لأسير بها حسبما تريد أنت"!!!

        وفي المحطّة التالي، نزل ﭙول بدوره، وتوجّه إلى مكتبة صغيرة ليشتري بعض الأقلام والدفاتر اللاّزمة لدروسه. فوجد هناك صبيّاً صغيراً يبدو عليه المرح واللطف، فطلب منه ما يريد. وبعد قليل جاءه الصبيّ بما طلب وهو يقول في ابتسامة رقيقة:

- أرجو ألاّ أكون قد تأخّرت عليك.

- أرى أنّك صبيّ رقيق للغاية، وإنّي لسعيد جدّاً بالحديث معك، كم عمرك؟

- ثماني سنوات.

- إنّي أشكرك، لأنّك أحضرت لي قلماً أزرق اللّون، فاللّون الأزرق هو لوني المفضّل.

- فردّ الصبيّ بابتسامة عذبة: وأنا، بدوري، أشكرك، يا سيّدي، ولكنّني لم أقصد أن أحضر لك قلماً أزرق، لأنّي لا أرى، فأنا أعمى، ولذلك سألتك المعذرة أن كنت قد تأخّرت في تلبية طلبك. أنا أعمل ببطء كي لا تعثر قدمي بشيء، ولكنّي مع هذا، أحمد الربّ كثيراً، فهو قد وهبني صحّة تامّة، وأمّا ظلام عينيّ فقد تعوّدت عليه، وأستطيع أن أقوم بكلّ احتياجاتي بكلّ سهولة، فالربّ عوّضني عن النور الخارجيّ بنور داخليّ، فأمّي تردّد دائماً على مسمعيّ: الربّ يقول: "أنا نور الحياة".

        سار ﭙول في طريقه قد تعجّب من شكر ورضى هذا الصبيّ، وكيف أنّ أمّه تخفّف من مصيبته، وتشدّد إيمانه بالربّ.

وأثناء سيره، رأى طفلاً جميلاً جدّاً كان يقف بعيداً لا يلعب مع زملائه إنّما يكتفي بالتصفيق لهم، وعلامات الفرح والغبطة ترتسم على وجهه. فاقترب منه وسأله بتودّد:

- إنّي أدعى ﭙول، وأنت ما اسمك؟

- ماذا تقول؟

- فظنّ ﭙول أن ضجيج اللاّعبين منعه من أن يسمع سؤاله، فقال له بصوت مرتفع: أسألك ما اسمك، ولماذا لا تلعب مع زملائك؟ ألا تحبّ اللعب؟

- سامحني، لم أسمع ما تقوله، فأنا طفل أصمّ لا أسمع، ولكنّي أشكر الله، لأنّه منحني قدمين أسير بهما، وعينين أنظر بهما، وأمّا السمع، فلا يشكّل لديّ مشكلة إذ أستطيع التفاهم مع الآخرين بواسطة الكتابة. ثمّ ما لبث الطفل أن ابتسم، وهرول يركض بفرح وهو يلوّح بيده مودّعاً.

وقف ﭙول في مكانه جامداً، وهو يفكّر بهذه الرسائل الثلاث التي أرسلها إليه الله في ذلك اليوم. فعاد إلى منزله وهو يقول:

أشكرك يا ربّ، لأنّك وهبتني عينين أرى بهما جمال الطبيعة، وأمجد جلالك،

وأشكرك، لأنّك وهبتني قدمين أسير بهما إلى الكنيسة، وأخدم إخوتي،

وأشكرك، أيضاً، لأنّك وهبتني أذنين أسمع بهما التراتيل الكنسيّة وأسبِّحك.

        وهكذا لم يعرف التذمّر طريقاً، منذ ذلك اليوم، إلى فم ﭙول، وتغيّرت حياته، وأخذ الفرح والانشراح يبدوان على وجهه.


الشكر جرس يدعو الله ليسكب خيراته علينا

 
Make a Free Website with Yola.