دراسات ومقالات في الفكر الأرثوذكسيّ



ماذا يعني يوم الأحد للطفل -رهبنة دير مار يعقوب -دده
حول كتاب المزامير للقدّيس باسيليوس الكبير -رهبنة دير مار يعقوب -دده
الحياة الاجتماعيّة عند القدّيس سمعان اللاّهوتيّ الحديث -رهبنة دير مار يعقوب -دده
سبت النور ؛ سبت السبوت – الشماس الياس بركات
المرأة بانية المجتمع - رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده
في الإيمان للراهب نيكيفورس ثيوطوكي - رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده
كيف تقدّم للمجتمع ابناً كاملاً... بالفشل - رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده
كلمة الإرشمندريت توما بيطار في تأبين المثلث الرحمة الأرشمندريت المتوحد إلياس مرقس
كلمة المطران جورج خضر في تأبين المثلث الرحمة الأرشمندريت المتوحد إلياس مرقس
Le Père Elias (Morcos) s'est endormi dans le Seigneur
الرّاهب إلياس مرقص: بك أبصرنا النّور
موقف المسيحيّ إزاء الموت - رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده
الأرشمندريت أليشع: وجدت الهدوء... كم الله قريب منا ؟
المسيحيــــون المشــــرقيون -المطران جورج خضر
السابق المجيد "أعظم مواليد النساء" للأسقف يوحنا زيزيولاس - عن اليونانيّة : جورج يعقوب
العراق يُفرّغ من مسيحييه... و«الحياة» تجول عليهم في بلدان اللجوء الأولى
رعيّة السامرية: من الشتات إلى الوحدة
الحقّ والحرّيّة والنّسك
أيقونة سيّدة فلاديمير - فلاديميرسكايا
(كيف نتعامل مع غير الأرثوذكسيين -الأب المغبوط سيرافيم(روز
المسيحيــــون في الشــــرق -المطران جورج خضر
عظة صاحب السيادة المتروبوليت جاورجيوس (خضر) في عيد الملاك ميخائيل في دير مار ميخائيل بقعاتا 8 تشرين الثاني 2010
مقابلة مع طالب لاهوت صيني في روسيا
خضر: رجاؤنا ان يأخذ البابا بما قاله الأساقفة العرب
الكنيسة مكان لإعادة الولادة - رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده
(Hozoviotissa) إيقونة السّيّدة الخوزبيّة
الأبوّة الروحيّة - رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده
التواضع للقدّيس اسحق السريانيّ - رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده
جبل آثوس - المطران جاورجيوس خضر
(رسالة إلى الكاهن-الأرشمندريت توما (بيطار
تعرّف على أيقونة والدة الإله المرشدة في دير حمطورة
الزّواج، كنسيًّا، وبصراحة!-الأرشمندريت توما (بيطار)
لباس الحشمة- عائلة الثالوث القدوس - دوما
Apostles' Fast
من احد الشعانين الى الأسبوع العظيم المقدس
الجبل المقدس آثوس
الزواج مشروع كنيسة
Présentation au Temple de la Mère de Dieu- Père René
Présentation au Temple de la Mère de Dieu- Père Boris Bobrisnkoy
لاهوت الزواج عند الذهبي الفم
النظام المجمعي في الكنيسة الأرثوذكسيّة - المطران جورج خضر
التوبة والإعتراف - الأرشمندريت توما بيطار
رقاد والدة الإله
الكنيسة والكنائس في فكر الأب جورج فلوروفسكي
تاريخ هامة السابق الموجودة في كنيسة أميان في فرنسا
القديسون في الكنيسة الأرثوذكسيّة


ماذا يعني يوم الأحد للطفل[1]

 

كتبت المربّية السويسريّة سوزان سيمون في كتابها "التربية في العائلة" تقول: "إنّ حياة الإنسان كلّها، بما فيها مهنته، تتأثّر بنوعيّة أيّام الآحاد وجمالها التي أمضاها في طفولته". إذاً، هل نشعر، نحن الأهل، بأهميّة هذا اليوم ومعناه في تربية أطفالنا؟

نسمع في البلدان المسيحيّة الأجراس تقرع يوم الأحد تدعونا للمشاركة في القدّاس الإلهيّ، وأظنّ أنّ صوت الأجراس هذا، شئنا أم لم نشأ، طبع حياتنا بختمه المفرّح. كثيراً ما ينطبع يوم الأحد برنّة صوت الأمّ وهي توقظ أطفالها لتذهب وإيّاهم إلى الكنيسة. وكثيراً ما يسترجع الشابّ كيف كانت أمّه توقظه بابتسامتها العذبة، وكيف كانت تلبسه الثياب الجميلة لينطلق، وإيّاها، فرحاً إلى بيت الله. إنّه بالنسبة للطفل يوم عيد. هكذا كان في الماضي، وأمّا اليوم فماذا يحصل في البيوت؟ وكيف يعيش أطفالنا يوم الأحد؟

فكّر أحدهم بأن يقوم بإحصاء ليرى نسبة العائلات التي تشترك بالذبيحة الإلهيّة يوم الأحد، ولكنّه خشي مغبّة هذا الإحصاء، إذ لا شكّ أنّ النسبة ستكون منخفضة جدّاً. فكثير من الأطفال حتّى سنّ الخامسة أو السادسة لا يعرفون بعد أن يرسموا إشارة الصليب، وهذا يعني أنّهم لم يطأوا أرض الكنيسة إلاّ إذا دُعي ذووهم إلى عرس أو معموديّة، أيّ في مناسبة اجتماعيّة، مع العلم بأنّ غالبيّة الأهل يشقون من أجل تأمين الكثير لأولادهم، وإن استطاعوا تأمين الأكثر أيضاً يلهثون وراء تأمينه من دون أدنى تذمّر، ومن دون أن يسألوا أنفسهم إلى أين سنصل؟ وإلى أين تؤدّي هذه الطريق التي نسير بها مع أولادنا؟ أظنّ أنّه من المفيد أن نتذكّر بأنّنا خُلقنا لنعيش في الأبديّة.

       يوم الأحد هو هبة من الله. إنّه يوم الربّ. إنّه اليوم الأبهى من كلّ الأيّام، وبهذا الاعتبار علينا جميعاً أن نحياه، صغاراً وكباراً، إن أردنا أن يكون لنا نبع فرح، نبع محبّة، نبع تجدّد، يوم مؤونة نتزوّد به لكافّة أيّام الأسبوع. هذه هي المشاعر التي ينبغي أن ينشأ الطفل عليها.

يوم الأحد هو اليوم الذي يجب أن يجتمع فيه كلّ أفراد العائلة، إذ يبدو صعباً أن تجتمع مع بعضها في بقيّة أيّام الأسبوع. يعطينا يوم الأحد الفرصة لكي نحيا مع بعضنا البعض بفرح. ما أجمل أن ينطلق كلّ أفراد العائلة معاً إلى الكنيسة حيث ترتاح النفوس بمشاركة العبادة، وتتقوّى بالزاد الإلهيّ كمؤونة للأسبوع القادم.

       لقد اخترنا هذا الموضوع أيّ معنى يوم الأحد بالنسبة للطفل لأنّ هذا اليوم لم تعد له قيمة في عصرنا، لا بل قد يمضيه غالبيّة الناس بطريقة مسرفة ومضرّة. ولكنّ معظم المربّين والمحلّلين النفسانيّين كانت لهم وقفة إقدام أمام القيمة الكبرى لهذا اليوم حتّى وصلوا إلى درجة شدّدوا فيها بأنّ الآحاد في سنّ الطفولة تهيّئ الأطفال لاستعمالها حسناً عند بلوغهم سنّ الشباب والنضوج. فكيف إذاً سيحيا الطفل يوم الأحد لكي يكون يوم راحة له، ويوماً مختلفاً عن بقيّة الأيّام في حياته؟

       تكلّمنا، باقتضاب، عن المعنى الروحيّ ليوم الأحد، ولكن من الضروريّ أن نراه من وجهه الآخر، من الناحية الترفيهيّة، وذلك لئلا يعتقد الأهل بأنّهم قاموا بواجبهم إن اصطحبوا أولادهم إلى الكنيسة، وكفى. طبعاً لا.

       لم يصل الأولاد بعد إلى المرحلة التي يشعرون فيها بحلاوة التسابيح وقداسة السرّ الإلهيّ أثناء الذبيحة الإلهيّة. إنّهم يتعبون كثيراً، وبخاصّة إن لم يلجأوا في اليوم السابق، أي يوم السبت، إلى نوم مبكّر، لأنّ النهوض يصبح أمراً صعباً، وربّما مرهقاً، لذلك على الأهل أن يُعنوا بشكل جدّيّ بيوم الأحد.

       يجب أن يكون ليوم الأحد أثره في تمتين أواصر العلاقة بين أفراد العائلة، ويجب أن ينعم الطفل بحضور ذويه وإخوته معه بفرح، وأن يعوّض عن الوحدة القاتلة، بالنسبة إليه، التي عاشها طيلة الأسبوع المنصرم بهذا العيد الذي يجب ألاّ ينتهي بنهاية يوم الأحد. علينا أن نعترف بأنّ مشكلة أولادنا الكبرى، اليوم، أنّهم لا يتمتّعون بصحبة والديهم، ولسان حالهم يقول: "كلّ شيء أملكه، ولا ينقصني شيء، ولكنّي أرغب بأن يعطوني قليلاً من وقتهم، أن يلعبوا معي، أن نتحادث سويّة ولو قليلاً". ولقد أجابت طفلة في الثامنة من عمرها عن سؤال وُجّه إليها: "ماذا تطلبين من أهلك؟" فأجابت: "أريد أن أراهم، أن أفرح وإيّاهم". فالأحد هو يوم العائلة، يوم نحوّله من يوم عمل إلى يوم فرح ومتعة. أن يفرح الأولاد بوالديهم، وأن يفرح الوالدون ببنيهم، ولكن كيف سيتمّ هذا؟ من المهمّ جدّاً أن يعرف الأهل كيف يسعدون أولادهمهم، من المهمّ أن يشعر الأولاد بأنّ أهلهم في هذا اليوم هم ملك لهم، لكي يستمتعوا معاً بالفرح، لكي يتناقشوا ويحلّوا مشاكلهم سويّة، لكي يغنّوا ويهلّلوا معاً، لكي يفرحوا مع بعضهم البعض. لهذا ففي القديم كانت المائدة يوم الأحد مليئة بالأطايب، وكلّ أفراد الأسرة يعملون معاً لتجهيزها، وهكذا يشعرون باختلاف هذا اليوم عن بقيّة أيّام الأسبوع حين ينصرف كلّ منهم إلى عمله، ولا يتواجدون على مائدة مشتركة إلاّ نادراً، وهكذا تتمكّن الروابط الأسريّة أكثر فأكثر فيما بينهم. تستطيع العائلة يوم الأحد أن تقوم معاً بزيارة أحد الأماكن الأثريّة بعد الاشتراك بالذبيحة الإلهيّة. ولكي تشعر بالشركة مع الآخرين، وبالتقارب الاجتماعيّ، تستطيع أن تتقاسم الطعام مع إحدى العائلات القريبة أو الصديقة، وتتبادل خلال الطعام الأحاديث الوديّة والفكاهيّة والمسليّة والبعيدة عن كلّ همّ وغمّ بعيدة عن مصلحة العمل أو المهنة. هذه الأمور مهمّة جدّاً، لأنّها تشدّ الواحد إلى الآخر في عصر فقدنا فيه كلّ علاقة حميمة مع الآخرين. كما أنّ الدعابة المتبادلة تخفّف من الضغط الذي عاناه الطفل طيلة الأسبوع في تحضير دروسه، ويخفّف من وطأة الجديّة التي عاشها طيلة الأسبوع المنصرم، فيتجدّد نشاطه النفسيّ والمعنويّ، ويقابل الأسبوع القادم بروح مرحة فرحة. هذه الأمور تجعل الطفل يذوب في العائلة،  وتصبح عائلته فخراً له يتحدّث عنها وعن حميميّة العلاقات فيما بين أفرادها، ولا تعود الوحدة أو الروتين هما السيّدان السائدان.

       هل نريد أطفالنا أن يحيوا بعيداً عن الرفاهيّة وتسليات هذا العصر المدمّرة؟ فلنملأ أوقاتهم، إذاً، بتسليات وأعمال مفيدة. ويوم الأحد يمدّنا بهذه الفرصة.

       الأحد هو يوم تمجيد الله كما أنّه يوم عائلي. يُعرف عصرنا بأنّه عصر التمركز حول الأنا حيث كلّ فرد يلتفّ حول نفسه، ولذلك فمن المستحسن أن نربّي أولادنا على تذوّق طعم العطاء، ويوم الأحد يتقدّم منّا كيوم محبّة ويوم عطاء، إذ يمكننا أن نكرّس أحد أيّام الآحاد لخدمة الآخرين، كأن نجهّز بعض الأطعمة مع أولادنا، نأخذها إلى أحد الفقراء، فتكون لأولادنا درساً في العطاء والمحبّة. يوجد في فرنسا دور للأيتام يجهّزون بعض ألوان الطعام، ليأكلونها مع شيوخ لا يوجد من يعتني بهم، وهكذا يخلقون تواصلاً في ما بينهم وبين هؤلاء الشيوخ. وهذا الأمر مهمّ جدّاً لأن يتذوّقه أولادنا يوم الآحاد، فيحسّون بطعم آخر يتميّز عن طعم بقيّة الأيّام حيث ينغمسون إمّا بالدراسة أو بالأعمال، ويتعلّمون الخروج من الأنا، وعدم التمركز حولها. كما يتعلّمون أنّ الحياة ليست فقط في الأخذ، بل المعنى الحقيقيّ لها هو في العطاء، لأنّهم بهذا يكونون قد أخذوا أيضاً بطريقة غير مباشرة.

       ليس الفرح في أن نكون نحن فرحين، بل في أن نقدّم الفرح للآخرين. الفرح الأكبر هو عندما أقدّمه لشخص أعاني من مشلكة معه، وأجعله يصبح قريباً منّي، بل بالأحرى أصبح أنا قريباً منه، فنشترك سويّة بفرح يوم الأحد. إنّه المجال الأكبر لتحطيم الأنا، أي أن أسعى يوم الأحد في التقرّب ممّن هم بعيدون عنّي ولأسباب شتّى.

       الحياة المسيحيّة معين لا ينضب، وهي ليست روتيناً مملاً، ولا لها طابع محدود. إنّها خَلق قبل كلّ شيء. الإنسان العصريّ أصبح اليوم جهازاً يستقبل من دون مقاومة وبخاصّة برامج التلفزيون. لقد جعله التلفزيون ينسى أنّه يحوي في داخله محرّك قويّ يدفعه للخلق. فإن استعملنا نحن هذا المحرّك لدى أبنائنا، فسوف نجعلهم خلاّقين ومبدعين. فالحياة الروحيّة بخاصّة، والمسحيّة بعامّة، ليست "بممنوعات" أو "محرَّمات"، بل هي حياة عطاء وخلق. ولذلك يصبح يوم الأحد بالنسبة للطفل يوماً للإبداع والخلق اللذين يرافقانه طيلة حياته، وتصبح ثمارهما وافرة وذات قيمة، وسوف يتوقّف الملل عن أن يحاربنا.

       نستطيع أن نستغلّ ساعة من ساعات يوم الأحد إمّا بمسابقات في الكتاب المقدّس تتمّ بطريقة شيّقة وجذّابة للطفل، أو بحوار حول أحد حوادثه أو حول العظة التي سمعناها من الكاهن في الكنيسة أو حول موضوع قرأناه في مجلّة ما، أو باتّخاذ قرار للتقدّم في فضيلة معيّنة ونبذ رذيلة متأصّلة في الأسبوع القادم على أن يتمّ فحص تنفيذ القرار في الأحد التالي، أو في فحص شامل للأسبوع المنصرم، ووضع أعمالنا في كفّتيّ الميزان لنرى أيّهما الراجحة: الأعمال الصالحة أم الطالحة منها. كلّ هذا يتمّ بحوار حميم لا يُتعب ولا يُسئم الطفل. والهدف من كلّ هذا أن يتعلّم الأطفال التفكير والانتباه إلى نفوسهم، وأن يضعوا أساساً متيناً وصالحاً لحياتهم المستقبلة، أيّ أن يكونوا رجالاً (أو أمّهات) صالحين مؤسَّسين على صخرة الإيمان الصحيح والفكر السليم. لا بأس من التذكير ثانية بأنّ الحوار يجب أن يتمّ بجلسة وديّة، لا يكون فيها معلّم وتلميذ، بل تترك فيها الحريّة التامّة لأطفالنا لإبداء انتقاداتهم وآرائهم واعتراضاتهم واقتراحاتهم، لأنّ كلّ هذا سوف ينطبع في ذاكرتهم ليكوّن شخصيّة الغد، ويتعلّمون كيف يتحاورون في المستقبل مع أصحابهم وأساتذتهم، كما يتعلّمون كيف يرشدون غيرهم، وعوض أن يكونوا تابعين يقودون، وعوض أن يوجَّهون يوجِّهون.

وهكذا يصبح يوم الأحد يوم لقاء بيننا وبين أطفالنا وأبنائنا، يوماً يبعث الحبور في النفوس فتنتظره أسبوعيّاً فرِحةً بلمّ الشمل. ولكن، ولكي نحقّق كلّ هذا، يتطلّب الأمر مجهوداً وتعباً ممّا يجعل البعض يتساءلون: أهكذا ينبغي أن نقضي حياتنا كلّها تعباً بتعب؟ ألا يحقّ لنا، حتّى يوم الأحد، أن نرتاح؟ أتجاسر على الإجابة بكلمة كلا. ولكي أبرّر هذه الـ (كلا) أطرح هنا سؤالاً: هل هو متعب أن أقضي يوماً واحداً مع أولادي أو ساعات على الأقلّ إن لم أقل يوماً؟ قد يكون الجواب نعم. وهنا أسأل ثانية: ولكن، أليس متعباً أكثر أن أقضي ليالي مترقّباً رجوع ابني المراهق من سهرته؟ نعم هذه هي الحقيقة اليوم. كثير من الآباء يسهرون منتظرين قدوم أبنائهم من سهرة قضوها خارج البيت العائليّ. قد نقول بأنّ العصر قد تغيّر، والزمان يفترض أن نتوافق وأولادنا وأمزجتهم. قد يكون هذا القول صحيحاً إذا عرفنا كيف نربّي أولادنا منذ الصغر، وعلى أيّة مبادئ أخلاقيّة رست سفينتهم، وأيّة فضائل غرسنا فيهم، وأيّة رذائل اقتلعنا منهم. ثمّ لا يجب أن ننسى أو بالأحرى أن نتجاهل بأنّ هناك مغريات وبدعاً شيطانيّة تبث روحها بين شبابنا وبطريقة لصوصيّة، فالتلفزيون والمخدّرات والقمار والعشرة الرديئة... لهم اليوم السيادة المطلقة. لذا يجب أن يكون همّنا، نحن الأهل، أوّلاً، كيفيّة الخلاص الأبديّ وعيش الفضيلة، لكي نكون مثالاً لأبنائنا، حتّى إذا ما توفّرت لهم كلّ وسائل الترفيه والتسلية السيّئة لا يتأثّرون بها، بل يستطيعون، بمعونة الله وسهرنا، أن يتجاوزوها.

ليوم الأحد التأثير الكبير على طفلنا، فكما يعيشه يعيش بقيّة الأسبوع. فإن كان الجوّ العائليّ في هذا اليوم حارّاً ودافئاً، فإنّ الطفل سيتمتّع بالقوّة اللاّزمة لمجابهة صعاب الأسبوع المقبل. وإن لم يكن له هذه المقدرة، فعلى الأقلّ لا يُبتلَع من الصعاب، بل يحاول أن يجد له مخرجاً بالعودة إلى الأحضان الأسريّة. لهذا نريد أن يكون ليوم الأحد طعم الفرح والجمال، وأن يكون مبارَكاً بذكر الربّ.

كلمة أخيرة لا بدّ أن نقولها للكهنة المتزوّجين، وهي أنّه يجب الحرص ألاّ يكون كهنوتهم عائقاً لأولادهم ليعيشوا حياة اجتماعيّة هانئة، فالراهبة ماجدولين من دير إسكس في بريطانيا ذكرت في كتابها "توجيهات إلى أبناء الكنيسة الأرثوذكسيّة اليوم" بأنّه "لا ينبغي أن يشعر أولاد الكهنة بالحرمان من التمتّع بيوم الأحد، لأنّ هذا سيخلق لهم شعوراً مضادّاً لهم وللكنيسة، لا بل للربّ يسوع نفسه".

ر  وأ كلمات بسيطة قلناها بمحبّة بغية التذكير والاستفادة من بعض الاقتراحات.

 

 



[1]  عن مجلّة العالم اليونانيّة

 

 

حول كتاب المزامير للقدّيس باسيليوس الكبير[1]

 

"كلّ الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم" (2تيمو 16:3).

كما تُمنح الأدوية المناسبة لعلاج أمراض الجسد، هكذا الأقوال الإلهيّة الملهمَة من الروح القدس تُعطى أيضاً لشفاء النفس والروح.

تختلف طبيعة العلوم الواحدة عن الأخرى، فمثلاً تعليم كتب الأنبياء شيء، وتعليم الكتب التاريخيّة شيء آخر. ما توجبه لنا الشريعة شيء، وما يعظ به سفر الأمثال شيء آخر... أمّا كتاب المزامير، فقد تميّز عن غيره من الكتب الإلهيّة بما جمعه من فوائد مأخوذة من كلّ كتاب. فهو الذي ينبئنا بالمستقبلات، ويذكّرنا بالتاريخ، ويحدِّد لنا شرائع الحياة، ويرشدنا إلى ما يجب فعله. بكلمة واحدة، هو بمثابة مستودع المؤونة الذي يقع تحت تصرّف الجميع، والذي رُتِّبت فيه التعاليم الصالحة والمفيدة بحسب تقبّل كلّ واحد واستعداده للعمل بها وتطبيقها. فهو الذي يعتني بجراح النفس القديمة، كما أنّه يهب، أيضاً، الشفاء للجديدة منها. إنّه يقوّي مَن هو مريض، ويعضد ويؤازر مَن هو سليم. وبشكل عامّ، هو قادر أن يسيطر على كلّ الأهواء الحالّة في النفس مهما كانت أنواعها. بالإضافة إلى ذلك، فهو يحكّم النفس ويبهجها. المزامير هي ملجأنا ضدّ الشياطين لأنّها ترعبها، وتدعو الملائكة لمؤازرتنا وحمايتنا. هي سلاحنا ضدّ المخاوف الليليّة، والراحة للمتعَبين من ثقل النهار وأعماله. تحرس المزامير الأطفال، وتزيّن الشباب وتعزّي الشيوخ، وهي الحلّيّ الأكثر لياقة لتتبرّج بها النساء. تعمّر المزامير الصحاري، وتجعلها آهلة بالسكّان. أنّها تحكّم الجماعات، وتبني المبتدئين وتنّميهم، وتشجّع المتقدّمين في الحياة الروحيّة، وتؤازر الكاملين منهم. كتاب المزامير هو صوت الكنيسة، فهو الذي يُبهِج الأعياد، ويليّن النفس عندما يجلب لها الدموع المفرِّحة، ويحوّل القلوب الحجريّة إلى قلوب لحميّة. ترنيم المزامير هو عمل الملائكة، وطريقة حياة سماويّة، وبخّور روحيّ.

لماذا لا تفقه، يا أيّها الإنسان، مراحم السيّد لنا، ولماذا لا تتعلّم وتستفيد؟!!

ما أحكم تدابير السيّد!! فقد جمع فيه ما هو مفيد لنا، محرِّكاً الروح عن طريق الترتيل والترنيم. ألا ترى أنّه يحوي العدالة كلّها، وبهاء الفطنة وكمال الحكمة؟!! أليس هو الذي يحدِّد لنا طريقة التوبة ومقياس الصبر؟ ألا يحتوي على كلّ الخيرات، ويعرضها لنا من أجل خلاص النفس؟ فيه كمال اللاّهوت، نبوءة مجيء السيّد بالجسد، عذاب الدينونة، رجاء القيامة، الخوف من القصاص الأبديّ، الوعود بالمجد الآتي. إنّه كشف للأسرار المحفوظة لنا، والمخبّأة فيه كمخزن المؤونة المفتوح للجميع.

 



[1]  عن كتاب المزامير بالفرنسيّة

الحياة الاجتماعيّة عند القدّيس سمعان اللاّهوتيّ الحديث[1]

 

لم تكن اهتمامات القدّيس سمعان بطابعها الأخلاقيّ والتربويّ والروحيّ، تنحصر بالأمور الديريّة فقط، بالرغم من اعتزاله النهائيّ للعالم وطبيعة حياته التوحّديّة. بل طالت اهتماماته حياة العلمانيّين والمجتمع بشكل عامّ.

انتقد سمعان، وبشدّة، النظام الاجتماعيّ المؤسّس على الثروات الماديّة، مرتكزاً في انتقاده هذا على مبادئ تطبيق الوصايا الإنجيليّة، مقتفياً بذلك النهج الروحيّ الذي اختطّه القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم. لقد أدان القدّيس سمعان، في تعاليمه، مؤسّسات القطاع الخاصّ وتملّك الأراضي، وبشكل عامّ قنية الأموال كمصدر للاّمساواة الاجتملاعيّة ولآلام الفقراء. ويقول: "إنّ الأموال والخيرات الموجودة في العالم تخصّ الجميع كما هو الحال بالنسبة للنور والهواء الذي نستنشقه. كلّ الأشياء خُلقت من أجل الكلّ، لكي يستفيد ويتنعّم بها الجميع. أمّا بالنسبة للأملاك، أي الأراضي، فهي ليست ملكاً خاصّاً لأحد. لكنّ الطمع المستبدّ بالإنسان جزّأ خيرات هذه الأرض بطريقة وأخرى على خدّامه والخاضعين له، وأغلق عليها داخل الأسوار، وأحاطها بأبراج ومزاليج منيعة، محرِّماً على الآخرين التمتّع بخيرات السيّد الإله، ومستأثراً بها، ظانّاً بأنّها لا تشكّل أيّ ضرر لأيّ كان، ناسياً أنّ الذي يخدم هذا الهوى، أي الطمع، يصبح ليس فقط سيّداً على الأملاك والخيرات المخبّأة في الأهراءات، ولكنّه يصير عبداً وحارساً شرّيراً لها".

كما يدين القدّيس، بقساوة، ظلم المجتمع وجوره قائلاً: "لقد أوحى لنا الشيطان بأن نقتطع لنفوسنا أملاكاً، ونختصّ لذواتنا أراضٍ، وندّخر أموالاً تجعلنا مستحقّين القصاص الأبدي والدينونة: ندان، أوّلاً، لفقدنا الرحمة تجاه القريب. وثانياً، لأنّنا وضعنا رجاءنا على الخيرات الماديّة المذخورة وليس على الله. هذا الإنسان يحاسب كمذنب كونه مسؤولاً، في وقت من الأوقات، عمّن فقدوا حياتهم بسبب الجوع أو العطش، في حين كان يستطيع إطعامهم ولم يطعمهم، خافياً حصّة الفقراء، تاركاً إيّاهم يموتون من الجوع والبرد. لقد ظهر قاتلاً لأخيه الإنسان أكثر من مرّة مَن كان باستطاعته إعالة الكثيرين".

إنّ القدّيس سمعان ليس مصلحاً اجتماعيّاً، ولا هو يطرح حلولاً محسوسة لتحسين حياة البشر الماديّة على الأرض، فضلاً عن أنّ الفقر، بحدّ ذاته، لا يعتبر شيئاً بالنسبة إليه، بل هو، على العكس، يساعد المؤمن على السلوك وفق تعاليم السيّد مقتدياً به إذ يقول: "من أجلك صار الله إنساناً وفقيراً، فعليك، بالمقابل، أنت، أيضاً، الذي تؤمن به أن تصير فقيراً من أجله. هو فقير بحسب الطبيعة البشريّة، وأنت فقير بحسب الألوهيّة. افتقر السيّد لكي تغتني أنت، ولكي يجعلك مشاركاً له في خيرات النعمة الإلهيّة. لهذا السبب اتّخذ جسداً لكيما يكون لك الشركة في ألوهيّته". ثمّ يضيف: "من المؤكّد أنّه جيّد ومفيد أن يوزّع الإنسان ثروته على  الفقراء. كذلك يجب أن يعلم من ترك العالم وكلّ مافيه حبّاً بالله أنّ هذا، وحده أيضاً، لا يكفيه لكي يكون كاملاً في عينيّ الله من دون الصبر على التجارب".

يُظهر القدّيس سمعان في تعاليمه موقفه تجاه كبار هذا العالم مقارناً بين الملك الأرضيّ والملك السماويّ فيقول: "نعم، في المفهوم البشريّ الكلّ، تقريباً، يطرح جانباً، وباشمئزاز، الضعفاء والفقراء والمساكين، حتّى إنّ الملك الأرضيّ لا يحتمل رؤيتهم، والأغنياء ينظرون إليهم باستخفاف واستهزاء دون أيّ اعتبار أو أهميّة. مرافقتُهم تبدو غير مستحبّة، وغير مرغوبة من أحد. ولكنّ الله الذي تخدمه القوّات الملائكيّة بأعداد لا تحصى، والذي يحمل الكلّ بكلمة قوّته، والذي لا يستطيع أحد أن يصمد أمام عظمته، لم يأنف من أن يكون أباً وصديقاً وأخاً لهؤلاء المرذولين من الجميع".

ويصرّح القدّيس سمعان بأنّ كلّ الجهود البشريّة التي جرت في مختلف المجتمعات من أجل إحلال السلام فيها، هي قابلة للفشل إذا لم تتوافق مع مشيئة الله أي مع إتمام وصاياه، ومعلا حياة مسيحيّة حقيقيّة فيقول: "كيف يمكن أن يكون مسالماً ذاك الذي أصبح غريباً عن الله، ولا يسمع الصوت القائل: أنتم رسالة المسيح، فتصالحوا مع الله على الأرض. كلّ من يتخطّى الوصايا الإلهيّة يُعتبر مقاوماً لله، وهو، ولو حقّق السلام بين الناس، يبقى عدواً لله، لأنّه لم يطبّقه بحسب مرضاته. فإذا كان هذا الإنسان هو نفسه عدوّاً لله، فيكون، بالتالي، أولئك الذين تصالحوا فيما بينهم، بواسطته، أعداء لله أيضاً".

نستطيع أن نستنتج بأنّ موقف القدّيس تجاه العالم وواقعه يبقى دائماً الموقف المسيحيّ الغير المزيّف، الغير المشوّه، مخصِّصاً كلّ شيء لله ولإرادته. لم يكن القدّيس أبداً لا مبالياً تجاه ما يجري في العالم بالرغم من أنّه راهب، محقّقاً بذلك أنّ الراهب، ولو ابتعد عن العالم جسديّاً إلاّ أنّه يحمل همومه في صلاته. كان القدّيس واثقاً بأنّه لكي يتغلّب الإنسان على شروره عليه أن يغلب، أوّلاً، الخطيئة الموجودة داخله، وأن يرفض كلّ ما يمكن أن يبعده عن الله.

 



[1]  عن كتاب سيرة القدّيس سمعان بالفرنسيّة.

 

سبت النور ؛ سبت السبوت(1)

 

اللاهوتي هو من يُصلّي؛ ومن يُصلي فهو لاهوتي.

أن تُصلي مستعيناً بالكُتُب الموضوعة للخِدَم المختلفة تدلف إلى لاهوت الكنيسة وفِكرِ آبائها.

 

مساء الجمعة العظيمة المقدسة (فعلياً هي خدمة سَحَر السبت) في رتبة جناز المسيح وفي نهاية قِطَع الإينوس وعند "المجد للآب"  نرتل ترتيلة جميلة شهيرة تقول:

 

إن موسى العظيم قد سبق فرَسَم هذا اليوم سريّاً؛ بقولِه:

"وبارَك الله اليوم السابع لأن هذا هو يوم السكون والراحة"  (تك 2: 3)

الذي فيه استراح ابن الله الوحيد من كلِّ أعماله،

لما سَبَتَ بالجَسَدِ بواسطة سر التدبير الصائر بالموت.

وعاد أيضاً بواسطة القيامة إلى ما كان (هو عليه).

ومنحنا حياةً أبدية بما أنه صالِحٌ ومحبٌ للبشر.

 

فلنتأمَّل في لاهوت هذه الترتيلة العميق.

موسى في كتاب التكوين 2: 2ـ3  يقول: " وانتهى الله في اليوم السابع من عَمَلِه الذي عمِلَه، واستراح في اليوم السابع من كلِّ عَمَلِه الذي عَمِلَه. وبارك الله اليوم السابع وقدَّسَه، لأنه فيه استراح من كلِّ عَمَلِه الذي عَمِلَه خالِقاً."

فما الذي رسمه موسى إذن ـ بالأحرى تنبّأ عنه بصورة رمزية ـ عن هذا السبت الذي نحن فيه – وبما يتجاوز النص أعلاه؟

إن كان اليوم السابع يوم راحة الله من عملِه (الخلق) فما علاقة استراحةُ الإبنِ من كل أعماله؟ أية أعمال؟ هل تَبَطَّلَ الله بعد الفراغِ من الخلق؟

وما هي هذه الراحة التي يقول عنها الكتاب: فأقسمت في غضبي أن لن يدخلوا راحتي (عب 3:  11 و18  ومز 95: 11 ).

إن رجِعنا إلى الكتاب المقدس نقرأ ما يلي:

إن أبي ما يزال يعمل وانا أعمل أيضا (يو 5: 17)  فمنذ المعصية والخالِقُ يُعِدُّ شَعبَه ويقوده نحو الخلاص.

إني قد مجَّدتُك في الأرض فأتممتُ العمل الذي وَكَلتَ إلي أن أعملَه (يو 17: 4)

وبعد ذلك، كان يسوع يَعلَم أن كلَّ شئ قد انتهى .... قال: " تمّ كلُّ شئ". (يو 19: 28ـ 30) 

 

"وأبيِّن كيف حُقِّقَ ذلك السر الذي ظلّ مكتوماً طوال الدهور في الله خالقِ جميعِ الأشياء ... وِفقاً لتدبيره الأزلي، ذلك الذي حقَّقه بالمسيح يسوع ربِّنا."  (اف 3: 9 و12)

 

فاستِراحةُ ابن الله إذن هي سبوته ورُقاده في القبر في نفسِ اليومِ ـ السبتِ ـ الذي بارَكَه الآب عند الخلق، أكان الآب يعني هذا اليوم ؟ فعملُ الابنِ افتِداءُ البشرية، وقد حقَّقَه على الصليب وما استراحته اليوم

 

سوى أنه أنهى عَمَله الذي كلَّفه به أبيه، العمل الخلاصي الذي كان الآب بسابق تدبيرهِ قد أعَدَّه منذ خلقِ العالم. فشجرة الحياة التي نُصِبَت في الفردوس ـ أليست الصليب؟ ـ  التي لو أكلَ منها آدم لَحَيِ إلى الأبد.  (تك 3: 22)  

وبالقيامة عاد المسيح المتأنِّس إلى سابقِ مجدِه كما يقول: فمجِّدني الآن عندك يا أبتِ بما كان لي من المجدِ عندك قبل أن يكون العالم  (يو 17: 5)

 

فزمنُ الخلقِ ـ بالأحرى إعادة الخَلق ـ قد تمَّ على الصليب. بصلاحِه ومحبته مَنَحنا الآبُ بابنه الحياة الأبدية وأجلَسَنا عن يمين قُدرَته وأهَّلنا للدخولِ في راحته.

 

 لكن التأهُل للتألُّه يستلزم منا عملاً: الإيمان والأعمال.

 

’...ما دام هناك موعدُ الدخولِ في راحته ... فإننا نحن المؤمنين ندخل الراحة على ما قال: "فأقسمتُ في غضبي أن لن يدخلوا راحتي". أجل إن أعماله قد تمَّت منذ إنشاء العالم، فقد قال في مكانٍ من الكتاب في شأن اليوم السابع: "واستراح الله في اليوم السابع من جميعِ أعماله". وقال أيضاً في المكانِ نفسِه: "لن يدخلوا راحتي"....  لأن من دَخَلَ راحته يستريح هو أيضاً من أعمالِه (2) كما استراح الله من أعمالِه.   (عب 4: 1- 11)  

 

(1)  والسبوت هنا بمعنى الراحة.

(2) لأننا من صُنعِ الله خُلِقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدَّها الله بسابقِ إعداده لنسلُكَ فيها. (أف 2: 10) ... وسمعت صوتاً من السماء يقول "اكتُب: طوبى منذ الآن للأموات الذين يموتون في الرب. أجل، يقول الروح، فليستريحوا من جهودهم، لأن أعمالهم تتبعهم". (رؤ 14: 13)  

 

فهل ابتدأ زمن الدينونة؟

 

                                                                        الشماس الياس بركات

                                                                  أحــــد  الأُرثوذكسـية

                                                                          12  آذار 2006

 

المرأة بانية المجتمع[1]

                                                 راهبات دير مار يعقوب دده

 

       يقول مثل قديم: "يستطيع الرجل أن يبني بيتاً من حجر، ولكنّ الأمر يحتاج إلى امرأة تمنح وليدها بيتاً دافئاً بحسن تربيتها". وإن كان هذا الصوت مدويّاً من أزمنة سحيقة فإنّه يتوافق وشهادة كبار المربّين وعلماء النفس والمجتمع.

تؤكّد الاكتشافات العصريّة بأنّ دور الأمّ لا بديل عنه وبخاصّة في السنين الخمس الأولى من عمر الإنسان إذ هي المرحلة التي تصوغ حياته إمّا سلباً أو إيجاباً.

       في مهد العائلة يتعرّف الطفل إلى الحياة من خلال وجه أمّه المشرق والممتلئ بالسلام والابتسام الهادئ. فالجوّ العائليّ هو المنبت الأساس حيث تنمو بذار الأمان والثقة والإيمان النموذجيّ بكلّ ما هو جميل وعظيم، بالإضافة أيضاً إلى بذار المحبّة والاحترام لكلّ كائن بشريّ. لكنّه قد يكون أيضاً المشتل الخصب لبذار الكراهية واللاّمبالاة والنقمة العارمة.

شئنا أم أبيْنا، تبقى المرأة المربّي الأوّل والأساس للطفل. فهي التي تصقل طباعه، وتشكّل شخصيّته مهيّئة بذلك مجتمع المستقبل. فمثلاً إذا تلقّى الطفل ذو السنتين أو الخمس سنوات من أمّه تعليماً بأن يضع كلّ شيء في مكانه بعد الانتهاء من استعماله، فعندئذ ينغرس النظام والترتيب في نفسه عميقاً، فيفيد منهما في حياته كلّها. وعندها يظهر هذا التعليم الذي حسبناه بسيطاً أمراً جوهريّاً وحيويّاً.

وأنىّ لشابٍّ أن يعيش في جوٍّ من الوحدة والمحبّة في الأسرة التي سيكوّنها ما لم يكن قد اختبر هذا الوحدة والمحبّة، وهو طفل، في منزل تغشاه المحبّة المتفانية والمتبادلة من خلال تجهيز الطعام، مثلاً، لإخوته أو لأمِّه التي تعمل خارجاً؟

       ومتى تعلّم من كلام أمِّه ومثالها كيف يحترم كلّ إنسان كائناً من يكون، أشيخاً أم عاجزاً أم مزدراً أم محتقَراً أم غير معتبرٍ،  فكيف سيتصرّف خلاف ذلك في حياته المستقبلة ؟

       وعندما يتلقّى دروساً في حمل المسؤوليّة، ويبادر الآخرين بتقدماته الماديّة والمعنويّة، ويتحمّل مغبّة كلّ عمل يقوم به، ألا يجسّد كلّ هذا في ما بعد عبر تسلسل أيّامه؟ كم من إنسان، وأعتبره أنا عظيماً، قال بتأثّر: "إنّ أمّي، الدائم ذكرها، لم تكن تعرف الكثير، ولكنّها غرست في قلبي محبّة الله والقريب والحقيقة". وهكذا نصل إلى حقيقة لا مفرّ منها أنّ الأمّ هي نبع الحكمة والتعليم الذي يرتوي منه كلّ إنسان في بداياته ليصير إلى كمال الحكمة والتعليم في مستقبل حياته.

إنّ المجتمع هو عبارة عن جماعات الأفراد التي تكون قد تشكّلت في محترف العائلة، لذا "فمتى تهذّب كلّ فرد في بيته، يتهذّب المجتمع برمّته" حسب تعبير أحد الأمثال الفرنسيّة. من هنا نستنتج أنّ الأمّ المربّية الصالحة لابنها هي مربّية صالحة للمجتمع ككلٍّ في آن.

       ولكن، ولكي تنشئ الأمّ أولادها حسناً وجب أن تكون مع أولادها. فإنّ غياب الأمّ المستمرّ عن منزلها، إن كان بسبب العمل أو لخدمات اجتماعيّة، يشكّل خطراً لا يستهان به، من هنا نستطيع القول بأنّه ليس صدفة أنّ الهيبيّة والفوضويّة وتعاطي المخدّرات ظهرت كلّها، وعلى نطاق واسع، في عصر غابت فيه الأمّهات عن بيوتهنّ وأطفالهنّ، هذا الغياب والابتعاد يخلق فراغاً في نفس الطفل لا يلبث أن يظهر سريعاً.

       أجمع المحلّلون النفسيّون، في الأربعين سنة الأخيرة، بأنّ نموّ الطفل يخضع لبعض الفروض والأنظمة التي تسنّها الأمّ على طفلها، والتي تخلق رابطة قويّة وضروريّة بينهما. إنّ غياب المحبّة أو فقدان الأمّ المفاجئ، وبخاصّة في السنوات الأولى للطفل، يولّد عاقبة وخيمة ومرّة للطفل إذ يخلق له شعوراً بعدم الأمان، وبالتالي بالاحتقار والازدراء في أيّام الصبا والشباب. كلّ الأطفال الذين هم تحت سنّ السبع سنوات هم رقيقو المشاعر بسبب حرمانهم من الرعاية الأموميّة كما يؤكّد معظم المحلّلون النفسيّون. ولقد كتب طفل في العاشرة من عمره قائلاً: "أمّي هي والدة ممتازة، ولكنّي أفتقدها كثيراً، فأنا أودّ لو تبقى إلى جانبي إذ غالباً ما ترافق أبي في أسفاره، لأنّ أبي يعمل قبطان سفينة". وكتب طفل آخر في التاسعة من العمر: "أودّ أن تهتمّ أمّي بي أكثر من ذلك. أنا أعلم بأنّ لديها أعمالاً كثيرة يجب أن تتمّمها، ولكنّي أشتاق أن أراها قربي، أن تشاركني اللعب ولو قليلاً". وكتبت شابّة جامعيّة تقول: "تمرّ العلاقات الأسريّة في العائلة بأزمة خطيرة لدرجة أنّ الأهل ما عادوا يعرفون أولادهم كما ينبغي، لأنّ الأمّ العصريّة تترك ولدها في دور الحضانة بسبب عملها في الخارج. وعندما تعود إلى البيت تجلس لوقت قصير مع ابنها، ثمّ تتركه لتلجأ إلى الأعمال المنزليّة التي كثيراً ما تكون متراكمة. وهكذا يفتقد الولد إلى الحديث مع أمّه أو إلى الخروج معها في نزهة ولو كانت قصيرة. لقد فقد الأولاد الاتّصال مع أمّهاتهم، ولذلك في غالب الأحيان يحسّون بالنفور منهنّ، وبحاجتهم لمن يتحدّثون معه، فيلجأون إلى أقرب صديق لهم. من الغريب أن تجد أمّي، مثلاً، ساعات طوالاً تقضيها في المطبخ لتجهيز طبق من الطعام فيما لا تجد ساعة من الوقت لتجلس معي، وتعرف كيف أمضيت يومي خارج المنزل. فأنا يجب أن أحمل همومي ومشاكلي بمفردي، وأحلّها بما يتوافق ومنطقي الذي كثيراً ما يكون خاطئاً، ولا أحسّ بخطئه إلاّ بعد فوات الأوان. لم ألاحظ يوماً أن أمّي يهمّها أمري ولا وضعي النفسيّ. لم أشعر بأنّها تشاركني ما يؤلمني ويؤرقني، ثمّ تعاتبني على صداقاتي "المنحرفة". وأقرّ بكلّ صراحة بأنّها إن غابت عنّي، فإنّ ذلك قلّما يعنيني، ولا أحسّ بأنّي أشتاق إليها. أمّا في يوم عيدها، فالمعايدة تأتي كروتين وواجب، ولكنّي لا أستطيع أن أنكر بأنّ كلّ ما تعمله لي يأتي بغاية الإتقان: فملابسي دوماً مرتّبة، وطعامي دوماً جاهز... ولكنّي ما زلت في نظرها تلك الطفلة ذات الستّ سنوات".

       واتّصلت جدّة بحفيدها تسأله عن سلامة وصول أبيه من سفر غاب فيه عن المنزل مدّة طويلة، فأجاب الولد: "آه، يا جدّتي، تسألين عن سلامة أبي وعن صحّة أمّي، وأنا ألا يوجد من يسأل عنّي، ألا يوجد من يهتمّ بي؟!!

       وإليكم نتيجة أبحاث جرت مع شباب تتراوح أعمارهم ما بين 18 – 24 في كلّ من اليابان وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وسويسرا. لقد طُرح عليهم عدّة أسلئة عن وضعهم العائليّ، فأجاب أكثر من 80% في اليابان وسويسرا، وأكثر من 70% في ألمانيا، وأكثر من 60% في فرنسا مؤكّدين ضرورة العلاقة الإيجابيّة والحميمة بين أفراد العائلة. وبحث آخر جرى في ألمانيا أكّد بأنّ أوّل ما يحلم به الشباب الألمان هو تأسيس عائلة كثيرة الأولاد، وقد أكّد بعضهم قائلين: "سوف نتزوّج ونؤسّس عائلة ناجحة على جميع الأصعدة العائليّة والاجتماعيّة".

       وفي العام 1980 سئل شباب تتراوح أعمارهم ما بين 14 – 24 في أوستراليا السؤال نفسه، فأجابوا بأنّ هدفهم الأوّل أن يعيشوا في عائلة منسجمة. وفي أميركا في العام نفسه أجاب أكثر من 60% بأنّ الزواج لا فائدة منه ولا معنى له.

       هذا ما يحدث في عصرنا، في عصر نالت المرأة فيه حقوقها كما يقال، في عصر التساوي بين الجنسيّن. ومن المؤكّد أنّ حركة النهضة النسائيّة العالميّة ساعدت كثيراً في هذا الشأن أي في أن تتذوّق المرأة طعم التقدّم العلميّ، وأن تتحرّك لتساوي الرجل في كلّ ميادين الحياة، وأن تكون لها القدرة على العمل في أصعب قطاعات الحياة أحياناً. ولكنّها في المقابل قد أهملت أعمق ما في الحياة والذي يشكّل كنز المجتمع وغناه ألا وهو دورها كأمّ وزوجة. لقد دلّت الإحصاءات العديدة التي جرت حديثاً بأنّ كلّ ثلاث زيجات توجد زيجة فاشلة تؤدّي إلى الانفصال.

       لقد ضُرب الزواج في الصميم، لأنّه، في نظر الكثيرات، يجعل المرأة عبدة للرجل، لذا يتطلّعن إلى "المساواة" المنشودة، وقد نفرن من تسمية "سيّدة بيت" باعتبارها إنقاصاً لشأنهنّ. بيد أنّه في غياب المرأة يُحرم الطفل من المربّي الطبيعيّ، وبوجهه يُحرَم المجتمع من المربّي الحقيقيّ.

       وما الحلّ إذاً؟ أنطلب من المرأة أن تعود إلى العصور القديمة، وتلزم منزلها بعد أن سارت أشواطاً في عملها وإنجازاتها الخارجيّة على جميع الأصعدة؟ أتترك دراساتها التي تفيد مجتمعها ووطنها؟ أتترك مهنتها التي برعت فيها؟ تُرى هل سكلت منذ البدء طريقاً خاطئاً بنزلها إلى معترك الوظيفة والمهنة؟ هل هي السبب في انهيار عائلتها، أو على الأقلّ في المشاكل العائليّة القائمة؟ هل هي السبب في جنوح أولادها، أو على الأقل في تربيتهم تربية منحلّة؟

       من الصعب أن نلاقي أجوبة على هذه التساؤلات، ومن الصعب كذلك أن نقرّر ما إذا كان من الواجب أن "تكون المرأة خارج المنزل" أم أن "يكون البيت سجناً لمواهب المرأة وخنقاً لقدراتها" وأن "ترى المرأة ذاتها داخل المهنة". افتراضات وافتراضات كثيرة مماثلة تقف دون جواب إذ إنّ للمرأة تبريرها الإيجابيّ في كثير من الحالات وأهمّها الاقتصاديّة. ولكنّنا لا نستطيع تجاهل أنّ الخروج إلى المهنة هو أحد المزالق التي أدّت إلى مخاطر رهيبة، وأوجدت تصدّعاً ليس فقط في المجتمع الضيق (المنزل) بل وفي المجتمع الواسع.

       فيجب على كلّ من يجاهر وينادي "بحريّة المرأة" أو "بمساواة المرأة بالرجل" أن يأخذ بعين الاعتبار بأنّ مقام المرأة ودورها الأساس أوّلاً وأخيراً هو كزوجة وأمّ، فمنها يستلهم الرجل والأولاد على السواء الاحترام والمحبّة وكلّ صلاح.

       امرأة مثقّفة؟ نعم، ولكنّها على استعداد للتضحية بهذه الثقافة، على الأقلّ وقتيّاً، من أجل انسجام أسرتها وسعادتها وبخاصة اطمئنان أطفالها وتربيتهم السويّة. فللمرأة الحقّ بأن تفاخر كونها امرأة وأمّ. حرّيتها تذوب في تربية أبنائها يداً بيد مع زوجها لكي تقدّم للمجتمع أفراداً أصحّاء نفساً وروحاً وجسداً. نعم إنّ المرأة، من هذا المنظار، هي بانية المجتمع ومدامكه المتين.



[1]  عن مجلّة العالم اليونانيّة

 

في الإيمان للراهب نيكيفورس ثيوطوكي

دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع- دده

 

       عظيمة هي قوّة الإيمان، وعجيبة هي نتائجه، وربح المسيحيّ منه لا يُحدّ، لأنّه يخوّلنا حياة خالدة وملكاً أبديّاً. فإنّ الكتاب يقول: "لكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه" (يو 31:20). وفي موضع آخر يقول: "آمن بالربّ يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك" (أع 31:16). وفي موضع آخر يقول: "من آمن واعتمد خلص" (مر 16:16)، فالإيمان والحالة هذه يخلّص. ويكفي أن يؤمن الإنسان لكي يخلُص. ولكن كيف يقول الكتاب الشريف نفسه "إنّ ابن الإنسان مزمع أن يأتي مع ملائكته وحينئذ يجازي كلّ واحد حسب أعماله" (متى 27:16). وقد قال في موضع آخر: "الذي يجازي كلّ واحد حسب أعماله" (رو 6:2). وقال أيضاً: "فيخرج الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيّئات إلى قيامة دينونة" (يو 29:5). فما بال الكتاب المقدّس تارة يقول إنّ الإيمان يخلّص الإنسان، وتارة إنّ الأعمال الصالحة تسبّب الخلاص، وهل أقوال الكتاب المقدّس يناقض بعضها البعض. أيّها الإخوة الأحبّاء لا تضلّوا، فإنّ التعاليم الإلهيّة هي غاية في الاتّفاق. فلا الإيمان وحده ولا الأعمال الصالحة بمفردها، بل اقتران الإيمان والأعمال الصالحة يخلّص الإنسان.

       إنّ الإيمان يُقسم إلى قسمين عمليّ ونظريّ. فإيماننا يُدعى نظريّاً إذا آمنّا بتعاليم الإيمان بمجرّد عقلنا فقط بدون أن نعمل عملاً صالحاً. لا مراء أنّ إيماناً كهذا هو ميت وعديم الجدوى، ولا يقدر أن يخلّص الإنسان. قال يعقوب الرسول: "الإيمان إن لم يكن له أعمال هو ميت بذاته... ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد إنّ له إيماناً وليس له أعمال. هل يقدر الإيمان أن يخلّصه" (يع 14:2-17).

       وأمّا الإيمان العمليّ فيقوم بأن نؤمن بما يعلّمه الإيمان، وأن نعمل الأعمال التي يفرضها علينا. وهذا هو الإيمان الذي يدعوه بولس الرسول "الإيمان العامل بالمحبّة" (غل 6:5). ومن ثمّ نستنتج أنّ الكتاب الإلهيّ عندما يقول "لكي إذا آمنتم تكون لكم حياة"، وأيضاً: "كلّ من آمن واعتمد يخلص" وما شابه ذلك من الآيات يكون كلامه عن الإيمان العمليّ العامل بالمحبّة أي المقرون بالأعمال الصالحة. وعندما سيقول: "إنّ الله يجازي كلّ واحد حسب أعماله" وما شاكل من الآيات، يريد بقوله "كلّ واحد" كلّ واحد من المؤمنين. وبقوله: "حسب أعماله" أي أعماله الناتجة عن الإيمان. ويحسن بنا أن نلاحظ هنا أنّ بولس الإلهيّ، بتدقيق عظيم جدّاً، يوضح هذا المعنى بواسطة الأمثلة الكتابيّة. فإنّه يمدح إيمان هابيل، ولكنّه يثني أيضاً على أعماله الصالحة أي على قربانه المقبول الذي قدّمه لله تعالى. ويمدح إيمان أخنوخ، ولكنّه يقرّظ أيضاً أعماله الحسنة. ويمدح إيمان نوح غير أنّه يثني أيضاً على جهاده في بناء السفينة. ويمدح إيمان إبراهيم على أنّه يعجب أيضاً من عظم طاعته لله. ثمّ يمدح على التتابع إيمان قدّيسين آخرين كثيرين، ويعظّم عجائبهم، ولكنّه في الوقت نفسه يخبر أيضاً عن أعمالهم العظيمة، ويقرّظ انتصاراتهم العجيبة قائلاً: "آخرون عُذّبوا. آخرون ذاقوا خبرة الهزء والسياط والقيود والسجن أيضاً. رُجموا نُشروا امتُحنوا ماتوا بحدّ السيف. طافوا بجلود غنم ومعز. معوزون مضايقون مجهودون. تائهون في البراري والجبال وثقوب الأرض" (عب 35:11-38). فمن هنا يتّضح لكم جليّاً أنّ الإيمان الخلاصيّ هو المقرون بالأعمال الصالحة. وإنّ الإيمان وحده من دون أعمال هو ميت وعديم الفاعليّة. كيف لا وقد قال يعقوب أخو الربّ صريحاً: "كما أنّ الجسد بدون روح هو ميت هكذا الإيمان بدون أعمال هو ميت" (يع 26:2).

       أيّها المسيحيّ، أنت تفتخر بأنّك تؤمن. ولكن ما هو نفع إيمانك وأنت تعمل أعمالاً مخالفة للناموس. فإنّ الشياطين أيضاً يؤمنون ويرتعدون غير أنّهم لا ينتفعون شيئاً. أنت تؤمن أنّ الله قد أنزل الوصايا العشر، وإنّ كلّ من خالف واحدة منها هو بلا محالة سائر إلى العذاب، ومع ذلك نراك كلّ يوم تقريباً بدون خوف ولا حياء تحتقر كلّ وصيّة. فماذا، والحالة هذه، ينفعك إيمانك؟ أنت تؤمن أنّ الله تعالى قد فرض عليك في شريعته أن تحبّه من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك وأن تحبّ قريبك كنفسك، ثمّ تزدري بالله تعالى بمخالفتك ناموسه، وتظلم قريبك وتضرّه بكلّ طريقة. فما هي الفائدة، والحالة هذه، من إيمانك؟ أنت تؤمن أنّه إن لم يغفر للناس زلاّتهم لا يمكن أن يغفر الله لك خطاياك، ثمّ لأقلّ خطأ يبدو من أخيك تطلب أن تجازيه وتنتقم منه. أنت تؤمن أنّ الله يأمرك أن تحبّ أعداءك، وأنت مع ذلك تبغضهم وتضطهدهم حتّى الموت. فماذا ينفعك إيمانك وأعمالك؟ أنت تؤمن أنّ الله قد أمر قائلاً: "تعلّموا منّي لأنّي وديع ومتواضع القب" (متى 29:11)، وأنت تغضب وتتعجرف، فماذا ينفعك إيمانك؟ أنت تعلم أنّ الفقير يمثّل شخص المسيح، وأنّه مهما فعلته مع الفقير فقد فعلته مع الله نفسه القائل: "مهما فعلتم أحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتم" أتؤمن بهذا؟ تقول نعم، ومع ذلك تنظر الفقير، وتحوّل وجهك عنه، وترى المسكين وبدل الإحسان تشبعه شتائم. فماذا ينفعك إيمانك؟ أنت تؤمن أنّ حياة أخرى أبديّة تنتظرك، ومع ذلك تراك عائشاً مثل أبيقور[1]، فما هو نفع إيمانك؟ أنت تؤمن أنّه سيأتي يوم فيه يجلس الله على كرسيّ مجده ليدين المسكونة بأسرها، وإنّ الذين عملوا الصالحات سيذهبون إلى الحياة الأبديّة، والذين اقترفوا السيّئات إلى العذاب الأبديّ، ومع ذلك نراك تهمل أعمال الفضيلة كلّ الإهمال، وتخفّ إلى إتمام الرذائل والخطايا بنشاط. فماذا ينفعك إيمانك وأعمالك؟ بالحقيقة إنّ إيماناً كهذا لا يخلّص الإنسان. وقد قال يعقوب الرسول: "هل يقدر الإيمان أن يخلّصه" (يع 14:2). إنّ إيماناً كهذا هو ميت وناقص. لأنّ الإيمان يأخذ قوّته وكماله من الأعمال الصالحة. وقد قال يعقوب الرسول أيضاً في كلامه على إبراهيم "فترى أنّ الإيمان ساعد أعماله ومن الأعمال أُكمل الإيمان" (يع 22:2). وبالحقيقة إنّ هذا تعليم موحى به من الله وواضح وكلّيّ الصراحة. فإنّ الإيمان يساعدنا في إتمام الأعمال الصالحة، وهذه تخوّل الكمال للإيمان.

       أيّها الإخوة الأحبّاء من المعلوم أنّنا نحن لم نرَ الربّ يسوع المسيح كالرسل، ولا جسسنا جنبه مثل توما، بل سمعنا فقط التعليم الإنجيلي، فآمنّا بأنّ هذا هو ابن الله ومخلّص االعالم. وقد غبّط الربّ الإله أولئك الذين لم يروا وآمنوا إذ قال: "طوبى للذين لم يروا وآمنوا" (يو 29:20). ولكن أنكون نحن مستحقّين لهذه الطوبى؟ أنحن أهل للطوبى لأنّنا لم نرَ وآمنّا؟ نعم، متى كان إيماننا عمليّاً، إيماناً عاملاً بالمحبّة، إيماناً مساعداً لإتمام الأعمال الصالحة، إيماناً بالأعمال الصالحة مكمَّلاً.

       إنّ إيمانكم بنعمة إلهنا القدّوس ورحمته هو مؤسَّس على الرأي القويم، ومبنيّ على الحقّ. فاقرنوه بالفضائل المرضيّة لله تعالى، فتصيرون أهلاً للطوبى.

       وختام الكلام أذكّركم بما أوصانا به الرسول الإلهيّ قائلاً: "كلّ ما هو حقّ كلّ  ما هو جليل كلّ ما هو عادل كلّ ما هو طاهر كلّ ما هو مسرّ كلّ ما صيته حسن. إن كانت فضيلة وإن كان مدح ففي هذه افتكروا التي قد تعلّمتموها وتسلّمتموها وسمعتموها ورأيتموها فيّ فهذه افعلوا. وإله السلام يكون معكم آمين" (فليبي 8:4-9).



[1]  وهو فيلسوف يونانيّ نبغ في القرن الثالث قبل المسيح، وكان يذهب إلى أنّ غاية وجود الإنسان في هذا العالم هي التمتّع باللذّات ليس إلاّ.

 

 

كيف تقدّم للمجتمع ابناً كاملاً... بالفشل[1]

ترجمة راهبات دير القدّيس يعقوب – دده

 

     ورد في إحدى الصحف الأجنبيّة مقال وضع عشرة بنود وجّهها لأهل يريدون لطفلهم أن يغدو شابّاً كاملاً ولكن ليس بالفضيلة ولا بالصلاح بل بالفشل. فلنرَ إذن ما هي هذه البنود العشرة:

1 – أعطِ ولدك كلّ ما يطلبه منك، لأنّه عندما سيكبر سيشعر بأنّ  له الحقّ في امتلاك كلّ شيء.

2 – عندما يتكلّم كلاماً نابياً سفيهاً، اضحك له مبدياً إعجابك، وهكذا يظنّ أنّه ذكيّ ظريف، فيؤمّن في المستقبل معجَبون يصفّقون له.

3 – لا تولي اهتماماً لميوله الدينيّة، لأنّه عندما يصبح شابّاً واعياً سوف يختار لنفسه المذهب والديانة اللذين يروقان له.

4 – اجمع ولملم كلّ ما يخلّفه وراءه على الأرض، إذ بهذا يتعوّد أن يلقي مسؤوليّة حياته أو تبعة أخطائه على الآخرين.

5 – تشاجر أمامه مع زوجتك، أو صديقك، أو جارك، وبكلّ ما تملك من قوّة العضلات والصوت، لأنّه هكذا سينمو لديه اعتقاد بأنّ العلاقات الاجتماعيّة تُبنى على القوّة والمشاجرة، فإن "إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب".

6 – أعطه كلّ ما يطلبه من المال لكي يصرفه في لعب الورق، فيتعلّم ألاّ يعمل لكي يعيش بشرف، بل يتّكل على القمار، لأنّه الوسيلة الأسهل للحصول على لقمة العيش وإن كان فيه دمار لنفسه وللآخرين، وهكذا تبدو له حياته أسهل من حياتك الشاقّة.

7 – وفّر له كلّ ما ترتاح إليه نفسه من طعام وشراب وتسليات وراحة ورفاهيّة، لأنّه إن رُفض له طلب فسوف (يتعقّد).

8 – أعطه دائماً الحقّ في كلّ شيء، لاسيّما إذا اختلف مع رفاقه أو أساتذته أو جيرانه وحتّى مع الشرطة (في حال خالف أنظمة السير مثلاً)، وهكذا ينمو شعور في داخله بأنّ الكلّ (المجتمع) يظلمونه ولا يفهمونه، لذا وجب عليك أن تقف إلى جانبه، وتربّت على كتفه معزّياً.

9 – برّر ذاتك عندما يبدو ولدك بعد كلّ هذا لا يُحتمَل بقولك: لقد جرّبت مع هذا الولد الشرس المشاكس كلّ الطرق، ولبّيت له كلّ طلباته، وأمّنت له كلّ احتياجاته، ومع ذلك لم ينصلح.

10 – استعدّ، أيّها الوالد (الحكيم)، لكي تحيا مع ابنك المدلَّل هذا حياة بائسة مؤلمة، فهذا ما ينتظرك إن أنشأت ابنك على هذا المنوال.

 



[1]  عن اليونانيّة من مجلّة الكنيسة

 

كلمة الإرشمندريت توما بيطار

في تأبين المثلث الرحمة الأرشمندريت إلياس مرقس

الرئيس السابق لدير مار جرجس الحرف

 

"ويرتحلون الأحِبَّة"

ويرتحلون، الأحبَّةَ!

ويرتحلون، الأحبَّةَ، مخلِّفين غصّة، في القلب، تلو الغصّة. حفنة الرّمل، في الكفّ، مهما أَحْكَمْتَ يدَك إقفالاً عليها، تتراخى قبضتُك بقوّة الشّدّ وتنسلّ حُبيباتها إذ ينفرج، لديك، الإصبع عن الإصبع مرغَمًا، فإذا بك تَلْقَاها تتناقَص، بعد زمن أو زمنَين، إلى أن تَلقى راحتك صِفرًا ممّا كنتَ ضنينًا به وحسبت أنّ العمر مستحيل بلاه

"قد قام ليس هو ههنا". بين التّرجّي والوجْد، لا تبقى لك غير علامة قيامة، لفائف ومنديلاً، فترى وتؤمن أنّهم يقومون في مَن قام لكي لا يذوقوا الموت من بعد. القبور تفتّحت وقام كثير من أجساد القدّيسين الرّاقدين! تنظر غير المنظور في كيانك فتجتهد لتقبض على ما عاينته قبسًا في داخلك فما تقدر! محتوم عليك ههنا أن تبقى مشلوحًا على الرّجاء، تدفعك الأيّام دفعًا إلى فراغ الذّات. حسبك أن تقبل وأن تساهم، ولو قليلاً، في إفراغ نفسك، في ما لا تستسيغ ويوجعك ويتركك وحيدًا. فشلُ الصّليب يأتيك، أوّلاً، ثمّ بعد ذلك نصرة القيامة، حتّى ترضخ للتلاقي عن إرادة وأنت عارف، يقينًا، أنّه لا أحد، بعدُ، ميتًا في القبر!

سيرتك، على الأرض، لملمة جراح إلى أن يطالعك وجه الّذي شقّ السّماء ونزل (إش 64: 1(

"لقد ذهبوا وهم يبكون إذ كانوا يُلقون بذارهم، لكنّهم سيرجعون فرحين، حاملين أغمارهم"! المرأة، متى وَلدت، تنسى أتعابها لأنّ حياة جديدة تكون قد شملتها لفائف النّور!

اليوم، الجمعة، الخامس من شباط، العام ألفان وأحد عشر. سرنا عبر الممرّ إلى حيث غرفة الأب الأرشمندريت الياس مرقص فوجدنا أطبّاء وممرِّضين يعدّونه ليُنزلوه إلى غرفة العناية الفائقة، مرّة أخرى. وَهَنُ جسده يزداد ورئتاه إلى تعب والتهاب متزايدَين. لم يعد البدن مطواعًا والنّفْس أسرى كما ليكتمل الإيمان تسليمًا إلى المنتهى. لا عودة بيِّنة إلى الوراء! ظلمة ما للّحم والدّم تتكثّف إلى أن ينبلج من الظّلمة نور بإذن الله!

لا ندري متى تأتي السّاعة الّتي يتوقّف فيها ما تُسَلَّطُ عليه الآلات والأنابيب والأمصال والأدوية لكي لا يتوقّف. الصّراع قائم، الآن، بعنف، بين جسد يرتحل وإرادات تَبْذُلُ وسعها لكي لا يرتحل، أو لتؤجِّل رحيله، تعبيرًا عن تمسّك شرس به، حتّى لا يحسّ الأحبَّة أنّهم قصّروا في المحبّة في شيء!

كان صاحيًا والعربة تسير إلى حيث لا نعرف. في عينيه كان تسليم ودمعة وسُحنة على قتام تحكي بعض الإختناق. رغم ذلك، بارَك مَن كانوا حوله وترك مَن رغب يلثم يمينه. ماذا يجري في وجدانه وهو إلى هناك! في كل أيّامه تروّض على التّسليم وعلّمنا التّسليم. حكاه في سيرته سنة بعد سنة ما يزيد على الخمسين ربيعًا. يصلّي؟ ماذا بقي له غير الصّلاة؟! الصّلاة مركبة إيليّا شفيعِه إلى فوق، وهي الآن تحتدّ نارًا ونورًا! كان يخشى هذه السّاعة، لكنّه لهذه السّاعة أتى! هو المعلّم خطّ معالم الطّريق لمَن حمل صليبه وسار وراءه. إيقونة أضحى في النّزول إلى الموت! روح الدّعابة الّتي كان إليها كالأظافر إلى اللّحم استكانت الآن! عرف بإحساسه الأبلغ من كلّ كلام أنّه يودّعهم ويودّعونه! وأُخرج كمصارع إلى الحلبة، حلبة التّسليم، بعد عمر من التّروّض على الجهاد. وابتعدت العربة ونحن ننظر، وفي القلب مهابة ورجاء. "في يدَيك أستودع روحي".

كلّنا ساهم هو في إيلاده إلى الحياة الرّوحيّة! الآن يصير ما علّمنا، كلمة من الكلمة! "الكلام الّذي أُكلِّمكم به هو روح وحياة!".

حَسِبنا أنّها آخر مرّة نراه قبل أن نصير إلى فوق لننظر وإيّاه وجه السّيّد والرّوحُ إلى الرّوح! لكنْ أرانا الرَّبّ الإله أنّ ما له، في الأزمنة والأوقات، غير ما احتسبنا! انتعش الأب الياس من جديد! لِمَ؟! الرَّبّ أدرى! لعلّه شاء بذلك تسليمًا أكمل!.

وأُعيد إلى الغرفة العاديّة للمرضى. صوته كان أوضح! كان كأنّه استعاد شيئًا من الرّغبة في الحياة بيننا. لكنَّ حالته بانت غير مستقرّة. تشوّف إلى اليوم الّذي يعود فيه إلى ديره. لكنّهم، لوضعه الدّقيق، كانوا يؤخّرونه! كان أطبّاؤه يعرفون أنّ الخطر على حياته أكبر إن غادر إلى الدّير. أمّا هو فلمّا رأى الأيّام تكرّ وطال الانتظار أصرّ وتوسّل أن يصعدوه إلى هناك ولو ليوم واحد قبل أن يرتحل. تلك الأيّام، بين تحسّن حاله وصعوده إلى أورشليم الدّير، كانت كأنّها إعداد للتّسليم الكامل بين يدي مَن أحبّ، وتهيئةٌ للصّعود إلى أورشليم السّماويّة. أخيرًا، كمَن يعدو إلى مرتجى خطّ النّهاية، استنفد قواه ونفسه. البارحة عدناه في المستشفى قبل أن يخرج إلى ديره. لسانه صمت عن الكلام أو كاد. فقط عيناه كانتا تحكيان مَن يألف لغة العيون. كان فيهما صمت وتسليم. نظر الآتي من البعيد إليه وقد دنا منه. أحبّ مَن حوله فكان يغطّي رأسه وعينيه بيديه لكي لا يراه أحد يدمع لفراقه. باركنا وشدّ، وسعه، على رؤوسنا، وغادرناه. صعد إلى الدّير بعد ظهر الثّاني والعشرين من شباط 2011. وقبل ظهر الثّالث والعشرين، الأربعاء، رحل على شيء من ضيق ما بقي له من جسد، ولكنْ قرير العين أنّه بخلاف موسى، كليم الله، لم يُحرَم من الدّخول إلى أرض الميعاد، بل اقتحمها بشوقه! وبعدما كحّل عينيه بمرأى الجميع وبارك، لم يعد له ما ينتظر من أجله. "الآن أَطلق عبدك أيّها السّيّد!". وانطلق النّسر الّذي طالما سما بنا إلى أعلاء معرفة روح الله ثلاثة وخمسين عامًا!.

تختنق الكلمة في صدورنا، يا أبانا، كما اختنقت المودّات الّتي شملتنا بها سنة بعد سنة، وكأنّها من الأزل وإلى الأبد، في عينيك اللّتَين لم يكن أيسر عليهما من أن يخاطبا بالدّمع في الوقفة والصّلاة أمام العليّ وفي معاناة الآخرين وآلامهم تُعرَض عليك! بتّ في نَفَسنا نسمةً عليلة تنعشنا! كنّا، أبدًا، نشعر بالطّمأنينة أنّك إلينا! لم تترك شيئًا إلاّ علّمتنا إيّاه! كنت، دائمًا، قلبًا ينعطف على كلّ قلب ويحتضن الصّغار والكبار! كلّ أنطاكية حملتها في اهتمامك صمتًا! لم تترك زاوية فيها حاجة إليك إلاّ تركت عرينك إليها لتبلسم جراح النّفوس الّتي عبثت بها صروف الدّهر! كنت سمّاعًا كبيرًا وكلمةً مقتضبة في آن! عوّدتنا، لا سيّما في سنيك الأخيرة، أن تقول الكثير بالقليل! وروح الدّعابة يتردّد في ما تقول وتفعل. هذه انسلّت في ثنايا معاناتك الدّاخليّة ودموعِك كما لتجعل أصول الحياة الرّوحيّة أيسرَ لقلوب وهنت واستهيبت ولوج المسير إلى فوق. اختلط فيك التّباله في المسيح بالفرح بالحزن بالمحبّة بالرّعاية! قلتها دائمًا مباشرة وبصورة غير مباشرة: مسيح الرَّبّ أدنى إليكم وأيسر ممّا تتوقّعون! فقط أثبتوا على الرّجاء! آخر كلمة كبيرة تناهت إلينا وأنت على سرير المحطة الأخيرة: "اشكروا"!. شعرتَ، يا أبانا، أنّ العليّ شاء إذلالك إلى المنتهى! كلاّ، بل إذلال ما فيك وفينا من تعلّق بالذّات حتّى نصير من الّذي سُمِّر على قصد الله وتواضعه الأقصى ولمّا يبق له من مكان يسند إليه رأسه هنا غير الصّليب وأنّةٍ صرخةٍ تنبعث من أعماق تائقة إلى الآب وما كانت إلاّ إليه: "في يديك أستودع روحي!".

صعبة قراءتك، يا أبانا الياس، لأنّك أرحب من أن يحيط أحد منّا بك وبما جال في عالم داخلك، وأصعب كتاباتك، لأنّ الكلمات المخطوطة ينقصها، أبدًا، نبض الحياة الّذي عهدناه فيك أطفالاً فشبّانًا صغارًا فرجالاً!

أَوَ ترتحل الآن وتتركنا؟! لا بل تأخذنا في صدرك إليه وتطالعه حاملاً إيّانا لديه! ذهبت؟ الله معك! عبورٌ مبارَك! فردوسٌ مبارَك! صلِّ لنا! إبقَ معنا! الآن أنت إلينا أَبْقَى! اليوم فرح كبير لأنّها القيامة، قيامةُ السّيّد، تأتينا من خلالك! لكنّها تأتينا في عينيك الكبيرتَين الدّامعتَين! ما عرفنا القيامة إلاّ مصلوبة وما عرفنا الأحبَّة إلاّ تَسحُّ منهم الأعراق وجنباتهم تقطر دمًا وماء كما إلى السّيّد!.

الله معك! لا تغادرنا! إلى الملتقى يا عين الأحبَّة! سلام عليك وعلى مَن غادرنا قبلك!

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي دوما

 

كلمة المطران جورج خضر

في تأبين المثلث الرحمة الأرشمندريت المتوحد إلياس (مرقس)

الرئيس السابق لدير مار جرجس الحرف

"حيّ هو الله الذي أنا واقف أمامه"

 عندما كان، شفيع أخينا الأرشمندريت الياس، النبي ايليا يقاوم الدنيا في سبيل الله، الدنيا، آنذاك، أَلْحَدَتْ وعبدت الأصنام. وقف هذا النبي الفقير الجائع أمام ملك بلاده وملكتها ليقول للكون: "حي هو الله". ليس أحد قبل الله، ليس من ملوك وعظماء. هناك كائن واحد هو الله وأنا عبده ورسوله إلى هذه الأمَّة التي كلَّفني بها بالنبوّة.

الشاب الياس مرقس، الذي عاش في لاذقية العرب، رأى أنَّ الوهَنَ قد أصاب شعبَنا، هذا المدعو أن يكون مستقيم الرأي والتمجيد، فكتب لصديق له قائلا: "نحن مدعوون أن نقوِّم هذا الشعب الذي يحسب نفسه قويمًا".

إذًا، منذ مطلع تحسُّسِه الروحيّ كان يناضل في سبيل المسيح بلا تكليف منظور، بلا ثوب، لأنَّه لم يستطع أن يطيق هذه الأمَّة المقدَّسة تتدهور في خطاياها وجهلها. كتب إلى صديقه الذي كان في المَصيف: "نحن نريد أن نقوَّم الأمَّة الأرثوذكسيَّة بإنجيل يسوع المسيح، بحبّه وطاعته، لأنَّنا نريد شعبنا كنيسة. نريد الأمّة متلألئة بالروح، ملتهبة بالحبّ الالهيّ، عاشقةً لهذا الذي أعلن عشقه لها، الذي سُمِّر على الخشبة".

الياس مرقس فهم شيئين في هذا الموقف المُعَبَّر عنه في هذه الرسالة. فهم أنَّه مدعوّ أن يجمِّل نفسه بالفضائل، وأنَّ كلُّ واحد من إخوتنا مدعوٌّ إلى هذا، لأنَّنا في الماضي كنَّا نتذمَّر وكنَّا نَنِمُّ وننتقد الرئاسات الروحيَّة ونظنُّ أنَّنا بهذه الثرثرة سوف نَنْهَضُ بشعبنا، إلى أن وعى هذا الشاب أنَّ القضيَّة هي أن تميتَ شهواتِك ليحقَّ لكَ أن تتكلَّم وأن تُوجَد. لم يكتفِ بتنقية ذاته، هذا وحده انغلاق. يجب تطهير الآخَرين بحبِّ يسوع. إمتدَّ، إذًا، إلى الآخَرين ليتمكَّن من الوصول إلى الرَّبّ. بعد هذا، رأى أنَّ عندنا نموذجًا للتنقية وهو الرهبانيَّة، ليست أنَّها الوسيلة الوحيدة للتطهُّر، ولكنَّها وسيلة اعتبرتها كنيستنا نموذجيَّة. فجاء إلى هذا المكان. ومهَّد لمجيء بعضٍ من رفقائه من سوريا ولبنان. فبيَّنَ أنَّ الشركة الرهبانيَّة ليست وحدها النموذج، ولكن الانسان الفرد الذي صادق المسيح هو النموذج. قرأ، وأرجو أن نصبح جميعًا قُرَّاء للكلمة الإلهيَّة، لأنَّ كنيستنا كنيسة الكلمة التي تَنْزِل عليك من الله أقنومًا ثانيًا من الثالوث القدُّوس: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلهًا كان الكلمة".

يتبادر إلى ذهني عندما تنشأ مؤسَّسة أنَّها بحاجة إلى تنظيم، إلى زراعة، إلى اقتصاد، إلى كتابة. ولكنَّ المُسَجَّى أمامنا في حضرة ربِّه فَهِمَ أنْ ليس من مؤسَّسة، هناك أشخاص محبّون لله، راغبون في التَّطهُّر، مناضلون فيما هم يَصْعَدُون على سُلَّمِ الفضائل. لأنَّك إن رأيت أنَّ الله هو كلّ شيء، كما رأى ايليا النبي، تطمح أن تصيـر مثل الله. نحن لا نكتفي أن نكون بشر أوادم. نحن نريد ،ن نكون آلهة. هذا في كتب آبائنا.

أراد هذا الإنسان الذي أَوْغَلَ في التواضع، أن يكون حبيب الله، شاهدًا لكلمته، مُمِدًّا إخوتَه بها، غير مُعْتَدٍّ بفضيلة عنده، مُنْسَحِقًا حتَّى النهاية، لأنَّ التواضع هو أن تصير إنسانًا مَمْحُوًّا في حضرة الله. لأنَّ من ظنَّ نفسه شيئًا، على قول الرسول، ليس بشيء. الياس مرقس ظن نفسه لا شيء ولذلك استطاع، على الصعوبات الجمَّة، أن يجمع هذا القطيع الصغير في هذا المكان العالي. استطاع بنعمة الله، مَسْتُورًا بتواضعه، لا يَقْرَأُ تواضعَه، يقرأُه الناس، قرأناه نحن. ولذلك، أراد أن يكون مشروع قدِّيس. هذا الشيء الوحيد الذي يستحقُّ أن نجاهِدَ في سبيله.

ولم يَحُلْ هذا دون فرحه الدائم. كان يحسُّ بأنَّ المسيحيَّة فرح. ولكنَّ الفرح يقتضي جِهادًا مريرًا. لا تستطيع أن تتصاعد إلى الحضرة الإلهية ما لم تتيقَّن أنَّك لا شيء. هَذَّبَ مَنْ هَذَّبْ. ألحَّ عليهم أن ليس من مشاركة بينهم إلاَّ الرَّبّ يسوع. وبقي يُصارِع حتَّى النهاية على روحِ مُداعَبَةٍ. ولكن، دائمًا بلا دينونة على أحد… إنَّك إن كنتَ حبيبَ الله فهو يُعفيكَ من المحاكمة قبل أن تقعَ عليك الدينونة. أُعْفِيَ رئيسُ هذا البيت، الأب الياس من المحاكمة. ولذا، يحقُّ لنا ولحبِّنا أن نَسْتَشْفِعَه على رجاء قيامته وقيامتنا والحياة الأبدية.

هذا المكان جدَّد الرهبانيَّة عند الرجال. هو ورفقائه، من ارتحل منهم ومن استُبقِيَ، قالوا، تساءلوا: "ما الرهبانيَّة في العمق، في التعريف اللاهوتي الصميمي؟" هي أن يّشُدَّ الإنسان نفسَه إلى الحياة الأبديَّة وكأنَّ هذه الدنيا في أطايِبِها ولذائِذِها غير موجودة. نحن، منذ الآن، نتجنَّدُ متَّكِلين على الله، نتجنَّدُ لكي يأخُذَ الله أبصارَنا إلى الملكوت منذ الآن…

حاوَلَ هذا الأخُ الطَّيِّب هذا الفكر وهذه الممارسة بتواضع، بانكفاء، بانسحاق، بمحبَّة لا توصف لإخوته ولنا جميعًا، بانحناء دائم أمام وجه الله. ولذلك، كنّا نَؤُمُّ هذا الدير لنتعلَّم التواضع، لنتعلَّم أَنْ ليس أحدًا إلاَّ الله، وأن نقول هذا لعظماء هذا الدهر، وأن نغدو بسطاء مكتفين بالنعمة الإلهية والكلمة الإلهية.

سيقول له الله بلا دينونة: "جعلتك أمينًا على نخبة صغيرة من الرجال، من الرهبان، سأقيمك على الكثير. أُدْخُلْ إلى فرح ربِّكَ حتَّى يؤمن الناس أنَ ليس سوى وجه الله في الكون، وأنَّنا إذا شدَّدنا على هذا الوجه نكون مقلِّدين الأرشمندريت الياس، ولو في حدود معيَّنَة. نكون مشتاقين إلى الرؤية العظيمة لنموت على استقامة الرأي وعظمة التمجيد ممهِّدين هنا لدخولنا إلى أورشليم السماويَّة. ألا كان الله معكم جميعا وعزّى قلوبكم.

 

 

Le Père Elias (Morcos) s'est endormi dans le Seigneur, ce mercredi 23 Février 2011

 

Suite à un séjour de près d'un mois à l'hôpital, et une journée seulement après son retour au monastère de Deir El Harf, retour qu'il n'a cessé de demander des jours durant, le Père Elias, qui avait gardé toute sa lucidité dans un corps qui s'effilait, s'est soudainement endormi dans le Seigneur, moins d'une heure après avoir communié. Il a ainsi rejoint Celui vers lequel a toujours tendu tout son être.

 

Comme il est difficile de parler d'un père! Aux jugements pondérés se mêlent alors les émotions, les souvenirs et surtout la reconnaissance d’avoir été engendré. Aussi loin que me porte ma mémoire, à partir de ce jour béni où, dans et par le Mouvement de la Jeunesse Orthodoxe, je me suis reconverti à l'Eglise, je trouve le Père Elias intimement lié à mon cheminement spirituel, comme il l’a été pour un grand nombre d'autres, jeunes et moins jeunes.

 

Issu d'un milieu bourgeois de Lattakieh, très cultivé et d'une finesse intellectuelle rare, il avait été l'un des premiers à appeler, avec d'autres jeunes Lattakiotes, dont Gabriel Saadé, à la formation d'un mouvement de renouveau, au sein de l'Église d'Antioche, alors somnolente. Il fut toujours convaincu – et sa vie le prouva amplement – que ce renouveau commence par le retour à Dieu de chacun des membres de l’Eglise. Un retour qui fait sortir de soi, engage à porter sa croix et invite à un engagement existentiel. Ce mouvement, qu'il appelait Mouvement de Renaissance, devint par la suite le Mouvement de la Jeunesse Orthodoxe, officiellement fondé en 1942, quand sa vision se retrouva avec celle d'autres jeunes, Libanais cette fois, qu'il ne connaissait pas alors, Georges Khodr et Albert Laham, nourrissant le même rêve. Cette concomitance et la rencontre de ces jeunes ne fut certes pas fortuite. Elle fut l'œuvre de l'Esprit, dont la présence a tant de fois marqué la vie du Père Elias.

 

Après avoir œuvré de nombreuses années en tant que grand fonctionnaire de l'Etat en Syrie, il abandonna tout et fonda, en 1967, avec quelques compagnons, dont Youhanna Mansour, l'actuel Métropolite de Lattakieh, le monastère de Deir et Harf. En ce faisant, il a été sans conteste le 'père des moines' Antiochiens qui, à sa suite, ont rempli tous les vieux couvents autrefois désertés. Il a toujours considéré que son engagement dans la vie monastique, la faisant refleurir dans l’Eglise d’Antioche après une longue interruption, était une conséquence normale de l’appel au renouveau, lancé par le MJO en 1942.

 

Le monastère de Deir El Harf a été pour notre génération, mais aussi pour de nombreuses autres qui ont suivi, un phare de lumière, un exemple existentiel, une invitation à aller de l’avant, une confirmation dans la certitude que tout était de nouveau possible à condition de prendre les paroles du Christ au sérieux et de lui donner son coeur. Que de retraites, que de rencontres, que de réunions passées en ce lieu! Le P. Elias en était le plus souvent le centre. Ses responsabilités envers la fraternité monastique ne l’empêchaient pas de se donner sans compter au service des jeunes. Il était toujours présent à leurs congrès, sessions de formation et à nombre d’autres activités. Je le vois encore, écoutant jusqu’à tard dans la nuit les confessions de jeunes qui faisaient la queue attendant que leur tour vienne. Le Père Elias a incarné le véritable père spirituel, celui qui indique des perspectives, rappelle les exigences de l'Évangile, et disparait devant la face du Christ, laissant à chacun la liberté de prendre les décisions qui l'engagent.

 

Cependant, son rôle ne s’arrêtait pas là. De nombreux ouvrages, publiés par les Editions An-Nour, celles du Monastère et celles du 'Patrimoine Patristique', ont vulgarisé les fondements de la vie spirituelle (Introduction à la vie spirituelle, Introduction à la Bible, Le sens de la vie liturgique, L’intégration à l’Eglise par les offices liturgiques, etc.), mettant à jour des trésors souvent cachés de l'Eglise et invitant à les incarner dans la vie de tous les jours. Il a été aussi le premier à traduire en Arabe le Traité sur la prière d'Evagre le Pontique, pour s'attaquer par la suite aux Triades de saint Grégoire Palamas, et d'autres grandes figures de l'Orthodoxie. Certains de ses ouvrages, parfois inspirés de l'enseignement du Père André Scrima, comportent une analyse profonde de la réalité humaine et des passions, mêlée à une expérience pratique de la façon de les maitriser, faisant de son œuvre un véritable sommaire de l’enseignement des Pères du Désert et des Pères Neptiques, exprimé en une langue accessible. Ses derniers ouvrages, axés sur des commentaires courts, lumineux et lapidaires de diverses paroles évangéliques sont autant de ces paroles de vie qui ne sont point sans rappeler celles des Anciens, en réponse aux demandes de leurs disciples de leur 'dire une parole'. On trouve aussi dans ses écrits des exemples de prière et de méditations personnelles, dont nous avons le plus pressant besoin, tant la proéminence donnée dans notre Eglise aux prières liturgiques tend à assécher en nous, si nous n’y prenons garde, l’éclosion de la prière personnelle. Le Seigneur voulant aussi que nous nous adressions à Lui dans notre langage habituel, il nous faut apprendre à lui parler directement, sans apprêt, dans le secret de notre rencontre. Quand nous serons nourris des textes de l’Ecriture et de la liturgie, nous saurons les imbriquer naturellement à notre méditation personnelle, comme le faisait si bien le P. Elias.

 

Sans qu’il l’exprime vraiment, ou toutefois pas de cette manière, j'ai souvent perçu le Père Elias comme quelqu’un qui tentait à sa façon de nous répéter les paroles de saint Syméon le Nouveau Théologien: «Ne prétendez pas qu’il soit impossible de recevoir l’Esprit Divin. …Ne prétendez pas que Dieu ne se révèle pas aux hommes. …  Ne prétendez pas qu’il existe des hommes incapables de voir la Lumière Divine, et que cela ne soit plus possible aujourd’hui. Cela n’est jamais impossible, mes amis. C’est au contraire tout à fait possible, quand on le veut, mais seulement pour ceux dont la vie a pacifié les passions». Par son humilité et sa disponibilité, il a toujours voulu nous communiquer le feu de sa rencontre avec le Maître, les «miettes» d’une expérience de Vie. A travers son humour proverbial, il semblait nous dire: «Ne vous prenez pas trop au sérieux. Laissez-vous mener par Jésus. Cessez de vous démener! Faites-lui confiance, et tout vous sera donné par surcroit».

 

D'ailleurs, il usait souvent de son humour, très fin, pour se ridiculiser soi-même, se conduisant parfois comme un enfant. N’était-ce pas là un signe d’une sorte de folie pour le Christ, afin de se dépouiller encore plus, et endiguer les marques de dévotion et de sainteté dont on l'entourait? Je l'ai toujours pensé.

 

Dans une allocution faite à l’occasion du cinquantième anniversaire de la fondation du MJO, en 1992, il rappela la question qu'il avait posée, lors d'un de ses premiers discours dans les années 1940, à savoir: 'Viendra-t-il un temps où il n'y aura plus de raison d'être pour le MJO?, question à laquelle il répondit par la négative, rappelant que le Mauvais agit toujours, et appelant les jeunes à toujours lutter contre la tentation, souvent latente dans les milieux d’Eglise, de glisser de «l’événement» à «l’institution». Il répétait à qui voulait l'entendre que les «premiers appelés», qui ont fondé le MJO, sont devenus Orthodoxes, non à cause de l'institution dans l'Église, mais malgré elle. Il s'agit donc de redevenir Orthodoxes, chaque jour, à chaque instant, laissant les portes grandes ouvertes à l'Esprit Saint dans l'Église du Christ, et de nous rappeler sans cesse que nous n'avons qu'un seul Père et qu'un seul Seigneur, qui est dans les cieux.

 

Il a toujours voulu nous dire, que l’important est d’œuvrer à devenir ce à quoi nous sommes appelés, à savoir des «créatures nouvelles» et des «enfants de la lumière». Pour cela, il nous fallait «travailler à notre salut» en permanence, «partir», «sortir de soi» pour «suivre», dans l'Esprit, le Christ, et aller avec Lui, «émerveillé», à la rencontre du Père. Il nous faut être prêt à donner, à faire de toute notre vie un don, le «sourire aux lèvres», chacune de nos actions devant être «offerte comme l’obole de la veuve». Remarquez la référence au «sourire», tant il est important que notre marche à la suite de Jésus, notre «incorporation au Christ», se traduise nécessairement par une attitude d’ouverture, d’accueil, d’amour, de joie et de service envers les autres, envers tout autre que le Seigneur nous fait rencontrer et en qui Il fait Sa demeure. A la suite des Pères, le P. Elias nous rappelait que toute «sortie» de soi vers Dieu engage à un «retour» vers l’homme, que le «double amour» en fait n'en faisait qu’un, l’amour des frères n'étant pas la suite, mais l’accomplissement de l’amour de Dieu.

 

Il soulignait la centralité de l’Eucharistie dans le cheminement avec le Christ, affirmant qu'il n’y a de véritable union entre les hommes que par leur intégration commune au même Corps, celui du Christ, qui se réalise par excellence dans la communion eucharistique. Mais, pour que cette intégration soit réelle et effective, elle doit être précédée et suivie par un mode de vie, fait de repentance, de fraternité et de partage, le «sacrement de l’autel» devant mener obligatoirement au «sacrement du frère».

 

Un grand de l'Orthodoxie est tombé! Sa douceur, alliée à sa profondeur, sa compassion et son écoute aimante, nous manquera. Il était vraiment un Père. Malgré ses dénégations, on n'avait pas de scrupule à lui obéir, car en allant à la lumière dont il rayonnait, on devenait enfants de la lumière (Jean 16:32).

 

Il eut l'heur de mourir, le Sang sacré sur ses lèvres! Que sa mémoire soit éternelle! Qu'il continue à nous porter dans ses prières! Qu'il intercède ardemment pour cette Église d'Antioche, qu'il a tant aimé, et qui a grand besoin, de nos jours, d'être secouée par l'Esprit qui habitait le Père Elias, pour éliminer les poussières que l'institution en elle ne cesse d'accumuler.

 

Raymond Rizk

24 Février 2011

 

الرّاهب إلياس مرقص: بك أبصرنا النّور

من مسالك واحات أشجار الصّنوبر والتّفاح، سلك الرّاهب الياس مرقص مسالك الضّياء قبل أن يتناهى الليل ويقترب النّهار. بمثل هذه الدّروب الصّنوبرية حفر فينا مضارب الإيمان الّتي عشنا فيها حيث تلقينا صغارًا الحرف اللحمي، على يديه، في دير مار جرجس الحرف.

هناك وسط أشجار الصّنوبر قبل اندلاع الحرب، كانت حربنا قائمة بين اليقين والشّك، بين الانغماس في الحياة وأن نكون خارجه، أن نكون من هذا العالم وليس من هذا العالم. كانت الإشكالية صعبة الفهم على عقول أولاد كانوا يلهون في دروب الصّنوبر، تحت الدير العتيق، فيما حلّها كان بسيطًا ببساطة ذاك الراهب العتيق السّائح على دروب الرّب، في دير تؤمّه قلوب مؤمنين واجفة باحثة عن استقرار نبض وهدأة بال.

هناك تعلّمنا كيف يصير المرء إيقونة حيّة، وكيف يتحوّل هذا الرّاهب البسيط إلى عظيم في ملكوت السموات، الّتي ينزّلها بـهدوء وسكينة في قلبك، فتصير، إذ ذاك، متلمسًا ما معنى أن تكون الأجساد هياكل للروح القدس.

حملنا الشّوق إلى تلك البقعة الهادئة من جبل لبنان، في دير الحرف، ليتحرّر المرء من ربقة الخطيئة ليعاين النّور الّذي يقودك إليه راهب يسألك عن طرابلس وعن القديسين فيها، ويعدّدهم بالأسماء. لعلّه كان يعلّمنا أن عفوية مسيحيي طرابلس والمدن السّاحلية وحيويتهم، كغيرها من الرعايا الحيّة، هي ملح الأرض، وأنّ التوّابين فيها كثر، لذا فإنَّ قداستها ، وإن نزلت من فوق من لدن أبي ألأنوار، يصنعها البشر بسقطاتـهم وقياماتهم، بعدما تعثر أرجلهم بحجارة ألأرض الصّماء، لكنهم يقومون بقلوبـهم اليقظة الناهدة إلى وجه ربّها توبة نصوحًا وقيامة نورانيّة.

أيّها الرّاهب القديس السّالك في الظّلمة،قد وجدت نورًا عظيمًا، وبك أبصرنا نورًا، لأنّك علّمتنا أنَّ الله معنا في كلّ حين. لأنّ النّور حلّ فيك، وصرت مسكنًا لبهاء نشتاق إلى معاينته، بعدما يشدّد الرّب، في عثار الطّريق ضعف قوانا، ويسدّد خطانا، ويقودنا بالرّوح إلى معارج الضّياء الّذي تفجّر بين يديك، فيما عدت طفلاً في حضرته، وكبيرًا عندنا، لأنّك أعددتنا، باعترافاتنا، عندك، وبحضورك فينا، لنسلك دربًا قادومية تشي بأنَّ الكون كلّه، ببشره وحجره، ملكٌ لذاك الذي كان الكلمة منذ البدء، وحلّ بيننا، كما عندك، لتصير كلمة محيية لكثيرين.

يا أيّها الراهب القديس، وقد عرّجت قبيل رحيلك، على أكواز الصّنوبر وشهيات التّفاح، قبل أن تلج تراب الأرض ، قل لنا: ما يجمع بين اللاذقية ، مسقط رأسك، وطرطوس وحلب وطرابلس وعكار وبيروت والجبل، وأقاصي الكرسي الانطاكي؟ غير ذاك الذي جعلك رباطًا لمؤمنين، يأتونك كحبّات القمح من سهول الرعايا، فتحيلهم عن وجهك إلى وجه ربّك رغيف خبز، جامعًا، بنار العنصرة المقدسة، الشتتيتين إلى واحد. كما كنت بوصلة للجياع إلى واحات الكلمة المتدفّقة من فمك، بعدما أخذت الكتاب المقدس في جوفك، وانفجر فيك حياة طافرة كالأيائل إلى حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهّد بل حياة لا تفنى.

 

                                       الدكتور جان عبدالله توما

 

موقف المسيحيّ إزاء الموت[1]

 

       لقد نالت كنيسة المسيح في قرطاجة نصيباً يُعتدّ به في حمل الصليب، فهي قد عاصرت اضطهاد داكيوس، وعانت الأمرّين من جرّاء ما أنزله بها الفرس في العام 252م من خسائر وأضرار جمّة، وكذلك من الرعب الذي ساد الموقف في كلّ مكان. ولم تكد هذه الاضطهادات التي أرهقت الشعب تكفّ حتّى تفشّى وباء الطاعون في كلّ البلاد، حاصداً الكثير الكثير من نفوس العباد، فأصبح الموت رفيق الناس الوفيّ الذي يأبى أن ينأى بظلّه عنهم. لذا هبّ الأسقف القدّيس كبريانوس الشهيد (258م) ليضمّد كلوم أولاده الأليمة، فكتب لهم مشدّداً مقالات تناول فيها الموت ومعناه من منظار مسيحيّ إيمانيّ قائلاً: "إنّ المؤمن لا يُعفى من التجربة الواقعة، بل يجب أن يخوضها بشجاعة وينتصر عليها. فالمؤمن ينظر إلى الموت نظرته إلى الراحة بعد الصراع، من خلال نداء المسيح له".

       يفتح الموت للمسيحيّ أبواب الأبديّة، ويساعده لجني المكافأة النهائيّة. لذا لا يخشى المسيحيّ المؤمن من الانطلاق إلى عالم أفضل حيث الغبطة الدائمة الموعود بها في الكتب الإلهيّة. وبهذا المعنى يقول القدّيس كبريانوس: "دعونا نفكّر، أيّها الإخوة الأعزّاء، بأنّنا منذ الآن قد زهدنا في العالم، وتخلّينا عن مسرّاته، وبأنّنا نعيش على هذه الأرض كضيوف وغرباء، لا بل كنزلاء وقتيّين. لا بدّ لكم، يا إخوتي، أن تقتنوا فكراً حازماً، وإيماناً ثابتاً أكيداً غير عابئين بالخيرات الزائلة الفانية، إيماناً شجاعاً يتصدّى لاضطرابات هذا العالم، و يتحدّى أوهامه الكاذبة، لأنّه بإيمان كهذا يصون المؤمن ذاته من الغرق في صعاب هذه الحياة. لنتقْ إلى اليوم الذي فيه سيُحدَّد لكلّ منّا مسكنه الخاصّ، إلى اليوم الذي نعود فيه إلى الفردوس وإلى ملكوت السماوات، وقد حُرِّرنا من قيود هذه الدينا.

إنّ أهميّة الإيمان وقيمته تكمنان في مقاومة التجارب. إنّي ألاحظ البعض بينكم لا يشهدون بجدّية وحزم لعمل الروح القدس الكائن في داخلهم، ربّما بسبب ضعف إيمانهم، أو بسبب تعلّقهم بمباهج هذه الحياة وملذّاتها، أو بسبب جهلهم للحقّ الإلهيّ. لن أتوانى عن تحذيركم فأقول: ثقوا بوعود الله، وارهبوا فتور الهمّة والانقياد للأفكار الباطلة. وطننا الحقيقيّ هو السماء حيث ينتظرنا عدد لا يحصى من الأحبّاء والإخوة والآباء والأمّهات والأبناء، الذين يشتاقون إلى حضورنا بينهم، مترجّين خلاصنا. فلنسرع، إذاً، في الوصول إليهم والالتحاق بهم، متطلّعين بحرارة نفس أن نكون في أقصر وقت عندهم مع المسيح.

       لا يليق بمن تجنّد لله أن يبدي أيّ اضطراب أو قلق تجاه العواصف التي تعكّر عالمنا، بل بالأحرى أن يتمسّك بالله، واضعاً رجاءه عليه. لقد سبق المسيح وأنبأنا عن الحروب والمجاعات والزلازل هنا وثمّة، وعن كلّ الحوادث الأخرى التي سوف تطالعنا في مسيرة حياتنا، مشجّعاً ومثبّتاً إيّانا، نحن أعضاء كنيسته، لكيما نكون قادرين على مواجهة ما سوف يحدث في نهاية العالم. إنّ إعلانه عن الكوارث التي ستظهر كعلامات لنهاية الزمان الحاضر، والتي تتحقّق تدريجيّاً، تظهر لنا أنّ إعلاناته ليست بكاذبة، وكذلك وعوده للمؤمنين به الذين ينتظرون مجيئه الثاني مع ملائكته القدّيسين لكي يحاكم كافّة أجناس البشر من كلّ أطراف الأرض، وها هو يدعونا لنسمع قوله: "إذا رأيتم هذه الأحداث وقعت، فاعلموا أنّ ملكوت الله قريب" (لوقا 31:21).

       أيّها الإخوة الأحبّاء، لقد أُعدّت لنا الأبديّات عوضاً عن الفانيات، والسماويّات عوضاً عن الأرضيّات، والأمور الجليلة عوضاً عن الباطلة. إنّ الأشياء التي فقدناها، بخضوعنا للخطيئة، كالفرح بالخلاص الأبديّ كمكافأة عن جهادنا في هذه الحياة الحاضرة، والرجوع إلى الفردوس، والغبطة الدائمة، سوف تعود إلينا مع انتهاء العالم. كلّ من لا يقدّر قيمة هذا الميراث، يرتعب من الموت وهو عديم الرجاء وقليل الإيمان. فالذي يخاف من الموت لا يرغب في المضيّ إلى المسيح. ومن يا تُرى لا يريد ذلك؟ هو ذاك الذي لا يؤمن بأنّه سوف يملك مع المسيح إلى الأبد.

       وكما نعم البارّ سمعان الشيخ بالراحة الأبديّة، هكذا أيضاً سيتذوّقها كلّ رجل صدّيق، لأنّه مكتوب إنّ "البارّ بالإيمان يحيا" (رو 17:1). فالإنسان البارّ يحيا بالإيمان إن كان حقّاً يؤمن بالله. لماذا لا تثق بوعود الله الغير الكاذبة يا من أنت مدعوّ لكي تكون مع المسيح؟ إنّ وعوده ما هي إلاّ دعوة صادقة للقائه، ونوال الحريّة من قبضة الشيطان، أفلا يفرّحك هذا؟!

       لقد حفظ سمعان الشيخ الصدّيق والبارّ ومثال الشوق للانطلاق، وصايا الله، وأيقن بوعده بإيمان كلّيّ، وبوحي إلهيّ عرف بالروح بأنّه لن يرى الموت قبل أن يعاين المسيح الربّ، فما إن أتى بالطفل يسوع أبواه إلى الهيكل، وعرفه الشيخ، حتّى أدرك أنّه لا بدّ له أن ينطلق من هذا العالم. لقد ترقّب الموت وانتظره بفرح. لم ينزعج، بل احتضن الطفل بذراعيه، وهتف مبارِكاً السيّد: "الآن تطلق عبدك يا سيّد حسب قولك بسلام لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك" (لو 29:2). شهد سمعان بأنّ خادم الله، عندما يتحرّر من عواصف هذه الحياة، يفلت من عذابات هذا العالم المريرة، ويدركه السلام والحريّة والهدوء والطمأنينة. إنّنا بالموت نبلغ الميناء الخلاصيّ حيث تجد النفس راحتها الدائمة وسلامها الحقيقيّ وأمانها الأبديّ.

       فالحياة هي كفاح مستمرّ ضدّ الأهواء والشيطان والعالم. المؤمن، على هذه الأرض، هو في حرب لا هوادة فيها ضدّ الشهوات الجسديّة وإغراءات هذا العالم، وهو في جهاد دائم ضدّ سهام إبليس الذي يحاصر فكر الإنسان من كلّ جانب، وبالجهد يستطيع هذا المجاهد الأمين أن يقاومها. فإن استهان مثلاً بحبّ المال، أثار عليه الشهوات الأخرى، وإن انتصر على الشهوات، أسره بحبّ الظهور، وإن ازدرى بحبّ الظهور والشهرة، حاربه بالغضب والكبرياء، وأغراه بالسكر بالخمر، وطعنه بالحسد، ومزّق وفاقه مع الآخرين، وأفسد صداقاته بغيرة مرّة، وجعل اللعن والحلف قرين لسانه، فيصبح متعدّياً الناموس الإلهيّ لا عاملاً به.

       كم من الاضطرابات تجابهها النفس كلّ يوم، وما أكثر الأخطار التي تحدق بالقلب من جرّاء ضغط الملمّات وحروب الشياطين، ورغم ذلك نفرح ببقائنا طويلاً على الأرض بينما كان الأجدر بنا أن نوجّه كلّ اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع للالتقاء بالمسيح. فالربّ علّمنا قائلاً: "الحقّ الحقّ أقول لكم إنّكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكنّ حزنكم يتحوّل إلى فرح" (يو 20:16). فمن منّا لا يشتاق أن يتحرّر من هذا الحزن؟ ومن منّا لا يتطلّع لنوال هذا الفرح؟ ومتى يتحوّل حزننا إلى فرح؟ هذا ما أعلنه لنا الربّ بقوله: "ولكنّني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 22:16). ما دام فرحنا هو في رؤية المسيح، فأيّ غمّ يصيب أذهاننا، وأيّ جنون ينتابنا حتّى نحبّ أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الغبطة التي لا يمكن لأحد أن ينتزعها منّا؟ إنّ مصدر المتناقضات والمضادّات التي تعوقنا عن لقاء المسيح يكمن في نقص إيماننا. وكما ذكرت سابقاً إنّ سبب ارتباطنا بالعالم ومحبّتنا له يعود، يا إخوتي الأحبّاء، إلى ضعف إيماننا، وعدم ثقتنا بوعود الله لنا.

       الله صادق، وكلمته ثابتة لمن يؤمن به، لا بل هي حقيقيّة أبديّة. فإذا وعدكم إنسان ذو مكانة مهمّة وشأن عظيم بأمر ما، ألا تثقون بوعده من دون أن تشكّوا في إمكانيّة خداعه لكم؟ طبعاً الجواب نعم، لأنّكم تعرفون أنّه صادق في كلامه، ويفي بوعده. فكم بالأحرى يجدر بنا ألاّ نشكّ إطلاقاً في وعد الله لنا بالحياة الأبديّة؟ فإن ساورنا الشكّ وعدم الإيمان، نكون قد أظهرنا جحودنا وأخطأنا إلى المسيح، وأثبتنا عدم معرفتنا العميقة به، وهذا ما يثير سخط الله علينا، وأعني بهذا خطيئة الشكّ والكفر بالمسيح معلّمنا وسيّدنا. أيعقل أن نكون أبناء الكنيسة والإيمان ونحن لا نملك الإيمان؟ السعادة الحقيقيّة، يا إخوتي، هي خارج هذا العالم.

       يا لها من فائدة جليلة ننعم بها بانطلاقنا من هذا العالم!! لقد رأى السيّد المسيح ما فيه خير نفوسنا إذ عندما لاحظ، مثلاً، مدى حزن تلاميذه عندما أزمع أن يمضي إلى الآب قال لهم: "لو كنتم تحبّوني لكنتم تفرحون لأنّي قلت أمضي إلى الآب" (يو 28:14). يعلّمنا السيّد بهذا القول كم ينبغي أن نفرح عند رحيل أحد أحبّائنا من هذا العالم، وألاّ نحزن متذكّرين قول الرسول بولس: "لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح" (في 21:1). هنا يعتبر الرسول الموت ربح أعظم من الحياة، ولا يستطيع أن نناله في هذا العالم. بالموت نلبّي دعوة المسيح لنا ونفرح بالخلاص الأبديّ. بالموت ننعتق من خطايا الجسد ورذائله، ونتخلّص من ضغط العالم المحزن، ونتحرّر من أنياب الشيطان السامّة.

       هناك من يعتقد بأن المرض لا يصيب إلاّ غير المؤمنين. ومن هذا المنظار، فالمسيحيّ معفى منه كما لو كانت غاية إيمان المسيحيّ هي اتّقاء الأمراض والأخطار، والتمتّع بسعادة هذا العالم، ناجياً من كلّ أذى، وارثاً الغبطة الأبديّة من دون أن يتعرّض لهموم هذا العمر وضيقاته وآلامه. والبعض يتعجّب كوننا معرّضين للموت كالوثنيّين وغير المؤمنين ويتساءلون قائلين: ما الفرق إذاً بيننا وبينهم ما دام جسدنا خاضعاً للموت نظيرهم؟ نجيب هؤلاء بقولنا إنّنا نشترك مع كافّة البشر في كلّ خصائص هذا الجسد طالما نحن في هذا العالم. إلاّ أنّنا نتميّز عنهم في الروح، أي بلبس هذا الفاسد عدم الفساد وهذا المائت عدم الموت "حتّى يُبتلع المائت بالحياة" (2كو 4:5)، ثمّ يقودنا الروح القدس بعد ذلك إلى الآب.

       فنحن نشترك إذاً مع غير المؤمنين في كلّ شيء. فإذا حصلت مجاعة، أو أصاب الأرض قحط وما عادت تنتج إلاّ المحاصيل الضعيفة، فإنّ هذه الظواهر تشمل الجميع. وإن غزا العدوّ مدينة، وسبا سكّانها أو شرّدهم، فهذا يطال الكلّ أيضاً من دون أيّ تمييز بين مؤمن وغير مؤمن. كذلك عندما يحتبس المطر ويتهدّدنا الجفاف. أو إذا تحطّمت سفينة فإنّ الغرق يهدّد كلّ من على متنها من دون فرق. وهكذا يعاني الجميع من أمراض العيون والحمّى وغيرها... طالما نحمل كلّنا هذا الجسد الفاني الواحد بصفاته وضعفاته.

       التجربة تطهّر الإنسان المؤمن. فإذا عرف المسيحيّ بأيّ ناموس هو يؤمن، لأدرك حتماً بأنّ عليه أن يتألّم ويتحمّل أكثر من غير المؤمنين طالما هو عرضة لحروب الشيطان بالأكثر، لذلك يقول الكتاب المقدّس: "يا ابني إن أقبلت لخدمة الربّ الإله، أعدد نفسك للتجربة" (بن سيراخ 1:2-2) وأيضاً "كلّ ما أتاك فاقبله واصبر على الألم في اتضاعك. كن صبوراً، لأنّ الذهب يجرَّب بالنار والناس المقبولون يجرَّبون في أتون التواضع" (بن سيراخ 4:12-5). هاك أيّوب مثالاً إذ لم تخر عزيمته ولم ينهزم بعد أن فقد كلّ ممتلكاته وأبنائه الأعزّاء إلى جانب قروحه ودوده، إنّما على العكس، أظهر صبراً وسط بلاياه وأتعابه فقال: "عرياناً خرجت من بطن أمّي وعرياناً أعود إلى هناك. الربّ أعطى والربّ أخذ، فليكن اسم الربّ مباركاً" (أي 21:1). وعندما استفزّته زوجته، لجهلها، لكي يخطئ إلى الله ويجدّف قال لها: "تتكلّمين كلاماً كإحدى الجاهلات. أنقبل الخير من الله ولا نقبل الشرّ؟ في كلّ هذا لم يخطئ أيّوب ولا بشفتيه" (أي 10:2)، ولذلك شهد له الربّ قائلاً لإبليس: "هل جعلت قلبك على عبدي أيّوب؟ فإنّه ليس له مثيل في الأرض، رجل كامل ومستقيم يتّقي الله ويحيد عن الشرّ" (أي 8:1).

       أمّا طوبيّا بعد أن عمل الخير والرحمة بنبل وإخلاص، احتمل فقدان بصره، ثابتاً في مخافة الله، ومبارِكاً إيّاه في خضمّ آلامه: "وبالرغم من جسده المتألّم كان يزداد شكراً لله" (طو 14:2). وإذ بدأت زوجته تعيّره أيضاً قائلة: أين هو ربّك؟ فليأت وينظر ما تتحمّله من آلام، أمّا هو فكان يتشدّد ويتقوّى بخوف الله متسلّحاً بإيمانه، ومحتملاً الآلام غير مستسلم لضعف زوجته. وهكذا تزكّى طوبيّا أيضاً بالأكثر ومدحه الملاك رافائيل بعد ذلك: "أمّا أنا، فأعلن لكما الحقّ وما أكتم عنكما أمراً مستوراً، إنّك حين كنت تصلّي بدموع، وتدفن الموتى، وتترك طعامك، وتخبّئ الموتى في بيتك نهاراً وتدفنهم ليلاً، كنت أرفع صلاتك إلى الربّ. وإذ كنت مقبولاً أمام الله كان لا بدّ أن تُمتحن بتجربة. والآن فإنّ الربّ قد أرسلني لأشفيك وأخلّص سارة كنّتك من الشيطان. فإنّي أنا رافائيل الملاك أحد السبعة الواقفين أمام الربّ" (طو 11:12-15).

       كذلك لم يتذمّر أيضاً الرسل الأبرار بسبب الضيق الذي لحق بهم، بل كانوا يتقبّلون كلّ ما يأتي عليهم بشجاعة وصبر كبيرين بخلاف الشعب اليهوديّ الذي أسخط الله في البريّة بتذمّره الدائم كما يشهد عليهم سفر العدد بقوله: "فتكفّ تذمّراتهم عنّي لكي لا يموتوا" (عد 10:17). احفظوا ذواتكم من كلّ تذمّر، أيّها الإخوة الأحبّاء، واحتملوا بصبر وشجاعة كلّ ما يحدث لكم إذ إنّه مكتوب: "القلب المتخشّع والمتواضع لا يرذله الله" (مز 17:50)، والروح القدس يحذّرنا على فم موسى النبيّ في سفر التثنية فيقول: "تذكّر كلّ الطريق التي فيها سار بك الربّ إلهك هذه الأربعين سنة في القفر لكي يذلّك ويجر  ّبك ليعرف ما في قلبك: أتحفظ وصاياه أم لا" (تث 2:8). وأيضاً: "الربّ إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبّون الربّ إلهكم من كلّ قلوبكم ومن كلّ نفوسكم" (تث 4:13).

     وكذلك أيضاً تجربة إيمان إبراهيم أتت صورة واضحة على رضى الله عليه لعدم تذمّره عندما أمره أن يقدّم اسحق ابنه ذبيحة. إنّ إبراهيم لم يتردّد، ولم يخش فقدان وحيده. فإن كان الإنسان بحالته الطبيعيّة المقترنة بالضعف البشريّ لا يستطيع أن يحتمل فقدان ابنه عندما يأتي موته طبيعيّاً، فكيف يكون حاله إذاً إن أُمر أن يقوم هو بذبحه؟ يحتاج الإنسان، في كلّ وقت، إلى مخافة الله والإيمان القويّ حتّى يكون مستعدّاً لقبول كلّ طارئ محزن سواء كان خسارة ماديّة كفقدان الممتلكات، أو خسارة في الأرواح كموت زوجته أو أولاده أو أحد أحبّائه. على المؤمن الحقيقيّ أن يجاهد ولا يدع إيمانه يضعف أو يخور أويُسحق، بل، بالحري، فليظهرْ إيمانُه قوةَ نضاله ومدى ثقته بالخيرات المنتظرة التي تجعله يزدري بأحزان هذا الزمان الحاضر. وعلينا أن نعلم بأنّه إن لم تكن هناك معركة، فلن يكون هناك انتصار، وبالتالي لن تكون هناك أكاليل للظافرين. إنّ الربّان الماهر يُعرف وسط العاصفة، والجنديّ يُختبر في ميدان القتال. وهكذا أيضاً، فاجتياز الضيقات هو اختبار للفضيلة وإظهار للشجاعة الحقيقيّة. إنّ الشجرة ذات الجذور الضخمة لا تتزعزع مهما عنفت العاصفة، والسفينة التي يقودها طاقم ماهر لا تترنّح متى لطمتها الأمواج ولا تتكسّر. وهكذا أيضاً عندما يدرس الفلاّح القمح في الأجران لا يترسّب منها في الأسفل سوى الحبّات الثقيلة، أمّا التبن فيتطاير بعيداً عند أوّل نفخة ريح.

       كم من مرّة تعرّض القدّيس بولس للغرق ولانكسار السفينة إلاّ أنّه بقي راسخاً لم ينله حزن ولا تأسّف، بل حملت له الجلدات والعذابات القاسية جزيل الفائدة، إذ بقدر ما احتمل من أحزان بقدر ما نال من تزكية وتعزية وشجاعة لذلك يقول: "ولئلاّ أرتفع بفرط الإعلانات، أُعطيت شوكة في الجسد، ملاك الشيطان ليلطمني ولهذا تضرّعت إلى الربّ ثلاث مرّات أن يفارقني فقال لي: تكفيك نعمتي لأنّ قوّتي في الضعف تكمل" (2كو7:12-9). فمتى كنّا ضعفاء وعاجزين عندئذ تكمل قوّتنا، وإن جاهدنا يتثبت إيماننا ونتكلّل، كما هو مكتوب: "كما أنّ الأتون يمتحن أواني الخزف هكذا امتحان الإنسان في تفكيره" (بن سيراخ 5:27).

       إنّ الفرق شاسع بيننا وبين من لا يعرفون الله إذ نراهم دائمي التشكّي والتذمّر إبّان الضيقات، أمّا نحن المؤمنين، فالضيق لا يثنينا عن حياة الجهاد لبلوغ الفضيلة وعن الإيمان بالحقّ. بمكابدتنا الآلام يقوى إيماننا ونزداد صلابة وقوّة على الاحتمال. فالمؤمن بثباته في الاحتمال ينال المكافأة على الضيق والأمراض التي تستنفذ كلّ قواه الجسديّة. كلّ هذه الإصابات والخسائر الجسديّة تساهم في تزكية الإيمان، وتعطي مجداً وبركة للروح التي تحتمل بقوّة وهدوء الهجمات المتعدّدة والمتكرّرة. فيا لسموّ لتلك النفس التي تنتصب ثابتة وسط هذه الأمراض ولا تسقط مع الذين لا رجاء لهم في المسيح، بل تفرح منتهزة الفرصة التي وهبها لها الله لكي تتقدّم وتسير في الطريق الضيّق الذي سار فيه الربّ، وتنال المكافأة على أتعابها التي كابدتها بإيمان وطيد. فمن يخاف من الموت يبرهن أنّه لم يولد بعد من الماء والروح ولم يختبر صليب المسيح وآلامه. إنّه يخاف الموت لأنّه ينتظر بعد الموت موتاً آخر أي النار الأبديّة والعقاب الدائم. من يخاف الموت يفرح بعمره المديد إذ يُتاح له تأجيل تنهّداته وتأوّهاته. الإنسان البارّ لا يخشى الموت أبداً. المسيحيّ المؤمن حقّاً يعتبر الموت انتقالاً وتحرّراً من رباطات هذا العالم. إذا كان الموت هو كارثة بالنسبة لليهود وللوثنيّين ولمن لا يعرفون المسيح، فهو على العكس بالنسبة لخدّام الله إذ إنّه سبب نياح وراحة وخلاص. من الواضح أنّ الموت يصيب الجميع الأبرار والأشرار، وكلّهم يخضعون لجسد الموت هذا الصالحون والطالحون على السواء، إلاّ أنّ الأبرار يذهبون إلى الراحة الأبديّة أمّا الأشرار فإلى العذاب الأبديّ. لقد استفاد الصالحون الذين أرضوا الله من مناسبات عديدة في هذه الدنيا لكي يربحوا الملكوت. فالعذارى انتقلن من هذا العالم بسلام داخليّ مكلّلات بإكليل المجد بلا وجل من تهديدات أعداء المسيح، وبلا خوف من شرّ الحكّام واضطهادهم، ولا من إفساد عفّتهنّ. بالموت ينجو الأولاد من تحمّل الضيقات التي تفوق قدرة عمرهم البريء وعودهم الطري إذ يتخلّصون من التجارب الصعبة، وينالون السعادة والغبطة بفضل نقاوتهم. بالموت لا تعود الفتاة المدلّلة تهاب مضطهديها ومعذّبيها. إنّ الخوف الذي يُحدثه الموت الحتميّ في النفوس وبخاصة في الأوقات العصيبة (كالتي تفرضها علينا الحروب أو الأمراض وما شابهها...) يمد النفوس اللامبالية أو ربّما الخائرة بالحميّة والقوّة، ويحفز الغير المؤمن لكي يعود إلى إيمانه، ويدعو الكفّار إلى التوبة، ويدعو الشباب إلى دخول المعركة، والشعب المؤمن إلى طلب الراحة الأبديّة. أعداد وافرة من فئات مختلفة من الناس تستعدّ لمواجهة الموت في كلّ وقت وساعة طالما تحمل هذا الجسد القابل الموت والفساد.

       أيّها الإخوة الأحبّاء، ما المغزى من تردادنا هذا لذكر الموت؟ نعم، قد يكون الموت وباء مرعباً يفتك بالناس ولا ينجو منه أحد. بيد أنّه في الوقت ذاته يُختبر فيه برّ كلّ إنسان، وتُمتحن أفكار الناس، ويُكشف مدى اهتمام الأصحّاء بالمرضى، وترفّق الإنسان بقريبه، وعطف السادة على الخدّام، واستجابة الأطبّاء لصرخات المصابين. نعم، إنّ هذا الوباء يحثّ القساة لكي يتخلّوا عن قساوة قلوبهم، ويوحي للجشعين بالابتعاد عن محبّة المال، وينبّه المتشامخين ليحنوا رقابهم وداعة واتّضاعاً، ويأمر الأشرار أن ينزعوا عنهم شرّهم وفسادهم. إنّ هذا الوباء يعلّم المسيحيّين ألاّ يخافوا إذ يجعلهم يشتاقون للاستشهاد، فيمسي ذكره تدريباً لهم على الثبات في الإيمان والتأمّل في ساعة خروج النفس من الجسد استعداداً لربح الإكليل.

     ربّما يعترض البعض قائلين: إنّ المرض الذي حلّ بنا سبّب لنا الكدر الكبير إذ حرمنا من نعمة الاستشهاد واحتمال الآلام، وبهذا يضيّع علينا فرصة ثمينة. يجب أن تعلم، أوّلاً، بأنّ الاستشهاد هو هبة من الله فاحص القلوب والكلى، والعارف الخفيّات، وهو سوف يكافئك على هذا الشوق الذي يعتمر في قلبك، وإن كنت لم تحققه بالفعل. هل قتل قايين أخيه عندما كان يقوم بتقديم الذبيحة؟ إنّ الله، بسابق علمه ومعرفته، أدان القتل الذي رآه داخل قايين. فكما رأى الله هذا الفكر الشرّير والنيّة السيّئة، هكذا أيضاً يرى هذا الاشتياق للاستشهاد داخل من يشتهيه. فالله الديّان يكلّل القصد والنيّة في عمل الفضيلة. من الثابت أنّ هناك فرقاً بين أن تكون لديك هذه النيّة أو لاتكون، أو إن لم تسمح لك الظروف بتحقيقها رغم ترقّبك لها، واعلم أنّ دينونة الله ستكون على حسب ما في قلبك. فالله نفسه شهد قائلاً: "ستعرف جميع الكنائس أنّي أنا هو الفاحص الكلى والقلوب" (رؤ 23:2). إنّ الله لا يطلب منك الدم بل الإيمان. فإبراهيم واسحق ويعقوب لم يستشهدوا بسفك الدم، ولكنّهم، رغم ذلك، كُرّموا لعظيم إيمانهم وبرّهم، فاستحقّوا أن ينالوا المجد والإكرام. وسوف يجتمع على مائدتهم السماويّة كلّ من كان أميناً وباراً وجديراً بالمديح. لنكن منطقيّين مع ذواتنا إذ كيف نطلب في صلاتنا أن يمنّ الله علينا بالخضوع لمشيئته تحقيقاً للصلاة التي علّمنا إيّاها (لتكن مشيئتك)، بينما نعصى أمر الموت كالعبيد المتكبّرين المتصلّبي الرأي، فيكون رحيلنا كرهاً وليس طاعة لإرادة الله، وبعدها ننتظر المكافأة السماويّة في السماء من الذي أتينا إليه رغماً عنّا وبعكس رغبتنا؟!! فلماذا نطلب بحرارة أن يأتي ملكوته إذا كانت تأسرنا لهذا الحدّ الأمور الأرضيّة؟ وهل نرغب حقّاً في البقاء هنا على هذه الأرض مستعبدين للشيطان عوضاً أن نملك مع المسيح؟ إن كان الجواب لا، فلماذا التأجيل إذاً؟

    أن يتفجّع الإنسان أمام الموت، هذا يعني أنّه ناقص الإيمان. لقد طلب الربّ منّا تكراراً، نحن الضعفاء وآخر الناس، بأن ننبّه إخوتنا بألاّ ينتحبوا على أحبّائهم الذين نقلتهم دعوة الربّ من هذا العالم، عالمين أنّهم لم يذهبوا للهلاك، بل هم سبقونا، فقط، في الرحيل، وغادرونا كمسافرين، وأسرعوا في الإبحار قبلنا. فلا ينبغي إذاً أن نبكيهم بل أن نغار منهم ونحسدهم، ولا أن نتّشح بالسواد فيما هم يتلألأون بثياب الفرح البيضاء اللامعة البهيّة! لا يليق بنا أن نعطي فرصة لغير المؤمنين كي يسخروا بنا بسبب حزننا المفرط على أولئك الذين ندّعي بأنّهم كانوا يحيون مع الله، كما لو كانوا هالكين. إنّنا بهذا التصرّف ننكر إيماننا، ونخون رجاءنا، ويبدو ما ننادي به وكأنّه وهم وإدعاء كاذب. لا يصحّ أن نظهر الشجاعة في الكلام فقط، ثمّ ننقض بأفعالنا ما نقول. يوبّخ الرسول بولس ويعنّف بشدّة أولئك الذين يغالون في الحزن على ارتحال ذويهم قائلاً: "لا أريد أن تجهلوا أيّها الإخوة من جهة الراقدين، لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم، لأنّه إن كنّا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون بيسوع، سيُحضرهم الله أيضاً معه" (1تسا 13:4-14)، فهو يصف الذين يحزنون على أحبّائهم حزناً شديداً "بالذين لا رجاء لهم". أمّا نحن الذين نحيا بالرجاء، ونؤمن بأنّ المسيح تألّم لأجلنا وقام من بين الأموات، وإنّنا نقيم فيه، ونحيا به، فيجب إذاً أن نؤمن، أيضاً، أنّنا سنقوم معه ثانية. "من يحيا ويؤمن بي لن يرى الموت أبداً". قولوا لي، يا إخوتي، لماذا لا نودّ الانتقال من هذا العالم إن كنّا فعلاً نقيم في المسيح ونحيا به ومعه؟ ولماذا نبكي ونكتئب على فراق أحبّائنا كما لو كنّا قد خسرناهم إلى الأبد؟ إنّ المسيح ربّنا وإلهنا يشدّدنا بقوله: "أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي وإن مات فسيحيا. وكلّ من كان حيّاً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد (يو 25:11-26). فإن كنّا نؤمن بالمسيح، وإن كانت لنا ثقة في كلامه وفي مواعيده، وإن كنّا أناساً خالدين، فلنتقدّم، إذاً، إليه بفرح وثقة، لكي نحيا ونملك معه إلى الأبد، لأنّه هو الذي وعدنا بذلك، ووعده صادق.

       بالواقع نحن نعبر بالموت إلى الحياة، ولا يمكن أن نحظى بالحياة الخالدة إن لم نخرج أوّلاً من العالم. فالموت إذاً ليس محطّة نهائيّة لحياتنا على الأرض، إنّما هو انتقال ونقطة إنطلاق من حياة مؤقّتة إلى أخرى أبديّة. فمن لا يحثّ الخطى، إذاً، نحو هذا الخير الأعظم؟ ومن لا يشتاق لأن يتغيّر ويتحوّل إلى صورة المسيح، ويتمتّع بشرف المجد السماويّ؟ لقد أعلن لنا الرسول بولس قائلاً: "إنّ سيرتنا نحن هي في السماويّات التي فيها أيضاً ننتظر مخلّصاً هو الربّ يسوع المسيح الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده" (في 20:3-21). وهذا أيضاً ما وعدنا به السيّد عندما وجّه صلاته للآب لكيما نكون معه في المساكن الأبديّة، ونشاركه الفرح في ملكوته حيث قال: "أيّها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني أن يكونوا معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنّك أحببتني منذ إنشاء العالم" (يو 24:17). فمن ينعم بمجد الملكوت السماويّ صحبة المسيح لا يليق به أن يحزن وينوح إذ إنّ الموت يُعتق المختارين من فساد هذا الدهر وانحلاله. أنّ الله نقل أخنوخ لأنّه أرضاه "وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأنّ الله أخذه" (تك 24:5). فالله، إذاً، يؤهّل كلّ من يسرّ به للانتقال من تأثير هذا الدهر ومغرياته. ويعلّمنا الروح القدس بفم سليمان الحكيم بأنّ الذين أرضوا الله يؤخذون باكراً حتّى لا تغيّر الرذيلة عقولهم ولا تدنّسها بتلبّثهم أكثر في هذا العالم فيقول: "إنّه كان مرضيّاً لله فأحبّه، وكان يعيش بين الخطأة فنقله. خطفه لكي لا يغيّر الشرّ عقله، ولا يطغي الغشّ نفسه" (حك 10:4-11). ونقرأ أيضاً في سفر المزامير: "ما أحبّ مساكنك يا ربّ القوّات تشتاق وتتوق نفسي إلى ديار الربّ" (مز 1:84-2)، فالنفس المرضيّة لإلهها تسارع نحو السيّد بلهفة وشوق.   فلنتغرّب، إذاً، عن العالم، لأنّ كلّ شيء فيه باطل!!

       إنّ من يرغب البقاء طويلاً في هذه الدنيا، يثبت أنّه يجد فيها بهجته، وتستهويه ملذّاتها وتغريه. إذا كان العالم يبغض المسيحيّ، فلماذا إذاً يؤثر هذا المسيحيّ البقاء في أرض الشقاء على اتّباع المسيح الذي افتداه وأحبّه؟!! إنّ يوحنّا الحبيب في رسالته يحثّنا على أن لا نسعى إلى محبّة العالم إذ يقول: "لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحبّ أحد العالم، فليست فيه محبّة الآب، لأنّ كلّ ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العين وتعظّم المعيشة ليس من الآب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته معه وأمّا الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد" (1يو 15:2-17). فلنكن، إذاً، يا إخوتي الأحبّاء، ذوي نفوس مستقيمة وإيمان غير متزعزع وشجاعة صلبة، سريعين في الخضوع لإرادة الله، ولنقصي عنّا كلّ خوف من الموت، ومتأمّلين بالخلود الذي يتبعه، بما يتوافق مع إيماننا، غير متألّمين بمرارة على موت أحبائنا. وعندما يحين وقت خروجنا من هذا الجسد الفاني تلبية لدعوة الله لنا، فلنسر نحوه من دون تردّد أو تلكؤ. فلنتحرّر، يا إخوتي، من القيود الأرضيّة، ولا ننس بأنّنا غرباء، ولنبارك اليوم الذي سيعود فيه كلّ واحد منّا إلى منزله الحقيقيّ في فردوس النعيم وفي ملكوت السماوات. فها هوذا العالم يعلن بذاته عن زواله إذ سيفنى بدوره. يا لغبطة أبناء الله المنتقلين عنّا، لأنّهم تخلّصوا من تيّارات الهجمات الشرّيرة وعواصفها سيّما ونحن نترقّب أموراً أكثر أسىً مزمعة أن تأتي علينا، لذلك، ومن هذه الحيثيّة، يُحسب لنا الانطلاق مكسباً كبيراً. لو كانت جدران بيتك تهتزّ أما كنت تغادره بسرعة؟ ولو كنت تبحر في سفينة، وداهمتها العواصف والأمواج أما كنت تطلب العودة إلى الميناء؟ هوذا العالم يترنّح ويتداعى ليس بفعل الزمن إنّما بسبب النهاية التي لا بدّ منها، أفلا تفرح لأنّ الخلاص أتاك بهذا الرحيل المبكّر؟ ألا تشكر الله لأنّك تحرّرت من المتاعب والكوارث التي كانت تتهدّدك؟

       علينا إذاً، أيّها الإخوة الأحبّاء، أن نفكّر دائماً، نحن الذين جحدنا ملذّات العالم، أنّنا نقيم زمناً قصيراً في مكان العبور هذا، فأيّ مسافر لا يبادر بالعودة إلى وطنه تاركاً بلاد الاغتراب البعيدة؟ وأيّ ملاّح لا يسرع لرؤية أهل بيته؟ بل كم يتمنّى بحرارة لو تهبّ ريح قويّة تمكّنه سريعاً من معانقة أحبّائه؟ وطننا هو الفردوس حيث يرتع آباؤنا البطاركة القدّيسون، فلماذا لا نهرع لملاقاتهم وإلقاء التحيّة على الأهل والأقارب الذين سبقونا؟ جماعات وجماعات من أحبّائنا وذوينا ينتظروننا هناك، يترقّبون رؤيتنا ومشاطرتهم الفرح. ما أحلى أن يموت الإنسان من دون جزع، وما أهنأ العيش في الأبديّة حيث أجواق الرسل وجماعة الأنبياء وقوافل لا تحصى من الشهداء المكلَّلين بالمجد لانتصارهم على الأعداء وعلى الآلام التي كابدوها محبّة بمسيحهم. هناك تتلألأ بالنور الإلهيّ العذارى اللواتي دفعن ثمن جهاداتهنّ ضدّ الشهوات. هناك نال الصالحون المكافآت على إحساناتهم وبرّهم. فلنسرع إذاً، نحن أيضاً، لكي نجتمع بهم ونظهر ظافرين أمام المسيح الناظر إلى شوقنا ورغبة نفوسنا وتوقّد إيماننا، هو الذي يجازي بالمجد ويكرّم من يتوقون إليه بحرارة وشوق.

        



[1]  عن الفرنسيّة من كتاب  Le chretien devant la mort (Cyprien et Ambroise) collection: Les peres dans la foi. 1980 Edition = Desclee de Brouwer                                                                                          

 

 

مسكنه دير معلّق فوق البحر وذخيرته "نور إلهيّ"

الأرشمندريت أليشع: وجدت الهدوء... كم الله قريب منا ؟


ان يخرج راهب من جبل آثوس في اليونان امر نادر بالفعل، "صعب"، يقول رئيس دير القديس سمعان الصخرة (سيمونوس بتراس) في الجبل الارشمندريت أليشع، "اذ ان الهدف المثالي للراهب الا يخرج منه". لكنه وجد ان تلك الصعوبة كانت اقل وطأة عليه وعلى عدد من رفاقه الرهبان، "لان خروجنا كان من اجل القيام بزيارة محبة"، على قوله لـ "النهار". ولبنان كان المقصود بها *، و"المحبة تكون احيانا اقوى من الرغبة (في عدم الخروج)".

من جنوب غرب شاطىء شبه جزيرة "الجبل المقدس"، اتى الارشمندريت. هناك يقع ديره، الذي بناه الناسك القديس سمعان في القرن الرابع عشر (العام 1364) عند قمة منحدر صخري شاهق وشبه عمودي يعلو نحو 230 مترا عن سطح البحر، وهو من اشهر اديار الجبل الـ20، ويحتل المرتبة 13 بينها. الخارج من الجبل المقدس "يحمل في قلبه نورا إلهيا وينقله الى العالم"، يقول الارشمندريت. "كذلك يحمل جرأة ويعطيها الناس، بغض النظر عن المشكلات التي يعانونها. ويحمل ايضا احساسا بالاتكال المطلق على الله".

اكثر من ألف عام مضت، ظهرت الحياة الرهبانية في جبل آثوس الذي هو إحدى شبه جزر خالكيذيكي الثلاث في بحر إيجيه. واستمرارها فيه بزخم حتى القرن الحادي والعشرين دلالة، في رأي الارشمندريت، الى "قدرته على التحمل، وعلى انه يحمل قيما ومعاني تتجاوز الزمان والتغيرات التاريخية. وهكذا يبقى منارة للعالم، حتى في القرن الحالي".

منذ 37 عاما، انضم الارشمندريت، وكان لا يزال في الثامنة عشرة، الى رهبان الجبل. "لا اشعر بمرور كل هذه الاعوام، كأنني صرت راهبا البارحة"، يقول. وما وجده هناك كان مبعثا للسرور: "وجدت الهدوء والتأمل والعودة الى الذات التي تساعدنا على النمو الروحي في شكل لا يمكن تحقيقه بسهولة في العالم. في الجبل، نستطيع ان نجد الفرح الذي لا يمكن الانسان ان يجده في العالم".

"نعم صرت أقرب"

هموم العالم ومشكلات الناس يعرفها الرهبان جيدا. "لسنا في عزلة تامة، ولدينا احساس عميق بالجسد الواحد للكنيسة"، يؤكد الارشمندريت، "ويتم ذلك من خلال اتصالنا بالزوار الآتين من مختلف ارجاء العالم". واذا كان الزوار الذكور فقط- لكون دخول الجبل محرما على النساء- يحملون الى رهبان الجبل آخر التطورات، فالتكنولوجيا شقت ايضا طريقها اليه: الكمبيوتر، الانترنت، الكهرباء، ولكن ليس التلفزيون. "لا نعارض التكنولوجيا"، يقول، "والجبل يراعي دائما ان يكون هناك خط وسط من دون تجاوز الحدود. وهذا الموقف الذي اتخذه له يريده ايضا لكل العالم، اذ يجب ان يعرف الانسان الحدود التي يستطيع ضمنها استخدام هذه التكنولوجيا، ويستخدم وقته في شكل حسن ليفيد ويتطور".

وان كون الارشمندريت من قدامى الجبل يجعله يدرك عمق ما يعيش وأهميته. "اولا محبة الحياة الرهبانية والفرح بها، يتبعهما الجهاد النسكي. والمحبة وحدها من دون فرح لا تجدي". يقول: "انها طريقة حياة. وعندما نحب الهدف بعمق، نتغلب على كل الصعوبات التي نواجهنا. وهكذا يكون دائما لدينا ترقب للوصول الى النهاية. وبهذا الاسلوب، تصبح الحياة سهلة. اما القول ان الحياة الرهبانية صعبة فغير صحيح".

بعد 37 عاما، يدغدغه شعور جميل "بانني صرت اقرب من الله. والشيء الذي تعلمته في الجبل هو كم الله قريب منا". سرّ هذه العلاقة بسيط. "اتكلم اليه بكل بساطة. يجب ان نعبّر له عما نشعر به في قلبنا. بالتأكيد يمكن استخدام بعض الطرق المساعدة في الصلاة والصوم والخدمة الكنسية، لكن الامر الاساسي هو ان نعبّر له عما في قلبنا. يجب الا ان نقسّم حياتنا، بل يجب ان نشعر بحضور الله في الكنيسة، في العمل، ونكون قادرين على تذكره في كل مكان نكون فيه".

وما يقوله الله للبشر في القرن الحادي والعشرين هو، في رأي الارشمندريت، "انه يجب ان تكون لدينا حماسة وجرأة في هذه الحياة، والا نفقد الرجاء به. الله هو نفسه الامس واليوم وغدا. وما كان ينتظره من الانسان في القرن الاول لا يزال ينتظره منه في القرن الحادي والعشرين، بغض النظر عن كل التغيرات التي قد تكون حصلت".

والتغيرات يتابعها الاشمندريت، والقلق على الوجود المسيحي في الشرق الاوسط يدركه، "مع رجاء لديه بتحسن الامور". في رأيه، ما يساعد هو "العلاقات الحسنة والمساعدات المتبادلة، بحيث ترى هذه البلدان الاسلامية والشرق الاوسطية صورة الانفتاح في الارثوذكسية. ومن خلال ذلك، تدرك ان الحرية الدينية موجودة، وانه كي يكون اي شيء حقيقيا وصادقا، يجب ان يكون حرا. وهذا ما يجب تعلمه اكثر بطريقة حقيقية فعلية، وان نكون مؤمنين، ونعيش ايماننا بصدق، ونكون حقيقيين فيه".

ومثالا للانفتاح الارثوذكسي، يقدم الارشمندريت الجبل المقدس. يقول: "نؤمن بتقليدنا، وفي الوقت نفسه نتكلم مع الجميع، مسيحيين وغير مسيحيين، ونستقبلهم ونخبرهم عن ايماننا، ونشرح لهم معناه الحقيقي. لدينا امور مشتركة كثيرة". وبالسؤال عن الزيارة التاريخية التي قام بها البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لليونان العام 2001 واحتجاجات رهبان عليها، يشير الى "انه من الطبيعي ان تكون هناك اصوات مختلفة لدى الارثوذكس، لكن ما كان من الصعب جدا ان نراه يحصل في اليونان تحقق عبر تعاون بين الدولة والكنيسة اليونانيتين. وستكون هناك صعوبات، لكننا سنتقدم".

وبعودته الى الجبل، يحمل الارشمندريت "ذكريات جميلة عن اماكن مقدسة زرتها والعالم المختلف الذي رأيته، اضافة الى امتنان كبير". لبنان لن يغيب عن البال و"نحن معكم كل يوم"، يقول، "وعندما نصلي المزامير التي تخبر عن لبنان وجبل حرمون، نتذكر هذا البلد كل يوم. وكراهب اقول انني ارغب في العودة الى هنا. ونصلي من اجل لبنان".

 

 * زار الارشمندريت أليشع لبنان وسوريا، في مقدم وفد من الرهبان، بدعوة من متروبوليت عكار وتوابعها للروم الارثوذكس المطران باسيليوس منصور من 28 تشرين الثاني الى 11 كانون الاول 2010. 

عن جريدة النهار

النَهَــار

السبت 15 كانون الثاني2011  -  السنة 78  - لعدد 24096

 

المسيحيــــون المشرقيــــون

للمطران جورج خضر 

العبارة لها دلالة لاهوتية لا جغرافية. فهناك لاهوت غربي خاص نما في القرن الثالث عشر وهناك لاهوت شرقي يحافظ على فكر الآباء القدامى بصورة حادة. غير اننا في هذه العجالة نتكلّم على كل المسيحيين القاطنين المشرق العربي، على اولئك الذين انضموا فكريا ونظاميا الى الكثلكة والذين لم ينضموا، ذلك ان هناك مكونات مشتركة لكل الكنائس كالنظام البطريركي او المجمعي وأحيانا هيمنة للغة قديمة في العبادات مثل السريانية والقبطية والأرمنية والحبشية القديمة واتخاذ هذه الكنائس طابعا اثنيا ما لم يحل دون تفشي العربية في الصلاة. فاذا استثنينا إثيوبيا نرى هذه الجماعات المذهبية قاطنة الشرق العربي الى هذه الجماعات ظهرت الحركة الإنجيلية منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر التي لعبت دورا مهما في النهضة العربية وفي نشر مبادئ الإصلاح البروتستنتي وتأسيس التعليم الجامعي.وعلى كون بعض من هذه الكنائس تفرعت عن الجذر القديم وعلى بقاء الأصل والفرع وما بينهما من خلاف واختلاف فإن ما يجمع كل المسيحيين في هذه المنطقة ايمانهم الواحد بالمسيح واتباعهم انجيلا واحدا ودستور ايمان واحداً ما يجعل الرؤية الى وحدتهم امرًا شرعيا. وهم يتقاربون كثيرا في المحبة وذوق الإلهيات والتعاون على الأرض من بعد منتصف القرن التاسع عشر وتجمعهم المحنة اذا حلت بفريق اذ يحسون ان استضعاف هذا الفريق يصيب الجميع. من هذه الرؤية صح إحساسنا بوحدة المسيحيين المشارقة فعلى عدم احصاء دقيق ارى انهم لا يقلون عن خمسة عشر مليونا في العالم العربي وهم انتشروا فيه من بعد موت المسيح بقليل يحمل رسالته الى كل أصقاع هذه الديار تلاميذه الاثنا عشر ورفقاؤهم في الرسالة. واذا اخذتهم جملة لا يصح السؤال متى جاؤوا. هم كانوا قبل تدوين الأناجيل في سوريا ولبنان وفلسطين وآسيا الصغرى (تركيا الحالية) ومصر. عندنا مد مسيحي منذ البدء ولم ينقطع وحسب المؤرخين المحدثين كانوا في اواسط القرن الثالث عشر 75% من اهل بلاد الشام والى فترة قريبة 30% فيها.

• • •

وما كان أهم من العدد كانت سوريا بمعناها التاريخي ومدينة الاسكندرية في الألفية الأولى تحملان كل الفكر المسيحي اي في زمن لم تكن فيه اوروبا شيئا. كل المسيحية عقيدة ونسكا ورهبانية كانت هنا. وكفاك ان تقرأ أعمال الرسل لترى ان الايمان المسيحي حمله الى العالم دعاة ذهبوا الى الغرب من انطاكية عاصمة ولاية المشرق الرومانية وحسبك ان تعرف ان المسيحية اجتاحت كل الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط انطلاقا من صور.


لذلك كان من جهل التاريخ ان يقرن اسم المسيحية بالغرب. الغرب ولدناه نحن في المسيح حتى استقام عقله الديني. ولما أحس بقوته العسكرية في آخر القرن الحادي عشر شن علينا (وقلت علينا) ما سميناه حروب الفرنجة في القدس فذبحوا الأرثوذكس والأرمن والمسلمين معا. وفي الحملة الرابعة التي شنوها على القسطنطينية السنة الـ 1204 دمروها ودنسوا كنيسة ايا صوفيا. لماذا تحولت هذه الحملة عن فلسطين لكسر امبراطورية مسيحية؟ نحن لم نكن اذًا حلفاء الغرب وما اشتركنا في إبادة المسلمين.
لذلك عندما يسمينا أيمن الظواهري صليبيين يكون غير قارئ للتاريخ او يتجاهله. لماذا ندفع نحن ثمن الغباوة الغربية؟ ولماذا ينظر بعض القوم على اننا جالية مزروعة هنا وغير أصيلين؟ متى تهب ربي عقولهم العدل حتى يثقوا بنا ونحن لم نخرب كيان احد؟ عندما نتهم بمحالفة الاستعمار هل يعني ذلك اننا رفعنا المعاريض لندعو الاجنبي الى احتلال بلادنا؟ كلكم يعلم ان استعمار الفرنسيين والانكليز لمناطقنا كان مبنيا على قرار سايكس بيكو في تقسيم الدولة العثمانية. هل نحن ترجينا فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا القيصرية المجتمعة آنذاك لنعرب لها عن سرورنا باحتلال الغرب لديارنا؟

• • •

ماذا يعني الحضور المسيحي في الشرق لكل انسان فيه. اذا أدرك ان هناك ما يفوق السياسة قدرا واذا فهم المسيحيون ان قضيتهم أثمن بكثير من تحصيل حصة في الحكم. اذا احسوا انهم بناة للبلد حصة من حصص الله ماذا عليهم؟ انهم عطاء روح لكل روح ودفق حب لكل قلب، لكونهم يعطون ما ركزت عليه رسالة الإنجيل في إلهام بولس ان يتمنى ان يصبح كل منهم إنجيلا حيا لا مكتوبا بحبر وقلم. واذا لم يحسوا بهذه المسؤولية فليذهبوا. لا محل لهم على تراب البلد الا اذا كانوا آتين اليه من الحضن الإلهي.


هذا لا يعني انهم بذلك يحمون انفسهم. هذا يعني انهم يحمون كل انسان من جهله. لم يبقَ مجال الآن للافتخار بالجسد، بترف العيش وان كانوا مترفين او بالاعتزاز بثقافتهم فكل الناس باتوا عارفين بكل شيء. وليس عند المسيحيين اي امتياز على الصعيد الثقافي في المثلث السوري-اللبناني-الفلسطيني واذا تمتع المواطنون جميعا ببهاء المعرفة فهذا يسرنا جميعا.


اذا تجمّل المسيحيون بكل جوانب الطهارة والصدق والإخلاص لأوطانهم هل يثمر هذا سلامة لهم؟ الطهارة وما اليها كثيرا ما كانت مقرونة بالشهادة اي بالموت. السفلة والأدنياء لا يقتلهم احد. اما الذين نالوا حرية الروح فليس لهم ضمانة إلا من الروح. ان تعالوا والتمسوا القداسة يسكن الله في قلوبهم. في هذه الحال من اعتدى عليهم يكون معتديا على ذات الله. ان طلبوا الدرجات العلى من تأله يكمن فيهم قد يؤتاهم التأليه مجانا وان لم يلتمسوا الألوهة تصير حياتهم فراغا.
القولة إن لبنان بلا مسيحية لا ينفع شيئا يفترض من كل من آمن بها ان يطلب الى المسيحيين ان يصبحوا عظماء في القداسة. ومن طلب اليهم ذلك يكون قد تحول هو أيضا بالقداسة ورقت فيه ألحان من السماء.


ان يبقى هذا الجسد يعني ان تبقى الترابية فيه. أما اذا زال فلا تنقطع من حوله رائحة المسيح الزكية. وسنبقى له شهودا بالحق. نكهتنا حب الى ان يحل ملكوت الله في كل الخلائق العاقلة ونصير انسانية واحدة معروفة بالحياة الجديدة.

 

 

السابق المجيد "أعظم مواليد النساء" (مت 11:11)

عظة ألقاها الأسقف يوحنا (زيزيولاس) في دير القدّيسة براسكيفي

ميغرا Megara - اليونان في عيد القدّيس يوحنا المعمدان

 (7 كانون الثاني 2010)

عن اليونانيّة: جورج يعقوب

كلّ من لعب دوراً مهماً في أحد الأعياد السيّديّة شاءت الكنيسة أن تكرّمه بعيد "جامِع" في اليوم الذي يتبع العيد. وهكذا، فإنَّنا نعيّد لوالدة الإله بعد عيد الميلاد المجيد، لسمعان الشيخ بعد عيد الدخول، واليوم نعيّد للنبي يوحنا المعمدان لأنه خدم(λειτούργησε)  سرّ معموديّة المسيح. مهما قلنا في هذا القدّيس، لا نستطيع أن نصل إلى ما قاله السيّد نفسه عنه. فقد وصفه بـ "أعظم مواليد النساء" في هذا العالم. وهذه الأقوال للسيد تفاجئُنا وتدهِشُنا لأنها تجعلنا نفكرّ ما الذي جعل الرَّبَّ يصف يوحنا المعمدان بأقوال كهذه فريدة من نوعها وعظيمة.

الكثيرون سيقولون: لأن القدّيس يوحنا كان ناسِكاً عظيماً، وأيضاً، لأنّه كان مِن، أو بالأحرى أوَّل مجاهِد مسيحيّ. آخرون سيجدون في فضائله تفسيراً لقول الرَّبّ. أنا أعتقد أنَّ أقوال السَّيِّد هذه تعود إلى أنَّ يوحنا المعمدان، ومع أنّه كان قادراً أن يمجّد نفسه أمام هؤلاء الذين كانوا يأتون ليعتمدوا منه وأن يكون قائداً كبيراً ، شيخاً (يرونداYeronda ) كما نقول اليوم، فَضَّل أن يُخْفِي نفسَه أمام السَّيِّد، وفضّل القول: "إنَّ هذا الذي يأتي إليّ لست مستحِقاً أن أحُلّ سير حذاءه، الأفضل أن اختفي وأن يظهر الرّبّ فقط."

ليس من السهل يا إخوتي أن يخفي أحدٌ نفسه. من اللحظة التي سقط فيها آدم برز في العالم ما يسمّى "الأنا"، "الذات" و"حبّ الذات". لأنَّ سبب سقوط آدم هو أنّه أعلن نفسه إلهاً. الله المركز ولا يعلوه شيء. عندما يعلِن الإنسان نفسه إلهاً عندها يعتبر نفسه مركز كلّ المسكونة والعالم. هو يريد أن يدور كلّ شيء في فلكه وحوله. هذا التوجه نحو "حب الذات"، كما يسميه آباء الكنيسة، هو جوهر ونبع كلّ خطيئة وهو جرح الطبيعة البشريّة الذي نرثه بولادتنا البيولوجيّة. لأنه بهذه الولادة نعود إلى ذاتنا وندخل في معركة كيفيّة الحفاظ عليها، ونكمّلها. إنّه واضح أنَّه إنْ لم تتغيّر حالة الإنسان هذه، حالة آدم الساقط، حالة حبّ الذات، لا يمكن أن يكون هنالك خلاص. والسيّد نفسه بتجسده غيَّر حالة الإنسان هذه، خاصة في الجسمانيّة، عندما قال الجملة الرهيبة متوجِّهًا للآب: "فلتكن مشيئتك لا مشيئتي".

إذاً، عندما نضع مشيئتنا ونهب ذاتنا لمشيئة الآخر، لمحبته، لطاعته، عندها يعالَج الإنسان المريض، عندها، بالحقيقة، يولَد الإنسان الجديد. وبالمعموديّة لا نفعل شيئًا سوى أنَّنا نُميت ذاتنا، أي الإنسان القديم ونولَد كأشخاص جدّد بهويّة جديدة غير ناكرين ذواتنا ولكن واضعينها في طاعة مشيئة الله ومتَّحدين في جسد الكنيسة حيث سنجد مكان راحة في المسيح والإنسان الآخر.

القديس يوحنا المعمدان عظيم لأنّه بهذه الطريقة استطاع أن يمحي "حب الذات" فيه قائلاً: "أنا سوف أُخفي ذاتي وأنسحبُ لكي يظهَر المسيح مكاني!". هذا نوع من الجهاد، وهذا النمط من الجهاد نصادفه، بصعوبة، عند البشر حتى الكنسيين منهم. لا شكّ التجربة كبيرة، خصوصاً عندما يتبعنا الناس. نتصرفّ بطريقة تبرزنا محاولين إخفاء الرب. الكنيسة تعاني الكثير من هذا النوع من التجارب. لهذا، فإن القديس يوحنا السابق هو مثال لنا. يجب أن لا ننسب شيئًا إلينا. كلّ شيء هو لمجد الله فقط. لا يكن هذا بالكلام بل بالعيش على هذا المنوال كلّ أيام حياتنا.

أعتقد أنَّ هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل القدّيس يوحنا مكرَّماً، وهذا ما جعله الأعظم بين البشر. أيضاً، هذا ما جعله يستحقّ أن يعاين ويبشِّر بالله الثالوث: الآب والابن والروح القدس. هذا هو إقتبال ورؤية الثالوث. لا يوجد شيء أعظم من هذا: ثالوثيّة الله، أي طريقة وجود الله، هي أعظم شيء ممكن أن ندركه. القدّيس لم يحتج إلى دراسة وفلسفة ليفهمها بل اكتشفها وعاينها بفضل التواضع والانسحاق أمام الرَّبّ.

يمكننا أن نقول الكثير عن القديس يوحنا المعمدان. ولكن ما يجب أن نشدِّد عليه هو هذا الإختفاء الإراديّ والتواضع الأقصى اللذان يشكِّلان شخصيّة المسيحيّ الصالح. هذا الطابع لا يجعلنا نعتبر أنفسنا أعظم من الآخَر، بل يبعدنا عن دينونة الآخر، ولا يسمح لنا أن نرى خطايا الآخَر متناسين خطايانا. للأسف هذه الأمور تشكِّل جزءًا هامًّا من أيام حياتنا.

فلنستفد من القدّيس يوحنا المعمدان، وليكن مرشِداً وقائِداً لحياتنا. ألا بارك الله هذا الدير وكلّ العالم، آمين.

عن جريدة الحياة بتاريخ:12-28-2010

العراق يُفرّغ من مسيحييه... و«الحياة» تجول عليهم في بلدان اللجوء الأولى

يطرح اللاجئون العراقيون إلى الأردن واقعاً اجتماعياً واقتصادياً جديداً يحمل معه تحديات كبيرة على الجهات الحكومية والأهلية معاً لجهة استيعابهم وتأمين حاجاتهم ريثما يستقبلهم بلد توطين ينتقلون اليه في شكل نهائي. ويشكل المسيحيون بينهم خاصية إضافية لكونهم لجأوا إلى أرض لها رمزية دينية وبلد ينعم فيه المسيحيون بحرية ممارسة شعائرهم وطقوسهم من دون خوف أو تقية. وبعد تفجيرات كنيسة سيدة النجاة في بغداد ارتفع عدد المسيحيين الهاربين من العراق في شكل تصاعدي وكان الأردن واحداً من الوجهات الأولى لهم إلى جانب لبنان وسورية. لكن، من هم اللاجئون الذين يختارون الأردن وما شروط لجوئهم إليه؟ ومن يرعى شؤونهم كمسيحيين وكيف يعاملون؟

تنشر «الحياة» سلسلة من ثلاث حلقات تتناول فيها واقع الهروب المسيحي من العراق، وظروف اللجوء والأطر القانونية في البلدان الثلاثة المذكورة، تبدأها اليوم بحلقة أولى من الأردن.

تجهم وجه الأب خليل الجعَار وجحظت عيناه وهو يستمع إلى صوت متهدج على الطرف الآخر من الخط. صوت امرأة تبكي تناهى عبر سماعة الهاتف وبدا من إجابات الرجل إنها تلح عليه بطلب ما. «حاضر» راح يكرر. «حاضر، سأبذل جهدي... أعدك». أقفل الأب خليل الخط وقد خسر ما بقي من لون في وجنتيه. كانت المتصلة سيدة عراقية مسيحية، هربت إلى عمان مع زوجها قبيل تفجيرات كنيسة سيدة النجاة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، واتصلت تطلب «سحب» بقية أفراد العائلة ممن كانوا لا يزالون في بغداد وما عادوا يحتملون البقاء أكثر. راحت السيدة تخبر الأب إن آخر التهديدات التي وصلتهم كانت قطة مقطوعة الرأس وضعت في صندوق كرتوني وتركت أمام مدخل المنزل. أرفق الطرد برسالة تنذر السكان بوجوب الرحيل بسرعة وإلا لقوا المصير نفسه. هذا التهديد جاء بعد سلسلة من الإنذارات المتتالية من رسائل تدس تحت الباب، وأوراق تعلق على الجدران الخارجية للمنزل تعلن من فيه «هدفاً شرعياً»، بالإضافة إلى تردد شبان ملثمين إلى الجوار، يطلقون النار عشوائياً فيتعمدون إحداث أضرار في الباحة الخلفية للمنزل وكسر زجاج النوافذ الذي سبق وتم تصليحه مراراً وتكراراً جراء أفعال مشابهة.

صدمة القطة المذبوحة امتدت من سماعة الهاتف إلى الأب خليل نفسه فجلس صامتاً شارداً لبعض الوقت قبل أن يعيده رنين الهاتف مرة أخرى إلى حالة اليقظة. الرجل معتاد على سماع الأخبار السيئة من العراق، فهو يعمل مع العراقيين منذ أواسط التسعينات بصفته المدير الإقليمي لجمعية «رسل السلام» وممثلها في كل من بغداد وعمان. لكن ما اعتاده الأب خليل في سنوات عمله السابقة، يختلف عن وتيرة العنف والتهديدات التي اشتدت في الفترة الأخيرة وتفوق أي قدرة على الاحتمال والتصور. فالعائلات العراقية الهاربة من التفجيرات تحمل معها تفاصيل وروايات تزداد ضراوتها مع حالة المسيحيين المطاردين. ذلك أن أحياءهم ودور عبادتهم ومحالهم التجارية باتت مستهدفة في شكل مباشر، وبعدما هجروا من الأحياء المختلطة طائفياً كالدورة والغزالية وغيرهما، بات عليهم اليوم مغادرة البلاد كلياً. إنه عنف منهجي ومركز لا يندرج ضمن سياق النزاع الأهلي العام الدائر في العراق وإنما يستهدف أفراد أقليات دينية لا يحميها سلاح ميليشيات ولا ثقل سياسي. فمنذ قتل رجلي دين مسيحيين في 2006 وأحداث مشابهة في الموصل، جاءت مجزرة الكنيسة التي راح ضحيته نحو 100 مصلَ بين قتيل وجريح، لتتوج موجة الترحيل الطائفي وتفتح الباب أمام تشريع قتل عجائز داخل المنازل ومطاردة عائلات بكاملها.

ولا يشكل المسيحيون العراقيون اليوم أكثر من 2 في المئة من السكان بعدما كانوا يقاربون 7 في المئة أواسط الثمانينات و5 في المئة عند اندلاع الحرب في 2003، علماً أن تاريخ وجودهم في تلك المنطقة يعود إلى مهد حضارة بلاد ما بين النهرين. ويقول الأب خليل وهو أردني من أصل فلسطيني «عائلتي تهجرت من فلسطين في 1948 وأعرف معنى الاضطهاد واللجوء. لقد سخر لي الله هذا البلد وأهله لاستقبالي وسخرني اليوم بدوري لأساعد غيري لذا أسعى دائماً ألا أميز في عملي بين لاجئ وآخر على أساس معتقده الديني، لكنني لا أنكر خوفي العميق على المسيحيين في العراق والشرق عموماً. فهم أبناء هذه المنطقة ويعاملون فيها كضيوف». ويتابع: «أنا رجل دين مسيحي، لكن ثقافتي عربية وأكاد أقول مسلمة، لأننا أقلية متأقلمة مع محيطها ومنسجمة معه طالما أن هناك أنظمة وقوانين تحفظ حقوقنا».

مركز جمعية «رسل السلام» التي تأسست في مدريد عام 1964 يقع ضمن حرم كنيسة العذراء في منطقة الصويفية في عمان، وهو أشبه بقاعة ترانزيت كبرى للاجئين العراقيين عموماً والمسيحيين على وجه الخصوص. ذاك أن الأردن كما دول اللجوء الأولى كلبنان وسورية، يشكل محطة انتقالية نحو بلد ثالث غالباً ما يكون كندا أو أميركا أو أستراليا، وهي غالباً تعطي الأولوية للحالات الإنسانية العاجلة. وبعدما كانت فتحت أبواب بعض السفارات الأوروبية على اثر مجزرة الكنيسة، عادت وتقلصت فرص العراقيين لاتهامها بأنها تسهل «الترانسفير» المسيحي في شكل نهائي، وجاءت حادثة السويد أخيراً التي أعادت 20 لاجئاً بينهم 5 مسيحيين إلى العراق رغماً عنهم لتعيد فتح هذا الجدل من جديد.

في الشقة الصغيرة الملحقة بالدير والمركز، لا يتوقف الهاتف عن الرنين فيما الباب يفتح ويغلق باستمرار، مستقبلاً ومودعاً لاجئين قدموا أفراداً أو ضمن مجموعات صغيرة. هنا يعمل الأب خليل بلا هوادة فهو اليوم أشبه بسفير غير رسمي للعراقيين في الأردن، وهم لا يترددون في الاتصال به ولو من باب الاستشارة والإخطار قبل أن يقدموا على أي خطوة تتعلق بحلهم وترحالهم. يتأكد من أوراق تسجيل عائلة لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التي لم يتوافر أحد من ممثليها في عمان للقاء «الحياة»، يتابع ملف طفلة أرسلت للعلاج في مدريد على نفقة الجمعية، ثم يلاحق خلافاً زوجياً قبل أن يتركه لينكب على حالة لاجئين وصلوا للتو. يساعده في تلك المهمة الشاقة مجموعة من المتطوعين أو الموظفين العراقيين الشباب، ويعتمد في شكل أساسي على هبات المتبرعين وغالبيتهم أيضاً من المقتدرين العراقيين بالإضافة طبعاً إلى الجهات الدولية المانحة. ويقول: «هذه الفترة هي الأسوأ منذ لحظة الانهيار في 2003. ففي أسبوع واحد وصلت 35 عائلة جديدة بكامل أفرادها أو بعضهم على أمل أن يلتحق بهم من لم يتمكن من المجيء. هؤلاء عرفنا عنهم لأنهم توجهوا إلينا، وربما هناك المزيد ممن لم يتسجل بعد في سجلاتنا ولا في سجلات المفوضية». وتابع: «من وصل مباشرة بعد المذبحة أعطي موعداً في المفوضية بعد شهر أو أكثر... ولكن إلى ذلك الحين لا بد من العمل ضمن خطة طوارئ لأن هؤلاء الأشخاص يحتاجون أن يأكلوا ويشربوا ويبيتوا إلى أن يحدد وضعهم».

والواقع أنه بعكس ما عرف تقليدياً عن أزمات اللجوء في العالم، من تمركز اللاجئين في معسكرات ومخيمات تشرف عليها الهيئات الدولية، فتحدد الأعداد وتقييم الحاجات، فإن اللاجئين العراقيين في الأردن منتشرون عبر المناطق كل بحسب قدراته المادية. الأغنياء وهم غالباً لا يسجلون أسماءهم كلاجئين لدى المفوضية يستصدرون أوراق إقامة شرعية بناء على تأشيرات أعمال أو سياحة لدى السلطات الأردنية ويقيمون في الأحياء الفاخرة. ولا يمكن اعتبارهم لاجئين إلا ضمن هامش التعريف الرسمي للجوء لكونهم لا يستفيدون من خدمات المفوضية وتقديماتها ووجودهم في بلد غير العراق يرتبط إلى حد بعيد بخيار فردي.

لذا يصبح إحصاء عدد العراقيين في الأردن لاجئين أو مقيمين ممن دفعت بهم الحرب إلى مغادرة بلادهم، مسألة خاضعة لفروقات شاسعة بين التقديرات غير الرسمية وجداول المفوضية التي تحصي فقط من هو مسجل لديها تحت خانة لاجئ ويستفيد من خدماتها. ويبلغ عدد المسجلين رسمياً 30 ألفاً و630 لاجئاً فيما تذهب بعض التقديرات إلى مئة و50 ألفاً تقريباً. وغالباً ما يكون اللاجئون الأقل حظاً من الناحية الاقتصادية والمالية ويتوزعون على ضواحي عمان ويشكلون ما باتت الأمم المتحدة تعرفه بـ «اللجوء المديني». ويعتبر هذا اللجوء أحدث أنواع اللجوء وأصعبه إدارة بالنسبة للمنظمات الدولية والجمعيات الأهلية على السواء. فهو عبارة عن تدفق بشري سريع وكثيف مديني في الأساس (بغداد والموصل والبصرة) يتخذ أيضاً من المدن وضواحيها معقلاً له في البلد المضيف. فالتجمعات السكنية الحضرية توفر لقاطنيها درجة من الإغفال والإندماج في المجموعة، خصوصاً إذا كانوا وافدين جدداً غير محبذين للانكشاف على محيطهم المباشر وتعرية ظروف حياتهم أمامه. هذا بالإضافة إلى فتح مجالات للعمل وكسب الرزق وتأمين غد أفضل.

وصحيح أن العراقيين الذين جاؤوا إلى عمان يتركزون في نواح من دون أخرى مثل منطقة ماركا (حيث الكثافة المسيحية) ومنطقة الهاشمي (حيث الكثافة المسلمة)، لكن ذلك التجمع لا يأتي نتيجة تنظيم أو تخطيط مسبق وإنما هو تلقائي اعتباطي، يدفع إليه وجود أقرباء وأصدقاء في الحي، أو انخفاض سعر الإيجارات. لذا لا يجد كثيرون منهم إجابة ملموسة على السؤال حول سبب اختيار بلد اللجوء إلا القول إن ثمة من سبقهم إليه في موجات الهجرة السابقة فيما تلعب الديانة دوراً مباشراً وأكثر تحديداً في اختيار المدينة أو الحي ضمن البلد المضيف نفسه.

وبالمقارنة مع مواطنيهم في لبنان وسورية، ينتمي اللاجئون العراقيون في الأردن عموماً إلى طبقة اقتصادية أعلى. فتكلفة الحياة اليومية في عمان هي الأغلى بين العواصم المجاورة، كما أن شروط قبول اللاجئين فيها أكثر تعقيداً وتطلباً مادياً لجهة تجميد مبالغ مقابل الإقامة. عدا عن مساهمة الأفواج الأولى من العراقيين أنفسهم في رفع أكلاف المعيشة في شكل مطرد خصوصاً في قطاع العقارات. ففي السنوات الأولى للحرب، هربت رؤوس الأموال العراقية واستثمرت في الأردن وسكن أصحابها في أحياء راقية مثل عبدون وصويفية ودير غبار.

وحركت تلك الأموال الاقتصاد الأردني مع تركيز غير مسبوق على سوق العقارات فتضاعفت الإيجارات وأسعار الشقق ورفعت معها أسعار السلع الاستهلاكية في شكل صاروخي تذمر منه أبناء البلد أنفسهم، وهو ما لم يسلم منه اللاجئون أيضاً. وتفاقمت المشكلة الاقتصادية مع إطالة فترة اللجوء في بلد مكلف هم ممنوعون من العمل فيه. فالغالبية العظمى منهم، اضطرت للهرب من العراق بسرعة من دون أن تحضر معها إلا بضعة مدخرات ومجوهرات فتحولت تدريجاً إلى طبقة فقيرة مقارنة بما كانت عليه عند قدومها. ومشكلة المسيحيين المضاعفة في هذه الحالة، وهم يشكلون 8،1 في المئة من مجموع اللاجئين إلى الأردن أنهم فقدوا أملاكهم في العراق إما بالتدمير المتعمد أو بمصادرتها بعد رحيلهم، فما عادوا قادرين على بيعها أو تأجيرها أو الاستفادة منها عبر رهنها للمصارف مثلاً. يأتي ذلك في وقت انتشرت دعوات شبه رسمية إلى عدم شراء أملاك المسيحيين داخل العراق لئلا يصبح تهجيرهم منه نهائياً. لكن هذه الدعوات الإيجابية في الظاهر، ترجمت على أرض الواقع «مقاطعة اقتصادية» لتلك الممتلكات فيما الكنيسة العراقية عاجزة مالياً عن شرائها والمحافظة عليها ريثما يعود أهلها فتركت للنسيان أو الاستيلاء.

ويشارك المسيحيين وضعهم هذا، أبناء الأقليات الأخرى من صابئة ويزيديين وغيرهم ممن يتعرضون أيضاً لاضطهاد مباشر وتهجير ممنهج، ويشكلون أقل من 2 في المئة من مجموع اللاجئين إلى الأردن بحسب بيانات المفوضية.

ويشرح الأب خليل مراحل التعامل مع اللاجئين الجدد الذين ارتفع عددهم بدرجة كبيرة في الأشهر القليلة الماضية وشكل المسيحيون غالبيتهم العظمى، فيقول: «بداية نسأل اللاجئ إذا تسجل في المفوضية وإذا لم يفعل نوجهه إليهم ثم نقيّم الحاجات المستعجلة وأولها إرسال الأولاد إلى المدارس ومعالجة الحالات الصحية. وبالنسبة للسكن غالباً ما يستقبل اللاجئون الأقدم لاجئين جدداً في الفترة الأولى لوصولهم، ونحاول قدر الإمكان تقليص هذه المدة لما للاكتظاظ السكني من جوانب سلبية على حياة الأسر وخصوصياتها».

وإذ تمنح المفوضية مبلغاً مالياً يقارب 200 دولار شهرياً للأسرة الواحدة بالكاد يغطي إيجار المنزل، يبقى تأمين القوت والدواء والتعليم وتكاليف أخرى مهمة شاقة لأشخاص اعتادوا حداً أدنى من التقديمات الاجتماعية في بلد غني. وفي حين تفرض الحكومة الأردنية على الجمعيات الأهلية تقديم 25 في المئة من خدماتها للمواطنين الأردنيين، يبقى أن هذه الحصة غير القليلة تذهب من طريق اللاجئين العراقيين أنفسهم. لكن الهدف كما يقول الأب خليل المتضرر نسبياً من هذا الإجراء «هو عدم خلق بيئة معادية للعراقيين في محيطهم الأردني».

وكما يصور اللاجئون الفلسطينيون حتى يومنا هذا وهم يحملون مفاتيح منازلهم التي غادروها على أمل العودة السريعة، جاء العراقيون أيضاً مفترضين العودة بعد 6 أشهر على أبعد تقدير، فإذا بغربتهم تطول إلى أجل غير مسمى وتحملهم في أفضل الأحوال إلى بلدان أخرى. أما اللاجئون الجدد والمسيحيون منهم على وجه التحديد ممن التقتهم «الحياة» فقطعوا الأمل بالعودة إلى العراق وباتوا مستسلمين لمصيرهم الاغترابي. «لن أعود» هي العبارة الأكثر ترداداً على لسانهم محتفظين لأنفسهم بالأسماء وتفاصيل كثيرة رافضين الحديث إلى الصحافة «حماية لمن لم يهربوا بعد» يقولون متوجسين من ردود فعل انتقامية.

فراس، شاب ثلاثيني جاء يزور الأب خليل بعدما نجح في الهجرة إلى أميركا ويحاول اليوم «سحب» حمويه الناجيين من مذبحة الكنسية. قال لـ «الحياة» وقد وافق على ذكر اسمه الأول: «منذ وقوع المجزرة وحماتي فقدت الكلام. جل ما تفعله هو البكاء. وبالأمس عاد عمي ليتفقد المنزل وينقذ بعض الأوراق والأغراض إذا وجدها، سأتدبر أنا الموضوع المالي فهو متيقن من عجزه عن بيع أي شيء حتى السيارة».

ويتابع فراس بتأثر واضح كمن لم يبق له ما يخسره: «تعرض المسيحيون للكثير من العنف والقتل لكن أحداً لم يلتفت لمأساتهم لأنها اعتبرت جزءاً من الحرب الأهلية لكننا عملياً تعرضنا لترحيل قسري وأسلمة إجبارية في بعض الحالات وقتل على الهوية وسرقة أملاك لمجرد أننا أقلية لا تستطيع الدفاع عن نفسها». يصمت قليلاً ويعود إلى الكلام: «نحن أبناء هذه الأرض قبل الجميع، لكنهم ما عادوا يريدوننا بينهم وما عاد لنا مكان في المحاصصة الطائفية والسياسية الحاصلة لذا الأفضل لنا أن نرحل فنحن في النهاية لن نحمل السلاح ونقاتل». وفي تفسير شبه فلسفي لفكرة الأقلية والأكثرية يقول الأب خليل: «رسالتنا وواجبنا الديني أن نكون أقلية في هذه المنطقة ونكون مكوناً أساسياً فيها. فالمسيح قال لنا أنتم ملح الأرض. هل من طبق مكون من الملح وحده يؤكل؟ تماماً كالطبق الذي لا ملح فيه، يفقد نكهته».

وفي صراع غير متكافئ بين الأكثرية والأقلية، هرب العراقيون بحثاً عن الأمان بالدرجة الأولى فإذا بمن اختار الأردن جاء غير مدرك أن المملكة لم توقع اتفاقية جنيف، وبالتالي فهي غير ملزمة تجاههم إلا بما تقتضيه أصول «الضيافة والأخوة» العربية. لذا فإن الحدود المفتوحة في السنوات الأولى للحرب، أعيد صدها وبات على أي عراقي راغب في الانتقال الى الأردن، التقدم بطلب تأشيرة، والإثبات أنه يملك حساباً مصرفياً أو كفيلاً يأخذه على عاتقه وهي شروط غير مطلوبة للجوء إلى سورية أو لبنان مثلاً. ثم في مرحلة لاحقة، وبعد استصدار أوراق الإقامة يجب الحرص على تجديدها في شكل دوري لدى المفوضية تحت طائلة دفع غرامة مالية تبلغ ديناراً ونصف للشخص عن كل يوم تأخير أي ما يعادل دولارين تقريباً وهو مبلغ باهظ إذا ما تراكم. ويساعد بعض الجهات أحياناً مثل جميعة «رسل السلام» مثلاً في تكفل بعض العائلات وتسديد غرامات عن أخرى لشرعنة إقامة اللاجئين وتحسين ظروفهم، لكنها تبقى واحدة من أبرز العقبات التي تواجه انتظامهم في دورة حياة شبه طبيعية.

وفي المقابل، نجحت حملات المطالبة والضغط المتواصلة على الحكومة الأردنية في دفعها إلى قبول التلامذة العراقيين في المدارس الحكومية وذلك منذ 2007، تطبيقاً لشرعة حقوق الطفل التي وقعتها الأردن وأول ما تفرضه ضمان الأمان وتلقي التعليم سواء كان الطفل لاجئاً أو مقيماً شرعياً أو غير شرعي. وبدأت المدارس الرسمية تستقبل التلامذة العراقيين خصوصاً في الصفوف الابتدائية، فيما الجمعيات الأهلية ومنها «رسل السلام» تؤمن صفوفاً موازية خارج الدوام الرسمي لتقوية الطلاب وتحسين أدائهم المدرسي وتقريب مستواهم من مستوى المناهج الأردنية.

ويعمد بعض المقتدرين مالياً إلى تبني أولاد فيقدمون لهم بدل التعليم في المدارس الخاصة التابعة للإرساليات، فيما يسعى الأب خليل إلى إدخال الجزء الآخر إليها عبر التكفل بأقساطهم نظراً إلى أن «نوعية التعليم فيها أفضل». وتظهر المشكلة في التعليم التكميلي والثانوي حيث يتوجه المراهقون الى سوق العمل مبكراً لتأمين مداخيل إضافية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر الوقوع في مطب المخدرات والجنس وشبكات الدعارة المنظمة وسماسرة الهجرة الذين يستغلون حاجة اللاجئين الملحة للرحيل، خصوصاً إذا رفضتهم السفارات أو طال انتظارهم لديها فيأخذون منهم مبالغ مالية غالباً ما تكون مستدانة، ويختفون.

وما يحصل أن الرجال يخافون الخروج الى الشارع تفادياً للمضايقات الأمنية والتوقيف خصوصاً في حال تأخر الأوراق الرسمية، فيبقى مصدر الرزق معتمداً على النساء والأولاد، وهو عمل يمارسونه «تحت الطاولة» وبالسر لكون القانون يمنع اللاجئين من العمل. ويعرض هذا الواقع الأسر الوافدة إلى حالات عنف كامن وتراكم إحباطات ناتجة من الاضطرار لتغيير نمط السلوك اليومي وحتى لهجة الكلام في شكل مفاجئ بالإضافة إلى فروقات ثقافية واجتماعية بين البيئة المضيفة وبيئة اللاجئين، من إسراف هؤلاء في استخدام المياه مثلاً فيما الأردن مهدد بالجفاف، إلى ميلهم للترفيه والسهر والتنزه فيما عمان عموماً مدينة محافظة بدرجة كبيرة يصعب اختراق النسيج العائلي فيها. وما يزيد الطين بلة تحول رب الأسرة من منتج ومعيل إلى عبء وعالة على زوجته وأبنائه، واضطرار هؤلاء القبول بأي عمل مهما كانت شروطه صعبة ودخله متواضعاً. ويقول الأب خليل: «في الكثير من الأحيان صارت بيئة اللاجئين خطراً فعلياً على المجتمع المحلي في وقت يصعب علينا متابعتهم عن كثب ومراقبتهم لكونهم موزعين في المناطق».

ويروي الأب بشيء من الخجل وكثير من الأسى إن عدداً من النساء اللواتي وقعن في شرك الدعارة جئن من تلقاء أنفسهن إلى الدير يطلبن المساعدة والحماية من القوادين، فأحيلت بعضهن إلى دار رعاية وأمنت لأخريات أعمال بديلة لكن ذلك لم يمنع عودة جزء غير قليل إلى الحلقة المفرغة نفسها. وعن الأعمال البديلة يقول الأب خليل: «في الدير هنا كل من يعمل معي عراقي، وأحاول قدر استطاعتي تأمين أعمال في المنازل أو الجمعيات أو الأديرة للاجئين واللاجئات كما أحرص على تأمين المواصلات لهم. فعندما نقلهم بباصات الجمعية من منازلهم إلى أعمالهم، نضمن ألا توقفنا الشرطة وتدقق في الأوراق لأنهم يكونون على مسؤوليتنا، وهم في المقابل يكسبون رزقهم إلى أن يقضي الله أمراً».

هو رزق مغمس بالخوف والغربة وبصيص أمل بأن يرن الهاتف ذات صباح ليبشرهم بموعد الرحيل إلى بلد آخر وقارة أخرى حيث تنقلب معادلة الأكثرية والأقلية وتبدأ مرحلة جديدة من صعوبات التأقلم والتعود. حينها فقط يمكن لحلم العودة أن يصبح احتمالاً قائماً.

 

المصدر

الحياة

 

التاريخ

12/28/2010

 

عن موقع: http://www.lebanondebate.com/details.aspx?id=39484

 

 

رعيّة السامرية: من الشتات إلى الوحدة

قد تكون رعيّة السامرية في ضهر العين الوحيدة من الرعايا المستحدثة الجديدة في الكورة. فهذه المنطقة التي تتوسّط راسمسقا وبرسا والنخلة وبتوراتيج، شهدت طفرة عمرانية متطورة ساهمت في توافد عائلات أرثوذكسية من منطقة الضنية والمنية وطرابلس والميناء والقبة وقرى الكورة ودساكر عكار للسكن فيها. هذا الشتات الأرثوذكسي الذي نشأ بفعل التهجير في الحرب، أو للسكن خارج المدينة بسبب أزمة السكن، صارت تشكّل مع المناطق المجاورة مشكلة سكنية أيضًا لغلاء كلفة بناء الشقق السكنية فيها، ما حدّ نسبيا، اليوم، من الانتقال إليها.

إلا أن الشتات الأرثوذكسي الوافد إلى هذه المنطقة الجديدة، أنشأ رعيّة أرثوذكسية تتكوّن من حوالي 400 عائلة تتنوّع وتختلف مشاربـها وعاداتـها وتقاليدها. إلا أن العمل الرعوي في هذه الرعية تميّز بمتابعة دؤوبة من الأب جورج يوسف الذي رعاها لمدة عشر سنوات قبل أن ينقله صاحب السيادة المتروبوليت إفرام إلى رعية كوسبا، ويعيّن مكانه الأب ميخائيل رزوق الذي يبدو، اليوم، مصرًّا على الإستفادة من كل الخبرات الرعوية السابقة لتمتين الوحدة الرعائية، والتي تتجلّى، يومًا بعد يوم، في هذه الهمّة التي يبديـها مجلس رعية السامرية الذي يعمل بتجانس تام مع أفراد الرعية على تأمين المداخيل المالية لاستكمال بناء الكنيسة بعد انتهاء أعمال القاعة الكبرى، والتي تحتضن نشاطات الرعية، واجتماعات حركة الشبيبة الأرثوذكسية. إنّ رعية السامرية رعية نموذجية في التزامها حياة الكنيسة، فهي رعية لا وقف عندها، وربما تكون هذه الرعية من الرعايا القليلة التي تعيش على أحيائـها ولا تعيش على حساب ما تركه الأموات الراحلون.

من هنا تأتي الأمسية الميلادية التي أحياها 12 شابة وشابًا من أبناء رعية السامرية (وهم من طرابلس والضنية والميناء)، بقيادة المدرّب نقولا الشامي، فقد تفوّقت في أدائـها الأناشيد الميلادية مع مرافقة موسيقية تكنولوجية، في حضور أكثر من خمسة عشر كاهنا وأكثر من مئتي شخص. في غياب موقف كنسي من إدخال الموسيقى مع الأناشيد الكنسية، ولكن تبدو العفوية عند الشباب اليوم سالكة آمنة في عدم ممانعة كنسية واضحة، كمن يواكب حركة الشباب في تعبيرهم عن همومهم وقلقهم وفي قضية التزامهم قضية المسيح على الأرض بفرح ومحبة تحيي قلوبـهم وتقودهم إلى معارج الرجاء.

د. جان توما

 


الحقّ والحرّيّة والنّسك!

      مهما كانت الحقيقة واضحة وصارخة فإنّها لا تكفي ليتقبّلها النّاس. الرّبّ يسوع لم يكن صوتَ الحقّ وحسب بل الحقُّ عينُه، ومع ذلك رذلوه وطعنوه! ولعلّ هذا هو السّبب في أنّ المعلّم ردّ على سؤال النّاموسيّ: "ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة"؟ بسؤال: "ما هو مكتوب في النّاموس. كيف تقرأ"؟ (لو 10: 25 – 26).

      ما لم تقرأ ما هو من روح الرّبّ بروح الرّبّ لا يمكنك أن تفهم! وأن تقرأ بروح الرّبّ معناه أن يكون روح الرّبّ ساكنًا فيك. روح الرّبّ لا يسكن في نفس مستَرَقّة (مستعبدة) للخطيئة. وقول يسوع هو هذا: "كلّ مَن يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة" (يو 8: 34). فإذا ما قلتَ خطيئة ذكرتَ، بالأحرى، بذار الخطيئة. ما كان الإنسان ليخطَأ لو لم يكن بذار الخطيئة عميقًا فيه. بذار الخطيئة ليس خطيئة بل أصلها.

      القلب هو الأرض الدّاخليّة للإنسان، التّربة الّتي تضمّ كلّ أنواع البذور، ومن ثمّ الأفكار. بلى، للقلب أفكارُه. هناك أفكار في القلب وهناك أفكار في العقل المدرِك. أفكار العقل المدرِك صائبة أو مخطئة، فيما أفكار القلب، أو نواياه، صالحة أو خاطئة. الأفكار الخاطئة في القلب مردّها البذور الأولى للخطيئة فيه. هذه تولِّد كلّ أنواع الأفكار. أمّا هي، هذه البذور الأساسيّة الأولى، فيردّها آباؤنا القدّيسون، بالمعرفة الخبريّة الّتي اقتنَوها، إلى سبعٍ أو ثمانٍ يسمّونها شهوات أو أهواء: الشّراهة، الزّنى، البخل، الغضب، الحزن أو الضّجر، الكسل، العُجب أو المجد الباطل، الكبرياء. كلّ واحدة من هذه البذور تتمثّل بألف شكل ولون، بألف فكر وفكر. وكلّ فكر يصير خطيئة متى تبنّاه الإنسان بإرادته وسلك فيه.

      جملةُ الأهواء تشكّل ما يُعرف بـ "الإنسان العتيق" (رو 6: 6؛ كو 3: 9...) أو "جسد الخطيئة" (رو 6: 6). بالخطيئة صارت للإنسان شبه طبيعة ثانية غير الطّبيعة الّتي خلقه الرّبّ الإله عليها. وكما أنّ للطّبيعة الأولى ناموسها، للطّبيعة الثّانية، أيضًا، ناموسها. هذا معرَّف عنه، كتابيًّا، بـ "ناموس الخطيئة" (رو 7: 23؛ 8: 2).

      أقوال كالتّالية: أنّ الابن "لأجل الخطيئة دان الخطيئة في الجسد" (رو 8: 3)، وأنّه أُظهر "ليُبطِل الخطيئة بذبيحة نفسه" (عب 9: 26)، وأنّه "أعتقني من ناموس الخطيئة" (رو 8: 2)، كلّها يشير إلى أنّ الرّبّ يسوع حرّرنا من ربقة الخطيئة علينا إذ شملنا بنعمته. لذا قيل: "لن تسودكم الخطيئة لأنّكم... تحت النّعمة" (رو 6: 14). هذه هي الحرّيّة الّتي حقّقها الرّبّ الإله بذبيحة نفسه ودعانا إليها. حقّ يسوع، أو يسوع الحقّ يحرِّرنا بالسّلوكِ في وصاياه، بنعمتِه، بروحِه، روحِ الحقّ. من هنا قول يسوع: "وتعرفون الحقّ والحقّ يحرِّركم" (يو 8: 32).

      المطلوب، فقط، لِنَقتني هذه الحرّيّة، لنصير أحرارًا، بالمعنى الإلهيّ للكلمة، أن نموت عن الخطيئة (رو 6: 2)، أن نَصلب إنساننا العتيق مع المسيح (رو 6: 6)، أو، بكلام آخر، أن نُهلك أنفسنا (يو 12: 25)، أي "جسدَ الخطيئة" فينا. "إذًا لا تملكنّ الخطيئة في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته... بل قدّموا ذواتكم... آلات برّ لله" (رو 6: 12 – 13).

      للحرّيّة دُعينا بالتّحرّر، بالحقّ، من أهوائنا. ليست الحرّيّةُ الحقُّ تفلّتَ النّفس والجسد، أي السّلوكَ على هوانا، بما توحيه لنا به أهواؤنا. لذا قيل: "إنّما دُعيتم للحرّيّة أيّها الإخوة. غير أنّه لا تصيِّروا الحرّيّة فرصة للجسد [هذا يتضمّن النّفْس أيضًا]، بل بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضًا... اسلكوا بالرّوح ولا تكمِّلوا شهوة الجسد، لأنّ الجسد يشتهي ضدّ الرّوح والرّوح ضدّ الجسد [جسد الخطيئة]، وهذان يقاوم أحدهما الآخر" (غلا 5: 12، 16 – 17).

      بغير التّحرّر من أهواء الخطيئة، أي بغير التّنقّي والتّطهّر منها، لا يمكننا أن نعرف الحقّ، لا يمكننا أن نحبّ الله، ومن ثمّ الإخوة. الحقّ والمحبّة واحد. الحقّ هو محبّة الله بإزاء محبّة الذّات، والمحبّة هي الحقّ بإزاء الكذب. ليس الحقّ، في الرّوحيّات، نظريّة، أن تقول عن فكر ما إنّه صحيح، بل واقع إلهيّ إنسانيّ، أن تقول عن فكر ما إنّه صالح. لذلك أنت على حقّ إذا تكلّمت قويمًا، أمّا إذا سلكتَ في الوصيّة الإلهيّة فأنت تكون في الحقّ. ثمّة حقّ يتأتّى من صوابيّة الإدراك، وثمّة حقّ يتأتّى من المعزّي روح الحقّ. لكي تكون على حقّ في معرفة المعقولات تحتاج إلى فهم الأفكار في شأنها أوّلاً. أمّا إذا أردت أن تكون في الحقّ، في الرّوحيّات، فإنّك تحفظ أوّلاً، بعقلك، ولا تفهم، ومتى خبرت ما حفظت، بنعمة الله، فإنّك، إذ ذاك، تفهم وتعرف بروحك. هكذا كلّم السّيّد تلاميذه عن القيامة فحفظوا ما قاله لهم ولم يفهموه، فلمّا قام من بين الأموات تذكّروا وفهموا. نأتي من المعلومة عن الحقّ إلى معرفة الحقّ، كما نأتي من المعرفة، بشأن الإلهيّات، إلى معرفة الله، أي إلى محبّته، إلى الشّركة معه في الرّوح.

      هذا هو الحقّ الّذي نَفِدُ إليه متى تحرّرنا من أهواء الخطيئة. ولكنْ، كيف نتحرّر من أهواء الخطيئة، كيف نتنقّى، كيف نتطهّر؟ بحفظ الوصيّة! وكيف نحفظ الوصيّة؟ بالنّسك نحو الصّلاة! النّسك من الوصيّة كالتّكنولوجيا من العِلم. النّسك، تحديدًا، هو نبذ كلّ ما له علاقة بالهوى، بغصب النّفس والصّلاة ونعمة الله، وطلبُ ما هو مقابلُه إلى حدود حاجة الطّبيعة. خذ الشّراهة مثلاً. نصوم عن الطّعام كمًّا وعن الأطايب نوعًا مكتفين من الطّعام بالبسيط وبما يسدّ حاجة البدن. التّفاصيل نتعلّمها من النّسّاك الّذين سبقونا. النّسّاك يعلّمون طلاّب النّسك، والكلُّ، كلُّ المؤمنين، طلاّبُ نسك، كلٌّ في موقعه. طبعًا، النّاسك المتوحِّد يختلف، في نسكه، عن النّاسك في الدّير وهذا عن النّسّاك المؤمنين في العالم. ليس المقياس كميّاتٍ من الطّعام وأنواعًا محدّدة منه، بل ما يقع ضمن حدود البساطة والحاجة كما ذكرنا. هذا يأكل أكثر من ذاك، وذاك يأكل هذه الألوان من الطّعام دون تلك. المهمّ ما يناسب الشّخص في سعيه، بالصّلاة، إلى الحقّ والمحبّة وما يحرِّره من تسلّط شهوة الحَلْق والبطن عليه.

      خذ مثلاً آخر: البخل. البخل قرين الجمع والإمساك عن العطاء معًا. بإمكاننا أن نلتزم الفقر بالكامل ونمتنع عن الجمع بالكامل لكي نتّكل على الله بالكامل. هذه ذروة النّسك! وبإمكاننا أن نوزِّع ما لدينا على الفقراء، ثمّ نعمل بأيدينا لنسدّ حاجتنا يومًا فيومًا، وما زاد على حاجتنا نوزّعه على المحتاجين. هذا أيضًا نسك جميل! وبإمكاننا أن نعمل ونجمع لنسدّ، ببساطة عيش، حاجتنا ونبدّد على المعوزين، حتّى إلى آخر قرش، إذا لزم الأمر، بكلّ أمانة، وضميرُنا شاهد لدى الله. هذا أيضًا نسك جميل لأنّه قيل "بدّد وأعطى المساكين فبرّه يدوم إلى الأبد"! هذا ما يحرِّرنا من هوى البخل. النّمط الّذي نتّبعه يتغيّر من شخص إلى آخر. لا مانع! القدّيس أندرونيكوس الأنطاكيّ (9 تشرين الأوّل) كان يوزّع دخلَه السّنويّ إلى ثلاثة أقسام: قسم يوزّعه على الفقراء، وقسم يعطيه قروضًا بلا فائدة لأصحاب الحِرَف المحتاجين، وقسم يعتاش به، وبه يستمرّ في صناعته. المهمّ ألاّ ينفق النّاسك في ملذاته. في كلّ حال، ليس المقياسُ الكمّيّةَ الّتي ننفقها على أنفسنا أو على الفقراء، بل المقياسُ هو التّحرّرُ من حبّ المال والتزام روح الفقر الكامل إلى الله. الخروج من أسْر البخل يستلزم موقفًا داخليًّا شخصيًّا قويمًا وكاملاً لا اختلال فيه.

      ذَكَرْنا الصّلاة، هنا وثمّة، في معرض كلامنا على النّسك. وإن لم يكن، هنا، المقامَ للتّوسّع في الكلام على الصّلاة، فلا بدّ من الإشارة، لتوضيح الصّورة، إلى أنّ الصّلاة هي إطار النّسك، وبالنّسكِ قوّةُ دفعِ الصّلاةِ إلى الله. الصّلاة، في معرض النّسك، تستنزل نعمة الله المؤازرة الّتي بدونها لا فَلاَح لنسكٍ. والنّسك حشدٌ لقوى النّفس في الصّلاة ليَدخل المؤمن في وصال حقيقيّ محبّيّ مع الله، ومن ثمّ ليعاين اللهَ كما هو (1 يو 3: 2). بهذا تكون حريّةُ النّسك قد تحقّقت، وبالصّلاة قد بلّغتنا الحرّيّةُ الدّاخليّةُ المعرفةَ الحقّ.

      لا حقّ يقتبله النّاس بغير حرّيّة النّسك هذه. ما لم نَشَأْ أن نسلك في النّسك يبقَ الحقُّ غريبًا عنّا. نقرأه أهوائيًّا ونفسِّره أهوائيًّا ونتعاطاه أهوائيًّا. وإلى أن نبلغ النّضج والمعرفة الشّخصيّة نسير في ركب التّقليد الكنسيّ المنحدر إلينا، في هَدْي الآباء الّذين نسكوا وتحرّروا وعرفوا الحقّ. حتّى لو لم نفهم عمقَ ما خبروه ونقلوه لنا نحفظُه ونردّده بغيرة إلهيّة وأمانة ليكون لنا الدّليلَ والمبتغى ويستحثَّ بعضُنا البعضَ، به، لأنّه رائحة الحقّ ومن الحقّ، إلى معرفة مَشُوقة لِحَقّ يسوع ويسوعَ الحقّ!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

أيقونة سيّدة فلاديمير - فلاديميرسكايا


أيقونة فلاديمير العجائبية تظهر السّيّد بين ذراعي والدة الإله الّتي تحتضنه بشكلٍ وثيق لدرجة أنّ اليد اليسرى للسّيّد تحيط بها بالكليّة. والدة الإله في الأيقونة تنظر إلى الشعب ولكن دون أن تنفصل عن ابنها المرتبطة به ارتباطًا وطيداً. لا تستطيع الكلمات وصف نظرة والدة الإله في هذه الأيقونة العجائبيّة: فيها الحياة والموت، وفيها القيامة والأبدي 

       في اليونانية هذه الأيقونة معروفة بالـ"إليوسا" (Eleousa) أي الأمّ الحنون.

       إنّ أيقونة والدة الإله (الفلاديمريّة) هي من الأيقونات الّتي، في التراث، إنّ القدّيس لوقا الإنجيليّ صوّرها. في الرّواية، في شأنها، أنّها مصورة على لوحٍ من المائدة الّتي كان مخلّصنا يتناول عليها الطعام مع أمّه الفائقة القداسة ويوسف الصّديق.

       كذلك ورد أنّ لوقا الإنجيليّ صوّر هذه الأيقونة في حياة والدة الإله وحملها إليها. فلمّا عاينت رسمَها عليها ردّدت قولها النبوي: "ها إنّه منذ الآن تطوبني جميع الأجيال" وأضافت: "لتكن نعمتي ونعمة المولود مني مع هذه الأيقونة".

في القرن الخامس (حوالي 450 م)، نُقلت هذه الأيقونة من أورشليم إلى القسطنطينيّة على عهد الأمبراطور ثيوذوسيوس الأصغر. وبعد سبعمائة سنة، بعث بها، في القرن الثّاني عشر، بطريرك القسطنطينيّة لوقا خريسوفيرغ إلى كييف إلى الأمير العظيم يوري ابن الأمير فلاديمير دولغورو كوف فوُضعت في ديرٍ للعذارى في فيشغورود كييف الّتي كانت مدينة إقطاعيّة للأميرة التّقية أولغا. هناك اشتهرت الأيقونة بالعجائب العظيمة الّتي جرت بها.

       ولمّا كانت هذه الأيقونة من تصوير القدّيس لوقا الإنجيليّ استقبلها الرّوسيون بمحبة واحترام عظيمين. والكنيسة التي وُضعت فيها في مدينة فلاديمير، لاحقًا، سمّاها المؤرّخون القدماء "الشهيرة". واعتاد الأمراء ورؤساء العساكر الرّوسيّون أخذها معهم إلى الحروب. ولمّا كانوا يستعدّون للمعارك "كانوا يركعون باكين قدّام الأيقونة العجائبيّة ويصلّون ساعاتٍ طويلةٍ ذارفين الدّموع."

في سنة 1155م ولّى الأمير العظيم يوري ابنَه الأمير أندراوس على مدينة فيشغورود. ذات مرة دخل إكليروسُ ديرِها إلى الكنيسة فرأوا الأيقونة تركت مكانها ووقفت في الهواء فوق وسط الكنيسة، فأعادوها إلى مكانٍ جديدٍ ولكنّهم رأوا في الحال أنّها عادت لتقف في الهواء.

       ويروي أحد المؤرّخين عن الأمير أندراوس بوغوليوبسكي:"أنّ إيمانه كان عظيمًا ومحبّته لوالدة الإله الفائقة القداسة حارّة، وعلى شفتيه كان دائمًا اسم المسيح واسم أمّه الفائقة النّقاوة". هذا بلغه خبر الأيقونة العجائبيّة وعدم رضاها بالمكان الّذي أُقيمت فيه ففكّر: "هل ترضى بأن تستقر في أرض سوزدال؟". وكان هذا الأمير ينوي، منذ زمن طويل، أن يبتعد عن جنوب روسيا إلى إقليم روستوف في الشمال ويوطّد هنالك إمارة مستقلّة عن كييف. فأخذ يصلّي بحرارةٍ قدّام الأيقونة وأقام صلاة الابتهال وأخذها بورعٍ مع جميع الكنوز، على غير علم من أبيه، وانطلق ليلاً من فشغورود إلى إمارته الشماليّة. في طريقه إلى سوزدال كان يحتفل بصلاة الابتهال قدامها ويرى منها العجائب الوافرة.

       فلمّا بلغ نهر فوزا أرسل فارسًا ليفتش عن معبر، وإذ به يغوص مع حصانه في الماء. فحزن الأمير عليه وصلّى من أجل نجاته أمام الأيقونة العجائبيّة وما إن أنهى صلاته حتّى ظهر الفارس بغتةً على النّاحية المقابلة من الشاطئ سالمًا.

       وحدث أيضًا أنّ الحصان الحامل مَتاع الكاهن المصاحب للأيقونة المقدسة رمى الخادم عن ظهره وكسر رجله وداس زوجة الكاهن وجرَّها بأسنانه حتّى لاقت حتفها. فابتهل الكاهن اليائس قدام الأيقونة المقدسة فعادت المرأة إلى الحياة وشفي الخادم.

       وقبل أن يبلغ الأمير مدينة فلاديمير لاقاه أهلها بفرح عظيم على نهر كْليازمة. ثم اتجه إلى روستوف ولكن على بُعد عشرة فراسخ من فلاديمير، عند مجرى النّهر، أُمسكت الخيل الجارة مركبة الأيقونة وامتنعت بقدرة خفية عن الجري إلى ما هو أبعد. فظنّ سائسها أنّها أُعيت فأوثقوا العربة إلى غيرها فأمسكت هذه أيضًا بتلك القوة ذاتها ولم تتحرّك من مكانها. وبعد أن صلّى الأمير بحرارةٍ قدام الأيقونة العجائبية تلقى الأمر من والدة الإله بأن يجعل أيقونتها في فلاديمير. فشرع لساعته في بناء كنيسة من حجر ووضعها هناك لوقت بصورة مؤقّتة. وسمّى المكان "المحبوب من الله" لأنّ والدة الإله أحبّته.

       شيّد الأمير في فلاديمير كنيسة بديعة جدًا سنة 1160 م وزيّنها بأبّهة عظيمة ونقل إليها الأيقونة العجائبية الّتي جملّها بنحو ثلاثين أوقية من الذهب ما خلا الفضة والحجارة الكريمة واللؤلؤ. من ذلك الحين سميّت الأيقونة العجائبية هذه بالـ"فلاديميريّة" وعُرف الأمير بـ"محبّ الله". هناك أيضًا تألّقت الأيقونة بالعجائب العظيمة.

       اشتركت هذه الأيقونة في معارك ومواقع عديدة شهدتها العساكر الرّوسية، بتأثير إيمان الأمراء والرؤساء والشعب أجمع بقوتها المنعمة. وبها ترتبط ذكريات عديدة مقدّسة.

       في سنة 1164 ذهب الأمير أندراوس ليواجه بلغار فوليج وأخذ الأيقونة مع الصّليب المحيي ثم تناول القربان المقدس قبل المعركة وصلّى لوالدة الإله قائلاً: "كلّ من توكّل عليك أيّتها السّيّدة لا يهلك فأنا الخاطئ لي فيك سورٌ وسترٌ". واقتدى به الجيش فقبّلوا الأيقونة باكين بعد أن صلّوا بحرارة واندفعوا برجاء وطيد وإخاء على الأعداء فهزموهم وبعد أن طاردهم الأمير بادر فقدم الشكر لوالدة الإله في مكان المعركة عينه. وفي ذلك الحين سطع من الصّليب الكريم ومن الأيقونة الفلاديميريّة نور شعّ على الجيش كلّه. فحُفظت ذكرى هذه الأعجوبة في التعييد الّذي يتمّ بالتطواف بخشبة صليب الرّبّ في أوّل آب. وقد عُيّن هذا العيد سنة 1164م برغبة الأمير أندراوس وموافقة الأمبراطور اليوناني مانوئيل الّذي رأى في اليوم عينه النّور من صليب الرّبّ وقهر الهاجريين بأعجوبة إلهيّة.

       بعد أن قتل المتآمرون الأمير أندراوس بوغوليوبسكي سنة 1175م، نهب الشعب المفتون بالفوضى وإغراء القتلة مدينتي بوغوليوبوف وفلاديمير فاندفع حينئذ الكاهن الّذي جاء مع الأمير القتيل من فيشغورود وفتح ممرًّا في أسواق المدينة المزدحمة فيها جماهير النّاس وهو مرتدٍ حلّة الكهنوت بكاملها وحاملاً الأيقونة العجائبيّة فأخمد الفتنة في الحال.

       وفي أوقات الفتن وسِني النكبات والملمات كان الشعب الرّوسي يلتجئ إلى والدة الإله أمام أيقونتها الفلاديميريّة. وبهذه الأيقونة كان رؤساء الكهنة يباركون الأمراء العظام والقياصرة عند استوائهم على العرش وتتويجهم وفي مناسبات أخرى مهمة من حياتهم.

عام 1395 دخل أعمال الرّوسيّة فاتح الشرق المخيف تيمورلنك أو حيمورت أكساكر (الأعرج الحديدي) وأقترب بعساكره من حدود ريازان واستولى على مدينة آليتس وأسر أميرها وقتل مسيحيين كثرًا وبلغ الدونا واتجه إلى موسكو. فخرج الأمير باسيليوس ديمتريفتش مع عساكره إلى كولومنة ونزل على شاطئ نهر أوكا وهو متوكل على الله أكثر مما على قواه وصلى بحرارة مع جيشه وجميع الشعب إلى الله ووالدة الإله الفائقة القداسة لأجل إنقاذ وطنه وأمر بأن يكرّس الصّوم السّابق لعيد رقاد السيدة في جميع أعمال إمارته للصّلوات الحارة ولمجاهدات التوبة، وبأن تنقل أيقونة والدة الإله العجائبية من فلاديمير إلى موسكو. فإكليروس كنيسة رقاد السيدة الموفدون لنقلها، حملوها بعد القداس الإلهي وصلاة الابتهال في عيد رقاد السّيّدة. وبعد عشرة أيام من السير، اقترب المحفل المقدس بالأيقونة من حصون موسكو. وكانت جماهير النّاس الّتي لا تحصى على جانبي الطريق تصرخ باكية جاثية على ركبها: "يا والدة الإله خلصي الأرض الرّوسيّة". واستقبل الأيقونة المقدسة في حقل كوتشكوفا إكليروس موسكو وكلّ أسرة الأمير والشعب بالصّلوات الاحتفاليّة وشيعوها إلى كنيسة رقاد السّيّدة. ولم يذهب سدى إيمان الأرثوذكسيّين وابتهالهم وتقواهم، لأنّه في هذا اليوم عينه وفي تلك السّاعة الّتي كان أهالي موسكو يستقبلون فيها أيقونة والدة الإله نعس تيمورلنك وفي نومه رأى أنّ أمامه جبلاً عظيمًا وعليه أساقفة قدّيسون كثر مقبلون إليه بعكاكيزهم الذهبية وعاين أنّ العذراء فوقهم في نورٍ باهرٍ وعظمة لا توصف تحيط بها ملايين من الملائكة رافعين سيوفهم اللهيبية وكلّهم منقضّون عليه. ثم نظرت إليه والدة الإله مهددة إيّاه وأمرته بالجلاء عن الرّوسية. فأفاق تيمورلنك مذعورًا واستدعى رؤساء عساكره والمنجمين وحكماء قومه وسرد لهم الحلم. أجمع الكلّ أنّ السّيّدة في الرّؤيا هي حامية المسيحيين وهي والدة الإله الّذي يعبدونه وأنّ قوتها لا تقهر. عليه تراجع تيمورلنك مع كلّ جيشه.

وقد أُسّس في موسكو على حقل كوتْشكوف حيث استُقبلت الأيقونة الفلاديمريّة  في 27 آب ديرُ ستريتاسكي.

       بقيت إيقونة فلاديمير حوالي 242 عام قرب نهر كلازما ومن ثم نُقلت إلى موسكو ووُضعت في كاتدرائيّة الرّقاد في الكرملين. وبفضل حمايتها أُعفيت موسكو من هجوم الخان إيديجاي عام 1408 ومن أمير نوغاي مازفْشا عام 1451 ومن والده الخان سيدي-أحمد عام 1459.

عام 1480 تقدّم الخان أحمد من موسكو ووصل إلى نهر أوغرا في ناحية غالوغا، فخرج الأمير يوحنّا الثّالث متشدّدًا بمشورة الأساقفة وصلواتهم لحماية الإيمان والوطن. ووقف الجيشان طول النهار ينتظران الهجوم ونهر أوغرة يفصلهما. فتمّ يومئذ خلاص الرّوسية العجيب بمعونة والدة الإله، لأنّ الأمير العظيم أمر جيوشه بالرجوع عن النّهر رغبة منه في أن يعبره التتر. ولكنّ هؤلاء اعتبروا هذا الرّجوع اجتذابًا لهم إلى كمين وشرعوا يتقهقرون رويدًا وتملكهم في الليل رعبٌ راعب فرحلوا لا يلتفتون إلى الوراء. إنّ الخلاص من أحمد كان نهاية النّير التتري الّذي أثقل الرّوسية مئتي سنة. وكذكرى لهذا التحرير يقام تطواف سنوي من كاتدرائيّة الرّقاد إلى دير ستريتاسكي بالإيقونة الفلاديميريّة. وإلى هذا اليوم يُعرف نهر أوغرا "بزنّار والدة الإله الحارس أملاك موسكو".


       عام 1521، قاد الخان كازان محمد غيريّا، جيشًا عظيمًا ومعه تتر القرم ونوغاي وكازان وأغار بهم على تخوم موسكو. هؤلاء أعاثوا فسادًا وقتلاً في عدد من القرى المحيطة بموسكو، فالتجأ النّاس إلى الكرملين. وكانت الصّلاة قائمة ليل نهار بكثير من الدّموع. وفي منتصف الليل صلّى أحد السّذّج السّلماء باسيليوس باكيًا عند باب كنيسة رقاد السّيّدة، فقُطعت صلاته بغتةً وخُيّل إليه أنّ الباب يُفتح بقوة خفية وأيقونة والدة الإله العجائبية تخرج من مكانها وسُمع صوت منها قائلاً: "إنّي أخرج من المدينة مع الأساقفة الروسيّين القدّيسين". وامتلأت الكنيسة كلّها لهيبًا توارى في لحظة. وفي تلك الليلة أيضًا رأت إحدى الراهبات، وهي عجوز عمياء، في صومعتها في دير فوزْنيسينسكي أن جوقةً كاملةً من رؤساء الكهنة القدّيسين الّذين عاشوا في القرون الماضية وغيرهم من رجال النّور البهي يخرجون من الكرملين ذاهبين بباب سْياسْكي في ثياب مقدسة وفي وسطهم أيقونة والدة الإله العجائبية. إلاّ أنّهم ما كادوا يخرجون من باب فْلوروف حتّى لاقاهم القدّيس سرجيوس رادونيج والقديس برلعام الّذي من خوتينسكي وسقطا على أقدام الأساقفة القديسن وسألاهم:"أين تذهبون وعلى من تتركون المدينة؟" فأجابهم الأساقفة القديسون باكين:"إنّنا صلينا كثيرًا إلى الله الكليّ الرّحمة وإلى والدة الإله الفائقة القداسة لأجل الخلاص من الحزن المتوقّع. إلاّ أنّ الرّبّ لم يأمرنا بالخروج وحدنا من المدينة بل بأن ننقل أيقونة أمّه الفائقة النّقاء العجائبية، لأنّ النّاس ازدروا خوف الله واغفلوا وصاياه فسمح للبرابرة بأن يهاجموكم. فليعاقِب إذن النّاس أنفسهم الأن ويتوبوا إلى الله".

وأخذ القدّيسان المجاهدان سرجيوس وبرلعام يستعطفان الأساقفة القديسين ليسترحموا بشفاعتهم دينونة الله العادلة وشرعا يبتهلان معهم إلى الرّبّ وإلى أمّه الفائقة النقاء. حينئذ رسم الأساقفة القدّيسون على المدينة علامة الصّليب وعادت أيقونة أمّ الإله إلى كنيسة الرّقاد. أسرعت الرّاهبة وروت الرؤية للشعب الرّوسي الّذي تجمّع في كنيسة الرّقاد وأقام صلاةً حارة. فأُنقذت موسكو والرّوسية كلّها بشفاعتها. وإنّ المؤرخين يخبرون بأنّ التتر همّوا بأن يحرقوا ضواحي موسكو إلاّ أنهم رأوا بغتةً حولها جيشًا كبيرًا جرارًا فأنبؤوا به عاهلهم الغازي هلعين فلم يصدق. وأرسل رجالاً غيرهم ليتحققوا الأمر فرأى هؤلاء أيضًا الجيش الرّوسي الجرار وأخبروه عنه فأرسل رجلاً آخر من أقاربه فرأى هذا أيضًا وارتعد وبادر إليه صارخًا: "لماذا تتباطأ أيّها الملك فلنسرعنّ في الهرب لأنّ جيشًا كثيفًا لا حدّ له آتٍ إلينا من موسكو!؟"... هكذا ولّوا الأدبار هاربين. تذكار هذه العجيبة يحتفل به في موسكو في تطوافٍ من كنيسة رقاد والدة الإله إلى دير ستريتاسكي في 21 أيار.

"اليوم تتجمل ببهاء موسكو المدينة المجيدة لأنّها أيّتها السّيّدة قبلت أيقونتك العجائبية كضياء الشمس. فإليها نتبادر الآن ونضرع إليك صارخي: أيّتها السّيّدة والدة الإله العجيبة توسلي إلى المسيح إلهنا المتجسد منك لكي يخلّص هذه المدينة وجميع المدن والبلدان المسيحيّة ويحفظها غير مضيرة من جميع الغارات العدائية وينقذ نفوسنا لأنه الرّاحم المتحنن".

       لم تنجي أيقونة فلاديمير روسيا من هجمات التتار فحسب بل من الحروب الأخرى أيضًا كتدخل البولونيين والأسوجيين، ومن تسلط البابويّة عليها.

عام 1812 عندما غزا الفرنسيّون روسيا نقل رئيس الأساقفة أغوسطينوس الأيقونة الفلاديميريّة بأمرْ سامٍ إلى موروم في أوّل أيلول وأرجعها إلى موسكو في 20 تشرين الأوّل بعد أن أخلاها الغزاة.

       وفي كانون الأوّل عام 1941، تقدّم الجيش الألماني من موسكو، فأمر ستالين  أن توضع الأيقونة في طائرة تطوف فوق العاصمة المحاصرة. وبعد أيام قليلة بدأ الجيش الألماني بالإنسحاب.

يُعيَّد لأيقونة فلاديمير في 21 أيّار ذكرى تحريرها من الخان محمد غيريّا عام 1521، وفي 23 حزيران ذكرى تحريرها من نير الخان أحمد عام 1480 وفي 26 آب ذكرى تحرير موسكو من جيش تيمورلنك عام 1395.

 

كيف نتعامل مع غير الأرثوذكسيين

 

الأب المغبوط سيرافيم (روز) الذي من بلارينا (Plarina)

 

قبل سنين قليلة من رقاده، تلقَّى الأب سيرافيم رسالة من امرأة أفريقية-أميركية، وهي من الموعوظين، كانت تتعلَّم عن الأرثوذكسيَّة. كان عند هذا المرأة مشكلة في تفهُّمها للتصرّف الغير المحبّ (برأيها) لبعض المسيحيِّين الأرثوذكسيِّين تجاه من هم خارج الكنيسة الأرثوذكسيّة. كانت ترى في هذا الأمر ظاهرة تذكِّرها بناسها، بشعبها، كيف كان يُعامَل: "أنا منزعجة في العمق" كتبت المرأة، من الطريقة التي تنظر بها الأرثوذكسيّة إلى ما يسمّيه العالم المسيحيين الغربيين أي البروتستانت والكاثوليك. قرأت عدَّة مقالات لعدَّة كتّاب أرثوذكسيين، وبعضهم استعمل كلمات كـ"باباويين"، الخ...وهذا ما أعتبره مقلقًا ومهينًا. أرى هذه التعابير مهينة لأنّني كشخص من عرق تعرَّض لكثير من من إطلاق التسميات عليه فأنا احتقر هذا العمل ولا أتمنى أن أتبنَّى، أنا نفسي، هذه العادة. حتَّى كلمة "هرطوقي" تزعجني...

"ما هو موقفي من أصدقائي وأقاربي؟ هم لا يعرفون أيّ شيء عن الأرثوذكسيَّة أو بالأحرى لا يفهمونها... رغم ذلك يؤمنون بالمسيح ويعبدونه. هل يجب أن أعامل أصدقائي وأقاربي كالذين لا إله أو لا مسيح لهم؟... .هل يمكنني أن أدعوهم مسيحيين، لكن لا يعرفون الكنيسة الحقيقيَّة؟"

"عندما أسأَل هذا السؤال، لا يمكنني إلاَّ أن أفكِّر بالقديس أينوكنديوس الذي من ألآسكا (Innocent of Alaska) حين زار أديرة الفرنسيسكان في كاليفورنيا. بقي أرثوذكسيا وبالرغم من ذلك عامل الكهنة الذين قابلهم هناك بلطافة ومحبَّة وليس بإطلاق النعوت عليهم. آمل أنَّ هذا ما تقوله الأرثوذكسيَّة حول كيف يجب معاملة المسيحيّين الآخرين".

 

قلق هذه المرأة كان، فعليًّا، أمرًا عامًّا بالنسبة للذين يأتون إلى الإيمان الأرثوذكسي. الآن مع اقتراب نهاية حياته القصيرة وبعد أن تخلّص من حدَِّته الشبابيّة، أجاب الأب سيرافيم كالتالي:

كنت مسروراً لإستلامي رسالتك، مسروراً ليس لأنَّك محتارة حول هذا السؤال الذي يزعجك، ولكن لأنَّ موقِفَكِ ظهر أنَّه في حقيقة الأرثوذكسيَّة التي أنتِ مشدودة إليها، وتتمنِّين أن تجدي مكاناً للمحبة، موقفًا رأوفًا تجاه الذين هم خارج الإيمان الأرثوذكسي.

أنا أؤمن، بشكل صارم، أنَّ هذا هو بالحقيقة ما تعلِّمه الأرثوذكسيَّة...

سوف أستعرض، باختصار، ما أؤمن أنَّه الموقف الأرثوذكسي من المسيحيِّين غير الأرثوذكسيِّين.

1- الأرثوذكسية هي الكنيسة التي أسَّسها المسيح نفسه لخلاص البشر، ولذلك يجب أن نحفظ مع حياتنا نقاء تعليمها وإيماننا الشخصي بها. في الكنيسة الأرثوذكسية فقط تُعطى النعمة من خلال الأسرار (معظم الكنائس الأخرى لا تدَّعي أنَّ لديها أسرارًا بشكل جدِّيّ). الكنيسة الأرثوذكسية وحدها هي جسد المسيح وإذا كان الخلاص صعب جداً داخل الكنيسة الأرثوذكسية فكم بالحري يكون صعباً خارج الكنيسة!

 

2- ومع ذلك إنه ليس شأننا أن نحدِّد حالة الذين هم خارج الكنيسة الأرثوذكسية. إذا أراد الله أن يعطي الخلاص للمسيحيين من خلال أفضل طريقة يعرفونها، ولكن دون أن يتعرَّفوا على الكنيسة الأرثوذكسية، فهذا شأنه وليس شأننا. لكن، عندما سيصنع هذا، فهذا خروج عن الطريقة الطبيعية التي أسَّسها للخلاص التي هي الكنيسة، كجزء من جسد المسيح. أنا نفسي أقبل تجربة البروتستانت "كمولودين من جديد". قابلت أناساً غيَّروا حياتهم بالكلِّيَّة من خلال لقائهم بالمسيح، ولا يمكنني أن أنكر تجربتهم لأنَّهم فقط غير أرثوذكسيِّين. أدعو هؤلاء الناس مسيحيين ذاتيين (subjective) أو "مبتدئين" (beginners). لكن، حتَّى اتحادهم بالكنيسة الأرثوذكسية لا يمكنهم أن يحصلوا على ملء المسيحية. لا يمكنهم أن يكونوا مسيحيين، موضوعيًّا، كتابعين لجسد المسيح وحاصلين على النعمة والأسرار. أعتقد أنّهم لهذا السبب منقسمون إلى عدَّة شِيَعٍ، هم يبدأون حياتهم المسيحية بردّة حقيقية نحو المسيح ولكن لا يمكنهم أن يكملوا الحياة المسيحية بالطريقة الصحيحة حتى يتّحدوا بالكنيسة الأرثوذكسية. لأجل ذلك، فهم بهذه الطريقة يستبدلون آراءهم وتجاربهم الشخصية وغير الموضوعية بتعاليم الكنيسة والأسرار.

لأجل ذلك، أقول حول هؤلاء المسيحيين الذين هم خارج الكنيسة الأرثوذكسية: ليس لديهم الحقيقة كاملة- لربَّما لم تظهر لهم بعد أو لربَّما هو خطؤنا لأنّنا لا نعيش ونعلّم الإيمان الأرثوذكسي بطريقة يمكنهم فهمها.

مع هؤلاء الناس لا يمكننا أن نكون واحدًا في الإيمان، ولكن، ما من سبب يجعلنا ننظر إليهم كأغراب كلِّيًّا أو معادلين للوثنيِّين (بالرغم من ذلك، حتى الوثنيين لا يجب علينا أن نخاصمهم – هم، أيضًا، لم يروا الحقيقة بعد. في الحقيقة يوجد الكثير من التراتيل غير الأرثوذكسية التي تتضمَّن تعاليمًا أو على الأقل تشديدًا على فكرة خاطئة- خاصة فكرة أنَّه عندما يكون الشخص مُخلَّصًا ليس بحاجة ليعمل أيِّ شيء بعد لأنَّ المسيح صنع كلّ شيء من أجل خلاص العالم. هذه الفكرة تعيق الناس من رؤية الحقيقة في الأرثوذكسية التي تركّز على فكرة الجهاد الروحي من أجل خلاص كلِّ شخص حتى بعد أن أعطانا المسيح الخلاص، كما يقول القديس بولس: "تمّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ" (فيلبي 2: 13). لكن، تقريبًا، كل أناشيد عيد الميلاد الدينية، ما يسمى بـ“Christmas carols”، يرتِّلها المسيحيُّون الأرثوذكسيون في أميركا (بعض هذه التراتيل ترتَّل في أكثر الأديار تشدُّدًا).

 

بالحقيقة، كلمة "هرطوقي" (كما نقول في مقالتنا حول الأب ديمتري دودكو (Dudko) تستعمل كثيرًا في أيّامنا. إنَّ لها معنى وعملاً محدَّدين لتمييز التعاليم المستحدثة عن التعاليم الأرثوذكسيَّة. لكنَّ قلّة من المسيحيين غير الأرثوذكسيين اليوم هم ضميرياً "هراطقة"، وفي حقيقة لا فائدة أن ندعوهم هكذا.

في النهاية، أظن موقف الأب ديمتري دودكو هو الأصح: يجب أن ننظر إلى غير الأرثوذكسيين كأناس لم تُكْشَف لهم الأرثوذكسية بعد، كأناس هم أرثوذكسيّون بالقوَّة (إن فقط أعطيناهم في ذواتنا مثالاً أفضل!). ليس هناك من سبب يمنعنا من منادتهم "مسيحيين" وأن نكون على علاقة طيِّبة معهم، عارفين أنَّ لدينا، على الأقل، ايمانًا مشتركًا بالمسيح، ووأن نعيش بسلام خاصَّة مع عائلاتنا. إنَّ موقف القديس اينوكنديوس من الكاثوليك في كاليفورنيا هو مثال جيّد لنا. يكون موقفنا جدليًّا وقاسياً فقط حين يحاول غير الأرثوذكسيين أن يقتنصوا رعايانا أو أن يغيِروا تعاليمنا...

أما بالنسبة للأحكام المسبَقَة- هذه تنتمي إلى العالم وليس إلى الكنيسة. الأرثوذكسية لا تطلب منكِ أن تقبلي أيَّة أحكام مسبَقَة أو آراء حول العروق الأخرى أو الأمم الأخرى، ألخ...

مِثال القديس سلوان الآثوسي

موقف الأب سلوان من أولئك الذين يختلفون عنه كان يتَّصِف برغبة صادقة لرؤية ما هو صالح فيهم، وليس للإساءة إليهم في أيِّ شيءٍ يعدُّونه مقدَّسًا. بقي دائماً نفسه، كان مقتنعًا تماماً أنَّ الخلاص يكمن في التواضع الشبيه بتواضع المسيح، وبفضل هذا التواضع جاهد بكل نفسه ليفهم كلَّ إنسان من خلال أفضل ما لديه. وجد طريقه لقلب كلّ إنسان، لقدرة كلّ إنسان على محبة المسيح.

أتذكَّر حوارًا جرى بينه وبين أرشمندريت كان يعمل في حقل التبشير. هذا الأرشمندريت كان يقدِّر الشيخ (الستاريتز) عاليًا، وذهب عدَّة مرَّات لرؤيته خلال زياراته للجبل المقدس (آثوس). سأله الشيخ أيّ نوع من العظات كان يبشِّر الناس (الغير الأرثوذكسيِّين) بها. الأرشمندريت كان لا يزال شابًّا وعديم الخبرة، فأومَأَ بيده وتمايل جسمه وردَّ بحماسة، أقول لهم، ايمانكم كلّه خاطئ، منحرف. ليس فيه شيء صحيح، وإن لم تتوبوا لن يكون لكم خلاص.

سمعه الشيخ، ثم سأله، قل لي أيها الأب الأرشمندريت، هل يؤمنون بالرَّبِّ يسوع المسيح، أنَّه الإله الحقيقي؟

نعم، هذا يؤمنون به.

وهل يكرّمون والدة الإله؟

نعم، ولكنهم لم يتعلَّموا التعليم الصحيح حولها.

وماذا عن القدِّيسين؟

نعم، يكرِّمونهم ولكن بما أنَّهم ابتعدوا عن الكنيسة، فأيِّ قدِّيسين يمكن أن يكون لديهم؟

هل يحتفلون بالخِدمة الإلهية في كنائسهم؟ هل يقرأون الإناجيل؟

نعم، لديهم كنائس وخِدَم ولكن إن قارنت خدمهم بخدمنا لعرفت كم هي باردة وبدون حياة.

يا أبانا الأرشمندريت، الناس يشعرون في نفوسهم عندما يقومون بالشيء الصحيح، الإيمان بيسوع المسيح، إكرام والدة الإله والقدِّيسين، الذين يدعونهم في صلاتهم، فإذا أَدَنْتَ إيمانَهُم لن يصغوا إليك... ولكن لو أكَّدْتَ لهم بأنَّهم يصنعون حسناً بإيمانهم بالله وإكرامهم لوالدة الإله والقدِّيسين، وأنَّهم على حقّ بالذهاب إلى الكنيسة، والصلاة في البيت، وقرأة الكلمة الإلهيَّة وهكذا دواليك، من ثمَّ، أَشِرْ، بكلِّ لطف، إلى أخطائهم وأرِهِمْ ما يجب عليهم أن يعدِّلوه، عندئذٍ يمكن أن يسمعوا لك، والرَّبُّ يفرح بهم. بهذه الطريقة، وبرحمة الله، سنجد كلُّنا الخلاص...

الله محبَّة، ولذلك، يجب دائمًا أن ينطلق التبشير بكلمته من المحبَّة. حينئذ، يستفيد المبشِّر والسامِع. ولكن إذا لم تصنع شيئًا إلاَّ الإدانة، فنفوس الناس لن تنتبه إليك، ولن يأتي شيء حسن من تبشيرك.

عن: www. Orthodox info.Com/ inquiers/ how to treat the heterodox aspx

 


المسيحيــــون في الشــــرق

المطران جورج خضر

عن جريدة النهار، السبت في 13 تشرين الثاني 2010

"

كنتم خير أمّة أخرجت للناس
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"


هل غدا الذين قتلوا المصلّين في العراق من أمة المسلمين؟ من يقول لهم انهم خرجوا عن هذه الامة اذ ارتكبوا المنكر؟ من الأزهر الى النجف الشريف مرورا بكل مسلمي الأرض من يتلو عليهم من كتابهم: "من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعًا" (المائدة، 32)؟
لا استطيع ان أصدق ان مليار مسلم وما فوق لا يستطيع ان يضع حدًا لهؤلاء القتلة. خطبة الجمعة ضد الذابحين للمصلين الطاهرين لا تكفيني. الاستنكار في أفضل حال يعني ان عقلك أو وجدانك لا يقبل إبادة عابدين لربهم وقت العبادة. التنديد فرض إنشاء في أحسن حال ويبقى الدم المهراق دمًا.
المسلمون امة متماسكة لا تقبل الضيم ولا تُذل. هي شاعرة بوحدتها وشاعرة بقوتها اي انها ترفض المظلوميّة اذا حلّت بها. غير ان هذه الأمة ظالمة لنفسها وقابلة لتشويه صورتها ان قبلت سلطان هؤلاء المجرمين على سمعتها. انا لا أفهم الا يتحرك المسلمون من مكة الى اندونيسيا ضد المانعي الحياة بقطعهم عن الأمة اية كانت التسمية الفقهية لرذل هؤلاء.
قيادة هذا التحرك الإرهابي ليست مجهولة الإقامة. والقادة يتجولون بحرية كاملة في بعض الأماكن الجبلية في آسيا ليست بعيدة من رؤية الخبراء. والأقمار الصناعية لا تفوتها المعرفة. من يشرف على هذه الأقمار؟ الدول المجاورة وغير المجاورة عندها علم اليقين بهذا الوجود وهي صامتة اي ضالعة. السؤال هو من له مصلحة بإبادة الذين كانوا يصلّون في كنيسة سيدة النجاة؟ من يستفيد من قتل هؤلاء الشهداء؟الدول المطلعة على جغرافية هذه الكنيسة في بغداد ما هي؟ الشهداء انتقلوا الى المجد السماوي وهم يضموننا الى وجه الآب ويشددون الكنيسة لأننا الى أجسادهم المجيدة نحن منضمون. أُسكِت صوتهم بلحظات طعنهم وأخذهم مخلصهم الى صدره لأنهم باتوا أحبة.
دماؤهم قدّست العراق ورفعت شعبه البريء الى حضن الله. عظم العراق بدمائهم وعظم المسلمون الصادقون، الخيرون لأنهم وحدوا الناس جميعًا بشهادتهم التي أرست مقدارا من البر في هذا الشعب العربي المصلتة عليه سيوف الاجرام الى ان يقوم الله ويحكم الأرض والى ان نحج معًا الى القدس.

•••

اذا كانت مقادس الشرق زرعت في أرضه البرارة لماذا يجب ان يموت الأبرار، لماذا ينبغي ان تداس الطفولة. ولكن بورك الله وتعالى لتنزل نعمته على الدماء الطاهرة وتنطق بالحق.
من بعد ألمي أشفق على القاتلين الذين أوصاهم كتابهم الا يلبسوا الحق بالباطل (البقرة، 42) ولكني وددت ان أقول لهم انهم لن يقدروا ان يقضوا على المسيحيين لأن لهؤلاء سرا في تاريخهم وهو ان الشهادة منذ العصر الروماني كانت تكثرهم لأنها شهادة حبهم لمن آذاهم. هم غافرون أبدا ولا يحقدون لأن الحقد امحاء الانسانية في الانسان ويخطئ من ظن ان له ثمرا. "من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ" (متى 26: 52). من يبيد الآخرين يبيده الله ومن لا يستعمل السيف الله مملكته وحسبه الله.
حاولنا كثيرا ان نقتنع اننا لسنا اقلية لإيماننا في هذا العصر الحديث ان البشر باتوا مقتنعين ان الدين في القلب وانه ليس اداة تسلط أو تفريق وان الناس قادرون برفق ربهم ان يعيشوا معا وان يتشاركوا بحق وان يتجلّوا في كل علوم الأرض ويخدموها لمنفعتهم جميعا. وها نحن نرى ذلك في هذا البلد ونفرح له. ونموذج المشاركة الوطنية عندنا يمكن تصديره الى كل العالم العربي الذي كنا نحيا فيه معا حتى الآن. ولكن لنا عين على العراق وعين على مصر والأقباط الأحبة يستشهد منهم بعض كلّ سنة. وان كنت تعرفهم كما أعرفهم انا ترى ان ليس احد يتفوّق عليهم بحبهم لمصر وبخدمة لهم علمية فائقة في هذا البلد العظيم. الى هذا نوقن ان سوريا ولبنان وما بقي من فلسطين سالمة من الأذى الطائفي ولا محل للخوف على صعيد المواطنة ورجاؤنا الا يمتد داء العراق الى هنا لئلا تفقد العروبة ما فيها من بهاء مسيحي. اما اذا خشي الناس على مصير اولادهم فلا تحملوهم مسؤولية الهجرة. انها المرض العظيم.
في تموز أو آب السنة الـ 1975 كان المطران ايليا الصليبي راعي الأرثوذكسيين في بيروت قد جمع في دارته شخصيات لبنانية مسلمين ومسيحيين وكنت هناك فانتصب الشيخ بيار الجميل: وقال نحن المسيحيين خائفون وتصدى له تقي الدين الصلح رحمهما الله كليهما وقال له: أليس من العيب على الإنسان ان يخاف. فأجابه بيار الجميل أليس العار على انسان اذا أخاف. لست الآن في صدد دعم هذا وذاك ولكني أقول ان الخوف عيب على من مارسه وعيب على من تلقاه لكوننا في المواطنة منزهون ومتعالون عن كل خشية بشرية. احتسابي اننا في لبنان يؤمن أحدنا بالآخر. غير اني أود ان اؤكّد هنا ان ليست فئة منا راعية لفئة اخرى وان الوطن كافٍ ليرعانا جميعا. لا ذمية بعد ان الغتها السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر من القانون وأرجو الا تبقى في الذهن لأن الباقي على أرض الوطن والمهاجرين عنها، اذ ذاك، في خطر.
اود ان أعتقد ان ليس من مشروع يسمى أسلمة الأرض اذ يعني في آخر المطاف ان يهجر المسيحيون اماكنهم بسلاسة وتهذيب.
أنا مؤمن ان المسلمين اللبنانيين جديون وصادقون عندما يؤكّدون تمسكهم ببقاء المسيحيين. لقد نما بيننا الشوق من زمان بعيد والصداقات طيبة كما علاقة العائلات. غير ان هذه العلاقات يجب حمايتها سياسيًا واقتصاديًا فيما نقوّي الدولة كل جوانبها.
الا اننا اخوة مع مسيحيي العراق ومصر واسرائيل وفيها خوف خاص على المسيحيين بعد إعلان نفسها دولة يهودية ولست ابرئها بشكل أو بآخر من الاختلاط بالحركات الإسلامية المتطرفة تكفيرية كانت أم غير تكفيرية.
ومسك الختام اننا ملقون على صدر المسيح الذي وعدنا بأنه يكون معنا الى منتهى الدهر. لأنه هو - لا نحن- الدهر كله. نوقن اننا باقون حتى مجيئه واننا أحياء في هذا الجسد أو خارج هذا الجسد. ولكن هذا عند المسيحيين والمسلمين مشروع تقوى الى ان يرث الله الأرض وما عليها.

المطران جورج خضر

عن جريدة النهار، السبت في 13 تشرين الثاني 2010

 

عظة صاحب السيادة المتروبوليت جاورجيوس (خضر) في عيد الملاك ميخائيل في دير مار ميخائيل بقعاتا 8 تشرين الثاني 2010

 

باسم الآب والإبن والروح القدس آمين،

يا أحباء انطلق من اسم القديس الذي نعيد له اليوم ميخائل وهو يعني من مثل الله". إذا ذكرنا ميخائيل نكون ذاكرين خدمته لله! الملائكة فقط تدعى وليس بين القديسين من هو غير خادم له للملائكة خدمةٌ أولى هي تسبيح الرب. هم يتحلقون حول العرش السماوي ويذكرون الله هذا أهم عملٍ يقوم به. وهم تالياً يذكروننا نحن البشر أن أهم موقفٍ لنا أمام الله، أن نسبحه! الأمر الثاني أنهم أرواح مرسلةٌ للخدمة لخدمتنا نحن أي أنهم إذا أحبوا الله لتمجيده فوق في السماويات ينزلون من هذا التسبيح إلى خدمتنا نحنُ هم الملائكة خدامنا نحنُ لسنا خدامهم نحنُ. وميخائيل من هؤلاء الخدام. ولكن إذا خدمنا مبعوثٌ من الله يُعيدنا إلى الله المهم أن يُعيدنا بالتوبة إلى الله، لا عودة أخرى لا وجود لنا نحنُ في الحقيقة إلا إذا سرنا وراء الله وإذا استمررنا المسيرة ورائهُ هذا كل شيء نحن ما وُجدنا بالشيء آخر خُلقنا للحب الإلهي وأن نوزعُ هذا الحب فيما بيننا نحتسب أنكم جئتم لهذا اليوم هل هو ازدحام حول ميخائيل؟

أم أزدحامٌ حول من يسبحهُ ميخائيل؟

الأمر الأخير أن هذه الأخوية القائمة هنا شُغلها ملائكيٌ بمعنى أنها وُلدت للتسبيح! تسمعون في هذا البلد وفي هذه المنطقة أن رهبانكم أنتم الأرثوذكس هل يعملون شيء؟ ولا أحد يعتقد أن التسبيح هو شيء هو أهم شيء، أنه إذا عملتم سيارات وطيارات وتكلمتم بالسياسة هذا أهم من التسبح! نعم الرهبان الأرثوذكس لا يعملون سوى تسبيح هم يقدسون أنفسهم ويحلّقون أو يحاولون أن يحلقوا كالملائكة. إذا التقى كم واحد هنا في هذه الأبرشية وفي غيرها أشخاص يحبون الله عن هذه الطريقة طريقة تسبيح ماذا نقول لهم تعالوا لكي تشتغلوا وزراء ونواب لأنه هكذا تفيدون البشرية لأنكم وأنتم تصلون لا تفيدون البشرية هذا فساد هائل في التفكير. أن الكلام مع الله عمل ثانوي لأن المهم أن نصنع سيارات وطيارات الخ... هذه الأخوية القائمة هنا لتذكرنا نحن الغارقين في أعمال الدنيا، لتذكرنا أن هذه الدنيا الذي خلقها الله ليُخرج منها نسبيحاً ليس هذا مهم نحن نريد أن نعيش ونربي أولادنا لكن الأهم هو الحب لله. سنحاول نحن العائشين في الدنيا سنحاول لأن هذا صعب سنحاول أن نشكر الله لأنه أعطانا من يقوم بالأعظم وهو الغرق بالله! فهتم أو لم تفهموا كثيراً جئتم لأن عندكم شعور في هذا اليوم أن تمجيدكم للرب في هذا المكان هذا هو ما تحبونه بالدرجة الأولى.

 

 

مقابلة مع طالب لاهوت صيني في روسيا

 

في تشرين الثاني 2008 أُرسِلَ  Vassili Romanov، مسيحي أرثوذكسي من Habrin ، إلى معهد اللاهوت الأرثوذكسي في Belgorod. كان هدفه دراسة الثقافة المسيحية الأرثوذكسية واللغة الروسية. منذ البداية، نجح Vassili بالتأثير على العديد من الطلاب. دأبت مجموعة صغيرة، في السهرات، على اللقاء في غرفته التي أصبحت مكاناً لضيافة الشاي الصيني.

لأنَّ Vassili لم يتمكن من التكلّم بالروسية، استعمل قاموسًا صينيًّا- روسيًّا. تعلّم المشاركون في هذه السهرات بعض العبارات الصينية كـ "hao" أي "جيّد" و "buhao" أي "سيِّء". هكذا، على الرغم من صعوبة التواصل لغوياً، كان السمراء يصغون بانتباهً.

بما أن Vassili كان يعمل في المجال الصحيّ. كان يشارك الحاضرين خبرته في الطب الصيني من خلال الإستعانة بالقاموس أو بمترجم.

في بعض الأحيان كنا نتجمع للغناء برفقة الغيتار. Vassili مغنٍّ كبير. كانت أغنية "podmoskovnge Vechera" (وهي أغنية روسية) عندما تغنّى بالصينية شعبية لطلاب اللاهوت. أهمّ شيء عن Vassili أنه كان من المستحيل أن تشعر بالحزن أثناء حضوره. أصبح مثلاً أعلى لنا. بمجرد النظر إلى هذا الشخص تحصلون على قوَّة المحبة المسيحية الملحوظة التي تغلب كل شيء.

 

كان أمرًا مهماً لنا أننا تعلمنا من Vassili من خلال معرفة بعض ما فعله في حياته وبعض المعلومات عن الأرثوذكسية في الصين. وقد كنّا نعرف الطالبة الصينية في جامعة بلغراد Zhang Yang التي ساعدتنا في هذا المجال، أيضًا.

 

كيف تعرفتم على الكنيسة يا فاسيلي؟

ولدت في عائلة مسيحية أرثوذكسية. جدِّي كان كاهناً. في تموز 2008 وصلت إلى هونغ كونغ حيث عمَّدني الأب ديونيسي Pozdnayev.

قل لنا، رجاءً، لماذا أتيت إلى هنا، ومن وجَّهك إلى هذا المكان؟ إلى هنا؟

أتيت إلى هنا (Belogorod) عملاً بنصيحة الأب ديونيسي. عائلتي تعود جذورها إلى Albazinians ومنذ وقت طويل اتصلت بالأرثوذكسية.

كان الأمر صعباً جداً على أهلي، حين لم يكن هناك كنيسة مسيحية أرثوذكسية في الصين. لكن، بدون شك، حافظوا على ايمانهم. أحاول أن أنقل تقليدنا الأرثوذكسي للأجيال الجديدة. البعثة الأرثوذكسية غنية جداً وخيرّة. أتيت إلى روسيا لتحقيق الفكرة المسيحية للمحبة التي تجعل الناس يهتمون ببعضهم البعض.

       نجحت في الحصول على كل العطايا التي كنت بحاجة لها. السبب الرئيسي هو احترام مهمة أجدادي. أريد أن أكون مكمِّلاً لهذه المهمة.

 

ما هي العلاقة التي تبنيها بين الأرثوذكسية والحضارة الصينية يا فاسيلي؟

الأرثوذكسية والحضارة الصينية لهما نفس الفكرة المشتركة، و هي حبّ كل شيء. الكنفوشيوسيّة أثَّرت كثيراً بحضارتنا. كونفوشيوس مكرَّم من قبل الصينيين كشخص "إلهي". من أقواله:"لا تصنع بالآخرين ما لا تريد أن يفعل الآخرون بك" و "الإنسان الكريم يحبّ الجميع". هذه الفكرة عن المحبة، نراها بالمقابل في الأرثوذكسية. هذه الفكرة تعلمنا حبّ الآخرين، لكي نساعدهم. لكن هناك اختلاف كبير بين هاتين الثقافتين. الصينيون لا يركزون على صلاتهم وعلى التجربة الروحية كالأرثوذكس. لدينا مثل: "الإنسان الكريم يجب أن يحقق انجازات لكي يكون مثلاً أعلى للآخرين". هذا يعني أنه يجب أن نعمل الكثير للمجتمع خلال حياتنا القصيرة. إذا رَكزت الأرثوذكسية، اليوم، على المحبة ومساعدة الآخرين تكون قد اهتمّت بالحياة الداخلي للإنسانة. برأيي على الأرثوذكسيين، اليوم، أن ينشروا كلام الله والعمل أكثر للخير العام.

 

قل لنا، من فضلك ما هي خططك للمستقبل؟

خلال عطلة الصيف، لدي نيّة لمناقشة موضوع الأرثوذكسية مع الحكومة الصينية، لأنه ليس هناك أي قرار رسمي بخصوص المؤمنين الذين يأتون إلى روسيا لدراسة الثقافة الأرثوذكسية واللغة الروسية. لدي نيّة لمناقشة أسئلة حول إندماج الكنيسة الأرثوذكسية بالمجتمع في الصين ولإرسال الطلاب المسيحيين إلى روسيا للتعلّم.

الحكومة الصينية اليوم تفضّل الأرثوذكسية، لأن القانون يحمي كل ديانة تؤثِّر بشكل بنَّاء في حياة المجتمع. لم يكن الأمر هكذا في السابق. عرفنا بعض البعثات الأرثوذكسية التي كان لها أثر سيء.

اليوم، أيضًا، هناك الكثير من الأماكن لعمل البعثات في الصين، ولكن هناك القليل من العمال لهذا الأمر.

 

ما هو انطباعك يا فسيلي حول معهدنا؟

تكوّن عندي انطباع إيجابيّ حول معهد اللاهوت. هذه المرة الأولى التي آتي فيها في إلى روسيا. في البداية، كان كل شيء غريباً عليّ، ولكن في جدران المعهد هناك جو ساعدني على التأقلم. طلاب المعهد هم محبون لي، ودائماً مستعدون وجاهزون لمساعدتي. أباركهم على هذا العمل.

جريدة النهار: السبت 06 تشرين الثاني 2010 - السنة 78 - العدد 24215

خضر: رجاؤنا ان يأخذ البابا بما قاله الأساقفة العرب

كتبت هالة حمصي

عقد بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس اغناطيوس الرابع ومطارنة الطائفة في لبنان اجتماعا في المقر البطريركي في البملند الخميس، شكلت خلاله توصيات سينودس الكنيسة الكاثوليكية الخاص من اجل الشرق الاوسط موضوع تداول ومناقشة. "الغاية الاساسية للاجتماع كانت البحث في السينودس"، على ما يفيد "النهار" متروبوليت جبل لبنان وتوابعه للروم الارثوذكس المطران جورج خضر الذي مثّل الكنيسة الارثوذكسية الانطاكية في السينودس، مشيرا الى "ان الآباء المجتمعين استطلعوا السينودس وناقشوا بعض توصياته".
ويقول: "ما هو مفهوم ومقرر منذ انتهاء المجمع الفاتيكاني الثاني في عهد البابا بولس السادس ان الكنيسة الكاثوليكية ليس فيها مجامع تقرر، بل لديها مجامع تتشاور. لذلك، فان موقف الناس من هذا السينودس ينبغي ان يكون متواضعا، بمعنى انهم لا يستطيعون ان يأخذوا توصياته على انها نهائية، وسيصدر البابا بينديكتوس السادس عشر خلال سنة ما يعتبره اساسيا في رؤية الكنيسة الكاثوليكية للشرق الاوسط. من البدء، ينبغي القول ان هذا السينودس اقتناع كاثوليكي للشرق الاوسط مبني الى حد ما على اللاهوت الغربي، لكنه في الدرجة الاولى قراءة للواقع في هذه المنطقة من العالم".
وفي حدود هذا، تداول الآباء المجتمعون الموضوع. "لدينا توصيات صدرت من آباء المجمع الى رعاياهم في الشرق"، على قوله. وفي هذا يرى "امرا جديدا، يدل على ان آباء السينودس لهم كلمة يقولونها لرعاياهم. وهذا امر جيّد". ويلفت الى انه "لم يُفهَم صراحة ما يعرفه من حضروا السينودس وشاركوا فيه ان المجمع مجلس استشاري للبابا. وفي اعتقادي، الشيء المحق".
والتعبير "سينودس كاثوليكي" يعني بالنسبة الى خضر ان "بقية المسيحيين في المنطقة وخارجها لم يُستَشاروا بشيء اطلاقا. لكن السينودس حيّاهم، قائلا انهم اخوة، والارثوذكس في شركة شبه كاملة مع الكرسي البابوي، وحيّا ايضا الانجيليين بكلمات قليلة. وركّز كثيرا على اليهود والمسلمين". وتَعامُل السينودس مع هؤلاء "كان رائعا"، على وصفه. "لقد حاضروا في السنيودس محاضرات نظامية، بينما لم يُطلَب من بقية المسيحيين اي محاضرة".
وفي هذا يجد "دلالة على ان الكنيسة الكاثوليكية اخذت ترى ان من تتعامل معهم هم اليهود والمسلمون. ولم يكن اي شعور، خصوصا في غياب النص، بان رؤية المسيحيين لليهود في فلسطين، والمسلمين، يقوم بها في التآخي والبحث والتحليل المسيحيون مجتمعين. وحدهم الكاثوليك. وعلينا نحن ان نتفرج على هذا".
وهل يترك هذا الامر لدى الارثوذكس خيبة ما؟ يجيب: "لا، لم نُستَشَر منذ البدء في اي شيء. ومن تراث الكنيسة الكاثوليكية من مئات الاعوام ان تعقد اجتماعات يكون الارثوذكس معنيين بها، ولا تباحثهم في شيء، وهم يطلعون من الخارج عندما تنتهي الامور. لكن الآباء الارثوذكس المجتمعين البارحة كانوا فرحين بان جزءا من المسيحيين في هذا الشرق-وهو الجزء الاضعف عددًا اذا نظرنا الى الاقباط - بحث في امور المنطقة".

"شيء جديد تماما"

ويتكلم على "شيء جديد تماما" لاحظه مَن تتبع مجريات الامور في الفاتيكان، هو ان "التقرير عن اليهودية واليهود الذي كان بارزا في التقرير الاساسي الذي عرض على المجتمعين تضاءل جدا في البيان الختامي للسينودس، وارتفعت اسهم المسلمين من حيث كمّ السطور والحجم". وما يلاحظه ايضا انه "كان دور للكاثوليك العرب، ولا سيما الموارنة، في تغيير هذه المعادلة".
الاهم في رأيه ان "ما بدا على ان الكاثوليك العرب لا يتحسسون هذه الاهمية الكبيرة التي يوليها اللاهوت الغرب لليهود، كان واضحا انهم مخلصون لتراث الآباء الذي قضى على اليهودية بابيها وامها. واللافت ايضا في هذا المجال ان بعض الكاثوليك العرب رفض عنف الاله اليهودي وفكرة ارض الموعد".
بالنسبة الى الكنيسة الارثوذكسية، "تقتضي الحكمة ان ننتظر ما سيقوله البابا، وما سيصدره مما قد يسمى ارشادا رسوليا. نتابع ما يجري في الفكر الكاثوليكي حول هذه المنطقة بمحبة"، يقول خضر. والسؤال عن تمنياتها في هذا الشأن يجيب عنه "بانني لا اعتقد انها ستجتمع لتحدد موقفها. فهي ليست موضع تحد من السينودس. والكنيسة الكاثوليكية هي التي ارادت ان تتوجه مباشرة الى الشعب العربي عموما، والمسيحيين الكاثوليك رعاياها خصوصا. واذا سار الرعايا الكاثوليك في توجيه السينودس، يكونون انتقلوا الى دور فاعل".
وفي تفعيل توصيات السينودس ميدانيا، "يجب النظر هنا الى النص، توصية توصية"، على قوله. "هذا النص ليس جبلا، لكن هناك كلمات كثيرة نافعة وبناءة". وخلال اجتماع الخميس، اطلع البطريرك اغناطيوس الرابع والمطارنة "اطلاعا دقيقا على التوصيات"، وبالطبع سررنا، خصوصا ان آباء السينودس لم يعيروا في البيان الختامي انتباها كبيرا لليهودية واليهود، كما كان في التقرير الاصلي. وهذا امر مهم جدا".
بعد هذا الاجتماع، يطلع البطريرك المطارنة الارثوذكس في سوريا على مختلف الامور، ولا سيما من خلال النصوص الفاتيكانية المتعلقة بالسينودس. "ولا بد في اجتماعنا السنوي في فترة الفصح، من ان ننظر الى الكلام الذي قيل". وفي هذا المجال، فان اكثر ما يلفت خضر "هو قول السينودس للكاثوليك انه لا ينبغي من الآن فصاعدا ان تنظروا، في الشأن المجتمعي السياسي، الى حريتكم والحقوق التي لكم في اوطانكم والطمأنينة الى رسالتكم ومتابعة حياتكم، بل ينبغي دائما وباستمرار ان تنظروا الى حقوق كل المواطنين معا، مسلمين ومسيحيين، والى حرياتهم. وهذا كلام جديد في الكثلكة".
وقراءة خضر في هذا المجال تقوده الى الاعتقاد ان "البابوية ارادت ان تخرج الكاثوليك من اهتمامهم الكبير بانفسهم وان ترميهم في الخضم الوطني في كل مجتمع يعيشون فيه". وتجاه ذلك، يمكن القول ان "البابا سيعير اهمية خاصة لهذا السينودس... وبعدما سمع ان رعاياه العرب يهتمون اهتماما اكبر بالمسلمين (من اليهود)، لم يبق ممكناً له ان يخرج من هذا الاطار. واعتقد انه سيدخل الكثلكة في الحياة العربية". ويتدارك: "حان الاوان للكثلكة ان تفهم انها جزء من العالم المسيحي، وانها تكلم مع كل المسيحيين العالم الآخر غير المسيحي. ورجاؤنا ان يأخذ البابا بكثير مما قاله اخوانه البطاركة والمطارنة العرب". 

الكنيسة مكان لإعادة الولادة

معرّب عن الفرنسية من كتاب "اليانبيع" لأوليڤيه كليمان

(رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده)

 

    ** الكنيسة هي العروس والأمّ في آن.

 

    ** لا يقوم مفهوم الكنيسة الأساسيّ على اعتبار أنّ لها الأولويّة الاجتماعيّة فقط. هي ليست مجرّد جماعة تجتمع مع بعضها البعض، إنّما يرتكز تأسيسها على عمل الروح القدس فيها، ويبرز من خلال سرّ قوّة القيامة داخلها. هي تحمل لنا سرّ المسيح القائم الذي جعلنا نشترك نحن أيضاً في قيامته.

 

    ** الكنيسة هي حوّاء الجديدة التي وُلدت من ضلع المسيح كما وُلدت حواء الأمّ الأولى يوماً ما من ضلع آدم. وُلدت الكنيسة من جنب المسيح الطاهر المطعون بالحربة الذي أفاض لنا الماء والدم (يو 34:19). إنّه ماء المعموديّة ودم الافخارستيّا. لقد غرّق المسيح الكون كلّه بالأمواج الإلهيّة المطهِّرة. أنبع للعطاش ينبوع ماء حيّ من جنبه المطعون بالحربة. هذه هي الكنيسة التي خرجت من جنب المسيح المجروح الطاهر، والتي جعلها عروسة له بهيّة.

 

لأوريجنس على المزمور (31:77)

 

    ** الكنيسة في عمقها ومداها الحقيقيّ ما هي سوى هذا العالم السائر على طريق التجلّي، هي العالم المتجلّي الذي يصبح، بالمسيح، شفّافاً يعكس لنا رؤية الفردوس انعكاساً تامّاً. إنّه فردوس حضور المسيح نفسه الذي استطاع أن يقول للصّ المؤمن المصلوب إلى جانبه: "اليوم ستكون معي في الفردوس" (لو 23:43). العالم بالمسيح هو ما يُعرف أيضاً بالسماء الجديدة والأرض الجديدة. أيّ السماء والأرض المتجدِّدتان، واللتان تبلغان إلينا من خلال أسرار الكنيسة، وكذلك من خلال معرفة الكتاب المقدّس وكتب الآباء التي تُعتبَر، هي أيضاً، نوعاً من السرّ كونها ملهمَة من الروح القدس. على أيّ حال، كلّ الأسرار على اختلاف أنواعها ليست سوى شكل يبرز لنا كلّ أسراريّة الكنيسة الذي ينبض قلبها من خلال سرّ الأسرار الذي هو الإفخارستيّا.

 

    ** علينا أن نلجأ إلى الكنيسة، ونحتمي في كنفها، ونرضع من لبنها كما نغتذي من الكتاب المقدس الذي يحوي على أقوال السيّد، لأنّ الكنيسة قد غُرست في العالم كفردوس آخر.


للقدّيس إيريناوس أسقف ليون ضدّ الهراطقة

    ** إنّ للكنيسة حضوراً أسراريّا إذ تجسّد بالروح القدس سرّ المسيح القائم وتمثّله. تقوم الكنيسة وتحيا وتنمو من خلال عمل الروح القدس الكائن فيها. من هنا، من هذا المفهوم، انطلقت الكرازة الرسوليّة، وانتشرت البشرى السارّة، وبقيت حيّة وواقعيّة ومتماشية مع شهادة الأنبياء والرسل والتلاميذ الذين حملوا البشارة، وعلمّوا الإنجيل.

 

    ** إنّ التقليد الذي وصل إلينا بكلّ دقّة وأمانة، ويُعتبر كمحرّك للكنيسة، يشير إلى حضور الروح القدس الفاعل والمحيي في جسد المسيح الذي هو الكنيسة. لم يكن وجود الروح القدس في الكنيسة، يوماً، مجرّد انتقال من جيل إلى جيل، إنّما هو يعمل من أجل تجديد المؤمن وإحيائه. يفيض الروح القدس في جسد المسيح السرّيّ، كما يفيض أيضاً في كلّ مكان يعمل فيه، في التاريخ وفي الكون. الكنيسة حاضرة أبداً بشكلّ سرّيّ بحضور الروح القدس فيها.

   

    ** ما من قشّة صغيرة إلاّ وتنمو في الكنيسة، وما من مسير للكواكب إلاّ ويدور حولها، ولا يوجد بحث عن الحقيقة والعدالة والجمال إلاّ فيها. كلّ وقفة تأمّل، وكلّ نبذة حكمة لا تنبع إلا من خلالها، وكلّ احتفال أو طقس لا يقام إلاّ فيها.

   

    ** كرازة الكنيسة لنا هي ذاتها في كلّ مكان وزمان، وستبقى هي نفسها لا تتغيّر كونها مرتكزة على شهادة الأنبياء والرسل والتلاميذ منذ البدء وعبر العصور. وسيبقى عمل النعمة قائماً فيها أبداً ومن خلال كلّ تطوّراتها. يرتكز عمل الكرازة فيها على عمليّة الخلاص المستمرّة التي دبّرها الله لنا، والتي أصبحت حقيقة إيماننا. هذا الإيمان الذي أخذناه من الكنيسة، والذي نحفظه داخلنا، لم يتوقّف بفعل نعمة الروح القدس. هو يتجدِّد دائماً، ويجدِّد، أيضاً، الوعاء الذي يحويه. هذا الإيمان ما هو سوى مشروب روحيّ دُفع ثمنه على الصليب. لقد أسبغ الله نعمته على الكنيسة المؤتمَنة على كنز الإيمان هذا كي تحصل كلّ الأعضاء على الحياة، كما نفخ روحه القدّوس، قتاً ما، لكي يُحيي به الجسد الذي سبق وجبله، هذا الجسد الذي يحوي داخله المسيح كلّه من خلال الروح القدس الذي هو ختم عدم الفساد، وتثبيت الإيمان وتوطيده، وسلّم الصعود نحو الله. فحيث تكون الكنيسة هناك روح الله أيضاً، وحيث يكون روح الله هناك تكون الكنيسة وكلّ نعمة. والروح الإلهيّ هو الحقيقة كلّها.

 

للقدّيس إيريناوس أسقف ليون ضد الهراطقة

 

    ** من الممكن أن تكون الكنيسة، التي هي عروس المسيح، في وجهها البشريّ والإنسانيّ المحض غير أمينة له، أمّا هو (أي المسيح) فيبقى أميناً، ويهب ذاته لها. إنّها جسده. جعلها لنا أمّاً للحقيقة حيّة على الدوام، ومكاناً لإعادة الولادة بالروح أي تجديد الولادة.

 

إيقونة السّيّدة الخوزبيّة
 (Hozoviotissa)

                                              


يقع دير الخوزوفيوتيسا (السّيّدة الخوزبيّة) في جزيرة أمورغوس، وهو من أقدم الأديرة اليونانيّة، أسّسه الأمبراطور ألكسيوس كومنينوس الأوّل في القرن الحادي عشر 1088 م. بحسب التقليد المتناقل الشفهي والمكتوب يرجع تاريخ الإيقونة العجائبية الموجودة في الدير إلى القرن التاسع زمن حرب الإيقونات. وقد انتقلت بطريقة عجائبيّة من خوزبى في فلسطين عبر قبرص وحملتها الأمواج حتّى شاطئ الجزيرة. يروي التقليد أنّ الإيقونة كانت منقسمة إلى جزئين ولدى التطامها بالصخر التحم القسمان عجائبيًا وتلقفها النساك الّذين كانوا يعيشون حينها في شقوق الصّخور هناك
الشهادات عن تأسيس الدير عديدة وموجودة في سجلات العديد من المطارنة ومحفورة على أواني كنسية أيضًا. يُعتبر الدّير توأمًا لدير القدّيس يوحنّا الحبيب في جزيرة باتموس. بالإضافة إلى الإيقونة الخوزبيّة (Hozoviotissa) المدعوة أيضًا مافروماتاس (ذات العيون السوداء) يوجد إيقونة مشابهة لها أصغر حجمًا تُعرف بإيقونة السّيّدة المسافرة (Taxiziotissa). ويغطي الإيقونتين غلاف من الفضة. يُعيّد للسّيدة الخوزبيّة في 21 تشرين الثّاني في عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل.
 

 

الأبوّة الروحيّة

مترجم عن اليونانية

(رهبنة دير مار يعقوب الفراسي المقطَّع – دده)

 

    تحتلّ الأبوّة الروحيّة مركزاً هامّاً في حياة الكاهن الليتورجيّة. وهي ليست أمراً بشريّاً إذ تعتمد بشكل أساسيّ على موهبة الروح القدس المنسكبة على الكاهن المعرّف والمؤمن المعترف على حدّ سواء أثناء الاعتراف. للأبوّة الروحيّة شقّان: الاعتراف كسرّ كنسيّ حيث يتقدّم المؤمن ليقرّ بخطاياه تائباً، وبالتالي ينال حلاً عنها. والاسترشاد حيث يطلب الابن الروحيّ إرشاداً خاصّاً للارتقاء بمسيرته الروحيّة، أو بركة لقرار ما أو حلّ لما يعترضه من مشاكل اجتماعيّة أو عائليّة. تعتمد كلتا الحالتين على الكتاب المقدّس وفكر الآباء. تحتاج الأبوّة الروحيّة إلى يقظة وانتباه كبيرين، لذا من المفيد أن نبيّن من خلال هذه الأسطر الشروط التي تتطلّبها لكي يستطيع الكاهن أن يقوم بها على أكمل وجه.

    ليست ممارسة الأبوّة الروحيّة نتيجة حتميّة وفوريّة للشرطونيّة الكهنوتيّة، لذلك لا يتمتّع بها الكاهن، عادة، عقب رسامته، بل يتريّث الأسقف، وذلك بحسب التيبيكون الكنسيّ، ويبحث في الكاهن عن نضوج روحيّ عالٍ يكون قد اكتسبه بجهاده الروحيّ الشخصيّ، ثمّ يُمنح بعد ذلك بركة هذه الممارسة. النضج الذي نتكلّم عنه، إنّما هو ثمرة الروح القدس الذي يفعل بمقدار ما يتواصل الكاهن مع ربّه. ليس الكاهن هو القناة الروحيّة لتوصيل النعمة الإلهيّة وحسب، بل هو إناء للنعمة الإلهيّة يفيض لأبنائه بالبركة السماويّة. إنّ سرّ الكهنوت والنعمة الإلهيّة يؤهِّلان الكاهن لعيش ملء الكمال من أجل قداسته وخلاصه الشخصيّ أوّلاً، ثمّ من أجل قداسة وخلاص الآخرين. ولقد قال الرسول بولس موجّهاً كلامه إلى رعاة كنيسة أسيا الصغرى: "احذروا لأنفسكم ولجميع القطيع الذي أقامكم فيه الروح القدس أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أع 28:20). من الملاحظ بأنّ الآباء المعرّفين في الكنيسة أمثال سيرافيم ساروفسكي وغيره لم يزاولوا مهمّة الأبوّة الروحيّة إلاّ في سنّ متقدّمة عندما أهّلهم الروح القدس لهذا.

    يجابه الأب الروحيّ لدى المؤمن مواضيع وخطايا متشعّبة وكثيرة، بل ومعقّدة أحياناً. ولمواجهة هذه المشاكل، يحتاج الأمر، إلى اقتران موهبة الروح القدس الفاعلة، بروح الرعاية المفترض وجودها لدى الكاهن المدعو لممارسة الأبوّة الروحيّة. على الأب الروحيّ أن يكون ملمّاً بقواعد وعلم الرعاية الصحيحة والمنزّهة، ونشكر الله لأنّ أيّامنا هذه توفّر للكاهن الكثير من الكتب والمصادر العلميّة الأخرى الذي يستطيع من خلالها الاطّلاع على أصول الرعاية وكيفيّتها.

    الأب الروحيّ الذي يولي نفسه ثقة كبيرة، ويؤمن بأنّه "يعلم كلّ شيء" لمجرّد كونه كاهناً لا يكون أهلاً لهذه الأبوّة. عليه بالأولى أن يوقن بعدميّته وعجزه، وأن يحاول دوماً أن يكتشف النقص في رعايته، ويرأب الخلل متى حدث. ينبغي أن يكون حذراً، فلا يعطي أجوبة أو حلولاً لأمور يجهلها أو لا يفهمها فهماً وافياً، بل ليدرس أوّلاً المشكلة المعروضة، أو السؤال المطروح، بتفهّم ورويّة، وليسأل من هم أكثر خبرة ومعرفة منه، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يجب عليه أن يكون مطّلعاً على بعض النواحي المتعلّقة بالتحليل النفسيّ الذي يعالج مشاكل ومواضيع نفسيّة جسديّة، وليست روحيّة. من المعروف أنّ معالجة بعض المشاكل النفسيّة تعتمد جذريّاً على المعالجة الروحيّة. كما أنّه في بعض الحالات التي يظنّها المؤمن روحيّة، ويلجأ فيها إلى الكاهن، لا تُعالَج روحيّاً، بل يعتمد علاجها إلى علم النفس. وبناء عليه، على الأب الروحيّ أن يميّز بين الحالات النفسيّة الواضحة وتلك التي تكون روحيّة صرفة، وتتعلّق بخلاص الإنسان وتقدّمه الروحيّ.

    ليس كلّ الرجال المتزوّجين هم آباء، فالإنجاب هو عطيّة من الله. يشير الرسول بولس إلى الاختلاف ما بين المربّين والآباء، فالمربّون يعلّمون الأولاد، بينما الآباء يلدونهم: "لأنّه ولو كان لكم ربوة من المؤدِّبين في المسيح ليس لكم آباء كثيرون لأنّي أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1كو 15:4).

    الأبوّة الروحيّة هي موضوع غاية في الأهميّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة. فالكنيسة مؤسّسة مواهبيّة تعطي كلاً من الأبوّة الروحيّة والمحبّة والرحمة بُعداً أخرويّاً أزليّاً واستمراريّاً. الكنيسة هي "فندق" محبّة الله، وفيها تمارَس الأبوّة الروحيّة. المؤمنون الذين يلجأون إلى الكنيسة تتوفّر لهم فرصة التعرّف على أبوّة الله، وتلقّف غناه الذي لا ينضب. تُترجم أبوّة الله داخل الكنيسة بطرق متعدّدة خاصّة من خلال علاقة المحبّة ما بين الإنسان والله.

    الأبوّة الروحيّة هي هبة من الروح القدس تُمنح للكاهن أثناء سرّ الكهنوت المقدّس، لذا فخارج الكنيسة وخارج سرّ الكهنوت لا يوجد أبوّة روحيّة مسيحيّة. من الممكن أن تتولّد علاقة روحيّة شخصيّة متينة ما بين مؤمن وأيّ مؤمن عاديّ آخر، ولكنّها ليست علاقة مواهبيّة أسراريّة. فقساوسة الكنيسة البروتسانتيّة، مثلاً، هم، بدون ريب، مبشّرون يعلّمون كلمة الإنجيل، ولكنّهم ليسوا آباء روحيّين على الإطلاق، لأنّهم لا يملكون نعمة سرّ الكهنوت. ولقد نادى أحدهم قسّاً بروتستانيّاً عفواً باسم "يا أبونا"، فأجابه أنا لست أباً، بل معلِّماً. لا بدّ لنا هنا من الإشارة بأنّه قد تقوم علاقة انفتاح وإرشاد لدى رئيس دير (أو رئيسة) قد تأخذ صفة الأبوّة الروحيّة، ولكنّها لا تخضع بأيّ حال لسرّ ما، ولا تأخذ طابعاً أسراريّاً بالمعنى العامّ. ولذلك يتوقّف دور هذا "الأب الروحيّ" عند الإرشاد فقط على أن يعطي الكاهن الحلّ "للابن الروحيّ" في سرّ الاعتراف. ولنا مثال على هذا العديد من الآباء الروحيّين في الجبل المقدّس وغيره الذين يتعدّى إرشادهم دائرة الدير مع أنّهم ليسوا بكهنة. وهنا نستطيع أن نشير إلى أنّ هذه العلاقة تأخذ وجهاً أسراريّاً، نوعاً ما، باعتبار أنّ الرهبنة هي السرّ الثامن في الكنيسة، وبأنّ هذه العلاقة القائمة ليست علاقة بين شخصين علمانيّين.

    الفرق شاسع بين علاقة الأب بأولاده، وبين علاقة الكاهن بأبنائه الروحيّين. فالأولى علاقة طبيعيّة بشريّة، والثانية علاقة روحيّة صرفة من عمل الروح القدس. كذلك أيضاً يقيم الأطبّاء النفسانيّون علاقات بينهم وبين مرضاهم، ولكنّها علاقة مبنيّة على العلم وليست روحيّة مقدّسة. المساعدة التي يقدّمها الطبيب النفسانيّ هي مساعدة علميّة، بينما تقدّم الأبوّة الروحيّة مساعدة فوق الطبيعة، مساعدة النعمة الإلهيّة.

    تأخذ العلاقة بين البشر خارج الكنيسة وجهاً اجتماعيّاً أو إداريّاً في حين تكون العلاقة بين الكاهن والمؤمن داخل الكنيسة علاقة أبّوة روحيّة. فالمؤمن ينادي الكاهن بلقب "أبونا"، وهذا ما يُظهر بأنّ الكاهن في الكنيسة هو أب المؤمنين. والمؤمنون، رجالاً ونساء، تربطهم بالكاهن علاقة تتميّز بالبنوّة الروحيّة. الأبوّة الروحيّة عنصر مهمّ جدّاً للتعرّف إلى الروحانيّة الأرثوذكسيّة العميقة. تظهر كلّ جوانب الحياة الكنسيّة بكونها ذات صفة جماعيّة يشترك فيها المؤمنون كافّة: الخدم الكنسيّة، القدّاس الإلهيّ بما فيه المناولة المقدّسة التي يشترك فيها غالبيّة الشعب، الأسرار...، فيما تكون العلاقة بين الكاهن وابنه الروحيّ هي علاقة شخصيّة فرديّة، فمن الواضح بمكان أنّ المؤمن عندما يشارك بالصلوات وكلّ الأعمال التقويّة أو الأسراريّة يدعوه الكاهن باسمه الشخصيّ: يُعمَّد عبد الله جورج... من أجل راحة نفس عبد الله جورج... يناول عبد الله جورج... من أجل صحّة عبد الله جورج... يتصل الكاهن بأبنائه الروحيّين مباشرة ووجهاً لوجه، فالكنيسة الأرثوذكسيّة لا تستعمل الحاجز الخشبيّ كما في الكنيسة الغربيّة، لأنّ المعرّف يجلس مع ابنه، ولا حاجز بين الأولاد وأبيهم. هنا تتّضح صراحة وإيمان المعترف وشفافيّته.

    لا تقتصر العلاقة بين الأب وأولاده على ساعة الولادة فقط، بل تستمرّ مدى الحياة تحت ستار الرعاية والحبّ. هكذا أيضاً الأبوّة الروحيّة، فهي ليست مختصّة بالساعات الحرجة، أو الاعتراف فقط، بل هي علاقة تستمرّ، ويجب أن تستمرّ، وتشترك في كلّ وجوه الحياة ومصاعبها التي يجتازها المؤمن. فالمؤمن الذي يقطع علاقته بأبيه الروحيّ، يحرم نفسه من الاشتراك في موهبة الروح القدس المنسكبة على المعترف، ويفقد نعمة التبنّي "وبما أنّكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم داعياً أبّا أيّها الآب، فلست بعد عبداً بل ابن، وإذا كنت ابناً فأنت وارث بالله" (غلا 6:4-7). من دون هذه العلاقة الشخصيّة والروحيّة بآن، تتحوّل عبادة المؤمن إلى عبادة ظاهريّة شكليّة وأوتوماتيكيّة. إنّ نعمة الله وبركته تنقل إلى أبناء الله - أي إلى الذين لهم علاقة وطيدة مع آبائهم الروحيّين - كلّ غنى الآب السماويّ.

    تهدف ممارسة الأبوّة الروحيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة إلى خلاص الإنسان. فكما أنّ كلّ مريض يلجأ إلى الطبيب لعلاج الجسد والنفس، كذلك يلجأ المؤمن إلى أبيه الروحيّ لغفران خطاياه. إنّ الذي يزعم أن التحليل النفسيّ وسرّ الاعتراف هما أمر واحد يخلط بين فعلين متباينين. فعلاج الجسد والنفس يعتمد على الطبّ العلميّ، بينما غفران الخطايا، بالتالي خلاص الإنسان، يتعلّق بنعمة الروح القدس الممنوحة للأبوّة الروحيّة. غفران الخطايا هو سلطان معطى من الربّ يسوع المسيح إلى الرسل، ومنهم إلى خلفائهم الإكليريكيّين. لقد نفخ يسوع "بتلاميذه وقال لهم خذوا الروح القدس من غفرتم خطاياهم تغفر لهم ومن أمسكتم خطاياهم تمسك لهم" (يو 22:20-23). وبناء عليه، فالخلاص هو ثمرة تختصّ بالأبوّة الروحيّة التي تمارَس داخل الكنيسة. فكلمة "خارج الكنيسة لا يوجد خلاص" تعني أنّ من كان عضواً في الكنيسة فله الخلاص الذي كفله الربّ يسوع، وقدّمه لكافّة البشر.

   

أبوّة الآب

 

    الأبوّة هي من طبيعة الآب. يؤمن المسيحيّون بإله واحد "آب". الأبوّة هي الصفة الأبرز التي يعلنها المسيح عن الله الآب بقوله "...لأنّي منطلق إلى الآب" (يو 16:16). إنّ أبوّة الآب تظهر جليّاً ليس فقط من عمليّة الخلق بعامّة والإنسان بخاصّة، بل من خلال عنايته واهتمامه ومحبّته لخليقته، وبالأخصّ لملك الخليقة: الإنسان. يلقي الربّ يسوع الضوء على أبوّة الآب من خلال شفقته ومحبّته ومسامحته وطول أناته، وبشكل عامّ من خلال عظيم رحمته، هذه الرحمة التي شملت العالم بأسره على مرّ الأزمان. ودعونا الآن نلقي نظرة سريعة على الصفات التي ذكرنا والتي تُظهر أبوّة الآب:

   

1 – عنايته وحنانه

 

    تظهر أبوّته من خلال بعنايته واهتمامه كلّ الاهتمام بكلّ الخليقة وبالإنسان ملكها كما أسلفنا. كلّ التاريخ يحكي عن اهتمام الآب وعنايته من خلال حفظه ورعايته للخليقة أجمع. اهتمام الله الآب ظاهر حتّى في أصغر الخلائق وأقلّها شأناً. قال الربّ يسوع: "أليس عصفوران يباعان بفلس ومع ذلك فواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم" (متى 29:20) وأيضاً: "أليس خمسة عصافير تباع بفلسين ومع ذلك فواحد منها لا ينسى أمام الله" (لو 6:12). فالله يهتمّ بكلّ المخلوقات لأنّها من خلقه. قد يترك الإنسان أولاده، في أصعب حالاته، ويهجرهم، ولكنّ الله لا يملك قساوة البشر وشرّهم. فلقد قال الربّ يسوع حول هذا الأمر: "أيّ إنسان منك يسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً أو إذا سأله سمكة يعطيه حيّة فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تمنحوا العطايا الصالحة لأبنائكم فكم بالحري أبوكم الذي في السموات يمنح الصالحات لمن يسأله" (متى 9:7-11).

 

2 – شفقته

 

    تظهر الآلهة في المعتقدات الوثنيّة عدوّة للبشر، ولذلك يحاول الإنسان جاهداً العثور على الرأفة والرحمة لدى هذه الآلهة الغضبى الشرسة ولكن عبثاً، فيقف أمامها خائفاً مرتعداً لا يستطيع أن يستند عليها في أيّ من أموره ومشاكله. أمّا إله الكشف أو الإعلان الإلهي، فهو صديق الإنسان قريب منه ويحبّه، لأنّه كيف يخلق الله شيئاً إن كان يكرهه؟! فالفنان لا يصنع، عادة، تمثالاً، ولا يرسم وجهاً يكرهه أو لا يرغب فيه. إنّ المحبّة الإلهيّة الخصبة هي التي دفعت الإله المحبّ للخلق، وليس قطعاً عقم الكراهيّة والانتقام.

3 – الاختيار

 

    إنّ هذا الإله، إله الإعلان الإلهيّ، ليس هو فقط خالق الإنسان ومبدعه، ولكنّه، ومن فرط محبّته له، يدخل معه في حوار مستمرّ. فبعد السقطة استمرّ الله يدعو الإنسان ليقيم معه علاقة خاصّة، ولكي تستمرّ هذه العلاقة. إنّ أبوّة الله الآب ظهرت بشكل مميّز وقويّ جدّاً في مرحلة سقوط الإنسان، وذلك عندما قطع الإنسان الحوار والعلاقة معه بابتعاده عن شركته. الله لا يتوقّف أبداً، لا يتعب أبداً، ولا يفقد الرجاء أبداً، فهو يصرّ، ويقدّم آلاف الطرق لكي يستعيد علاقته مع البشر، ولا ينفكّ ينادي: آدم أين أنت؟!

 

4 – طول الأناة

 

    لا يرتاح الله إلاّ إذا اهتمّ بخليقته وبالأخصّ بمن هو على صورته ومثاله. الله لا يترك الإنسان حتّى ولو انغمس في الفساد، أو جحده، أو حاربه. يكتب القدّيس بولس في هذا الشأن: "أمّا الله فيدلّ على محبّته لنا بأنّه إذ كنّا خطأة بعد ففي الأوان مات المسيح عنّا..." (رو 8:5-9).، يكتب القدّيس هذا عن خبرة شخصيّة، فإذ كان قد حارب المسيح واضطهده، أظهر له المسيح محبّة شديدة، ولم يتركه غارقاً في الاضطهاد، فتراءى له سائلاً: "شاول شاول لماذا تضطهدني" (أع 4:9)، وبمعنى آخر آدم أين أنت؟. لقد لاحق الله بولس وهو في غمرة شروره، وبهذه الملاحقة برهن له عن محبّته القصوى. إنّها أبوّة الله: "الربّ رؤوف رحيم طويل الأناة ةكثير الرحمة ليس إلى الانقضاء يسخط ولا إلى الأبد يحقد لا على حسب خطايانا جازانا ولا على حسب آثامنا عاملنا" (مز 8:102-10). ظهرت طول أناة الآب جليّاً بعد السقوط. الحياة تستمرّ حتّى بعد بُعد الإنسان عن ينبوع الحياة، تستمرّ بنعمة، وطول أناة، الله أبينا الذي لا يفتأ ينادي كلاً منّا: آدم أين أنت منّي؟

 

 

 

 

5 – المسامحة

 

    آلهة الوثنيّين لا تعرف المسامحة، لا تغفر، هي قاسية أمام خطايا وذنوب الإنسان، تقيّد البشر بأغلال العداوة تجاه بعضهم البعض، وذلك لأنّها ليست آلهة. كان لا بدّ للإنسان أن يموت عوض خطيئته، لكنّ الله المحبّ البشر منحه الغفران عنها بأن قدّم ابنه الحبيب ذبيحة حبّ لخلاص الأنام. من هنا كان إله الإعلان المسيحيّ مختلف جدّاً، يتفهّم ضعف البشر ويسامحهم. لا بل أكثر من ذلك إنّه ذاك الإله الذي تنازل عن عرشه الإلهي، عن مجده، واتّخذ صورة البشر، وتحمّل من أجلهم كلّ إهانة وازدراء حتّى الصلب محبّة بهم، ولذلك كتب داوود يقول: "بمقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظمت رحمته على الذين يتّقونه، وبمقدار بعد المشرق عن المغرب أبعد عنّا معاصينا، كرأفة الأب على بنيه رئف الربّ بالذين يتّقونه، لأنّه يعرف جبلتنا ويذكر أنّنا نحن تراب" (مز 11:102-14). هذا هو الإله المحبّ الذي ينتظر جبلته مهما نأت عنه لكي تعود. إنّه الأب الحقيقيّ، وصورة لكلّ أب جسديّ وروحيّ.

    أبوّة الله لا تحدّ بصفات معيّنة، إنّها واسعة لا حدود لها كعظمته ورحمته. لهذا لا نستطيع أن نحصرها بنقاط معيّنة، إنّما أردنا أن نقدّم بعض الأمور الهامّة التي توضح علاقة الأبوّة الروحيّة بعلاقة الأبوّة السماويّة.

      

بعض الآيات حول أبوّة الله لنا

 

** "فأقبلكم وأكون لهم أباً وتكونوا أنتم لي بنين وبنات يقول الربّ القدير" (2كو 18:6).

** "وليس عن الأمّة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرّقين إلى واحد" (يو 52:11).

** "فأمّا الذين قبلوه فأعطى لهم سلطاناً أن يكونوا أبناء الله للذين يؤمنون باسمه" (يو 12:1).

** وجميع الذين يقتادون بروح الله هم أبناء الله إذ لم تأخذوا روح العبوديّة أيضاً للمخافة بل أخذتم روح التبنّي الذي ندعو به أبّا أيّها الآب والروح عينه يشهد لأرواحنا بأنّا أبناء الله" (رو 14:8-16).

** انظروا أيّة محبّة منحنا الآب حتّى ندعى أبناء الله" (1يو 1:3).

** فاعلم في نفسك أنّه كما يؤدّب المرء ولده قد أدّبك الربّ إلهك" (تث 5:8).

** أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً وإذا أثم أؤدّبه بقضيب الناس وبضربات بني البشر" (2مل 14:7).

 

 التواضع للقدّيس اسحق السريانيّ

معرّب عن الفرنسية من كتاب العالم الروحيّ

(رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطَّع – دده)

 

    التواضع هو أحد المواضيع المحبّبة لدى القدّيس اسحق السريانيّ يعود إليه في كلّ مناسبة، ويشير إليه دائماً في عظاته وتعاليمه. وهو يقدّمه لنا في هذا الفصل كطريقة تعلّمنا كيف نتشبّه بالله، ويلقي، تاليا، الضوء على الدلائل والسمات الخارجيّة والداخليّة للتواضع الحقيقيّ.

    أوّلاً: التواضع كوسيلة تجعلنا نقتدي بالله:

    أن يتحدّث المرء عن التواضع، بالنسبة للقدّيس اسحق السريانيّ، يعني أنّه يتكلّم عن الله ذاته، لأنّ "الله وديع ومتواضع القلب" كما يقول الكتاب (متى 29:11). ظهر هذا التواضع للعالم عبر تجسد المسيح الكلمة. بقي الله غير منظور في العهد القديم، وغير مقترَب إليه من الذين يريدون الدنوّ منه. لكن عندما تردّى الله بالتواضع، وأخفى مجده تحت ستار الجسد البشريّ، عندها صار منظوراً ومقترَباً إليه. التواضع هو لباس الألوهيّة، لأنّ الكلمة صار إنساناً أي لبس التواضع وعلّمنا إيّاه من خلال تعاليمه. كلّ الذين توشّحوا بالتواضع أصبحوا مشابهين حقيقة لمن نزل من علوّه، وأخفى عظم جلاله ومجده وراء جسد متواضع خوفاً من أن تنمحق الخليقة كلّها إن عاينته في بهاء مجده وجلاله.

    كلّ مسيحيّ مدعوّ لكي يقتدي بالمسيح في تواضعه، لذلك كلّ إنسان لبس التواضع يكون تلقائيّاً قد لبس المسيح.

    التواضع المقترن بالجهاد الشرعيّ الصحيح يجعل الإنسان إلهاً على الأرض. كلّ من اختاره الله، وجاهد ليصبح متشبّهاً به لا يتألّه بالنعمة، وإن مارس كلّ أنواع الجهادات النسكيّة إن لم يقتنِ التواضع. النسك بدون التواضع لا يفيد شيئاً بينما التواضع من دون النسك يكفي لكي نصير بنين لله.

    إن جاهد المتواضع داخليّاً دون نسك خارجيّ يحصل على غفران الكثير من زلاّته. يستطيع المتواضع الاقتراب من الحيوانات المفترسة دون وجل إذ ما إن يقع نظرها عليه حتى تفقد شراستها، وتدنو إليه كما إلى سيّدها، وتلطع يديه وقدميه، لأنّها تشتمّ فيه رائحة برارة آدم الذي أطلق عليها أسماءها، تلك الرائحة التي كان ينتشر عطرها قبل السقوط. والشياطين أيضاً، بالرغم من عداوتها وعجرفتها، تصير كالغبار أمام المتواضع وتهابه، ويتلاشى خبثها ودهاؤها، وتتمزّق كلّ فخاخها الشرّيرة، وتحبط حيله وتفقد قوّتها، فلا تعود قادرة على إلحاق الأذيّة.

    للتواضع قوّة سريّة يكتسبها القدّيسون عندما يبلغون الكمال. هذه القوّة أُعطيت للرسل يوم العنصرة عندما طلب منهم يسوع بألاّ يغادروا أورشليم حتّى ينالوا قوّة من العلاء. يستحقّ المتواضعون تلقّي إلهامات الروح القدس الذي كان يلقّنهم معرفة الأسرار. لهذا السبب يصف القدّيسون التواضع على أنّه فضيلة ترفع النفس، وتسمو بها عبر الرؤى الإلهيّة، فمغبوط من نال التواضع، فقد ربح الملكوت، لأنّه في كلّ وقت يتّكئ على صدر المسيح مثل يوحنّا الحبيب.

    ينتج تواضع القلب إمّا عن معرفة الإنسان الحقيقيّة لخطاياه، أو يكون ثمرة تأمّل تنازل وعظمة سيّدنا يسوع المسيح الذي استعلن للبشر، واتّخذ جسداً لأجلنا، وسكن بيننا.

    إنّ التواضع الفطريّ لا يحلّ أبداً مكان التواضع الناتج عن توبة عميقة، أو الصائر من جرّاء التأمّل بعظمة الله. فليس كلّ الذين هم بالفطرة لطفاء طيّبون هم متواضعون، لأنّ التواضع الحقيقيّ هو عطيّة فائقة الطبيعة ممنوحة لنا من العلاء. فلا علاقة للتواضع الفطريّ مع التواضع الإلهيّ، وإن كان أصحاب النوع الأوّل طيّبين، إلاّ أنّهم لا يملكون الحرارة الداخليّة التي توصلهم إلى النوع الثاني، ولا الخضوع والتنازل بتمييز، ولا الأفكار المتواضعة المملوءة من الحكمة الإلهيّة والتي تجعل الإنسان يحسب نفسه كلا شيء، مذلولاً، متوجّع القلب تفيض من عينيه دموع غزيرة، بالإضافة إلى إرادة واعية وناضجة بالروح القدس. وبما أنّه ينقصهم روح التأمّل، فهم لا يشعرون بفداحة خطاياهم، وبالتالي لا يحزنون عليها، وليس ما يحرّك ضمائرهم لكي يتأمّلوا تنازل المسيح وتدبيره الخلاصيّ من أجلنا، ولا من حرارة تشعل قلوبهم لدى تذكّرهم الخيرات المستقبلة، كما أنّهم لا يملكون أيّة أفكار مفيدة توقظ قلوبهم، فيدركون حاجتهم الماسّة إلى المسيح. وإن جعلنا الأشخاص الطيّبين واللطيفين بالفطرة بين صفوف المتواضعين الحقيقيّين، علينا إذاً أن نحسب أيضاً الخصيان بالطبيعة، وليس بإرادتهم، بين صفوف العذارى والمتبتّلين. لقد تلطّفت نزعات هؤلاء، وهدأت ميولهم، وسكنت غرائزهم بسبب ما ورثوه عن أهلهم، وليس نتيجة قوّة إرادتهم أو جهادهم. هذا النوع من الأشخاص لم يختبروا حالة النعمة التي يكتسبها الإنسان المؤمن، وما يتذوّقه من تعزيات وما تغدقه عليه من مواهب بسبب محبّة الربّ له.

التواضع الداخليّ:

 

ميزاته: يتميّز التواضع الحقيقيّ كصفة للإنسان الداخليّ عندما يقوم على الثقة الكاملة والتسليم الكلّيّ لله والشكّ بالذات وبالأنا. كما يتّسم بشعور عدم الاستحقاق، وانسحاق القلب، والإحساس بحضور الروح القدس الساكن والمستريح في أعماق القلب. ويتّضح التواضع أيضاً في مظهر خارجيّ بسيط، لا تصنّع ولا تأنّق فيه، ثياب فقيرة، تحفّظ واحتراس في الكلام، عدم المقاومة، احترام الآخرين، الهرب من المجد والقلق، الابتعاد عن كلّ ما يسبّب له الوقوع في الخطيئة.

    لا ينفصل الوجه الخارجيّ للتواضع عن الداخليّ. التواضع الخارجيّ لا يكفي، بل قد يصبح خاطئاً إن لم يرافقه تواضع القلب أمام الله. والداخليّ لا يكون سليماً وصحيحاً إن لم يتجلّ أو يظهر في تصرّفات الإنسان الخارجيّة. أمّا علاماتهما فهي: الحياء والاحتشام، الخشوع، حواسّ عفيفة غير مشتّتة بشكل عامّ، صوت منخفض هادئ، كلام قليل، احتقار للذّات، لباس فقير، مشية رزينة، نظر منخفض، رأفة غزيرة تجاه الجميع، دموع فيّاضة، نفس متماسكة، قلب منكسر، نفس وديعة لا تجنح بسهولة نحو الغضب، مقتنيات قليلة والتكيّف مع الحاجيّات المتوفّرة، تحمّل الصعاب والتجارب، الصبر على الشدائد، غياب الخوف، قلب شجاع بسبب الزهد بالحياة الحاضرة، أفكار صالحة متّزنة وغير سطحيّة، التأمّل في الأسرار الإلهيّة، البساطة، الاحترام وأيضاً الهدوء أو السكون. الإنسان المتواضع هو إنسان سلاميّ مطمئنّ، أمين في إتمام أعماله، دقيق في حياته، يعترف دائماً بجهله.

    أمّا إذا أردنا أن نفصل بينهما، فإنّ علامات التواضع الداخليّ هي: الشعور العميق بحضور الله إذ لا يستطيع أحد أن يتواضع من ذاته أو نتيجة لجهوده الخاصّة، إنّما يتواضع عندما يلتقي بالله، ويدرك عظمته، ويلمس أيضاً لا شيئيّة نفسه. وهكذا يقترب الإنسان من الله بسكون، حاسباً ذاته غير مستحقّ لكي يتلفّظ بأقوال الصلاة في حضور الذي هو فوق كلّ كلام وإدراك. صلاة عميقة ومتواضعة كهذه تقودنا إلى التأمّل ومعرفة أسرار الله.

    الإنسان المتواضع لا يفكّر كيف يصلّي، ولا ماذا يجب أن يقول، لأنّ ملكوت الله في داخله. إنّه ينتظر فقط رحمة الله، شاكراً إيّاه على كلّ ما يسمح به من أجله. عندما يحني رأسه إلى الأرض، يرتفع قلبه في تأمّل الإلهيّات، ويقوده هذا التأمّل إلى قدس الأقداس، إلى ذاك الذي مسكنه النور المنبلج في الظلمة، وإذ يخيّم الصمت على صفوف السيرافيم المنبهرة من النور تخفض عيونها إلى أسفل. أمّا المتواضع فيغدو ضعيفاً غير قادر على تحمّل أمواج الأسرار الإلهيّة، وحينها فقط يتجرّأ وحده لأن يقول في صلاته: "فليكن لي يا ربّ بحسب مشيئتك".

    ومن أهمّ دلائل التواضع الداخليّ هو موت الإنسان عن العالم إذ لا يعود يهتمّ به، وهذه هي الحكمة الروحيّة. هناك من يسأل كيف نستطيع أن نعرف بأنّنا قد بلغنا التواضع. الجواب هو عندما نمقت إرضاء أهل العالم، ونبتعد عن مزاولة كلّ ما يخصّه من أعمال، ونبدي كرهنا للأمجاد العالميّة. وهناك أيضاً إشارة أخرى لا تقلّ أهميّة عمّا سلف ألا وهي يقظة الضمير الذي يوحي لنا بأن لا نتّهم الله بكلّ ما يعرض لنا، ولا نلوم القريب أو ظروف الحياة، ولا نبرّر ذواتنا.

    إنّ الذي يطيع تبكيت ضميره يبلغ إلى سلام النفس ويتصالح مع الله. وغياب كلّ ما أشرنا إليه من علامات التواضع الحقيقيّ لا يدلّ بالحقيقة سوى على قساوة القلب. هذه القساوة التي تلوم دائماً الآخر مبرّرة ذاتها بشكل متواصل، لا بل تتجاسر على لوم العناية الإلهيّة. لا نخسر التواضع الحقيقيّ إلاّ إذا رأينا ذواتنا منزّهة عن العيب، لا نلومها، بل نلقي اللوم كلّه على الظروف والمناسبات والأحداث التي يدبّرها لنا الله بمعرفته من أجل خلاصنا. لكن إن فحصنا ضميرنا جيّداً، وخضعنا برضا للحوادث والظروف نحصل على التواضع العميق والذي يظهر من خلال حالة التسليم الكلّيّ لمشيئة الله، ومن حالة السلام والسكون الثابتة فينا والتي لا تتزعزع مهما حصل لنا. هذه هي الوداعة وثمرة النضوج الروحيّ. إنّ الذي بلغ حدّ الوداعة هذه، سوف يلاحظ ما يشعر به من راحة إبّان كلّ تجربة، وتجاه كلّ إهانة. الهدوء هو من ميّزات التواضع، ويتجلّى في غياب كلّ خوف أمام الأحداث، وفي الثقة بالعناية الإلهيّة التي تحمي من كلّ شرّ.

    المتواضع لا يشعر بالإحباط أو الاضطراب البتّة، ولا تضعف عزيمته، كما أنّه لا يعاني ضغطاً ما، ولا يترك أفكاره تهتاج أو تحتدم لأيّ سبب. إنّه لا ينفعل وإن أحسّ بسقوط السماء على الأرض، بل يبقى هادئاً رزيناً في صفاء وتسليم.

    ليس كلّ الناس الطيّبين هم متواضعون، إنّما كلّ المتواضعين هم طيّبون. المتواضع هو دائماً في راحة ولا شيء يعكّره ويفقده سكونه، وكما أنّه لا أحد يقدر أن يُرعب الجبل هكذا أيضاً لا أحد يستطيع أن يخيف المتواضع. المتواضع لا يخشى مغبّة الأمور التي تطرأ عليه فجأة لأنّه لا يخاف إلاّ الله. خوف الله يطرد كلّ خوف آخر من قلبه ما عدا خوفه من أن يخطئ إلى الله ويحزنه، لهذا يسعى إلى عدم إغضابه بالتصرّف السيّئ أو بالفكر الشائن. يتولّد التواضع من مخافة الله التي تجعل الإنسان ذا قلب منسحق مع فرح روحيّ.

    هناك تواضع يأتي من مخافة الله، وتواضع آخر يتولّد من محبّة حارّة لله. يتأتّى الأوّل بسبب الخوف، والثاني بسبب الفرح. يتّصف الأوّل ببساطة تشمل كلّ الحواسّ مع حركات منضبطة وقلب دائم الانسحاق. أمّا الثاني، فيتّصف بحيويّة وصدر رحب لا يعرف القلق ولا الحزن. آباء المدرسة الأنطاكيّة المفسّرة للكتاب المقدّس دعوا المسيحيّين في أنطاكية لكي يحرثوا قلوبهم بمحراث التواضع والبساطة.

    يشبّه القدّيس اسحق التواضع بالطفولة، فالمتواضعون يماثلون الأطفال في بساطتهم وبراءتهم كما يقول الكتاب المقدّس: "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السموات" (متى 18:15). وتوسّع القدّيس اسحق السريانيّ في هذا الصدد ملاحظاً كيف أنّ انثلام الطفل يكون سريعاً لكونه ضعيفاً طريّ العود وهذا ما يجعل الله يعتني به عناية خاصّة. هكذا على المتواضع أن يكون كالطفل يتحمّل الجراح دون معارضة أو مقاومة ولو تأذّى.

     لقد قيل: "الربّ يحفظ الأطفال" (مز 6:114)، فقد يمسك الطفل الأفعى دون خوف ولا تسبّب له أيّ ضرر، ويتمشّى عارياً حافي القدمين طوال فصل الشتاء، ويلامس البرد أعضاءه وهو لا يشعر به، بينما يكون الناس لابسين معاطفهم. يمضي يومه كلّه في الصقيع والثلج ولا يضرّه شيء، لأنّ جسده البريء محاط بلباس آخر غير منظور يحميه، لباس مخيط من العناية الإلهيّة التي تحمي أعضاءه الطريّة من أيّ ضرر.

     "الربّ يحفظ الأطفال" ليس فقط ذوي الأجساد الهزيلة، الضعيفة، السريعة العطب، إنّما أيضاً أولئك الذين تركوا علومهم وحكمتهم التي كانوا يتّصفون بها وهم في العالم وقد تركوه لكي يتكرّسوا كلّيّاً لتلك الحكمة العلويّة التي تغني، ولكي يعودوا باختيارهم وإرادتهم كأطفال صغار. لهذا فالإنسان المتواضع تحميه العناية الإلهيّة وتعضده بشكل خاصّ. هذه العناية تشمله كلباس وتقيه من كلّ خطر يأتيه من الخارج. بمعنى آخر يدخل الإنسان المتواضع في علاقة خاصّة مع الله أي عندما يتخلّى عن الأساليب الطبيعيّة للدفاع عن نفسه، ويضع كلّ رجائه وثقته في الله الذي يهتمّ بالأطفال.

    ويعلّمنا القدّيس بولس بأنّه في الضعف تكمل قوّة الله. عندما يشعر الإنسان بضعفه ويدعو الله طالباً معونته، سوف تستجاب طلبته بالتأكيد من هنا يكون الترابط بين التواضع والصلاة. فمغبوط هو من عرف ضعفه، لأنّ هذه المعرفة تصير له أساساً وبداية كلّ خير. من يحتاج إلى معونة الله يكثّف الصلاة. وكلّما ضاعف صلاته كلّما اتّضع قلبه، لأنّه من المستحيل أن لا يتواضع من يتضرّع ويلتمس الرحمة "القلب المتخشّع والمتواضع لا يرذله الله". لذلك يجب أن نصلّي ليمنحنا الله نعمة التواضع إذ يتعذّر علينا أن نكتسبه باعتمادنا فقط على الطرق والأساليب البشريّة. فما هو مستحيل عند الإنسان مستطاع عند الله. بدل أن تسأل من أجل هذه التجربة أو تلك، وعوض أن تطلب هذا الأمر أو ذاك، اترك كلّ شيء وصلّ بثبات قائلاً: "هب لي يا الله التواضع لكيما أنجو من العقاب المعدّ للمتكبّرين، وحتّى أستطيع أن أحظى بنعمة الروح القدس، فيعطيك الرب سؤل قلبك حتّى إنّك تنذهل من عظمة الخيرات التي تنالها.

    إن الله يجعلك متواضعاً بطريقة سرّيّة خاصّة عندما يرى مثابرتك ولجاجتك في طلبك التواضع. يجب أن تؤمن، يا أخي، بأنّ التواضع هو قوّة ما من لسان يستطيع وصفها أو إدراكها، كما أنّه ما من قوّة بشريّة تستطيع بساعدها البشريّ اكتساب التواضع.

 

مظاهر التواضع الخارجيّ:

 

  نبدأ بالإشارة إلى الابتعاد عن كلّ ما يشتّت الفكر، والهرب من كلّ وسائل الترف وملذّات العالم التي تبهر الألباب. فمن يملك مالاً وفيراً، ويربك نفسه بأعمال كبيرة وكثيرة، لا بدّ أن يجد ذاته مقيَّداً بيديه ورجليه بسلاسل هذا العالم. وعلى العكس من ينجح في تحاشي الأمور الدنيويّة، فقد اقتنى منذ الآن الحريّة التي تجعله يماثل الله.

    الإنسان المتواضع لا يفرح بالتجمّعات، ولا بالضجيج والصخب، ولا بالزخارف والتسليات وحياة الرخاء والترف، ولا بالمحادثات والمجالس وتشتّت الحواس، فرغبته بالدرجة الأولى هي في أن يبقى مع ذاته، يختلي بنفسه في السكينة والهدوء، في الصمت والعزلة. لا يسعى وراء كرامة، بل يختار العوز والفقر الإراديّ، لا ينغمس في أعمال معقّدة ومتنوّعة، بل يتمنّى أن يتحرّر من كلّ عمل واهتمام أرضيّ. لأجل كلّ هذه الأسباب نرى الإنسان المتواضع هادئاً، دائم الفرح، لطيفاً، بسيطاً، محترِماً. يتحاشى كلّ انخراط في النشاطات العالميّة، لأنّه يشعر وكأنّه غريب وضيف على المجتمع.

    عمل الناسك هو أن يحيا الغربة، وعليه أن يحترمها ويتقيّد بها أنّى وُجد. اعتبر ذاتك غريباً، أو كن غريباً طوال أيّام حياتك وأينما كنت: غريباً في علاقاتك مع أهل بيتك، وموطنك، غريباً عن أيّ انتماء عرقيّ. على الناسك أن يختار لذاته مكاناً هادئاً حيث لا ضجيج أو صخب، وأن يعيش فقيراً، بل في عوز ماديّ، وحيداً مبتعداً عن كلّ اتّصال مع الناس، وعن مزاولة كلّ عمل يخصّ العالم، وعن كلّ تعزية بشريّة.

    لا تعني الغربة في التقليد النسكيّ بأن يحيا الإنسان حياة البدو أي التنقّل المتواصل من مكان لآخر، إنّما هي الاختلاء بالذات بعيداً عن كلّ ما يلهي من أمور العالم، مع اليقين بتفاهة هذه الحياة الحاضرة، والزهد بكلّ ما هو أرضيّ للحظوة بما هو سماويّ. وهذا كلّه يقودنا إلى التواضع الحقيقيّ، أي تواضع الروح.

 

    كيف نكتسب إذاً التواضع؟

 

 نكتسب التواضع بالتذكّر الدائم لتعدّياتنا متوقّعين الموت في كلّ لحظة، بارتدائنا لباساً فقيراً، باختيارنا المجلس الأخير، باندفاعنا نحو الأعمال الأكثر حقارة، بالتازمنا بأوامر الطاعة، بمحافظتنا على الصلاة والصمت الدائمين، بابتعادنا عن التجمّعات، وأن نكون مجهولين من كلّ أحد، وغير صالحين لشيء، غير منحصرين بنوع واحد من الأعمال النسكيّة المتعدّدة، كارهين الأرباح الماديّة، فارّين من إدانة الآخرين أو ملامتهم، متحاشين الدالّة والمعاداة، مهتمّين بأمورنا الخاصّة فقط، غير مرتبطين بأيّة مصالح مع الآخرين. وباختصار التغرّب عن كلّ أحد مع الفقر الطوعيّ. هذه كلّها تطهّر قلب الإنسان وتولّد التواضع.

    هناك علامات أخرى أساسيّة ولا يستغنى عنها وهي: التحمّل الطوعيّ لكلّ أنواع التحقير والإهانات الذي يمنح المجاهد دالّة في صلاته وعلاقته بالله. من يحتمل كلّ قساوة في الكلام صادرة من الآخر دون أن يردّ له المثل يضع إكليلاً من شوك على رأس من أهانه. ومن يحتمل أتعاب الآخرين بصبر يكون مباركاً، وينال إكليلاً غير بال في ساعة لا يعرفها. إنّ المتواضع الحقيقيّ لا يضطرب أبداً عندما يصنعون معه شرّاً، ولا يبرّر ذاته بما ظُلم به، إنّما يقبل الاتّهامات وكأنّها حقيقيّة. لا يشتكي أمام الآخرين، إنّما يطلب فقط العفو والمسامحة.

    من لا يتذمّر على المضايقات والاتّهامات والشكاوي التي تصادفه فقد اقتنى فضيلة سامية. والذي يتقبّل خبث الآخرين بفرح، ينل من الله التعزية، ومن يصبر بتواضع على الافتراءات الموجَّهة إليه، يحصل على الكمال وتغبّطه الملائكة لأنّه ليس من فضيلة أعظم من هذه. وكما ترافق النعمة الإنسان المتواضع، هكذا ترافق المصاعب والأحزان الإنسان المتكبّر. "عينا الربّ على المتواضعين وأذناه تصغيان إلى استغاثتهم" "ووجهه يلقى المستقيمين" "الله يقاوم المستكبرين" لكي يجعلهم متواضعين. المتواضع يحصل دائماً على رحمة الربّ أمّا القاسي القلب والضعيف الإيمان فتعترضه أمور رهيبة.

    تنازلْ بكلّ الطرق والوسائل الممكنة أمام الجميع وسوف تتعظّم فوق ملوك هذا الدهر. كن محتقَراً في عيون نفسك، ترَ مجد الله داخلك، لأنّه حيث يُنبت التواضع هناك أيضاً يظهر مجد الله. تنازلْ دوماً أمام الجماعة التي تعيش معها، واهرب من المجد الباطل لكي تنال المجد العلويّ.  

    يظهر التواضع الحقيقيّ في احترام القريب أكثر ممّا يستحقّ. فالإنسان المتواضع يعامل كلّ الذين يلتقي بهم باحترام وتقدير ومحبّة. فعندما تلتقي بقريبك، اجتهد أن تسبقه مقدِّماً له الاحترام الواجب. قبّل يديه ورجليه باحترام كبير، وهنّئه على صفات لا يتمتّع بها، وعندما يغادرك أخبر عنه كلّ ما هو حسن قدر الإمكان. بهذه الطريقة سوف تجذبه إلى عمل الخير وتزرع فيه بذور الفضيلة. ويقصد القدّيس اسحق هنا في إرغام ذواتنا على احترام القريب، ليس عن مراءاة بل نُظهر له محبّة حقيقيّة وصادقة.

    هناك مظهر آخر أيضاً للتواضع الداخليّ ونسمّيه التواضع الأقصى المعروف "بالتباله المقدّس". أي أن يختار المؤمن حياة التباله من أجل المسيح، وأن يتصرّف بإرادته كالمتبالهين، أو يقترف أعمالاً تستوجب الذمّ واللوم وتستحقّ العقاب لكي يسبّب لذاته الإهانة والإدانة. هذا النوع يمارسه النسّاك المعروفون بقداسة سيرتهم وفضيلتهم، والذين لم تسنح لهم الفرص والظروف لكي يحظوا ببركة المضايقات والإهانات، فيستترون بقناع التباله. فمنهم مثلاً من ادّعوا الفسق وهم براء منه. آخرون اتّهموا بالزنى وهم عفيفون أبرياء لا بل كانوا يبكون سوءاً لم يرتكبوه، طالبين المغفرة من الذين اتّهموهم في حين كانت نفوسهم تتكلّل بإكليل الطهارة والعفّة. آخرون كانوا يخفون فضائلهم تحت ستار العته لإبعاد المجد الباطل عنهم، بينما هم في الحقيقة مشبعون بملح الحكمة الإلهيّة، ثابتون دائماً في حياة الهدوء والصحو حتّى إنّ الملائكة نفسها تبشّر بمآثرهم، وتفرح بانتصاراتهم وبكمال سيرتهم وبهاء فضائلهم. إن لم يمقت الإنسان الإكرام أو يحتقره أو يصبر على الإهانة والهزء والشتم والقساوة ويصير موضع سخرية الجميع أو يُعتبر كمجنون حقّاً لا يقدر أن يثبت في الهدوء ولا أن يتذوّق ثماره.

    يطلعنا القدّيس اسحق السريانيّ على بعض ذكريات بداية حياته الرهبانيّة عندما تحدّث مع ناسك معروف بخصوص التباله المقدّس، وكيف أخبره هذا الناسك بأنّه قصد يوماً أحد الآباء الشيوخ الفاضلين لكي يعترف بأفكاره، فقال له: إنّني أفكر، يا أبي، بأن أجلس صباح نهار الأحد عند باب الكنيسة وأتناول طعامي لكي يزدري بي الداخلون والخارجون منها. فأجابه الشيخ: لقد كُتب إن الذي يشكّك الناس لن يرى النور، فأنت غير معروف في هذه المنطقة، ولذلك سوف يقولون: "انظروا ها الرهبان يأكلون في الساعات الأولى من النهار". لقد تصرّف الآباء في الماضي هكذا بسبب العجائب الكثيرة التي اجترحوها، والمجد والشهرة اللذين نالوهما من الناس، فأخذوا يدّعون التباله لكي يحصلوا على الاحتقار والتعيير، وبذلك يخفون عظمة فضيلتهم، ويطردون عنهم كلّ أسباب الكبرياء. أمّا أنت فما الذي يدفعك إلى هذا التصرّف؟ ألا تعلم بأنّ كلّ عمل نسكيّ له قواعده ووقته المناسب؟ إنّ تصرّفك هذا غير مفيد، بل ستؤذي الآخرين كونك غير معروف وتحيا حياة عاديّة كباقي الإخوة، فهذه الأمور تخصّ الكاملين فقط، ولا تفيد كلّ الناس. وهكذا حاول الشيخ بتمييزه أن يلطّف من حماس الشابّ الناسك، وأن يمنعه من تبنّي تصرّف كهذا يخالف القواعد الرهبانيّة وإن كان الهدف منه هو التقدّم في حياة التواضع.      

 

 

 

جبل آثوس

زيارة لجبل أثوس كنت أتوقها منذ عقود. ليس من مطرح في العالم أبهى أرثوذكسية من هذا الجبل الملقى في البحر شمالي سالونيك والنازلة عليه السماء. منذ ألف سنة ومئة قصد بعض من القوم الله هناك ناسكين ومصلين في عشرين ديراً كبيراً ومناسك صغرى ومغاور. هل من صعود الى الله من أماكن متعة للعين مذهلة؟ أحجار وقناطر وألوان متلاقية على أرض ذوق. الدير تجتمع فيه الأبنية غير متجايلة ولكن متناسقة. اثنتا عشرة كنيسة صغيرة الى الكنيسة المركزية في دير فاتوبادي والايقونة من الألفية الثانية او من قبل، خشبيّة او فسيفساء تلبسك او تلبسها. والقامات تنحني للأسقف الزائر. كنا ثلاثة مطارنة من أنطاكية ويصحب هذا ترتيل دقيق وتلاوات عربية ومسافات تطول وخشبيات كثيرة تعطي دفئًا وتأكل على موائد من رخام ممسكاً عن اللحم طوال حياتك وتقيم في الفرح الذي يصدر عن التقوى او عن العلم وكلاهما يبدو على شيء من العمق او السعة وتستيقظ باكرا جدا لتقيم صلاة تطول على رجاء ان تأخذ قلبك.

 لماذا يؤمّون هذا المكان - المحجة او الأمكنة المتشابهة عمارة وروحا؟ ماذا ينثني في قلب هذا الشاب الذي يطلب الوحدة مع الله ويقول عبد الله العلايلي يستوحد. هل ادرك التوحد هؤلاء الذين رأيناهم على نضج كهولة او في شيخوخة تقادمت؟ هل الإنشاد ينزل على القلب او يحيط به؟ هل تحفر الأيقونة النفس على صورتها او تتنقى النفس في طبيعة طياتها بلا انثناء الروح الإلهي فيها او عندنا شيء من هذا وشيء من ذاك الى ان يقبض الله ذاتنا فيما يكب ترابنا في التراب.

 تتابع الصلاة باليونانية القديمة ويخاطب عنك رهابين عرب باللغة العامية اليونانية. غير ان التواصل لا يحتاج دائما الى لغة اذا شع عليك نور وجه والديورة وجوه صنعتها محبة تتراءى وصنعها تراث عظيم تتبعه في هذه الجداريات التي أذهلت أجيالا وأحاطتها الأجيال بعيونها حتى لا يقع ناظرك على حائط غاب عنه القديسون.

 يحيطون بك ليس فقط عندما تعبد ولكن اذا أكلت في قاعة المائدة حتى لا يخلو لك وقت لسماع او بصر بلا مشاركة الذين سبقونا الى المجد. هل حسنت رؤيتي اذا قرأت ان أهل الفن الكنسي ملأوا بهم كل مساحة الجدران حتى تكتب لنا ولهم معية تحيينا؟

• • •

أمضينا في الدير مع رئيسه المستوحد في صومعة سهرة ممتعة. كنت قد عرفته منذ ثلاثين سنة. أنعشنا بحديثه عن اسحق السرياني المولود في قطر وعن لاهوته ثم عن دوستويفسكي وصلته باسحق وكلمنا عن عمق الآباء القدامى متنقلا بين الروسية والفرنسية واليونانية لغته ومستفيضا عن موهبة الحرية الملازمة للحياة الأرثوذكسية.

 الآباء هنا يشرعون في صلاتهم الساعة الثالثة والنصف صباحا ويتناولون وجبتين في اليوم. يصلون كثيرا عند المساء. هذه الرهبانية يرافقها دوما صوت رخيم ولكنها تكشف حضرة الكل والفكر عند من كان قابلا له او لإعطائه.

 ما يلفتك في هذه الجماعة ان احداً لا يسعى ان يتميز او ان يبدو ولكن الله يبدي من يشاء. ان كانت الشجرة تعرف من الثمر ساغ لإنسان من هذه الدنيا ان يتحسس جمالا ظاهرة من ثقافة الدنيا وبه تغوص على أبعاد ليست كلها من هذا العالم. لكن رياضة الانقطاع ضرورية لرياضة التواصل. تخرج من المدينة الى الصحراء ليصبح الله هذا الذي تسكن ويبدأ هو تمتمتك فيه.

 الدير يشبه الدير بالأنظمة. الأطعمة نسكية. الاحترام عظيم للكبير مقامه. هذا لا تفسير له بالنمطية ولكن بما يرونه ما وراء او ما فوق الذي يحترمون. لماذا يقبلون يد الأسقف الزائر اذا دخلوا وخرجوا. طرح علي مواطنينا مرة هذا السؤال: لماذا نقبل يد الأسقف. أجبته ليس للأسقف يد. قال: كيف؟ قلت: هذه منهجية الأيقونة عندنا. انت، ان قبلتها، تقبل المثال المقدس الذي وراءها ولا تقبل خشبة او لونا. انت تصعد. لم يبق انسان حسه ايقوني عندنا او هذا قليل.

 لماذا احتفاء قل نظيره بوفدنا الانطاكي؟ شرقية الوفد في اخوة الإيمان؟ من أين أتت بساطة التعامل؟ من الهيكلية الأرثوذكسية؟ من أنجيلية الرهابين؟ هذه الإنجيلية تجعل صومعة الراهب مذهلة في تواضعها وقطاع الضيوف المميزين بمراتبهم على رهافة ذوق لم أشاهدها في دير من مناطقنا. غير ان هذا كله ليس بشيء امام إتقان الخدمة الإلهية وأصوليتها والحفاظ على كل موروثها. لا يبدو ان طول الصلوات مشكلة عندهم ولا يبدو الملل على ملامحهم. هل ما يتلون ويرنمون سماء على الأرض كما زعم الوفد الروسي الذي زار القسطنطينية أواخر القرن العاشر فتبنت روسيا الديانة المسيحية المسلوكة بالمعنى البيزنطي.

 بقينا على الصلاة قبل فجر الأحد ست ساعات يتناوب الجوق اليوناني والجوق العربي بتناغم كامل على اللحن الأول والألحان ثمانية عندنا. وكان القائمون بالقداس الإلهي أربعة أساقفة عرب ومرافقوهم ورهبان الدير. هل دقة الأداء عربية لهؤلاء؟ أظن ان السر في الشخص وان لا تعميم في الجواب. الجماليات في الدين في طياتها خطر ولكنها تعيد الينا القوة احيانا. لست اعتقد ان اختزال الصلوات الذي يقترحه البعض هو الترياق. النفس، النفس او الفهم الفهم كل شيء. التربية تذهب عنك الاسترخاء. كذلك التشدد لا يهبك القوة بالضرورة. تبقى ديانة شعبية تظنها تحسسا إلهيا وما هي الا بشريتك الدافئة الى ان يبدعك الدين الحق. انت خاضع لله او تصدر عنه. دائما في الدين أشكال. نصوصه يمكن تحويلها الى شكل او استبقاؤها روحا. تعود من الحج، من اي حج بصورة الحجر او بالإله الصافي. صعب عليك ان تعرف الفارق.

• • •

في المحطة الأخيرة من تجوالنا تفاقم الاحتفاء حتى المحبة السكيب. والعبادات تنزل ولو نسيت اللغة لتقادم السنين عليك. لم يستطع هؤلاء الا ان يجددوا الجداريات بعد عتاقتها لكونهم يحبون عشرة السماويين بالعين طريقا الى القلب. هذا دير تقف عند ذروته وآساسه في البحر واطلالاته الغابات. بين هذه كيف تنسى الفردوس. تتعشى عند الخامسة لترتاح قليلا قبل صلاة تستغرق الليل كله. تقيم عيد الصليب حسابا شرقيا تستخدم فيه راهبا من بلادنا ليجمل الصوت والكلمة معا.

 قبل يومين في دير آخر استشهدت امام راهب مازحا بكلمة أرسطو الشهيرة: "كل ما (او من) كان غير يوناني فهو بربري" انتفض رافضًا ارسطو. اليوم نختلي لما تيسر من النوم لنستقبل الفجر بترتيلنا "المجد لك يا مظهر النور" ثم نرحل عن جبل القداسة هذا ونمضي ثلاث ليال في سالونيك وأثينا قبل التحاقنا بربوع لبنان.

 العرب في بغداد أحسوا قديما ان حضارتك لا تكتمل من دون الإغريق. هذا يعني ان عليك ان تحافظ على العقل وتقوله بطريقة او بأخرى، بالشعر العربي.

المطران جورج خضر

عن جريدة النهار

 

 

رسالة إلى الكاهن.doc رسالة إلى الكاهن.doc
Size : 0.154 Kb
Type : doc

رسالة إلى الكاهن

حديث لقدس الأرشمندريت توما بيطار

في إجتماع كهنة أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما في رعية بشمزين بتاريخ 7/8/2010

 


إيقونةُ والدةِ الإله المرشدة أو( القائدة) في دير السيِّدةحمطوره

 

إنَّها الإيقونةُ الأساسيَّةُ في الدير، فهي تُمثِّلُ السيِّدَة والدَة الإلهِ العذراء. تحملُ على يدِها اليسرى ربَّنا يسوع المسيح المتجسِّدَ منها بحالٍ غامضةِ الوصف، وباليَدِ اليُمنى تُشيرُ إليه لِتُقدِّمَهُ إلينا على أنَّه السيِّدُ المبدعُ الذي تنازَل لِيُخلِّصنا. وهو يتجلبَبُ بثوبٍ ترابيٍّ مُذهَّب، يُشيرُ الى طبيعَتَيهِ الإلهيَّةِ والإنسانيَّةِ المتوهِّجةِ ﺑﻬذا الإتِّحادِ المقدَّس. تُشيرُ السيِّدةُ بيَدِها إليه لِتُقدِّمَه لنا إلها ومخلِّصًا. ترمُقُنا بناظرَيها، مُحدِّقة الى أعماقِنا لِتُوقِظ فينا الإيمان. وبحنانِ وجِهها البهيِّ المملوءِ بالحيويَّةِ، تستعطفُ السيِّدَ لِيُخلِّصَنا. ببساطةِ نظرتِها وفقر ثياِبها وبوفرةِ الحنانِ وكثرةِ الرأفةِ، تُرشِدُنا وتجذبُنا إليه، فنجري في إثِرهِ طائعينَ ما تقول، وتُوحي بصمتٍ أشبهَ بالصلاةِ غير المنقطعة.

هذه الإيقونةُ أثرٌ من معالم الحياةِ الرهبانيَّة الحمطوريّة السحيقةِ في التاريخ. بصمتِها تُعلِّمُنا وتُخِبرُنا عن جيل الآباءِ الأوَّلين، كم كانتْ تضحياتُهم بالغة الأهميَّة في عينيّ الربِّ، وكم كان عطاؤهم سخياً. فصِناعتُها تُؤكِّدُ أنَّها من أجوَدِ التقنيات، والموادُ المستعمَلةُ في التذهيب تتطلَّبُ إتقانًا ومهارًة لتبدو مرسومة كأنَّما على صفيحةٍ ذهبيَّةٍ مصقولةٍ بإتقانٍ وعناية. يُميِّزُها تزيينٌ في

الهالتَين حول رأسَيّ السيِّدة والسيِّد.

هذه الإيقونة قديمةُ العهد، وقد تشبَّعَت من صلواتِ الآباءِ الأبراِر ومن تنهُّداتِ التائبينَ أمامَها ومن تعظيم الأتقياءِ والزوَّاِر المؤمنين، الذين سكبُوا نفوسَهُم وأمانيهم أمامَها، فاستجابَت لطلباتِهم وأعطت ما يُناسِبُ لخلاص كلِّ شاكٍ. فليسَ أحدٌ يُساِرعُ إليها ويمضي خازيًا، إلاَّ ويرجعُ مملوءًا بركاتٍ من نِعَمِها.

يُخِبرُنا الأقدمون أنَّها كثيرًا ما استجابَت لضَراعةِ الكثيرينَ ممَّن قصدُوها طالبينَ أولادًا في زمنٍ لم يَكُن للطبِّ دورٌ أو فاعليَّة. وشَفَت بوفرةٍ مَن كانوا مرضى، وأراحَت من حزنوا على ميتٍ أو شقوا بسبب غُربَةٍ، وحَمَتْ وفرًة من الأطفال من الموت، إذ أغدَقَت بالحليب على أمَّهاتٍ لم يتوفَّر لأطفالِهنَّ طعامٌ نافع. وكم أعانتْ مِنْ مُلتَجئٍ الى حمايَتِها، فَبَاتَ نشاطُه يُعطي غِلالاً مباركةً وفيضًا لا ينضب. وبعدَ أن دُمِّرَ الديرُ وشُرِّدَ الرهبان،فَكُلَّما حملوها ونقلوها إلى دير القدّيس جاورجيوس، كانتْ ترجعُ دائمًا بطريقةٍ غير منظورةٍ لِتُدلِّ على أنَّ نعمَتَها لا تُفاِرقُ الدير. حتَّى صلَّى الأبُ الرئيسُ إيروثيوس الكفوري، ضارعًا إليها بابتهالٍ، أن إبَقيْ معي في دير القدّيس جاورجيوس وأعيِنيني لأنِّي غيرُ قادرٍ على السَكن في الدير المهدَّم لأخدِمَكِ كعبدٍ أمين. فَبَقِيَت وحفِظت الدير، وكان الزوَّارُ يشعرون بحضوِرها يُهيمِنُ على جوِّ الدير، رغمَ عدَم انضباطِهم أحيانًا.

ومن الملفِتِ أنَّ ما من أحدٍ غادَرَ البلاد، وهاجَر قبل أن يلتَمِسَ برَكتَها، وما مِن مُغتَربٍ إلاَّ وعادَ يزورُها ويشكرُ نعَمَها ومعونَتَها. رمَّمَهَا الرهبانُ، بسبب تَقادُم الزمن عليها، سنة ١٨١٧ كما هو مُسجَّلٌ عندَ حافَّتِها لِتعودَ بأوفر جمالٍ ووقار.

وهي تُزيَّحُ اليومَ لِيتبَارَكَ ﺑﻬا الناسُ عن قُربٍ ولِتُؤكِّدَ لهم عناية والدةِ الإلهِ وحضورَها إلى جانب أولادِ الكنيسة، أولادِها. فارفعي يا والدَة الإلهِ، عمَّن يسجدُون لإيقونَتِكِ المقدَّسةِ ومن يبتهلونَ إليكِ مِن خلالها، كلَّ مرضٍ وكلَّ تراخٍ وكلَّ استهتارٍ، وجُودي بعطفِكِ بالخيراتِ السماويَّةِ والأرضيَّة، واهدينا بإرشادِكِ وقيادَتِكِ لنا إلى خيرِ العمَل بالصالحات، حتَّى يتمجَّدَ اسمُ الربِّ فينا، غافرًا آثامَنَا ومُوَرِّثَنا الحياة، آمين.

دير سيّدة حمطورة - 8 أيلول 2010

 

الزّواج، كنسيًّا، وبصراحة!

       أنا كاهن راهب روميّ أرثوذكسيّ أنطاكيّ. كثيرًا ما يسألونني رأيي في الزّواج، وفي الزّواج المسيحيّ بخاصّة. ما أودّ إبداءه، أوّلاً، أنّه ليس لي رأي شخصيّ، كما للقوم آراء شخصيّة في شتّى الميادين والمسائل الّتي تُطرَح عليهم. أنا لي التزام بالمسيح يسوع، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، ربًّا وإلهًا. ما أقوله أستمدده من تعليم كنيستي، حيث التّعليم، في شأن ما، واضح ومحدّد. وحيثما كان تعليم كنيستي غير محدّد تمامًا، فإنّي ألتزم موقفًا يمتّ إلى إيماني ووجداني الكنسيّ وتراث كنيستي الشّفهيّ أو المكتوب، وما أراه من روح هذا التّراث، في إطار المستجدّات الإنسانيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة المعيشة. هنا لا بدّ لي من أن أُشير إلى أنّ كنيستي قلّما تقنِّن المسائل العملانيّة، الرّوحيّة والأخلاقيّة، بل تترك المجال واسعًا لوجدان المؤمنين وضميرهم في المسيح ليستنبط الحلول والمواقف الّتي توافق ظروفهم وتعبِّر عن إيمانهم أصدق تعبير ممكن. في ما عدا ذلك يسترشدون بآبائهم الرّوحيّين.

       لا أقول جديدًا، اليوم، إذا قلت إنّنا في زمن تغلب عليه الفردانيّة إلى حدّ بعيد. الأربطة العائليّة تنحلّ تدريجًا، والجماعة الكنسيّة تتقلّص وتميل إلى الفكاك، بتواتر، ميلاً واضحًا. النّاس يكوِّنون دياناتهم أو معتقداتهم الذّاتيّة، على نحو تلفيقيّ، بشكل متزايد. ما تقول به الكنيسة وما تعلّمه، القلّةُ وحدها تشعر بأنّها مُلزَمةَ به، والكثرة صارت تعتبره اختياريًّا، أو غير جذّاب أو متخلّفًا. القيم الّتي تنشأ عليها الأجيال قلّما عادت مستمدَدة من معين التّراث الحيّ للكنيسة، بل من معين التّراث الدّهريّ المنبثّ، بقوّة، في المؤسّسات الأهليّة وعبر وسائل الإعلام وسوق تداول الأفكار والمواقف والعادات. الدّهريّة اجتاحت الممارسات حتّى الكنسيّة. بدل أن يخرج المؤمنون، بروح الله وإنجيل الخلاص، إلى أقصى الأرض كَرَزَةً، يقتحم الدّهريّون، بروح العالم وغواية العِلْم، عمق الأسرار الكنسيّة، وتنخر الدّهريّة لبّ الوجدان الكنسيّ في الناس. طبعًا هذا ليس شاملاً كلّ ممارسة كنسيّة، لكنّه يندفع، في قلب هيكل الله، عنيفًا جارفًا!

       ولكي لا أُطيل الكلام في تحديد الإطار العام للموضوع الّذي نحن بصدده، أكتفي بالقول إنّ رموز الدّهريّة باتت، إلى حدّ ليس بقليل، في الواقع، ملء أكثر ممارساتنا الرّعائيّة واللّيتورجيّة. كيف يفكّر المؤمنون؟ كيف يسلكون؟ ماذا يطلبون؟ ماذا يتوقّعون؟ ما هي اهتماماتهم؟ كيف يتعاطون العالم وبعضهم البعض والكنسيّات؟ هذه كلّها وغيرها أمست مشبعة بالرّوح الدّهريّة إلى حدّ أنّ علاقة النّاس، بعامة، بالتّراث الكنسيّ، أضحت علاقة في الظّاهر، في الشّكل، فيما يُغيَّب المضمون الإنجيليّ الرّوحيّ، في الممارسة الرّعائيّة والطّقوسيّة، تغييبًا كبيرًا. العرس، مثلاً، طالما نحن في صدد الكلام على الزّواج، قلّما عاد، فعليًّا، دخولاً في سرّ علاقة المسيح بالكنيسة، على حدّ قول الرّسول بولس، في رسالته إلى أهل أفسس، بل تجمّعٌ دهريّ يطغى على اجتماعه الطّابعُ الاحتفاليّ المشبَع بروح العالم، سواء من جهة ما يشغل النّفوس، أو من جهة الزّينة أو اللّباس أو الاجتماعيّات أو الرّوح المسرحيّة أو المؤثّرات العاطفيّة أو ما إلى ذلك.

       في هذا الزّمان الفردانيّ، إذًا، بات كلٌّ، كما أشرت، يسلك وفق قناعاته الذّاتيّة. وجُلُّ القناعات الذّاتيّة مُشبَع بروح الدّهريّة. الكنيسة، باعتبار طبيعتها وتكوينها، لا تفرض نفسها ولا يحقّ لها أن تفرض نفسها على أحد. كلٌّ، ضميريًّا، حرٌّ في اعتماد السّلوك الّذي يرتئيه في الشّأن المطروح: يتزوّج مدنيًّا أو يدخل في زواج مختلط، مع شريك من غير كنيسة أو حتّى غير مسيحيّ، في زواج دينيّ أو غير دينيّ، في زواج شرعيّ أو مساكنة... هذا بات شأن النّاس، بمَن فيهم المعتبَرون مؤمنين، أو الأصحّ طائفيّين؛ والقانون المدنيّ، وكذا الممارسة الطّوائفيّة، تيسِّر لهم الأمور الّتي يختارونها أو يرغبون فيها، بطريقة أو بأخرى، أو تزوِّدهم بالمخارج الشرعيّة. الكنيسة تُتعاطى، من جهة الجماعة والرّعاة، أكثر الأحيان، كأنّها "دكاكين"! النّاس، غالبًا ما يجدون ما يلبّي رغباتهم فيها، والرّعاة يظنّون أنّهم، بمماشاة النّاس في طلباتهم، "يحفظونهم!" الحاصل، عمليًّا، على الأرض، أنّ المضمون الكنسيّ يُحيَّد ويُعزَل، على نحو متزايد، والتّدبير الطّائفيّ، العشوائيّ، كنسيًّا، ضمن حدود الأعراف المستحدثة، بات هو المعيار. طبعًا، الكنيسة لا يُفترض بها أن تشجِّع أبناءها، أو المحسوبين أبناء لها، على ذلك، ولكنْ، يسلك الرّعاة في التّيّار الجارف لواقع الممارسة الزّيجيّة الرّاهنة كأمر واقع، لأنّهم لا يشاؤون أن يجدوا أنفسهم غرباء عن عقليّة شعبهم وما يعتبرونه حداثة، إن لم نقل أنّهم يسيرون فيه كأمر مقبول وعاديّ جدًّا. وقلّما يجد أكثر الرّعاة في ما يفعلونه، في هذا الشّأن، غضاضة! اعتياد الخطأ طبيعة جديدة! لذا نلقى عمل الرّعاة، أحيانًا كثيرة، مقتصِرًا على "تخريج" التّفلّت الحاصل، في المؤسّسة الكنسيّة، تخريجًا شكليًّا، أو، بصورة أفصح، شرعيًّا ورقيًّا، وقلّما يهتمّون، أو يقدرون، في خضم الفوضى والعبث الحاصل، على تطعيم الممارسات النّاشذة في شجرة التّراث الكنسيّ الأسراريّ الحقّ. لذا، صارت، هناك، بين التّراث الكنسيّ والممارسة الطّائفيّة، الدّهريّة الطّابع، هوّة سحيقة!

       الحريص، المتجذّر في التّراث، في هذا المناخ من الانفلاش والخواء والضّياع، له الحقّ في أن يتساءل: أما يجدر بالكنيسة، والحال هذه، أن تسحب سرّ الزّواج، ليتورجيًّا، من سوق تعاطي الزّواج الدّهريّ، والاكتفاء بزواج مدنيّ لأبناء الطّائفة، إلاّ القلّة، إلى أن يُستعاد المناخُ الكنسيّ القويم، إثر إعادة تبشيرٍ مرجوّة للشعب المحسوب على الكنيسة وليس إليها؟ أيحقّ لنا، أو أقلّه أيليق بنا أن نفرِّط بالقدسات أو نحوّل سرّ الزّواج إلى مجرد برَكَة "كلاميّة" خاوية، وأقول خاوية لأنّ البَرَكة لا تفعل من دون إيمان النّاس؟ في الماضي، واجهت الكنيسة ظروفًا مشابهة للّتي نمرّ بها اليوم، إثر "اندلاق" أعداد من غير المسيحيّين، لم يُعَدّوا، لا تعليميًّا ولا رعائيًّا، إعدادًا موافقًا، في أزمنة مختلفة، وحملوا إلى الكنيسة الكثير من وثنيّاتهم الّتي كانوا عليها. فماذا فعلت؟ سحبت الاشتراك في سرّ الشّكر من الزّواج، وفي وقت لاحق الاشتراك في القدسات السّابق تقديسها واكتفت بتقديم الكأس المشتركة للعروسَين. اليوم، تعود المشكلة إيّاها، بوثنيّاتها، ولو بشكل مختلف: خدمة الإكليل، أيجوز إدخال أيّ كان فيها، بغضّ النّظر عن حقيقيّة إيمانه، لمجرّد كونه من أبناء الطّائفة الأرثوذكسيّة؟ هذا دخول في الفوضى وتذويب للقدسات في أسيد الرّوح الدّهريّة! أليس التّمييز بين مَن يليق إجراء الخدمة، خدمة الإكليل، عليهم، ومَن لا يليق، باعتبار المضمون الإيمانيّ لديه، ضرورة؟ إذا كان هذا التّسآل بديهيّة لدى ذوي الحرص، فهو غير وارد، ورجعيّ لدى الكثير من الرّعاة، اليوم، إذ لا يشعرون بأنّهم على خطأ إن اعتبروا إيمان العروسَين شأنًا خاصًّا بهما، واكتفوا من اللّيتورجيا الحيّة بالطّقوس! في هذا الموقف، طبعًا، شيء من تعهير للقدسات، أو، في أحسن الحالات، تسييب لها، ومن ثمّ تُتعاطى القدسات خارج سياقها، على نحو دهريّ، ما يدفع الكنيسة، من حيث يعي القيِّمون أو لا يعون، إلى حيث لا يجوز لها أن تكون: في المدى الدّهريّ دون الأخيريّ الأسخاتولوجي!

       في إطار هذا الواقع، أقول إنّ زواج المؤمن زواجًا مدنيًّا غير سليم، كنسيًّا، ولا مقبول. فقط في البلدان الّتي تفرض الزّواج المدنيّ على مواطنيها، يُجري المؤمن زواجًا مدنيًّا، لكنّه لا يقف عند حدوده، بل يتخطّاه إلى الزّواج الكنسيّ الفعليّ. كما لا يُجري زواجًا، في هذا السّياق، بشريك غير مؤمن. والزّيجة المختلطة، أي بشريك يُعتبر مسيحيًّا لكنّه غير روميّ أرثوذكسيّ، هي، أيضًا، غير سليمة، كنسيًّا، وغير مقبولة. كذلك الزّيجة بمَن ليس مسيحيًّا ساقطة كنسيًّا. حتّى الزّيجة الطّائفيّة البحت، أي بين شريكَين روميَّين أرثوذكسيَّين بالاسم، غير لائقة وإيهاميّة، من جهة ما للكنيسة. أقول هذا، من جديد، تاركًا الحقّ لكلّ أحد في أن يسلك وفق قناعاته الخاصّة. لكنّه لا حقّ لي ولا حقّ لأحد في أن يميِّع ما للكنيسة ويحوِّره ويستعمله غطاء لما لا يمتّ إلى فكر الكنيسة وروحها بصلة. "إن عشنا فللربّ نعيش..." الزّواج، للمؤمن، هو زواج في المسيح وغايته الأخيرة المسيح، لا الإنسان، أو يكون ضربًا من الزّنى الرّوحيّ!

       ليس، عن عبث، ورد في القانون 72 من مجمع تروللو (692 م) أنّه "لا يجوز لرجل أرثوذكسيّ أن يتزوّج امرأة مبتدعة، ولا لامرأة أرثوذكسيّة أن تتزوّج رجلاً مبتدعًا..." (الشّرع الكنسيّ، كسّاب، طبعة 75، ص 593). الفكرة هي أنّه لا خلطة في الإيمان القويم ولا اجتزاء ولا شكليّة. الأرثوذكسيّة الرّوميّة تُتَبنّى كلّها أو تُرفَض كلّها! ضعفات النّاس يُنظَر إليها في إطار الالتزام الكامل باستقامة الرّأي لا الالتزام الجزئيّ. إذا لم يكن سعي العائلة الرّوميّة الأرثوذكسيّة هو إلى التّملّؤ من استقامة الرّأي، وفي إطار بذل الجهد كاملاً للحفاظ على هذه الاستقامة، فإنّ هذا لا يمكن إلاّ أن يؤول إلى ضرب الأرثوذكسيّة وإفسادها من الدّاخل، في خليّتها الكنسيّة الحيويّة بالذّات: العائلة! إذا سُيِّبت العائلة فُرِّط بالكنيسة! الوجدان الكنسيّ الأرثوذكسيّ، هناك يتكوّن، بالوالدَين، لدى الأولاد: في العائلة الأرثوذكسيّة القويمة. المنطق الّذي يَعتبر الخلطة في الزّواج فضيلة ابتغاء اتّحاد المسيحيّين، أو تحقيق التّمازج الأهليّ أو الإنسانويّ بين النّاس، هو منطق غير كنسيّ، ومآله القضاء على الكنيسة. ثمّ ليس الموضوع موضوع منطق شكليّ بل منطق روحيّ. المسألة مسألة مدّ للإيمان القويم، للسّلالة في الرّوح القدس، بالرّبّ يسوع، في كنيسته، من جيل إلى جيل. تراخَ في هذا الشّأن تُفسِدِ الوجدان الكنسيّ، ومن ثمّ استقامة الرّأي، وتشوِّه وتغيِّب صورة المسيح الحقّ! وهذا مآله ضرب المسيحيّة في الصّميم، أي مسيح الرّبّ، إذ إنّ تشويه صورة السّيّد لا بدّ أن يُفضي إلى إطاحة حقيقيّته وتاليًا حضوره، والنّهاية محو اسم الرّبّ يسوع من الأذهان، أو استبداله بما ليس إيّاه. إنّ التّمسّك بالزّواج، في إطار استقامة الرّأي، في الأرثوذكسيّة، ضرورة كنسيّة حيويّة، صونًا لنقاوة التّراث وحفظًا لسلامة الإيمان وتفعيلاً لحضور المسيح الكلمة وترسيخًا لعمل روح الرّبّ في الوجدان! لا عبث ولا خلطة في ما هو للخلاص والحياة الأبديّة!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

لباس الحشمة

       "أُريد... أنّ النساء يزيِّن ذواتهن بلباس الحشمة... كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله..." (1 تيم 2: 9 – 10). هذا ما أوصى به الرسول بولس تلميذه تيموثاوس في شأن معالجة موضوع لباس النساء في أفسس. هؤلاء كان لباسهن خارج حدود الحشمة وسبباً لإثارة البلبلة في صفوف المؤمنين. هذا استدعى تنبيهاً واضحاً ليكون كل شيء في كنيسة المسيح "بلياقة وترتيب" (1 كور 14: 40). وما يُقال عن النساء يُقال عن الرجال أيضاً حيثما كان المظهر ناقص الحشمة.

       نستنتج ممّا تقدّم أنّ موضوع اللباس لا يخصّ المؤمنين والمؤمنات فقط، يلبسون ما يحلو لهم، وفق أذواقهم، بل يخصّ الكنيسة أيضاً. طبعاً لنا أن نختار لبس ما نشاء، الكنيسة لا تحدّد لنا ما نلبس بالتفصيل، ليس عندنا في الكنيسة لباس شرعي، الأمر متروك لإحساس المؤمن وضميره وذوقه، لكنْ توجب علينا الكنيسة، ونقول "توجب" لأنّ الصيغة التي يورد الرسول بولس كلامه فيها هي صيغة الفرض. يقول "أُريدُ" ولا يقول "أتمنّى" أو "أقترح". إذاً توجب علينا الكنيسة أن لتزم الحشمة معياراً للباس والمظهر بعامة. يتكلّم على "لباس الحشمة". والحشمة، في "لسان العرب"، هي الحياء، وفي اللغة اليونانية، لفظة "إيذوس"، المقابلة للحشمة، تعني "الإحساس بالحياء والرزانة والوقار".

       هناك، إذاً، مسؤولية في اللباس تجاه الكنيسة ينبغي أن تُؤخذ في الاعتبار. أولاً الحشمة تعبير عن التزام المؤمن والمؤمنة تقوى الله. لا تكون تقيّاً إذا ما فرّطت بجانب الحشمة في لباسك ومظهرك. وثانياً إذ يُفترض أن تعكس الحشمة ما في النفس من تقوى الله يعطي المؤمنون والمؤمنات، بالتزامها، مثلاً صالحاً في الوقار والرزانة وإلاّ يجرحون الإحساس بالحياء لدى الآخرين، ويُحدثون بينهم تشويشاً ويكونون عثرة لهم. وثالثاً التفريط بالحشمة يُدخل في صفوف الجماعة روحاً غريباً يحرِّك أهواء غير نقيّة في النفوس. علينا أن ندرك أنّ التغاضي عن الحشمة يعني، حتماً، اقتبال الفجور. السلوك بدون حشمة هو سلوك بروح الزّنا. هذا قد نعيه وقد لا نعيه. كما تعكس المرآة وجه مَن يقف مقابلها يعكس بعض الناس روح الزّنا وهم لا يعلمون. يظنّون أنّ ما هو شائع بين الناس مقبول ومُشرَّع. هذه هي الموضة كما يدّعون. ما هو خطأ يبقى خطأ ولو انتشر بين الناس. إذا ما شاع الفساد بين الناس فهذا لا يعني أنّه بات مسموحاً لنا أن نتبع الناس في فسادهم بل أن ننتبه ونحرص حرصاً أشدّ على ألاّ نقع في ما هم واقعون فيه. هم يقرأون في كتابهم ونحن نقرأ في كتابنا. لهم أخلاقهم ولنا أخلاقنا. نظرتهم غير نظرتنا.

       بالنسبة لنا، هناك غرضان نسعى إلى تحقيقهما من خلال ما نتّشح به من لباس. أولاً اللباس هو لتأمين الدفء المناسب للجسد وثانياً لتغطية الجسد. طبعاً هذا يمكن أن يترافق وبعض الزينة المختارة بذوق وخفر. المهم أن تكون الزينة هادئة لا صارخة، تبعث الهدوء وشيئاً من الفرح في النفس، في نفس المتزيِّن والرائي معاً. هذا لا يُحدَّد بقانون، لكن الإنسان السالك بمخافة الله، بصدق وأمانة، توحي له مخافة الله بما يليق وبما لا يليق، بما يناسب وبما لا يناسب. قلنا اللباس هو لتغطية الجسد لأنّ الجسد ليس للكشف. فقط الوجه هو للكشف. الناس يتواصلون بالوجوه واللسان. لا يتواصلون بالأجساد. التواصل بالأجساد، من خلال كشفه أو إبراز نتوءاته، ككشف الوسْط والصدر وإبراز شكل الأرداف والسيقان وما إلى ذلك، هذا يجعل الناس، بطريقة إيحائية، يدخلون في حوار من الفجور. وحده الوجه هو الموضع الذي يتجلّى فيه الإنسان. لذلك وحده حوار الوجوه هو المقبول. والوجوه ليست برسم الزينة بالماكياج ولا الشَعر إلاّ ما كان خفيفاً وهادئاً ولا يغيِّر الملامح الطبيعيّة الأساسيّة للرأس حتى لا نوجد مسيئين إلى الخالق التي خلقنا على الصورة التي نحن عليها. أما الجمال الذي ينبغي أن نعوّل عليه ونعمل على اقتنائه فهو جمال الفضيلة. الجمال الحقيقي هو الذي يأتي من داخل الإنسان وينعكس في وجهه. الإنسان الذي يقتني روح الرّبّ هذا يستنير وجهه وكلُّه ويصير بهيّ الطلعة. أما التركيز على الجمال الخارجي فهو تجميل، وهو في الحقيقة تشويه ومحاولة لإخفاء البشاعة التي في داخل النفس. مَن كان قلبه جميلاً هذا لا يحتاج ولا يخطر بباله أن يجمِّل نفسه. فقط مَن يحسّ، في قرارة نفسه، بأنّه بشع ويريد أن يوهم الآخرين بأنّه جميل يسعى إلى تجميل نفسه.

       هذه هي نظرتنا إلى اللباس لأنّ الجسد عندنا هو هيكل للروح القدس وليس كتلة لحميّة ولا نحن أحرار في تصرّفنا بأجسادنا. الكلام الكتابي في شأن الجسد هو هذا: "كل الأشياء تحلّ لي لكن ليس كل الأشياء توافق... ولكنّ الجسد ليس للزّنا بل للربّ والربّ للجسد... ألستم تعلمون أنّ أجسادكم هي أعضاء المسيح... اهربوا من الزّنا... أم لستم تعلمون أنّ جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنّكم لستم لأنفسكم... فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1 كو 6: 12 – 20). والرسول بطرس يوصي: "أيّها الأحبّاء، أطلب إليكم كغرباء ونُزَلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسديّة التي تحارب النفس" (1 بط 2: 11). وعن إساءة استعمال الحرّيّة يقول الرسول بولس: "أيّها الإخوة... لا تصيِّروا الحرّيّة فرصة للجسد بل بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضاً" (غلا 5: 13).

        ختاماً نورد نبذة من سيرة القدّيس بطرس الغلاطي المدعو "الصامت" الذي عاش في القرن الخامس للميلاد وتُعيِّد له الكنيسة المقدّسة يوم الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني. كتب خبره الأسقف ثيودوريتوس القورشي في كتابه "تاريخ أصفياء الله". الحكاية هنا هي عن والدة ثيودوريتوس عندما كانت صبيّة في الثانية والعشرين من عمرها. هذه جاءت إلى القدّيس بطرس سائلة الشفاء من مرض في عينيها، وكانت تتحلّى بأقراط وعقود وحليّ أخرى من الذهب وثوب من الحرير المزركش وقد زيّنت وجهها بشتى المساحيق. فلمّا رآها القدّيس على هذه الحال بدأ أوّلاً بشفائها من حبّ الزينة فقال لها: "قولي لي يا ابنتي، لو أنّ مصوِّراً بارعاً جداً رسم صورة وفق الأصول الفنيّة وعرضها على مَن يرغبون في رؤيتها، ثمّ أتاه رجل ليس على دقّة في هذا الباب وصار يغيِّر على ذوقه، وبخفّة، في الرسم، مدّعياً أنّ فيه عيباً فيطوِّل الحاجبَين وأهداب العينَين ويزيد من البياض في الوجه ويُكثر من الحُمرة على الوجنتَين، أفلا تظنّين أنّ للفنان الأوّل الحقّ في أن يغضب لرؤية صنعة يديه مشوّهة بتلك الإضافات البطّالة وبيد مدّعية لا خبرة لها؟ أفلا تعتقدين أنّ صانع الأشياء كلّها وجابلها ومزيّنها من حقّه أن يغضب عندما تحسبين فعل حكمته الخارقة ناقصاً؟ وإلاّ لما استعملت هذه الألوان من أحمر وأبيض وأسود، لو لم تحسبي إضافتها تنقصك. وفي اعتبارك أنّها تنقص لجسدك تنسبين العجز للخالق، مع أنّه يتحتّم عليكِ أن تعرفي أنّ قدرته تُقاس بمشيئته... وهو المعطي الخير للجميع فلا يمنح شيئاً مضرّاً بأحد. لذا لا تشوّهي صورة الله ولا تحاولي أن تضيفي إليها ما لم يشأ هو بحكمته أن يمنحكِ إيّاه. وأنتِ باستعمالكِ هذا الجمال الباطل تنصبين الأشراك للناظرين، حتى للنساء العفيفات". ويُقال إنّ قلب الصبيّة صحا لكلام رجل الله بعد ذلك، فلما برئت وعادت إلى بيتها غسلت ما كان عالقاً عليها من الدهونات وخلعت عنها كلّ زينة غريبة وصارت تعيش على نحو ما أشار عليها القدّيس.

       فهلاّ لنا أذنان للسمع وقلب للفهم؟.

إعداد عائلة الثالوث القدّوس

دير مار يوحنّا – دوما

 عن: موقع عائلة الثالوث القدوس - دوما

 

Apostles' Fast

 

The Apostles' Fast, also called the Fast of the Holy Apostles, the Fast of Peter and Paul, or sometimes St. Peter's Fast,[1] is a fast observed by Eastern Orthodox, Oriental Orthodox and Eastern Catholic Christians. The fast begins on the second Monday after Pentecost (the day after All Saints' Sunday) and continues until the Feast of Saints Peter and Paul on June 29, according to the Eastern Orthodox liturgical calendar.

 

History

Having rejoiced for fifty days following Pascha (Easter), the Resurrection of Jesus Christ, the Apostles began to prepare for their departure from Jerusalem to spread Christ's message. According to Sacred Tradition, as part of their preparation, they began a fast with prayer to ask God to strengthen their resolve and to be with them in their missionary undertakings.

 

The scriptural foundation for the Fast is found in the Synoptic Gospels, when the Pharisees criticized the apostles for not fasting, Jesus said to them, "Can the children of the bridechamber mourn, as long as the Bridegroom is with them? But the days will come, when the Bridegroom shall be taken from them, and then shall they fast."[2] In the immediate sense, Christ was referring to his being taken to be crucified; but in the wider sense it is understood in terms of his Ascension into heaven, and his commission to preach the Gospel, which can only be accomplished with prayer and fasting.

 

The tradition of the Fast has existed at least since Pope Leo I (461 AD), as is evidenced by his homilies, though it has subsequently been forgotten in the West. The Fast is thought to have been instituted out of thanksgiving to God for the witness of the apostles of Christ. With this Fast, believers express their thanks for the apostles' endurance of persecution during their mission.

 

Practice

The Apostles' Fast is not as severe as Great Lent or the Dormition Fast, but entails fasting from red meat, poultry, meat products, eggs, dairy products, fish, oil, and wine. Fish, wine and oil are allowed on Saturdays and Sundays, and oil and wine are allowed on Tuesdays and Thursdays. These fasting rules are much the same as those observed during the Nativity Fast.

As with the three other Fasts of the Church year, there is a Great Feast that falls during the Apostles' Fast; in this case, the Feast of the Nativity of St. John the Baptist (June 24).

In some places, the services on weekdays during the Apostles' Fast are similar to the services during Great Lent (with some variations). Many churches and monasteries in the Russian tradition will perform the lenten services on at least the first day of the Apostles' Fast.

 

Duration of the Fast

The length of the Fast is variable, being determined by the date of Pascha (Easter). Eight weeks after Pascha comes the Sunday of All Saints. The next day, Monday, the Fast of the Holy Apostles begins. The Fast lasts until June 29, the Feast of the Holy Apostles Peter and Paul. In other words, depending on the date of Pascha, the Apostles' Fast can begin as early as May 18 or as late as June 21. Thus, it may be as short as eight days or as long as forty-two days in duration.

For those churches which follow the Revised Julian Calendar rather than the traditional calendar, the Fast is truncated by 13 days. In 1924, the Church of Greece and the Church of Constantinople, and later some other local churches, changed to a different calendar from other Orthodox Churches. Pascha often falls very late on the New Calendar, which can obliterate the Fast of the Holy Apostles entirely.

 

الأسبوع العظيم المقدس في احد الشعانين

 هكذا يدخل يسوع إلى أورشليم بالوداعة والتواضع ليكمل خلاصنا "ويتكلم بالسلام للأمم" ويبسط سلطانه بالمحبة على العالم ويقيم معنا وفينا إلى الأبد. يجلس على جحش ليحل بهيمية الأمم التي كانت عقيمة لأنها لم تعرف محبته. ونشدّ أنفسنا إليه كما لم تكن مشدودة لعلمنا بأنه يحررنا من وطأة الخطيئة ووطأة الخوف. اليوم ندشن أسبوع الآلام المقدسة فتقيم الأحد مساء والاثنين والثلاثاء صلاة الختن أي صلاة المسيح العريس الذي سيجعل كل نفس تائبة عروس له. ها نحن مرافقوه إلى أورشليم لنتقبل الحياة من موته. سوف نراه مسمرا على الصليب ونتبعه إلى القبر حتى نشاهده قائما من بين الأموات لننال منه فصحاً طيبا.

سنحشر أنفسنا في الصلوات لتتضح رؤيتنا لسره وهي تبيد خطايانا. في هذه العبادات قراآت من العهد القديم بما في ذلك المزامير تتحدث كلها عن الحَمَل المذبوح من اجلنا ورسائل وأناجيل تتكلم عن الخلاص الذي نلناه بتطوعه للموت. هذه وتلك تُسرَد في إطار صلوات وترانيم تدفعنا الى التمسك به حياة لنا. فاذ ا قرأنا مثلا عن آلام أيوب وصبره نفهم انه كان صورة عن المخلص , ونتنبه لئلا نقع في الغفلة. "ها الختن يأتي في نصف الليل " ليزيل الظلام عن النفس ويطلقها في التسبيح حتى تختلي معه في ذلك العرس الروحي الذي يجعلها تنسى ما كانت تعشقه قديما: "إنني أشاهد خدرك مزينا يا مخلصي " والخدر في اللغة الغرفة  الزوجية  والفكرة أن النفس بعد أن كانت مخطوبة للمسيح ترجو لقاء الاتحاد معه والاتحاد بيننا وبين المخلص تم على الصليب. ولكن الإنسان المدنس لا يدخل. يحتاج إلى لباس العرس الذي هو التوبة.

وندرك قمة من قمم التوبة  الثلاثاء مساء في الترنيمة الشهيرة:" يا رب إن المرأة التي سقطت في خطايا كثيرة". أما الأربعاء مساء فنقيم صلاة الزيت المقدس التي تريدنا الكنيسة أن نتممها للمرضى في بيوتهم في صيغتها للمرضى في بيوتهم في صيغتها الطويلة  أو صيغتها القصيرة. ولست اعلم لماذا ومتى سقط سر مسحة الزيت هذا من منازلنا في بيوتهم في صيغتها الطويلة أو صيغة قصيرة. ولست اعلم لماذا ومتى سقط سر مسحة الزيت هذا من منازلنا في الكرسي الأنطاكي ولا شيء يمنع أي كاهن من تجديد ذلك بنفسه لما فيه من نفع للمريض.وهكذا ينتهي النصف الأول من أسبوع الآلام.

الخميس صباحا ذكرى العشاء السري. وفي القديم كان يقام مساء لأنه يتم في سياق صلاة الغروب ولعلّه قُدِّم إلى الصباح لان المؤمنين يؤثرون سماع أناجيل الآلام مساء. ونتلو, إذ ذاك, كل روايات الآلام كما وردت في الأناجيل الأربعة ومستهلها الخطاب الوداعي كما ورد في بشارة يوحنا وهو ذروة من ذرى اللاهوت اليوحنائي. والمؤمنون متعلقون بالطواف بالصليب الذي يجري بعد الإنجيل الخامس:" اليوم عُلِق على خشبة". وهذا الطواف ظهر في القرن الماضي في الكرسي الأنطاكي وعمَّ الكنائس اليونانية.

غير أن الاستمتاع بالمعاني اللاهوتية للآلام هو في خدمة الساعات الملوكية التي تتلى في صبحية الجمعة العظيمة. المزامير تنصّب مباشرة بما ذاقه المخلص من أوجاع:" الهي, الهي لماذا تركتني". والنبؤات تطل مباشرة على سر الفداء:" وزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة ( زخريا النبي) او "كنت أنا كخروف بريء من الشر يُساق إلى الذبحْ" (ارميا) حتى نبلغ القمة مع اشعياء:"لا صورة له ولا بهاء فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه...انه قد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا.... جُرح لأجل معاصينا وتألم لأجل آثامنا.... كشاة سيق إلى الذبح وكحمل صامت أمام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه".

وفي صلاة الغروب بنهاية الساعات يُطاف بالإبيتافيون ( بالعامة النعش) ليضع في صحن الكنيسة ويُكرّم في الجناز. وخدمة الجناز هي خدمة صلاة السحر للسبت العظيم. ننشد للمسيح المدفون ونحن في ذهول وفي انتظار القيامة. "أنزلوك القبر / يا يسوع الحياة / فمراتب الملائكة انذهلت / كلها ومجدت تنازلك /". فتتوالى التقاريظ نعظم فيها المسيح معطي الحياة. ونتوغل في تمجيد من كان خلاصنا المحيي وربيعنا الحلو ونشرف على السبت العظيم " الذي فيه استراح ابن الله الوحيد من كل أعماله لما سبت بالجسد بواسطة سر التدبير المكمل بالموت".

أما يوم السبت العظيم ففي أواخر الصبيحة نقيم القداس الإلهي الذي كان في ما مضى قداس العيد. المسيح في سكون القبر وناهد الى القيامة. ونلتمس نهوضه من القبر:" قم يا الله واحكم في الأرض". نريدها فاعلة في نفوسنا.

شرط رؤيتنا لها أن " يصمت كل جسد بشري.... ولا يفكر في نفسه فكرا ارضيا البتة". في تلك الليلة العظيمة كنا نُعَمّد الموعوظين أي أولئك الوثنيين الذين آمنوا وتعلموا الإيمان فان المعمودية كانت لهم قيامة من بين الأموات.

وإذا تدرجنا من يوم إلى يوم بتكثيف التو بات ولمسنا محبة الله لنا تتجلّى بآلام المخلص نكون متأهبين لاستقبال الفصح.

          الأسبوع العظيم المقدّس بكامل أحداثه ومعانيه يُشكّل وحدة مترابطة ترابطا محكما0 الأيام الثلاثة الأولى تذكّرنا بهدف الرحلة الصومية التي قطعنا شوطا كبيرا منها، إلا وهو انتظار العريس الآتي: "ها هوذا الختن (العريس) يأتي في نصف الليل فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظا..."0 هذه الدعوة إلى انتظار العريس، المستوحاة من مثلَيْ العذارى (متى 25: 1-13) والوكيل الأمين (لوقا 12: 35-40)، تردّنا إلى ما أوصى به السيد، في ما كان يحدّث تلاميذه عن مجيئه الرهيب في اليوم الأخير، لمّا قال لهم "اسهروا" (مرقس 13: 33-37)0 وصيّة السهر -الذي نعيش مدلوله بقوّة في هذا الأسبوع- تدلّ على طبيعة جماعة يسوع وعملها (الإعلان عن اليوم الأخير) في هذا الزمن الرديء، وهذا، لا شكّ، تستطيعه إذا سمّرَتْ عينيها على "خدر المسيح" (الخدر هو الغرفة الزوجية)، وأدركت أنها بقدرتها "لا تملك رداء للدخول إليه"، وانه وحده يعطيها الحلّة الجديدة إذا ما اتّخذها لنفسه عروسا على الصليب0

الأمثال الثلاثة التي يطالعنا بها إنجيل خدمة القدسات السابق تقديسها (متى 24: 36-26 :2) تتحدث عن النهاية واليوم الأخير الذي يختبئ السيد وراء بشريته، عندما يعلن أن تلك الساعة لا يعرفها أحد إلا "الآب وحده"0 المثل الأول في التلاوة هو مثل العبد الرديء الذي يفاجئه سيده في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها ويجعل نصيبه مع المرائين، لأنه لم يكن حكيما ولا أمينا على العمل الذي أقيم عليه0 والمثل الثاني هو مثل "العذارى العاقلات والعذارى الجاهلات"، وهو قصة فتيات عشر، خمس منهن حكيمات في استعدادهن لانتظار الرب الذي يفسره زيت آنيتهن، وخمس جاهلات من حيث إن مصابيحهن، التي هي رمز إلى نفوسهن، لم تكن مهيأة لاستقبال العريس عندما أتى ودخلت معه المستعدّات إلى العرس0 لا شكّ أن الزيت هو رمز إلى الإيمان والأعمال كما فسّر آباؤنا القديسون0 ما يُظهره هذا المثل هو أن الزيت شخصيٌّ ولا يمكن استعارتُهُ، وأن النفس التوّاقة إلى الرب تُكَوِّنُ طاعتُها لكلمته المحيية شوقها اليه0 ويُعلّم هذا المثل مع "مثل الوزنات" الذي يتبعه أن الرب سَيَدِينُ الناس على أساس حكمته الأزلية التي كُشِفت في ابنه يسوع، وليس على أساس ظنونهم وتبريراتهم، ويذكّرنا بأن لا نبرّر نحن أنفسنا، فالحكيم هو مَن صدّق خبر الرب وبنى حياته عليه وانتظر، بتيقّظٍ، ما سوف يُكشَف في اليوم الاخير0

في مساء يوم الأربعاء المقدّس ذاته نقيم صلاة الزيت المقدّس، التي تشاء الكنيسة أن نتمّمها للمرضى في بيوتهم0 هي عزاء يتقبله المؤمنون ليدخلوا بنقاء اكبر في صلوات النصف الثاني من أسبوع الآلام.

  يُدخلنا يوم الخميس العظيم في السر الفصحي0 تتميّز صلوات هذا اليوم بثلاثة أحداث، هي: عشاء الرب الأخير مع تلاميذه وغسله أرجلهم، وخيانة يهوذا0 الحدثان الأولان يكشفان ذروة محبة الرب المخلّصة العالم، بينما خيانة يهوذا تُظهر سرّ الإثم الذي هو انحراف المحبة وتشويهها نحو شيء لا يستحق المحبة0 سرُّ الإثم هذا هو الذي دفع المسيح إلى الصليب0

يقودنا يوم الجمعة العظيم إلى الجلجلة0 في الكنيسة الأولى سمّي هذا اليوم "فصحَ الرب"، لأنه واقعيا، بدءُ الفصح الذي سيتضح معناه لنا تدريجيا في روعة السبت العظيم المبارك وفرح القيامة0

يبدأ هذا اليوم بخدمة أناجيل الآلام التي تقام مساء الخميس، فنتلو كل روايات الآلام (اثنتي عشرة تلاوة) كما وردت في الأناجيل الأربعة، لكي لا يفوتنا شيء من بهاء محبة السيد وخلاصه0 بعد تلاوة الإنجيل الخامس يُطاف بالصليب المقدس ويؤتى به إلى وسط الكنيسة، وذلك أثناء ترتيل: "اليوم عُلِّق على خشبة..."0 وبعد أن يُثبت في موضعه يسجد المؤمنون أمام مظاهر تواضع السيد الطوعيّة0

تأخذ الساعات الملوكية، التي تُتلى صباحا، محلّ القداس الإلهي، وذلك "لأن الامتناع عن إقامة القداس في هذا اليوم يعني أن سر حضور المسيح لا يخصّ هذا العالم، عالم الخطيئة والظلمة، ولكنه سرّ العالم الآتي"0 تضعنا هذه الصلوات أمام صليب المسيح وتدعونا إلى التأمل في الحدث وتمجيد محبة الله العظمى0 لقد أُلقي القبض على المسيح، ولكنه صبر "ليُكَمِّل" ما قد أعلنه بأنبيائه قديما، فَحُكِم عليه بالموت، وأنكره بطرس وشتمه، ومدّ يديه على الصليب، و"عُلِّق على خشبة"0

بعد الساعات تُقام صلاة الغروب التي تُدعى "خدمة الدفن"0 يطاف خلالها بالنعش (وهو عبارة عن قطعة من القماش رُسمت عليها صورة المسيح في حالة الموت) ويوضع في صحن الكنيسة وفوقه كتاب الإنجيل ليُقبِّلَهما المؤمنون، فيما ينشد المرتّلون: "إن يوسف المتّقي أَحدرَ جسدَكَ الطاهر من العود، ولفّه بالسباني النقية وحنّطه بالطيب وجهّزه وأضجعه في قبر جديد"0

تقودنا صلاة (الجناز) إلى قبر السيد، فالتسابيح الثلاثة تجعلنا نذهل أمام موته وقبره، فنشدو له ونحن في انتظار القيامة، متحيّرين كيف وُضع الحياة "في قبر"0 وتتوالى التقاريظ نُعظِّم فيها المسيح "معطي الحياة"، ونتغنى بسره ممجدين مَن كان "خلاصنا المحيي" و  "ربيعنا الحلو"0 ونُشْرِفُ على سبت الخليقة الجديد "الذي فيه استراح ابن الله الوحيد مِن كل أعماله، لما سَبَتَ بالجسد بواسطة سر التدبير الصائر بالموت"0

ما تريد خدمة اليوم أن تعلنه هو أن الموت أُميت0 وذلك أن الكنيسة، تصرّح، في ما تنتظر الفصح، عن حدث يقوم قبل يوم الفصح، لا ليستبدل الفرح بالحزن، وإنما الحزن ذاته يتحول فيه إلى فرح0 السبت العظيم هو يوم هذا التحول الذي ينمو فيه النصر من داخل الهزيمة0 لقد مات مَن (يسوع ابن الله) يستطيع أن يحمل الموت البشري ويتغلب عليه ويحطّمه من الداخل0 مات حياةُ الكل ونبعُ كل حياة من اجل الكل، ولذلك كل ما يحدث لحياته يحدث أيضا للحياة ذاتها0 هذا النزول إلى الجحيم جابه فيه يسوع موتَ كلِّنا وانتصر عليه0

صباح اليوم التالي نقيم القداس الإلهي0 تعلن تراتيل الغروب بداية غلبة المسيح على الجحيم والموت: "اليوم الجحيم تنهدت صارخة: لقد كان الأجدر بي أن لا أَقبل المولودَ من مريم، لأنه لمّا أَقبل نحوي حَلَّ اقتداري وسحق أبوابي النحاسية... فالمجد لصليبك، يا رب، ولقيامتك"0

تذكر أول النبوءات الثلاث في الخدمة قصة الخلق، وهذا يناسب خدمة المعمودية التي كانت تقام في تلك الليلة العظيمة0 معمودية الموعوظين، أي أولئك الذين كانوا قبلا وثنيين فارتَدُّوا وتعلَّموا الإيمان، هي لهم ولادة جديدة، خَلْق جديد، وهي أيضا قيامتهم من بين الأموات0 تهيئنا قصة الفصح الموسوي التي ترويها التلاوة النبوية الثانية للفصح الجديد، أما قصة الفتية الثلاثة الذين طُرِحوا في أتون النار لأنهم رفضوا السجود لتمثال الذهب، فتطالعنا بها التلاوة النبوية الثالثة، وهي ترمز إلى غلبة المسيح القائم من بين الأموات0 الرسالة هي للمعمودية0 أما الإنجيل فهو أول نص تُسمعنا إياه الكنيسة في زمن الفصح يتحدث عن القيامة، فيصف زيارة النسوة للقبر، وإعلان القيامة على لسان الملاك، واجتماع الكهنة اليهود، وأخيرا ظهور يسوع الرب لتلاميذه المجتمعين في الجليل0

ننتظر في السبت العظيم المقدّس يوم الفصح العظيم ونمتد اليه0 يبقى أن شرط رؤيتنا إياه هو: "أن يصمت كلُّ جسد بشري... ولا يفتكر في نفسه فكرا ارضيا"0 هذا التحذير من الفكر الأرضي، الذي تُسمعنا إياه ترتيله الدخول الكبير في القداس الإلهي، يذكّرنا -في آخر يوم قبل الفصح- بأن التوبة، كما ذقنا معانيها طيلة الأسبوع، هي التي تمكّننا وحدها من التأهب لاستقبال الفصح العظيم0

 الأسبوع الأخير

ـــــــــــــــــــ

نحن في الأسبوع الأخير من الصوم وينتهي بسبت لعازر ومن بعده احد نفتتح به صوما اشد وأقوى جهادا0 فإذا تهـاونت حتى الآن فاقترب من المسيح في إمساك كامل (ما لم تكن مريضا) وفي مشاركـة الصلوات التي تقام في رعيتك حتى يجدك الأسبوع العظيم المقدس أكثر تأهبـا للحب0

 هذا الأحد الخامس تنتصب أمامنا أمنا البارة مريم المصريـة، هذه التائبـة الملحـة في توبتها حتى النصر، المتوغلـة في الدنس صارت كلها نورا وهي على الأرض تدعو كل من اختلطت نفسـه بالخطيئـة إلى الثقـة باللـه الغفـور0 ذلك أن اللـه لا ينظر إلى قلوبنا ليغفر ولكن إلى قلبـه0 في هذا اليـوم يريدنا الرب أن ننسلخ عن كل ما يعيقنا عن استلام محبتـه فنقـول في صلاة السحر: "ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل بر ونسك مع قداسـة" وتجد البر عند الذين يضعون كنـوزهم في أيدي المساكين"0 العطاء هو الامتحان الأكبر للإخلاص لأنـه تعبير كبير عن الرحمـة0 أعطِ كنيستك المحليـة كثيرا وهي تعرف أن تقـول في العيد محبتها للفقـراء0 هؤلاء لا يلتقـون الفصح ما لم يظهر لهم إخوتهم أنهم محبوبون0 

تذكر أن الصوم بلا مشاركـة على هذا الصعيد مجرد حمْيـة تافهـة0

 تلـك هي خدمـة اللـه الحي التي تذكرها رسالـة بولس المنشورة هنا0 واليوم يتنبأ السيد للمـرة الثالثـة عن آلامـه وقيامتـه قائلا: "هو ذا نحن صاعدون إلى أورشليم وابن البشر سيسلم إلى رؤساء الكهنـة والكتبـة فيحكمون عليه بالموت ... ويقتـلونـه وفي اليوم الثالث يقوم"0 وفي نهايـة التـلاوة الإنجيلية يعلمهم عن التواضع: "من أراد أن يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادماً0 هكذا نُميت شهـوة التسلط الناتـج عن الكبـرياء0 ولعلها أفتـك شهـوة فينا0

 وتتوالى أيام التقديس ونحن منتظـرون الشعانين ويبدأ منذ الاثنين غدا الحديث عن ألعازر0 هذا تقليدنا في الكنيسـة أن المواسم العظيمـة نذكرها قبل أن تحل ونتذكرها بعد أن تحل0 فلا يكون يوم في هذا الأسبوع دون أن نعود بالتأمـل إلى قدرة المسيح التي تجلت في بعثـه لصديقـه ألعازر لعلمنا بأن هذا الحدث إنما كان عند المخلص صورة مسبقـة عن قيامتـه هو0 فالمـؤمنـون خلال الصوم كلـه وبخاصة في هذا الأسبوع يتوقون إلى الفصح لأنـه هو الحياة والرجاء في وسط شقـاء العالم0

 وتنتهي هذه الحقبـة بذكرى قيامـة من نسميـه "القديس ألعازر الصدّيق" الذي أراد الفريسيون قتلـه من بعد قيامتـه فهرب إلى جزيرة قبرص وأقام هناك ويقـول تراثنا أن الرسل انتخبـوه رئيس كهنـة على مدينـة كيتيـون التي هي لارنكا اليوم0 ومات ثانيـة، وفي ذكراه نتلـو روايتـه كما وردت في انجيل يوحنا وقد اعتاد شبابنا الأنطاكي أن ينشد هذه المعجزة بالشعر العامي طائفـا على الرعيـة0

 هذا حدث في بيت عنيا وقد بدّل المسيحيون اسمها إلى العازاريـة في فلسطين حيث يقوم ديـر أرثوذكسي حتى يومنـا هذا0 ويسرد يوحنا الرسول تفاصيل الحادثـة0 ولعل أهم ما فيها حوار المعلـم مع مرتا أخت القديس لما قالت ليسوع: "يا رب لو كنت هاهنا لم يمت أخي".." فقال لها يسوع: "سيقـوم أخـوك0 فقالت له مرتا: أنا اعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير0 فقال لها يسوع: أنا القيامـة والحياة0 من آمـن بي وان مـات فسيحيا".

 ليس أن السيد يقلـل من أهمية القيامة الأخيرة فهو يعلّـم عنها في بشارة يوحنـا بقولـه: "الذيـن عملوا الصالحات يقومـون إلى قيامـة حياة والذين عملوا السيئات إلى قيامـة دينونـة"0 غير أن المخلص أراد هنا أن يربط القيامـة بكونـه هو القيامـة، هو سببها0 وهذه هي ميزة إيماننا المسيحي إذا قيس بعقائد الآخرين الذين عندهم معرفـة القيامـة0 عندنا نحن هي ثمرة قيامـة المسيح0 هذا هو فاعل القيامة الأخيرة0 ولكن قبـل أن تحل هذه فلكل منـا قيامتـه اليوميـة مـن الخطيئـة التي هي الميتـة الكبيرة0 نحن نتحرر منها بفضل الذي قال: "أنا القيامـة والحيـاة"0

من بعد هذا الحدث الذي هو أعظم عجائب السيد من حيـث معنـاه وقـوتـه كان ينبغي للـرب أن يدخـل إلى أورشليم ليتـمم سـر المحبـة الذي كـان في صدر الآب منذ الأزل0 سبـت ألعازر يتخذ معنـاه الكامـل في سبـت النـور0

         

                          جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما(جبل لبنان)

 

عن صفحة: المطران (http://www.almoutran.com/ARABIC/Articles/liturgy/Holy%20Week.htm)

 

الجبل المقدّس آثوس

       مقدمة

راهب على قمة جبل آثوس

       من يزور الجبل المقدّس لأول مرّة يتنازعه إنطباعان متناقضان صعب تلاقيهما. أول إنطباع وهو مُشجع: جمال المناظر والسلام العميق الذي ينبعث منها. استقبال الرهبان وعظمة الطقوس الكنسية تؤثّر في النفوس بشكل جميل. أما الإنطباع الثاني فهو غامض: تكريم الإيقونات، إشارات الصليب والإنحناءات المتعددة، وكذلك ومظاهر التقوى عند الرهبان وأحاديثهم التي تذهل الزائر من العالم. أحدهم قال مرة:" يوجد في ديانة هؤلاء الرهبان من التطيّر بمقدار ما فيه من الإيمان العقلاني".

       ردّات الفعل هذه تُظهر الإختلاف العميق القائم بين العالم الذي يأتي منه الزائر والعالم الذي يعيش فيه هؤلاء الرهبان. هنا يجدر التوضيح أنه ليس هو فقط عالم هؤلاء الرهبان الذي هو السبب، لأنهم لا يعيشون في إطار مغلق لأن جبل آثوس ليس هو عالماً مقفلاً على ذاته، فإنه حيوياً مرتبط بعالم ديني وثقافي واسع، هو العالم الأرثوذكسي، والجبل هو كمثل القلب الروحي لهذا العالم .التبادل قائم ومستمر بين الجبل ومناطق عدّة من هذا العالم: لا فقط بين الجبل واليونان وقبرص بل وروسيا، والبلاد السلافية وصربيا ورومانيا وكذلك الشرق الأدنى الذي يشكّل الأرثوذكسيون فيه أقلّيات ولكنهم دينامكيون. أضف إلى ذلك الجماعات الأرثوذكسية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة وأفريقيا وأوستراليا التي هي أيضاً أقليّات ولكنها حيّة. يمثّل هذه المناطق، في الجبل، الرهبان القادمون منها وكذلك الحجّاج الذين يأتون إلى الجبل للمنفعة الروحية.


       نبذة تاريخية عن الجبل المقدّس آثوس

       جبل آثوس هو إحدى شبه جزر خالكيذيكي الثلاث في بحر إيجيه. وشبه جزيرة آثوس هي أكثرهم شرقاً: طولها 60 كيلومتراً وعرضها يتراوح بين 8 و 12 كيلومتر.

       القسم المحيط بآثوس مؤلف من هضبات منخفضة وسهول منتظمة، هذه التضاريس تتضح أكثر فأكثر، والهضبات تصبح أكثر فأكثر علواً حتى تصل إلى قمة جبل آثوس التي ترتفع عن سطح البحر 2033 متراً.

خريطة خالكيذيكي مع تفرعاتها

       منذ القدم يظهر جبل آثوس كمكان إستثنائي ذات التاريخ والمصير المميّزين. فإن "هوميروس" ذكره في كتاباته، والأسطورة تقول أنه كان أحدى مساكن الإله "زوس". لقد سميت خالكيذيكي في القديم، "أكتي"، وجبل آثوس المتصل بها هو الأقدم ذكراً. تقول الأسطورة إنه في المعركة التاريخية التي نشبت بين العمالقة والآلهة، رميت هذه الصخرة الكبيرة (آثوس) على رأس بوسايدون إله البحر. في التاريخ أيضاً ذكر لآثوس في حروب الميديّين، والهزيمة المريعة للأسطول الفارسي بقيادة الجنرال مردونيوس، بحيث غرقت كل سفنه ومات عشرون ألفاً من جنده، في الجانب الجنوبي لشبه الجزيرة وذلك عام 419 قبل الميلاد.

       وحاول كزركس (Xerxes )، قاهر الجنرال مردونيوس، أن يحطّم الأرض التي تصل بين آثوس والقارة لحماية سفنه من خطر أمواج.

       كما أراد دينوكراتس، المهندس في جيش الإسكندر الكبير، أن ينحت آثوس على شكل تمثال عملاق لملكه حاملاً بإحدى يديه مدينة وفي الأخرى كأساً كبيرةً تجري منها مياه نهر غزيرة تصب في البحر.

       في التراث أنه فيما كانت والدة الإله مع يوحنا الإنجيلي في سفينة متجهة إلى قبرص، هبّت عاصفة عنيفة حادت بالسفينة إلى شواطىء آثوس. في هذا الموقع شُيّد في وقت لاحق دير الإيفيرون (Iviron). ونظراً لجمال الموقع ولكون هذه الأرض استقبلت والدة الإله، طلبت من ابنها أن يقدّمها لها هدية. عندها سُمع صوتٌ قائلاً: "ليكن هذا المكان لك، ليكن بستانك وفردوسك وملجأ كل الذين يبتغون خلاصهم."

والدة الإله رئيسة جبل آثوس


       انطلقت الحياة الرهبانية في شبه الجزيرة حوالي القرن السابع للميلاد. الرهبان الأوائل أتوا إلى هذا المكان المنعزل ذات المناخ المميّز يبحثون عن خلاص نفوسهم. أتوا من نواحي كبادوكية ومصر وسوريا من حيث طردهم الإسلام. محاربة الأيقونات أيضاً في القسطنطنية أنمت عدائية الحكّام والشعب للرهبان والحياة الرهبانية.

       لكن هجرة الرهبان إلى آثوس لم تكن بلا اصطدام مع الرعيان وقطعانهم الذين كانوا يحتلّون المنطقة.

       عام 885، صدر مرسوم مختوم بالذهب من الأمبراطور باسيليوس الأول منح فيه آثوس حصرياً للرهبان ومنشآتهم. ورغم استقرار النساك الأوائل على ضفاف شبه الجزيرة إلا أن المستوطنات الرهبانية إنتقلت، لاحقاً، إلى المرتفعات والمنحدرات التي يصعب الوصول إليها حماية من القراصنة المسلمين (Sarrasins).

       أخذ عدد الرهبان يتزايد تدريجياً. الجماعات الأولى انتظمت بشكل لافرا (lavras)، كالتي في فلسطين حيث لا يوجد قواعد صارمة فيما يخص الحياة المشتركة فيها.

       في العام 963، أخذ الأمبراطور نيكيفوروس فوقا على عاتقه تنظيم الحياة الرهبانية في آثوس بحسب أسس وقواعد محدّدة. فبعث إلى هناك صديقه ومعرّفه أثناسيوس الذي أصبح فيما بعد أول منشىء للحياة الرهبانية المشتركة في آثوس.وفي العام 963 أيضاً، أنشأ دير اللافرا الكبير. لم يعد هناك أكواخ خشبية بل بناء حجري يتّبع الرهبان فيه قوانين الحياة والصلوات المشتركة. هذه القوانين أو "التبيكون" استلهمت من القوانين المطبقة في دير القسطنطينية الكبير "الستوديون".

أديرة جبل آثوس في نقش من عام 1889

       ابتداء من القرن الثاني عشر، جاء رهبان أرثوذكسيون من جنسيات مختفلة ليستقرّوا مع اليونانيين: جيورجيون وروس ولاتين وصربيون. وفي القرن الثالث عشر، عانى الرهبان في الجبل المقدّس الأزمة الحاصلة في الكنائس في الشرق. استمرّ الوضع هكذا حتى القرن التالي على عهد الأمبراطور أندرونيكس الثاني الذي نشر السلام في الجبل من جديد.

       شهدت هذه الفترة أيضاً اضطرابات بسبب الغزوات المتتالية للقراصنة المسلمين. ذُبح عدد كبير من الرهبان وأُحرقت أديرة كثيرة. كذلك نهبت محتويات الأديرة النفيسة أو حطمت. في ما بعد ساهم الأباطرة البيزنطيون وأمراء صربيون في إعادة إعمار ما تهدّم من الأديرة.

       أما القرن الخامس عشر فشهد فترة من السلام والنمو الروحي في الجبل إلى حين استولى الأتراك على تسالونيكيا عام 1430. مذ ذاك وقع الجبل تحت سلطة السلطان مراد الثاني ومحمد الثاني الفاتح من بعده الذي استولى على القسطنطينية عام 1453. شكّل آثوس للمسليمين موضعاً ذا قيمة روحية عالية فكان بنظرهم "البلد الذي اسم الرب مبارك فيه نهاراً وليلاً، ومأوى الفقراء والغرباء".

       رغم ذلك واجه الجبل أزمة اقتصادية كبيرة سببها الضرائب الهائلة المفروضة عليه من قبل السلطات التركية ومصادرتها لأملاكه. اضطرت حينها الأديار اتباع نظام إيديوريتمي بحيث يتبع كل راهب  نمطه  الخاص  من  الصلوات  والعيش. لم تعد الأديرة في عهدة رئيس (Higoumene)، بل هيئة مؤلفة من عدد من الأعضاء.

       سُحقت بيزنطية بالكامل من قبل الأتراك خاصة مع تخلّي الغرب عنها. وما كان الجبل المقدّس ليستطيع الإستمرار تحت الضغط العثماني لولا المساعدات السخية الآتية من روسيا ورومانيا ومولدافيا وأوكرانيا والكوكاز. ووجدت اليونان المحتلة في جبل آثوس المحامي عن تراثها الفكري والروحي. وقد تثقف الكثير من اللاهوتيين والمفكرين في الأكاديمية الآثوسية. هؤلاء سوف يشكّلون النواة للنهضة اليونانية.

       في العام 1821، شكلّت الثورة اليوناينة مرحلة جديدة في تاريخ الجبل المقدّس. انضم الكثير من الرهبان إلى مواطنيهم في مقاومة الأتراك. بعضهم لم يعد إلى ديره إلا بعد عشر سنوات.

       في الفترة اللاحقة وقعت آثوس في سبات. ابتدأ الرهبان يشيخون ولم يكن هناك من يخلفهم. المريدون الشبّان كانوا قليلين. على هذا عانى الكثير من الأديرة الإهمال. ولم يتحسّن الوضع كثيراً إلا حوالي العام 1970، حين بدأت مجموعات شابة تحمل مشعل الحياة الرهبانية.

       اليوم يتألف جبل آثوس من عشرين ديراً كبيراً والكثير من المنشآت التابعة لها.  إدارة الجبل تسري بموجب ميثاق حرّر عام 1924 و صُدّق عليه من قبل الدولة اليونانية عام 1926. جبل آثوس له كيانه المستقل ضمن الدولة اليونانية وهذا النظام موافق عليه من قبل المجموعة الأروبية. يمارس المجلس المقدّس السلطة التشريعية في الجبل وهو مؤلّف من عشرين عضواً، رؤساء أديرة أو شيوخاً (متقدّمين) من كل دير. السلطة التنفيذية، من ناحية أخرى، منوطة بالـ"Sainte Epistasie " وهو مجلس مؤلّف من أربع أعضاء، كل عضو يمثّل أربعة أديار. الحاكم المدني في آثوس يقيم في كارييس، المدينة الوحيدة والصغيرة على شبه الجزيرة؛ وهو يقوم بدور وزير الخارجية والمسؤول عن تطبيق الميثاق واحترام الأمن العام.

       كل الحجاج الذكور مرحب بهم، أرثوذكس أو غير أرثوذكس، شرط طلب إذن الدخول من "مكتب الحجاج" في تسالونيكيا.

 

المرجع:

Da Costa, Fabian (2005), Florilège du Mont Athos, Paris: Presse de la Renaissance

عن: صفحة عائلة الثالوث القدوس - دوما

الزواج مشروع كنيسة


       في خدمة العرس يقف العريسان الواحد بجانب الآخر ويواجهان الهيكل. ثم في وقت من الأوقات يضع الكاهن يد الواحد منهما بيد الآخر ويبارك اليدين معاً.

وفي لحظة أخرى يدور الكاهن بالعروسين حول الطاولة أمامهما والتي يكون عليها الإنجيل. الحركات والوضعيات في الكنيسة لها معانيها. ترى ما معنى هذه التي

ذكرناها؟

       يمثّل الهيكل ملكوت السموات ووقوف العروسين في اتجاه الهيكل معناه أنهما يطلبان ملكوت السموات، يتّجهان نحوه. حياتهما الزوجية لها هدف أساسي واحد

هو دخول ملكوت السموات. وهما إذ يقفان أحدهما بجانب الآخر ويضع الواحد منهما يده في يد شريكه يعلنان أنهما سوف يعملان يداً واحدة وقلباً واحداً ببركة

الكنيسة على تحقيق هذا الهدف.

       هذا من جهة ومن جهة أخرى إذ يدور العروسان حول الطاولة التي عليها الإنجيل، يتقدّمهما الكاهن، يعلنان أنهما يدوران، برعاية الكنيسة وإرشادها، حول

كلمة الله في الإنجيل، أي حول المسيح. حياتهما معاً، منذ الآن، تدور حول المسيح. هو بداية كل شيء بالنسبة إليهما وهو النهاية. هو القاعدة وهو الغاية. يطيعان

يسوع ويمجّدان الله ويطلبان ملكوت السموات.

       على هذا الأساس يُبنى البيت الزوجي وإلا لا يكون الزواج مسيحياً ولا تنفع العروسين خدمةُ العرس في شيء. تكون كسكب الماء على حجارة صمّاء.

       أما إذا رغب الزوجان حقاً، وبكل جدّية، في بناء بيت مسيحي وعائلة مسيحية فإنهما يحتاجان إلى إرشادات وتوجيهات. هذه بعضها:

       1- استعينوا بالكاهن، لا سيما إذا كان مستنيراً. استعينوا أيضاً بأزواج مسيحيّين حقيقيّين سبق أن اختبروا الزواج والحياة الإلهية قبلكم. اسألوا. استفسروا.

الأشبينان، بحسب الأصول الكنسية، ينبغي أن يكونا صالحين للقيام بهذا الدور.

       2- اسلكوا باستقامة من نحو الله. اقرأوا الكتاب المقدّس. تعلّموا من الكنيسة. كل ما لا ترضى الكنيسة عنه تحفّظوا منه. احفظوا الوصيّة. اعملوا بموجبها. لا

تخالفوها. كونوا أمينين. أطيعوا الله يُطعْكم أي يسمعكم ويعينكم ويبارككم. فإن أهملتم وصاياه أهملكم أي سدّ أذنه ولم يسمع لكم ومنع بركته عنكم. "بالكيل الذي به

تكيلون يكال لكم" (مت 2:7 لو 38:6). لا تخافوا. مهما قست عليكم الظروف لا تخالفوا الوصية. هو وعدكم بان يهتمّ بكم فآمنوا! هو قال "تعالوا إليّ يا جميع

المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 28:11). لا تنسوا أبداً: الله قادر على كل شيء. يعطيكم ما هو نافع لكم وبحجب عنكم ما يضرّكم. اكتفوا بأرزاقكم. لا

تمدّوا أيديكم إلى الحرام. اقنعوا بما يرسله الله لكم واشكروا على كل شيء. إياكم والتذمّر لأن كل شيء جعله الله لخيركم وإن كنتم لا تعلمون. الصحة تنفعكم أحياناً

والمرض أيضاً. وكذلك الشحّ ينفعكم أحياناً والبحبوحة أيضاً. الله يوازي هذا بذاك وهو العارف بما يوافقكم أكثر منكم.

       3- ليسمع الواحد منكم الآخر. ليسمعْ بقلبه. المهم أن يسعى كل واحد إلى سماع صوت الآخر. وصوت يسوع يمكن أن يأتي من خلالك أنت ويمكن أيضاً أن

يأتي من خلال شريكك. ليس الموضوع أن ترضي المرأة زوجها ولا أن يرضي الرجل زوجته. الموضوع أن يعملا معاً متعاونَين على إرضاء الله. "لتكن مشيئتك

لا مشيئتي" (لو 42:22). لا فضل لرجل على امرأة ولا لامرأة على رجل إلا بالتقوى. فإن تشاجرتما فتصالحا قبل غياب الشمس لأنه قال:"لا تغرب الشمس على

غيظكم" (أف 26:4). ليس المهم مَن منكما على حق وعلى مَن هو الحق. صاحب الحق عند الله هو مَن يقول لشريكه أولاً: أنا أخطأت، سامحني! المتضع عند الله

دائماً ما يكون على حق.

       4- صلّوا وصوموا كما تصلّي الكنيسة وتصوم. تعلّموا الصلاة. اقتنوا كتب الصلاة. اسألوا الكاهن في ذلك أو اسألوا الرهبان يعلّموكم. ليكن لكل واحد منكم

قانون صلاة أي فرض صلاة يومي. وأنتم أدّوا بعض صلواتكم معاً وأدّوا البعض الآخر كلٌّ على انفراد. مثلاً صلّوا صلاة النهوض من النوم معاً وكذلك صلاة النوم

الصغرى. أما صلاة المسبحة، أي صلاة يسوع "ربّي يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ" فليصلّها كل واحد منكم على حدة. كذلك صلّوا قبل الطعام

وبعده وقبل العمل وبعده. ليكن لكم في إحدى غرف بيتكم مصلّى، أي مكان للصلاة، تجتمعون فيه أنتم وأولادكم. زيّنوا بيوتكم بالإيقونات. بخّروا كل يوم. تعلّموا أن

تذكروا الله على الدوام. ومع الصلاة احفظوا القطاعة، كما توصي الكنيسة، يومي الأربعاء والجمعة واحفظوا الصوم أيضاً أيام الصوم الكبير وصوم الميلاد وغيره

من الأصوام. احضروا قدّاس يوم الأحد وما أمكن من الصلوات والقداديس الأسبوعية. الصلاة في البيت تكتمل بالصلاة مع الجماعة.

       5- لا تهملوا عمل المحبة. زوروا المرضى. عزّوا المتعبين. ساعدوا المساكين. أعطوا الفقراء مما أعطاكم الله. لا تقولوا الذي لنا بالكاد يكفينا! كلما أعطيتم

من حاجاتكم كان عطاؤكم أكبر عند ربّكم. لا تنسوا قول القائل:"مَن يعطي المساكين يُقرض الله" (أم 17:19). لا تعاملوا الناس كما يعاملونكم بل كما تريدون أنتم

أن يعاملوكم. لا تحكموا بحسب الظاهر. لا تنتقموا لأنفسكم. سامحوا. لا تحقدوا. اغفروا يُغفر لكم. بادروا إلى عمل الخير. لا تنتظروا غيركم أن يبادر قبلكم. من

يحبّ يبادر.

       6- وإذا أعطاكم الله ثمرة البطن، أي أولاداً، فاعلموا أنهم أمانة في أعناقكم. أولادكم ليسوا لكم بل لربّكم. لذلك ربّوهم لله. أنتم مسؤولون لا عن إطعامهم

وإلباسهم وتعليمهم فقط. أنتم مسؤولون، قبل ذلك وفوق ذلك، عن تربيتهم تربية مسيحية. المهم أولاً أن يعرفوا الله ويتعلّموا الوصية ويسلكوا في الفضيلة. وأكثر ما

يتعلّم الإنسان بالقدوة. لذلك كونوا قدوة لهم في الصلاة والصوم والمحبة والصبر واللطف والإتضاع. لا تعتمدوا الصراخ أسلوباً تتعاملون به في البيت. ولا تخرج

من أفواهكم كلمة بذيئة. ليفتح طفلكم عينيه على الله حاضراً بينكم، وكأنه أحد أفراد الأسرة، لا بل رب الأسرة. الطفل يحسّ بحضور الله أو بغيابه من خلالكم ومن

خلال موجودات بيتكم. الله حاضر معكم من خلال الإيقونات المعلّقة على الحيطان. حاضر معكم من خلال رائحة البخور متى بخّرتم. من خلال الصلوات متى

صلّيتم.من خلال ذكر اسم يسوع. من خلال تصرّفاتكم وطريقة تعاملكم. لذلك صلّوا لولدكم. صلّبوا عليه. رتّلوا له. قفوا به، احملوه وأنتم تصلّون وتسجدون. أعطوه

فرصة أن يرى، أن يشمّ، أن يسمع، أن يشترك في عبادتكم لله. لا تقولوا إنّه صغير لا يفهم. الطفل يحسّ. الانطباعات الأولى التي تتكوّن لديه، لا سيما في البيت،

هي الجذور العميقة لعلاقته بالله. ولا بأس إن بكى وكان كثير الحركة. اصبروا عليه تربحوه لنفسه ولله. أعطوه فرصة أن يتربّى في الكنيسة. خذوه إليها. إلى

القداديس والصلوات. لا تقولوا الناس يتذمّرون. لا بأس إن تذمّروا. علينا جميعاً أن يحمل بعضنا بعضاً. المهم أن نعوّد الولد على الصلاة في بيت الله. هدّئوه ما

أمكن. فإن كان شديد الازعاج والانزعاج لمغص أو غيره فأخرجوه خارجاً لبعض الوقت ومتى هدأ عودوا به إلى الداخل. إذا لم يتعوّد الطفل على الكنيسة من

صغره فسيصعب عليه أن يتعوّد في كبره. ومتى انطلق لسانه وأخذ في الكلام علّموه أن يردّد الصلوات والتراتيل. ومتى نما إدراكه أخبروه قصص الكتاب المقدّس

والقدّيسين. علّموه الطاعة لله بالرفق والتشجيع لا بالخوف والتهديد. لا تجعلوا الله بمثابة بوليس لأولادكم. بالنسبة للمعموديّة عمّدوهم صغاراً ما أمكن. بين الأربعين

يوماً والثلاثة أشهر. لا تؤجّلوا معموديّتهم طويلاً لأسباب عائليّة أو اجتماعيّة. كذلك ناولوهم القدسات ما أمكن. اسقوهم الماء المقدّس وادهنوهم بالزيت الذي تأخذونه

من الكنيسة. ومتى كبروا قليلاً قدّموهم إلى فرق التعليم المسيحي. إيّاكم وإهمال ما هو لله في تربية أولادكم. أن تعلّموهم طاعة يسوع وعبادة الله أهمّ من أن

ترسلوهم إلى المدارس. طبعاً عاملوا أولادكم بالحسنى والتشجيع ولكن لا تساوموا على تعليم الصلاة والفضيلة وطاعة الله. فإن سلكتم على هذا النحو أعددتم أولادكم

ليكونوا شهوداً ليسوع ووفّرتم عليهم صعوبات كثيرة في حياتهم. إن فعلتم ذلك رضي الله عنكم وبارك بكم.

       7- ثمّ انتبهوا من التلفزيون. التلفزيون له مظهر التسلية ولكنّه يبثّ الكثير من السموم في نفوسكم ونفوس أولادكم. برامجه غير مدروسة. ليس التلفزيون

تعليميّاً. يطغى عليه الطابع التجاري. القيّمون على التلفزيون يهمّهم أن ينقلوا أفكارهم وأفكار مَن يموّلونهم، وأفكارهم أحياناً صحيحة وأحياناً غير صحيحة. معظم

الناس لا يميّزون. التلفزيون ليس للتسلية فقط بل للتأثير في الناس، للّعب بأعصاب الناس. التلفزيون أداة خطيرة. سيف ذو حدّين. إن لم نستعمله بكثير من الانتباه

والتأنّي والتمييز فإنّه يكون مؤذياً. لذلك عليكم أن تتعلّموا كيف تختارون البرامج النافعة لكم ولأولادكم. اسألوا إن كنتم لا تعلمون. في كلّ حال لا تشاهدوا التلفزيون

لفترة طويلة كلّ يوم. على الأكثر ساعة أو ساعة ونصف. وإذا أمكنكم أن تستغنوا عنه بالكليّة يكون هذا أفضل لكم. إذ ذاك تصرفون وقتكم في الأعمال المفيدة

كالقراءة والصلاة والتحدّث إلى بعضكم البعض وزيارات المحبّة وما أشبه ذلك.

       هذه بعض الإرشادات والتوجيهات لكم. تمعّنوا فيها. لا تستخفّوا بها. الزواج فرصة لتصلحوا أنفسكم. لا يليق بأحد منكم أن يتزوّج ويبقى في قرارة نفسه

عازباً. إكراماً للحبّ عليكم أن تسعوا لتغيير حياتكم. لماذا تتزوّجون إذا كنتم لا تريدون أن تتغيّروا؟ إذا كنّا نريد أن نحبّ فعلينا أن نتغيّر من أجل مَن نحبّ. الرجل

من أجل زوجته والزوجة من أجل رجلها. والاثنان معاً، الرجل والمرأة، من أجل أولادهما. والجميع من أجل الله. فكونوا أمناء. كونوا أقوياء في النفس. تعلّموا أن

تطلبوا ما هو لربّكم لا ما هو لأنفسكم. تعلّموا أن يطلب كلّ واحد منكم ما هو لشريكه لأنّ هذا هو الحبّ. الحبّ جهاد كبير ونسك كبير. يشمل الحياة كلّها لا سيما

الحياة العائليّة.

       ألا قوّاكم الله وفتح عيون قلوبكم على معاينة جماله لتتعلّموا منه وتكونوا شهوداً حقيقيّين له.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي - دوما

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

Présentation de la Mère de Dieu

Épître Hébreux IX, 1-7
Évangile selon saint Luc X, 38-42, XI, 27-28.

Homélie prononcée par père René
le 21 novembre 1998 à la crypte.


Le récit de la Présentation de la Mère de Dieu au Temple est apocryphe. Il n’a aucune réalité historique. Mais ce n’est pas un paradoxe que d’affirmer que cela n’a pour nous aucune importance. Car l’intérêt de cette Fête réside entièrement dans la vérité théologique et spirituelle qu’elle exprime.

Vérité théologique d’abord.

Bien qu’entrée dans le Temple de Jérusalem à l’âge de trois ans, Marie est déjà fêtée comme celle qui est appelée à mettre au monde le Fils de Dieu, le Verbe fait chair. Elle est d’ores et déjà « la nuée resplendissante d’où le Seigneur s’incarne pour nous ; par toi l’Incompréhensible se mêle aux mortels.» Déjà Marie a mis au monde « le Pain de Vie ». Déjà elle est «la Mère de la Lumière, Mère de Dieu, Mère du Verbe de Vie, épouse de Dieu»

Au point que déjà la lumière de Noël est anticipée : «Il fait son entrée dans le Temple de Dieu, le tabernacle céleste d’où la lumière a brillé sur nous, qui étions dans les ténèbres. Et toute l’Église chante dès aujourd’hui : «Le Christ naît, glorifiez-Le! Le Christ descend des Cieux, allez à sa rencontre! Le Christ est sur terre, relevez-vous! » et l’hirmos de la 9e ode du canon du Noël est déjà proclamé aux vigiles.

Ainsi fêtons-nous aujourd’hui la Mère de Dieu comme le véritable Temple du Seigneur, Son tabernacle, le Trône du Roi de toutes choses, le Réceptacle de l’Inaccessible, l’Arche spirituelle du Verbe divin, le Temple céleste et la Porte de Dieu, le Palais spirituel du Roi.
Marie, parce que promise à être la Mère de Dieu, est le véritable Temple du Seigneur qui entre dans le Temple de Jérusalem. L’essence de la Fête se résume dans cette stichère: «le Temple renfermant la Divinité est amené au Temple du Seigneur; le Temple contenant la Divinité est conduit à l’intérieur du Temple.»

Et, vérité spirituelle encore.

L’Épître de la fête, pour magnifier la beauté de la Mère de Dieu, évoque la splendeur du Temple ou, plus exactement, de la Tente de Réunion, premier avatar du Temple. Au temps de Moïse et de la marche au désert, le sanctuaire contenait, en effet, une première tente avec son chandelier d’or à sept branches et la table de proposition pour les douze tribus d’Israël; puis une seconde tente avec son autel des parfums et, derrière le voile, la tabernacle d’or sur lequel veillaient deux chérubins d’or, lieu du repos de la Gloire du Très-Haut, du Dieu trois fois Saint.

Or, dans le Livre des Nombres, un des livres de la Loi, il existe un verset étrange: «Quand Moïse entrait dans la Tente de Réunion pour parler avec Dieu, il entendait la voix qui parlait vers lui d’au-dessus du propitiatoire qui était sur l’Arche du Témoignage, d’entre les deux chérubins. Alors il parlait vers Lui, Moïse». Ainsi, dans le silence absolu du Saint des Saints, la Voix de Dieu, Sa Parole, le Verbe coéternel, est présent dans l’espace sacré qui unit les deux chérubins d’or. Ainsi, du silence absolu du Saint des Saints jaillissait la Parole de Dieu.

Si la Mère de Dieu a été introduite dans le Saint des Saints, c’était pour qu’elle y entende la voix du Verbe. Pour qu’elle fasse de la Parole divine son unique nourriture. Et parce que, dès son plus jeune âge, Marie a su faire en elle un silence aussi profond que celui qui régnait sur le propitiatoire entre les chérubins, la Parole de Dieu, le Verbe préexistant, non seulement s’est tourné vers elle, mais l’a pénétrée, est descendu au plus profond de son cœur et s’y est mystérieusement incarné. Comme la Parole jaillit du silence du Saint des Saints, ainsi s’est-elle répandue dans le cœur silencieux et attentif de Marie.

Cette attitude de silence spirituel est la marque même de la Mère de Dieu. Saint Luc dit que Marie ne cessait de passer et repasser dans son cœur les Paroles. C’est pour cela qu’en réponse à l’annonce de l’Ange, elle ne saura que dire : « Je suis la servante du Seigneur».

C’est pour cela que plus tard, quand une voix s’élèvera de la foule vers le Fils de Dieu et de Marie pour Lui dire : « Heureuses les entrailles qui t’ont porté », Jésus reprendra cette Béatitude – car c’en est une – mais en l’étendant à tous : « Heureux plutôt ceux qui écoutent la Parole de Dieu et qui la gardent.»

Le secret spirituel de la Mère de Dieu a été le silence de son cœur. Il a fait d’elle à jamais le Temple du Seigneur. Nous tous qui, aujourd’hui, écoutons la Parole du Seigneur, enfouissons-la au plus profond de nos cœurs, afin qu’elle puisse nous sauver. Amen.

Père René

 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

Présentation au Temple de la Mère de Dieu
Épître Hébreux IX, 1-7
Évangile selon saint Luc X, 38-42, XI, 27-28.


Homélie prononcée par Père Boris Bobrinskoy
à la crypte le dimanche 20 novembre 2005



Au nom du Père et du Fils et du Saint Esprit,

Cette fête de l’Entrée au Temple de la Mère de Dieu nous renvoie à un événement mystérieux qui défie notre entendement humain. En effet, selon la Tradition juive seul le Grand Prêtre pouvait entrer dans le Saint des Saints, et ce, seulement une fois par an, alors n’est-il pas particulièrement extraordinaire que cette dignité soit offerte à un enfant, à une femme Et pourtant, dans sa sensibilité et sa vision spirituelle, l’Église a conservé une pieuse tradition dont témoignent encore ce que l’on appelle les textes apocryphes – ces textes qui ne sont pas reçus comme textes canoniques officiels par l’Église –. Selon la tradition, à l’âge de trois ans, Marie fut introduite dans le Temple.

On peut penser qu’elle y fut admise comme beaucoup d’autres jeunes filles pour être au service de Dieu, mais c’est bien une jeune fille particulière, Marie, qui a été choisie par la Grâce divine, par ce que l’on appelle le Conseil trinitaire de Dieu.

Je voudrais évoquer deux aspects de ce choix.

D’une part, cette élection relève de la liberté plénière, de la volonté et de l’amour de Dieu, nous n’avons donc pas à nous immiscer dans les réflexions divines qui ont abouti à ce que ce soit Marie et pas une autre jeune fille. Et d’autre part, cette élection de Marie ne signifie nullement que, dès lors, Marie aurait été au-dessus de toute réalité humaine, dégagée des lourdeurs de la nature humaine.

Il ne faut pas conclure que Marie aurait été, par le seul fait de cette élection complètement sanctifiée, voire divinisée, et qu’elle n’aurait plus eu qu’à vivre simplement sa vie pour mener une vie de pureté.

Bien sûr, Marie a mené une vie de pureté mais c’est en tant que Nouvelle Ève.

En effet, à partir de saint Irénée de Lyon au IIe siècle, l’Église donne à Marie le titre de la Seconde Ève qui fait référence au fait que le Christ est le Second Adam. Le Christ, Second Adam, est Celui qui a racheté, récupéré et renouvelé la race humaine ternie par le péché et la désobéissance d’Adam, et c’est pourquoi Marie est appelée aussi la Seconde Ève.

Appeler Marie seconde Ève ne signifie pas que Marie ait été au-dessus des tentations mais que, comme Ève, elle a pu les connaître.

À cet égard, quand nous lisons le dernier livre du Nouveau Testament, l’Apocalypse, nous est offerte la vision extraordinaire d’un combat entre la "femme revêtue du soleil" sur le point d’accoucher, et Satan, le dragon perfide, qui cherche à détruire cet enfant, ce garçon, qui doit naître.

Ce récit saisissant symbolise le combat invisible, le combat spirituel de l’Église, toute entière et de toujours, et par conséquent de Marie qui ne fait pas exception. Elle a certainement vécu ce grand, beau et douloureux combat contre le tentateur même si nous en ignorons les détails et les étapes. De même qu’elles sont discrètes sur la vie intime et personnelle de Jésus, de même l’Église et les Écritures sont avares de détails sur la vie intime et personnelle de Marie. Seuls quelques traits sont brossés, comme par exemple quand Jésus fut au Temple à l’âge de douze ans.

Je veux souligner que la vie pure de Marie ne résulte d’aucun automatisme, d’aucun déterminisme, et que Marie a été libre. Libre mais de la liberté des enfants de Dieu. Elle a été mue par l’Esprit Saint de l’intérieur car elle ne s’est pas opposée à cette grâce, à cette impulsion, à ce souffle, à cet élan, à cet appel de Dieu qui était en elle depuis bien avant qu’elle ait sa conscience.

À mesure que Marie grandissait, elle vivait cet appel de Dieu, elle vivait la présence de Dieu en elle. Je voudrais dire aussi qu’elle vivait cette prière qui était celle des justes de l’Ancienne Alliance ainsi que des justes, des saints, du peuple de Dieu de tout entier, la prière contenue dans le mot "Seigneur". En effet, le mot "Seigneur" traduit pour nous chrétiens le terme ineffable, presque imprononçable pour les Juifs croyants, de Yahveh. Ce terme, transcrit par le fameux Tétragramme que nous traduisons par "le Seigneur" signifie littéralement « Je suis Celui qui suis ». Eh bien ! Nous pouvons dire que Marie portait en son cœur ce Nom, cette prière incessante de Dieu.

Lorsque, déjà fiancée à Joseph, Marie recevra l’annonce de l’archange Gabriel et qu’il lui sera révélé que l’enfant qui naîtra d’elle, sans qu’elle connût son fiancé, sera appelé Jésus, alors, dorénavant, Marie portera dans son être, dans son corps déjà, cet enfant, ce Jésus qui devait être conçu, grandir en elle et naître. Alors, dorénavant en Marie, le Nom du Seigneur et le Nom de Jésus s’uniront, se combineront, alterneront en elle comme dans une litanie infinie « Seigneur Jésus… Seigneur Jésus… ». Et ces deux Noms, l’Église nous apprend à les associer dans notre prière la plus intime, la plus secrète, la plus profonde : « Seigneur Jésus Christ – bien sûr! – Fils de Dieu – nous le rappelons – aie pitié de moi – ou de nous – pécheur. » Tout ceci constitue une prière extraordinaire dans laquelle nous vivons justement cette rencontre avec le Seigneur et, comme on peut l’affirmer, cette communion par le Nom de Jésus à la présence du Christ Fils de Dieu et fils de Marie.

Ainsi Marie vécut toute sa vie de prière et de foi, tout d’abord, dans l’intériorité de Jésus qui était en elle, puis en le portant dans ses bras, l’élevant, l’accompagnant jusqu’à l’âge de trente ans. Pendant tout ce temps, comme le dit l’Écriture, Jésus était obéissant à Sa Mère et à Joseph. Ensuite lorsque Jésus s’en ira pour le ministère public, pour la prédication de l’Évangile du Salut, de la Bonne Nouvelle du Royaume, alors Marie s’effacera. À Cana, Jésus semblera être dur avec elle : « Femme qu’y a-t-il entre toi et Moi ? » répondra-t-il quand Marie lui dira « Ils n’ont plus de vin ». "Qu’y a-t-il entre toi et Moi ?", "femme" au lieu de dire "Mère", tout cela semble résonner avec dureté et pourtant Il accueille la demande implicite de Marie. Elle ne lui demande pas de miracle, elle lui dit simplement « Ils n’ont plus de vin » et Jésus acquiesce à la demande secrète de Sa mère en donnant du vin en abondance aux convives et aux invités aux noces.

Ainsi Marie se retire. Lorsqu’une femme veut louer le Seigneur, comme nous venons de l’entendre dans l’Évangile : « Bienheureux le sein qui T’a porté et les mamelles qui T’ont allaité! – Heureux plutôt ceux qui entendent la parole de Dieu et y obéissent » répond Jésus. « Voici donc la véritable maternité! » Mais cette maternité véritable n’est pas un rejet de la maternité humaine et terrestre de Jésus. Ce n’est pas une rebuffade, bien au contraire, puisque Jésus loue implicitement Marie avec plus d’éclat que jamais, car Marie était précisément celle qui plus que quiconque portait dans son cœur les paroles et tout l’enseignement de son Fils divin.

Aujourd’hui nous vivons ce prélude où Marie, en entrant dans ce Temple de l’Ancienne Alliance, se prépare à devenir, elle-même, le véritable Temple.

Il ne s’agit plus, simplement, de l’image de la Présence de Dieu, mais c’est ici le Temple véritable du Dieu véritable qui viendra s’incarner et vivre en elle. Dès lors, devenue Temple de la Présence divine, Marie le sera pour toujours.

À notre tour nous sommes, nous aussi appelés, à devenir Temple : « Ne savez-vous pas, dit saint Paul, que vous êtes le temple de l’Esprit Saint et que l’Esprit Saint vit en vous ?» . Si nous sommes le Temple de l’Esprit Saint, l’Esprit Saint œuvre pour qu’au plus profond de notre cœur grandisse, vive et se manifeste l’Image du Christ, l’Image de Dieu, selon laquelle tout homme a été créé.

Tout homme venant au monde a été créé à l’image de Dieu et nous sommes, nous aussi, appelés à réaliser une véritable relation – j’ose le dire! – maternelle. Oui! Nous sommes appelés à une relation maternelle d’enfantement de Jésus en notre propre cœur, relation maternelle dont Marie est le modèle et l’image.

Et à son exemple, nous devons vivre cette relation maternelle avec tendresse, avec le désir de purifier notre cœur pour que rien ne fasse obstacle à la Présence de Dieu.

La Présence de Jésus, en effet, vient chez nous tout d’abord comme un faible petit enfant qui veut grandir en nous, pour peu à peu s’épanouir et régner dans tout l’espace intérieur de notre cœur.

Et souvenez-vous que cet espace de notre cœur est un espace gigantesque, un espace plus vaste que tous les cieux.

À cet égard, dans les vieilles églises, on retrouve souvent au-dessus de l’abside une icône de la Mère de Dieu où Marie étend ses mains en prière.

Cette icône s’appelle l’icône de « la Mère de Dieu, plus vaste que les cieux », c’est vrai qu’elle est plus vaste que les cieux parce qu’elle a porté le Seigneur dans son cœur. Et notre cœur aussi, mes amis, notre cœur aussi est appelé à être plus vaste que les cieux lorsque ce cœur devient le réceptacle, le siège royal, le lit nuptial, on peut le dire, le siège de la Présence de Dieu.

Notre cœur est un cœur immense, un cœur capable d’aimer et d’embrasser en lui tous les êtres, un cœur empli de compassion pour tous, à l’exemple d’un saint Silouane qui avait une compassion illimitée et qui priait une seule chose : Que tous puissent se convertir et connaître la vérité, c’est-à-dire connaître Dieu.

Ainsi, à l’image de Marie puissions-nous, nous aussi, grandir dans sa maternité et apprendre à purifier notre cœur pour que ce cœur devienne véritablement le lieu de la Présence de Dieu et de Son amour dans le monde.

Amen.

Père Boris

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

لاهوت الزواج
الزواج عند الذهبي الفم



1. غاية الزواج.
2. علاقة الرجل بالمرأة.
3. رجل وامرأة تفوق طبع أم طباع.

اتضح سابقاً أن الفريد والمميز في فكر أبينا فم الذهب هو نظرته للنسك بمنظار اسختولوجي، عندها يغدو النسك فناً ليس رهبانياً بالحصر وإنما فضيلة اجتماعية.
لهذا فأية دراسة حول الزواج في كتابات أبينا القديس ستقدّم الكثير والمفيد لمجتمعنا المعاصر وإذا كانت النظرة إلى النسك كفنّ اجتماعي تبدو "غريبة" في مجتمعنا، فهذا يعود بالتحديد إلى أنَّ هذا المجتمع متأثر غالباً باللاهوت الغربي ومعتقداته. بعد دراسة الزواج عند الأب القديس سوف نتابع عرض الأبعاد الاسختولوجيّة لمفهومه للعائلة، أي في التربية أيضاً وفي العمل وفي الدولة وعلاقة المؤمن بها وسائر الأطر الاجتماعيّة الأخرى.
في نصوص وكتابات الآباء الشرقيين الأرثوذكسيين، وفي العمق الاسختولوجي ينتقل مركز الأهميّة من "العزوبية" إلى "النسك" في حالات البتوليّة، أي إلى الطريق الضيق المؤدّي إلى الحياة. هذا ما نراه مثلاً عند قديسين كـ أثناسيوس الكبير وغريغوريوس النيصصي ويوحنا الذهبي الفم. هكذا وبفضل هذه النظرة الاسختولوجيّة تصبح النهاية الواحدة للطريق الضيق وغايتها المشتركة بتعدد الأساليب فيها. في هذا تمايزت المسيحيّة منذ فجر نشأتها عن الغنوسية. وانطلاقاً من هذا الأساس السليم نجد أنه عبر تاريخ أدبنا المسيحي شدّد آباؤنا على مزايا الرهبنة وفضائلها كما شدّدوا على مزايا الزواج. فالزواج والبتولية هما وجهان لطريق واحد، الطريق الضيّقة المؤدية إلى الحياة. وكلاهما يحققان عفة الروح. لدينا مثال هو طرفا ثابور في تجلي المسيح. لقد كان موسى الذي تزوج وإيليا الذي تبتّل، حول المسيح في المجد ذاته. فلم يمنع الزواج ما حققته البتولية. في كنيستنا الشرقية سُمِحَ دائماً للاكليروس بالزواج، على عكس الكنيسة الغربية، وهذا دليل على أن هذه الطريقة ليست أدنى بل هي الوجه الآخر. في المجتمع المسكوني الأول طُرحتْ مسألة الاكليروس المتزوج، والذي دافع عن ذلك كان الراهب المتشدد "παφνουτιος". إن مباركة المسيح، كما يقول طقس الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، للزواج في عرس قانا الجليل هو بركة دائمة. على عكس الآباء والكتّاب الغربيون مثل كبريانوس وأمبروسيوس وايرونيموس وأفغوسطينوس حيث ظهر الميل الشديد إلى البتولية مع الانتقاص من قيمة الزواج بشكل ملاحظ وشديد. من هذه المصادر المتطرّفة الأخيرة، وللأسف، تنهل أغلب الدراسات الغربية الانثروبولوجية اليوم، وكنتيجة حتميّة، لذلك يلغى فيها التوازن الأخلاقي الموجود بين الزواج والبتولية، الذي نراه عند آبائنا الشرقيين، وهكذا يتحورّ المفهوم المسيحي الحقيقي وتفسد روح الكتاب عينه كما يخان الفهم الآبائي الصحيح.

هدف الزواج:
1. الكمال الروحي: من الواضح بأن الزواج لا يشكل حجة للكسل والتهاون في سبيل الهدف المشترك لكل المسيحيين أو هروباً من الجهاد المطلوب من الجميع، رغم ذلك بسبب التمييز "الدنيوي الفاسد" و "العالمي" يقطع الزواج عن هدفه الاسختولوجي فينقل هدفه، للأسف، من ملكوت الله إلى "المجتمع"، لهذا السبب، وفي مثل هذه الحالة، يتحوّل الزواج إلى "عائق" في طريق الكمال الروحي الواحد لكلّ المسيحيين. القاعدة الأساسية في فكر أبينا القديس هي أنّ "الحكمة" في الزواج هي بالذات "الفلسفة المسيحية" التي في الرهبنة. إن كان الزواج شكلاً جاء بعد السقوط، فأن تفوّق الرهبنة لا يعود إلى نسبها الفردوسي الذي قبل السقوط، وإنمّا في كون الرهبنة طريقاً أسهل وأسرع للعودة بالأحرى، للصعود إلى ملكوت الله. التمييز يجب ألا يتوضع بين الزواج والبتولية، ولكن في درجة الحياة الروحية أينما كانت في الشكلين. ما يميّز إنساناً عن آخر هو الخلق وليس الزواج أو عدمه.
على الرغم من كل ذلك، فإن هذه النظرة الاسختولوجية غابت عن إدراك العديد من الباحثين، الذين اتهموا أبانا باطلاً وأعادوا إليه مسؤولية مفاهيم خاطئة. زعم هؤلاء أن أبانا القديس ينظر إلى الزواج كما إلى شيء "أدنى" خلقياً من الرهبنة. وأضافوا على ذلك ظنونهم أن هذه النظرة الدنيا للزواج تعود لتأثير الغنوسية على فكر القديس فم الذهب من جهة، وإلى ترمّل أمّه المبّكر والطويل من جهة أخرى، أضف لذلك مثلاّ تجارب صديقه ثيودورس، وأيضاً ميله الشخصي للرهبنة، وبالنهاية وختاماً طبعه القاسي المتشائم.
إن إعادة أصول الزواج إلى حياة الفردوس قبل السقوط يدّل على أنه كان من أجل غاية تلك الحياة أي الكمال الروحي. الكتاب يوضح أن الله بعد أن خلق الإنسان نظر إلى آدم وقال: "لا يحسن أن يكون الإنسان لوحده، فأصنع له عوناً بإزائه" (تك2: 18)، وهناك أمر الله آدم وحواء: "أكثرا وأنميا وأملأا الأرض"
أيّ أسلوب مُدخَل بعد السقوط، هو الزواج، بلا شكّ حسن وخير وهو من حكمة الله وتدبيره، وله بالنهاية هدف تربوي روحي وغايته شفاء الإنسان الساقط ومداواته، ذلك لأن كل هذه التدابير هي من "العناية الإلهية المحبة للبشر"، وتقصد بالنهاية اسختولوجيا إلى تحقيق "التدبير" الإلهي للإنسان، أي تألهه وخلاصه.
في العهد القديم كان الزواج دائماً غاية دينية، فلم يكن اختيار المرأة يتم بحسب الرغبات، بل حسب مصلحة الجماعة. المصلحة الدينية فوق المصلحة الفردية. لأن الزواج ينخرط في مسألة الخلاص عموماً وليس مسألة فردية. قصص الزواج التي يوردها طقس السرّ، توضح بعض الأمثلة. مرات عديدة تُختار الزوجة دون أن يعرفها مسبقاً الرجل. يكفي له أن يعرف أنه يحيا معه ما تريده له جماعته. يعقوب تزوج كما أمرته أمه من قبيلتها وبني دينها ودفع ثمن ذلك الكثير. غاية الزواج إذن هي أبعد من حدود اجتماعية، إنه مسألة خلاصية في سبيل الكمال الروحي.

2. الشهوة- الجنس: بعد السقوط غدا الزواج "أمراً مفيداً جداً وضرورياً" بعد أن كان غير ضروري في البداية، كما يشرح فم الذهب، وقبل السقوط، كانت المحبة للآخر والتعايش المتوافق مع القريب هما الجوّ العام السائد، أمّا بعد السقوط، عندما دخلت الخطيئة، فقد هوى الإنسان من علاقاته الشخصية المحبّة للآخر إلى مستوى الفرديّة والأنانية، وانطوى من الشخص إلى الفرد، هكذا كأناني انطوى على حبّ ذاته بدل حبّ الآخر. فتمزّقت روابط الوحدة وتضعضعت أواصر المحبة. عندها أسرع الرّب المحب للبشر وأدخل الشهوة ليحافظ على التلاحم والوحدة بين البشر، وهكذا أعاد روابط الوحدة بين الذين سبق وتفرّقوا. فالجدّان الأولان، قبل السقوط، كانت أواصر المحبة بينهما قوّية لدرجة أنهما كانا كـ"واحد"، هكذا ظهر الله في الفردوس بحسب النص الكتابي"يكلمّ الاثنين كأنه يكلمّ واحداً"، عناية الله المُحبة أوجدت تلك الحياة المشتركة الأولى ذات أواصر محبة قوية جداً، حتى أنه لم يكن لدى المرأة حبّ أعظم من حبها لشريكها، ولم يكن للرجل حبّ أعظم من حبّه لشريكته. ولكن عندما غلب حبّ الذات وسيطرت الأنانية، صارت الشهوة عاملاً إيجابياً، بالذات لأنه ينظر إليها كواسطة تُعيد إصلاح تلك الوحدة القديمة. هذه الوحدة يحققها الزواج بالفعل عندما يُلغى منه كلّ ما هو خاص وذاتي وأناني ولا يعد ما "لي" وما "لك". بالتالي ضمن النظرة الاسختولوجيّة، الشهوة هي حسنة كدواء هادف وشاف يؤول إلى رباط للمحبة وبالتالي يساعد ويقود في درب الكمال الروحي. فمن ناحية أخرى مفهوم "المثال" كلّه يتلخّص في المحبة. إن المحبة في الزواج تأتي من الطهارة. كما أن الزنى هو دليل نقص المحبة. إن المحبة الزوجية ستقود حتماً إلى العفة في الزواج وإلى بلوغ ما تحققه البتولية.
وبعد السقوط أصبح الزواج بلسماً يداوي "ضعف الجسد" ويصير بالتالي واسطة "للعفة" والجهل. بالتالي من الواضح أن "الزواج كريم". التركيز على المقصد الاسختولوجي في كل نظرة مسيحية من جهة. ومفهوم الحياة الروحية الأخلاقية للمسيحي "كتداوي"، يعطيان لفم الذهب ولكنيستنا الشرقية المستقيمة الرأي والحياة عامة، الإمكانية أن يحثا على الرهبنة وفي الحين ذاته أن يباركا الزواج، الذهبي الفم يسمح "تنازلا" بالزواج الثاني أيضاً، وذلك ضمن نفس النظرة السابقة "كتداوي" كسماح يداوي الانحرافات والزنى وليس كوصيّة. الزيجات التي يسمح بولس الرسول، وأيضاً بعده أباء منهم فم الذهب، هي "تنازلات" مقبولة دون أن تعني أنها مُثل "ممدوحة"، لا دينونة فيها من ناحية "لكن ليست جديرة بالمدح والثناء" من ناحية أخرى.
"والتنازل إلى هذا المقدار ليس إلا دلالة على وجود ضعف شديد يفرضه". على كلّ قديسنا يفسّر "التقديس"، الذي بدونه لا يستطيع أحد أن يرى الرّب، "بالنسك والجهاد الروحي". لهذا نراه ينصح أن كان أحد غير متزوج فليحاول أن يبقى بتولاً أو أن يتزوج. وإن كان متزوجاً فليحاول ألاّ يزني البتة. فالقداسة بالنسبة لفم الذهب ليست حصراً في الحياة الزوجية ولا في الحياة الرهبانية، إنما هي ثمرة الجهاد الروحي الممكن عند المتزوجين والرهبان على السواء. إن كانت القداسة تفسّر بالجهاد الروحي والنسك فإن المقارنة بين المتبتلين والمتزوجين يجب ألاَّ تنحصر في العذرية والعفة فقط وإنما أن تشمل مجمل الفضائل الأخرى كلها. النظرة الاسختولوجية والحقيقية لا تقدّر الإنسان ولا تكرّمه حصراً بسبب الحياة التي يختارها، أتزوّجا كانت أم ترهبّا، وإنما مقياسها الذي لا يخطئ هو "مستوى الحياة الروحية"، أي الحياة بحسب الفضائل المسيحيّة، القداسة الحاصلة بالنسك.
براهين: لهذا السبب الزواج ليس على الإطلاق مانعاً للفضائل المسيحية. وليبرهن على صحة رأيه هذا يلجأ إلى رجال الكتاب المقدس أمثال "أنوخ" ،"أكيلا" و "برسكيللا" الذين لمعوا في الفضائل المسيحية وهم متزوجون.

الحفاظ على الجنس البشري:
بالطبع، بعد السقوط، وإدخال الموت، الزواج يخدم استمرار النسل البشري. اقليمس الاسكندري وآباء كثيرون آخرون يربطون هدف الزواج بواقع الموت والإنجاب. الولادة، عند بعض الآباء مثل اقليمس السابق ذكره، هي "خلق"، أي بالتالي هي من صورة الله التي بالإنسان. آباء مدافعون مثل ايوستينوس وأثيناغوراس يحدّدون الهدف الأول للزواج والشهوة الجسدية بالإنجاب، الذي يرونه كمحلّ لمشكلة الموت. الإيمان بأن هدف الزواج هو إنجاب الأولاد نجده ونصادفه عند أغلب آباء اللاتين (الذين كتبوا بالغة اللاتينية وليس اليونانية) مثل أمبرسيوس وأفغوسطينوس. لكن أبانا فم الذهب له في هذا الموضوع موقف مميّز ومتمايز فضلاً عن نظرته العميقة الاسختولوجيّة لكل الحياة المسيحية. كنه الزواج وهدفه الأساسي مرتبط بموضوع السقوط ليس من حيث الإنجاب والحفاظ على النسل بقدر ما هو بالحقيقة واسطة كمال خلقي ونمو روحي للبشر. فهو دواء ليس للموت وإنما للسقوط الروحي. الأب القديس يقول أن الإنجاب يعود لقوة الله ومشيئته بالذات ولكلمته "أكثروا وانموا". رأيه هذا يسنده إلى الكتاب المقدس عينه الذي يذكر متزوجين لم ينجبوا ولم يصيروا آباء، بينما ولادات كثيرة، كما هي ولادة اسحق، تمت فقط بقوة الكلمة الإلهية وليس بقدرة الجسد. لو لم يخطئ الإنسان في الفردوس ما كان سيصعب على الله أن يكثر البشر بأسلوب ما، وهذا ما تؤكده ولادة آدم وحواء. فلا البتولية تهدّد استمرار الجنس البشري ولا الزواج يضمنه. فلو أنَ الخطيئة لم تدخل "ما كان سيصعب على الله أن يجد الطريقة، التي كان سيتكاثر بها الجنس البشري".

تعدد الزوجات:
في العهد القديم كان هناك تعدد زوجات بسبب الحاجة إلى عائلة قوية، ولأن الخصوبة كانت الغاية. (قضاة 8، 30؛ ملوك 10: 1). وهناك زواج مع إماء. ولكن هناك دائماً تعلّق بامرأة واحدة (اسحق، يوسف...). وكتاب نشيد الأنشاد وإن كان يتكلم عن النفس البشرية والله إلا أنه يوضح التعابير التي كانت مستخدمة في ذلك الزمان ومفاهيم الزواج فيه، حتى صار مفهوم الزوجة الواحدة هو السائد في العهد الجديد.
الزواج والشهوة أُدخلا بعد السقوط حصراً لأسباب روحيّة ونسكيّة، أي للحياة بالمسيح وللكمال الروحي للبشر. إيمانه هذا يبرهنه ليس فقط من الحياة الإنسانيّة الأولى الفردوسيّة، وإنما من قيامة المسيح، التي هي وحي للحالة الاسختولوجيّة المرجوّة. و يرى قديسنا أنه قبل قيامة المسيح ساد الخوف من الموت وتسلط هذا الأخير على حياة البشر، عندها كان الإنجاب أشهى ما لدى البشر لأنّه كان استمرار حياتهم "وعزاءهم ضد الموت" والجميع بنو رجاءهم على ذلك، بأن يتركوا "ورثة" و"ذكرى" و "باقي" لهم. بالإنجاب تستمر حياتهم. وانطلاقاً من هذا الاعتقاد توصّلوا إلى السماح بتعدّد الزوجات. لأن الناس لم يكونوا قد آمنوا فعلاً بحياة القيامة، ولم تكن لديهم بعد فكرة أكيدة وواضحة عنها، وهذا ما تؤكده حوادث جرت مع أناس لمعوا بالفضائل، كأيوب مثلاً. أمّا الآن فبعد أن لمعت شمس القيامة، صار هذا الرّجاء "غير ضروري". قديسنا يضيف أيضاً أنّه بعد أن امتلأت الأرض اليوم بالبشر، أصبحت الحاجة الآن أن نشتهي "الولادة الروحية" أكثر من "الإنجاب الطبيعي"، وبالنهاية يقول أنَ "علة الزواج واحدة وهي أن نتجنب الزنى". أي الزواج هو دواء بالأساس لشهوة الجسد. في نصوص أخرى نراه يقول أنَ الزواج أُدخل لكي "نتعقل ونتعفف" ولكي نصير آباء، لكنه يختم بقوله "أمّا العلة الأولى والسبب الأساسي بين السابقين هو أن نتعقل ونتعفف".
هكذا إن كان من الحياة البشريّة الأولى أو من قيامة المسيح يعَالج الزواج كموضوع روحي، كتداوي وواسطة للكمال الروحي. بالطبع هذا الموقف لا يشكّل إنقاصاً من أهمية العائلة والأولاد، بالطبع إذا كان فكر القديس بحسب العهد الجديد لا يشدد على الإنجاب كغاية في الزواج، وإنما كثمرة، ذلك لا يعني أن الإنجاب غير مطلوب. لأن الكمال الروحي سيتم عبر(Ατόκων- εκκια) البيت- الكنيسة الصغيرة. الزواج هو "سر المحبة" كما يسميه فم الذهب. والمحبة في العائلة تكتمل أكثر عند محبة الزوجين.
لكن من الواضح أنّه عندما لا يساهم إنجاب الأولاد في تشديد أواصر المحبة والوحدة ولا تكون خلقاً روحياً وليس فقط إنجاباً طبيعياً، عندها تستحق الرثاء لا المدح. ومن جهة أخرى، عندما شدّد قديسنا على أنّ الإنجاب ليس هدفاً أوّلاً للزواج، أراد بذلك أن يخلص البتوليّة من عيب العقر.
أوّل ما نستخلصه إذن من تعاليم القديس الذهبي الفم أن الزواج هو علاج للشفاء الروحي وواسطة للكمال والقداسة وهدفه المحبة أوّلاً والتعقل والتعفف. وإن كان يتكلم بالأكثر عن فائدة الزواج كواسطة للتعقل وتجنب للزنى فهذا لا يعود إلى أنّ ذلك هو الهدف الأوّل والغاية الأساسية، وإنما نزولاً إلى حاجات سامعيه. القديس فم الذهب يبقى أبداً أميناً على وصية بولس الرسول (1كور 7: 5)، حيث يتضح أن هدف العفة هو المحبة. الاستنتاج الثاني هو أنّ الإنجاب ليس الهدف الأساسي في الزواج وإنما هو واسطة للكمال الروحي. القديس يطلب الإنجاب لكن دون أن يحتل المكانة الأولى في أهداف الزواج. هذه النظرة العميقة تعود إلى حجر الأساس في تعليم قدّيسنا، وهو أنّه لا ينطلق في نظرته للإنسان من فلسفة فيزيولوجية وإنما من الإيمان بأن الإنسان هو كائن سيسكن السماء، وعندها يغدو الزواج "سراً". هذه النظرة السامية للزواج هي ردّ مباشر على الغنوسية من جهة، وعلى المفكرين واللاهوتيين الغربيين من جهة أخرى. فالزواج هو عناية إلهية من ضمن التدبير الإلهي المحب للبشر. إنَّ كلِّ مواقف الأب السلمية والفريدة بوضوحها وجمالها هي السبب الذي جعل نصوصه الحجر الأساس الأوّل لأغلب الدراسات والمواضيع المختصة بالزواج، الجميع لا ينهلون منه عظاته وحسب، وإنمّا يعتمدون بالأساس على كلماته. هذا ما قام به مثلاً "مايندورف".

الزواج والبتولية:
هناك مفارقة في البتولية المسيحية، فبينما العهد القديم يرى أنه ليس حسناً أن يبقى الإنسان وحده نرى يسوع يتكلم عمن سيخصون أنفسهم من أجل ملكوت الله (متى19، 11-12) وبولس يشجع على الاقتداء به (1كو 7: 8؛ 25: 28).
دعوة العهد الجديد للبتولية ليست احتقاراً للزواج، بل لجعل الحياة من الآن في ملء سر العرس السماوي. وبولس بالذات منذ شعوره أن صور، هذا الدهر تنطوي وتسير نحو نهايتها (1كور7، 31)، يتمنى على الذين لهم نساء أن يحيوا كالذين لا نساء لهم (1كور7: 29).

الرجل والمرأة:
ترتيب، محبة مخلِّصة وطاعة مخلِّصة:
موضوع العلاقات بين كلّ من الزوجين له أهمية في موضوع هدف الزواج وغايته. المثال الأول للحياة الزوجية وطبيعتها ليس إلا ذلك المعطى من بولس الرسول، أي علاقة المسيح بالكنيسة. بالطبع من البديهي أن تكون هذه العلاقة ذات مفهوم اسختولوجي، أي أنها علاقة خلاصية، أي علاقة المحبة المخلّصة بالطاعة المخلّصة. حيث كلّ من المحبة والطاعة تصيران الواحدة هديّة وثمنا للأخرى، ولكليهما الهدف نفسه والغاية المنشودة عينها. إنها بكلام آخر علاقة الجسم بالرأس. فإن كان يتوجب على المرأة الطاعة فهذا لا يعني أن حقوق الرجل أولاً هي الرئاسة والسيادة، وإنما، بالجوهر، واجبه هو المحبة. فالطاعة إذن لا تتماشى ولا تترافق مع الرئاسة وإنما مع المحبة. الرئاسة في النهاية هي مكافأة المحبة، فمن يُحمّل بالأحمال الأثقل، أي بالمحبة تُهدى له الرئاسة. إن نظرة الذهبي الفم الاسختولوجية تعكس العثرة الاجتماعية العامة، عثرة رسالة العرس، أي أفسس (5، 22-23)، فالقديس هنا يشدّد على أن الثقل الملقى في هذا المقطع، ثقل الواجبات، ليس هو طاعة المرأة وإنما المحبة التي يصفها بولس ويحمّلها على عاتق الرجل. هكذا يقول أبونا القديس، يطلب بولس من الرجل محبة كمحبة المسيح لكنيسته، أي أن يعتني ، أن يحبّ، أن يهتم وأن يضحي بنفسه من أجل امرأته. هذه المحبة يمكن أن نفهمها كتصوّر في الفضيلة.
بكلام آخر، إن طاعة المرأة تزيد من محبة رجلها لها وتجعل تضحيته، هذه التي يصفها بولس، ممكنة. أو بشكل عكسي إن محبة الرجل، هذه السابق وصفها، تجعل طاعة المرأة خفيفة وجميلة. فالطاعة هي الدواء اللازم لمنع الرّياء الذي يمكن أن يهدّد محبة الرجل هذه. أمّا المحبة فهي المضاد الذي يمنع التسلط الذي يمكن أن يهدّد الطاعة. فأبونا القديس، كما يعبّر عن أخلاقياتنا المسيحية اسخاتولوجياً، يفترض طاعة المرأة لرجلها وطاعة الرجل لله ومحبة الرجل لامرأته، فإن وحدة الزوجين تتم بوساطة المحبة في الطاعة وبالطاعة في المحبة.
واعترافاً برئاسة الرجل بأنها العناية، وبالمحبة المخلصة، يقبل قديسنا مع بولس الرسول أن تنعكس الرئاسة إذا انعكست أسبابها وامتيازاتها. بما أن الطاعة دخلت بعد السقوط وبعد اضطراب العلاقة بين الزوجين وبعد تزعزع أواصر المحبة ودخول الخطيئة ولم تكن منذ البداية، إذن له هدف اسختولوجي. هكذا بما أن المرأة هي أوّل من عصى وضلّ، لهذا منذ ذلك الوقت هي من يخضع ويسمع.
أضف إلى ذلك أنه بعد السقوط، وبعد غياب المحبة الكافية، صار التساوي سبباً للاختلاف والتعارك، لهذا أُدخلت الطاعة اسختولوجياً. وجوهرياً، أن الرئاسة لا ترتبط بالجنس المحدّد أي بالرجل، ولكن بذلك الذي لا يضل ويطيع الله ويحفظ الإيمان، بينما العبودية كدواء جاءت بعد السقوط، فإنه من الممكن أن تخلّص المرأة الرجل كما يذكر بولس ذاته (1كو7، 16): وما أدرَاكِ أيتّها المرأة "لربّما تخلّصين الرجل"، أي يتبادل هنا الجنسان الرئاسة.
لهذا إن زنى الرجل المتزوج يدان أكثر من زنى غير المتزوج وندعوه فجوراً لأن هذا الأمر لا يشكل فقط تدنيساً للجسد، وإنما استغلالاً لجسد لا نملكه وإنما هو ملك للآخر أي بشكل آخر سرقة واقتناص واختلاس. هذا الفجور هو أبشع من الزنى العادي لأنه لا يلغي فقط العفة وإنما أيضاً يقتل المحبة. إذ أن شرط وجود المحبة هو تقديم الطاعة والعكس بالعكس، شرط تقديم الطاعة تواجد المحبة. هذا لا يعني أنه في حال غياب أحد الشرطين أن تتزعزع العلاقة وتنفك الروابط، لأن كلا المحبة والطاعة يربطهما القديس اسختولوجياً، ليس فقط بالعلاقة المتبادلة بين الزوجين وغير الأكيدة بشكل عام، إنما بالعلاقة اسختولوجيا مع الله والأكيدة دائماً. هكذا في حال اضطراب هذه العلاقة المتبادلة ينصح الأب بأن تُقَّدم المحبة أو الطاعة من الطرفين لله. هكذا نظرة الأب العميقة اسختولوجية، وهي لا تشرح لنا فقط معنى الرئاسة والطاعة، وإنما أيضاً تربط كليهما برابط أقوى من الروابط الاجتماعية ضمن الأطر الحياتية الحقوقية والواجبية، برابط هو بالرّب.
يرفض كل فكر عالمي يقدّم كرامة للرجل وبنفس الوقت يحقر المرأة. هذه الأفكار التي لا تنبع من الكتاب ومن فكرته الاسختولوجية وهذا هو الموجود في مجتمعاتنا حتى المتطورة منها، التمييز والفصل، أما التعليم الكتابي فهو أسلوب وحده. إن الفكر الكتابي هو حلّ عملي وفعلي للمشاكل العصرية حول حقوق وواجبات كل من الزوجين وكل المشاكل الراهنة الاجتماعية بما يختص بحقوق المرأة وعلاقة الجنسين. الذهبي الفم يشير إلى أن النساء يحملن بعض النواقص لكنه يصنفها في صنفين: فالنوعية الأولى تحتوي النواقص الاخلاقية، فمثلاً الزينة الزائدة، الخوف، وغير ذلك. ولكن هذه النواقص ليست في طبيعة المرأة، وإنما تدخل إليها من التربية.
ودليل ذلك أن هذه النواقص تتبدل من امرأة إلى أخرى، وأحياناً من المرأة إلى الرجل. فبرهان ذلك أنه يوجد رجال يخافون أو يحملون تلك النواقص السابق ذكرها.
بينما نرى نساء يتمتعن بالرجولة والوعي والبساطة، في هذه النواقص يلعب دوراً كبيراً إعجاب الرجال بها. والعكس ليس حالة نادرة حين نرى نساء سبقن الرجال في البساطة وشدّة الإيمان وشجاعة التقوى والمحبة الخالصة نحو المسيح.
لا يفتأ الذهبي الفم عن التشديد والتكرار لشروحاته، بأيّ نساء كنّ متصبرات في الجهاد الروحي والفضائل الكتابية والمسيحية. ويردّد الكثيرات منهن: سارة ورفقة وراحيل وسيفورة وحنة اللواتي صرن بإيمانهن وفضائلهن معلمات فعلاً للرجال. على كلٍّ، ينّوه الذهبي الفم أن بولس الرسول ذاته يعرف هذه الحالات ويعترف بها، وذلك عندما يذكر بريسكلاّ قبل رجلها أكيلا، وذلك لتقدّمها عليه بالتقوى والفضيلة.
إذن النساء متساويات فعلاً، ويمتلكن نفس القوى من الناحية الأخلاقية، ويستطعن على وجه السواء أن يسابقن الرجال في التضحية والتكريس للجهادات الروحية وأن ينجحن بذلك.
وفي الصف الثاني، أي النوعية الثانية، يصف كل النواقص الطبيعية كما هي، مثلاً الضعف الجسدي بمقارنة المرأة بالرجل. لكن نواقص كهذا هي امتيازات طبيعية جسدية لا قيمة للفرق بها اسخاتولوجياً أو أخلاقياً. وهذه الامتيازات التي يعطيها العالمَ المعلمن أهمية، هي بالواقع لا أهمية لها. فالقوة الجسدية حين توجد أو حين تغيب لا تزيد الإنسان كرامة ولا تنقصه منها. فعندما يجري الكلام عند آبائنا القديسين يجري الكلام بالأخص على طباع نسائية وعلى رجولة. وهذه الطباع ذات المعنى الأخلاقي تأتي من التربية وليس من الطبيعة. لهذا يشدّد فم الذهب أن بولس استطاع أن يقول: لا عبد ولا حرّ، لا رجل أيضاً ولا امرأة. لهذا يتابع أبونا ويقول: فلا الطبيعة ولا الضعف الجسدي يمنعان التقوى أو التقدّم بسرعة في طريق الكمال. فالمطلوب إذن أن نطرح عنا الطباع النسائية لتشتعل فينا الرغبة والهمّة، اليقظة والرجولة.
فعندما نفسّر القوة بالرجولة عندها تسقط التميزيات العالمية التي بحسبها تصير المرأة أدنى من الرجل. لكن الواقع أن هذا الطبع النسائي سمّي هكذا لأن الناس يربونه بالعموم في بناتهم. ونلاحظ أن هذه الاهتمامات المعاكسة للرجولة بشكل عام عند النساء. لكن هذا كما ذكرنا لا يعود إلى طبيعتهنّ ودليل ذلك أن مثل هذه التمييزات تلغى في الكنيسة لأن التربية هنا تختلف عن التربية العالمية. هذا الطبع هو طبع يختص بالنفس وليس بالجسد.

طقس الزواج:
قديماً لا توجد نصوص واضحة تشير إلى ذلك. لكن الإسرائيلي كان يعرف أن الله يقودهُ في اختياره زوجته (تكوين 24، 42-52)، وأن الله في العهد حدد شرعيَّة وناموس وقوانين هذا الزواج.
كتاب طوبيا، بعد السبي، يعطي روحانية أسمى عن الأسرة المهيَّئة بيد الله (3: 16)، بولس الرسول يعطي للزواج درجة سامية جداً حين يربطه مع علاقة المسيح بالكنيسة. والزواج في الكنيسة لا يعني أبداً مباركة ما هو طبيعي، لكن يعني إطلاق هذه الوحدة الجدّيدة في درب الملكوت.
إن سر الزواج كغيره من الأسرار لا يعمل في الإنسان بشكل عفوي، وإنما يشترط قبوله المعبَّر عنه بمساهمته في طلب نعمة السر.
سرّ الزواج يشدد على وجه الشهادة. الدورة حول المائدة وترانيمها "أيها الشهداء القديسون..." كلها موازية لما يتم بسرّ الكهنوت. والرابط بين السرّين هو سرّ المحبة كشهادة. المحب دائماً شهيد. المحبة دائماً تربح. إن وضع الإكليل يؤكد عن نظرة الكنيسة للعروسين كشهيّدين تكللهما. إن ذكر الشهداء الأربعين.. يؤكد أيضاً على درب المحبة والشهادة فيها. 

 

عن: صفحة مطرانيّة حلب للروم الأرثوذكس

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

عن جريدة النهار: السبت 06 تشرين الأول 2009 - السنة 77 - العدد 23833


النظام المجمعي في الكنيسة الشرقيّة

المطران جورج خضر


النظام الإداري في الكنيسة الأرثوذكسيّة تجسيد لتعليم لاهوتيّ. فالعقيدة عندنا يحفظها الشعب كله أي ان الرؤية لكل الحياة الكنسية هي رؤية الجماعة المؤمنة بما فيها الأساقفة. مع أهميّة المكان الذي يجلس فيها المطران هو يستمع الى ما يقوله الروح للجماعة التي يرعاها. من زاوية هو يأتي منها كما تأتي منه. هذا لا يعني أن المطران يستند الى جمهور رعيته لكنه يأتي من اتقياء رعيته والممارسين. هؤلاء هم في الحقيقة جسد المسيح بحيث إنهم يؤلّفون المسيح على الأرض.


غير ان الأسقف ليس فقط متصلاً بالجماعة الموكولة اليه رعايتها. هو يتصل عضوياً بالمطارنة الآخرين الذين يسوسون كنيسة نسمّيها محلّية أو إقليميّة كما انه متحد بأساقفة العالم كلّه الذين هم على استقامة الرأي. غير أن التحرك الواقعي في اليوميات تحرّك الكنيسة المحليّة مثل الكنيسة الأنطاكية.


هذه يرئسها المجمع المقدس الجامع لكل أساقفة المنطقة والجالس برئاسة البطريرك الذي هو الأول بين متساوين. سر الكهنوت الواحد يجعلهم مجمعاً واحداً، والمرجوّ تالياً أنهم على فكر واحد المفروض أنه فكر المسيح. هذه المعية التي يؤلّفون والتي نرجو ان يمدّها الروح القدس بنفحاته حتى تخدم بالروحانية الواحدة كل الشعب المؤمن من طريق خدمتها للوحدات الروحية التي نسمّيها أبرشيّات. فالمجمع الواحد كالمجمع الأنطاكي المقدس يشرف بسبب اتحاد أعضائه على كل المناطق لكوننا نفترض ان الأساقفة الملتئمين بفكر المسيح لا ينطقون عن هوى وأنهم يسعون الى المسيح منطلقين من الإنجيل. لذلك يضعون في قاعة اجتماعهم كتاب الإنجيل ليذكّرهم بأنهم يقولون قوله وليس لهم قول من خارجه اذا أتوا بقرار أو وضعوا منهج عمل أو أوضحوا الإيمان أو انتخبوا أسقفاً جديداً أو حاكموا اسقفًا خالف القانون الكنسي.


البطريرك عندنا ضمانة وحدتهم لأنه بلغ عدم الهوى. وبفضل هذا التطهر يعتبرونه الأول بينهم ويظلّون حرصاء على احترام موقفه كما يكون هو حريصًا على تبنّي موقفهم اذا بدا عن إجماع. لذلك لا يجتمعون الا بحضوره واذا استدعاه الله اليه لا يجتمعون الا لانتخاب خلف. فليس من مجمع بغياب البطريرك وليس من بطريرك بلا مجمع. وفي حال الشقاق لا يؤلف الذاهبون من المجمع مجمعاً أياً كان عددهم. والأقلية في حال الانقسام التي يجالسها البطريرك تكون هي المجمع.


طبعاً هذا النظام لا مثيل له في أية مؤسسة دنيوية أبرلمانًا كان أم غير ذلك. لذلك كان غير صحيح القول إن الأرثوذكسية ديموقراطية. هي الألفة أو الائتلاف بالروح القدس. فكما تطيع أسقفك لأن الله أقامه رئيساً بوضع الأيدي (أي برسامته) كذلك تطيع المجمع المقدس ليس لأنه سلطة قائمة عليك بشكل تمثيليّ او حقوقيّ او جمعيّ ولكن لأنّ الأيدي وُضعت على رأس كل أسقف يوم رسامته. "الأسقف أيقونة المسيح" كما قال القديس إغناطيوس الأنطاكي. بطاعته تطيع المسيح.

• • •


غير أن الأساقفة بشر تتسرب اليهم أخطاء. اذا أتى الخطأ إساءة الى العقيدة عليك ألا تطيع، وهنا تشكو المجمع الى المجامع الأرثوذكسية الأخرى، واذا أخطأ رئيسك المحليّ الى العقيدة وعلّم البدعة عليك ان تقاطع صلاته وان تعالج أمره مع زملائه ولا سيّما البطريرك. غير أن هذا يحصل قليلاً جداً، وفي السنوات المئة الأخيرة لم نلحظ شيئاً من هذا لأن تحديد العقيدة من اختصاص المجمع المسكوني (العالمي) وليس من اختصاص المجمع الإقليمي.


وقد لا يكون المجمع حكيماً في أمر رعائيّ أو تدبيري. هذا يُناقَش في دورة لاحقة بشكوى أو اعتراض معلّل وتسوّى الأمور إقليميا. هنا يلعب الكهنة الورعون المثقفون كنسياً والعلمانيون المتديّنون الفاهمون دوراً كبيراً. وروحية الأبوة المألوفة تُصلح الأمور خصوصاً أن العقيدة تقول إن الإكليروس وعامّة الشعب المؤمن جسم واحد يتفاعل أعضاؤه بكلمة الخلاص التي يأتي الدفاع عنها مع حسن النية واستقامة القلوب.


ليس في الكنيسة قيمة للعدد. فأنت لا تطيع المجمع لهذا السبب. انت تقبله لأنه تعبير عن الكنيسة المتطهّرة أي الجماعة المصليّة. فقد رفضت الكنيسة في القرون الأولى مجامع مؤلفة من أكثر من أربعمئة مطران وسمّتها مجامع لصوصيّة. وما أقرّت الا تلك التي اعتبرتها ملهمة بالروح الإلهي. المجمع ليس سيد نفسه لمجرد اجتماعه ولكن ليقيننا أنه مرتبط بالرب. الله اذا ساد المجمع بالنعمة يكون هذا مجمعاً إلهيًا وانت تلتزم الألوهية فقط. الأساقفة وكلاء الأسرار المقدسة كما قال بولس، واذا تصرفوا بخلاف هذا التوكيل يصيرون لا شيء اذ ليس في الكنيسة من سلطة الا لله. في كنيسة المجامع المسكونية السبعة كان المجمع اللاحق يوكّد حقيقة المجمع السابق له، بهذا كنا نقترب من اليقين. ويتثبت اليقين عند قبول الجماعة كلها لما أتى به رؤساء الكهنة اذا اجتمعوا. ما كانت المجامع الكبرى تُعرف بالفهم أو باللاهوت العظيم فقط ولذلك نقول في التقويم الآباء القديسون الذين اجتمعوا في نيقية أو في القسطنطينيّة. قداسة المجتمعين هي التي تضمن صحة الرأي اذ ليس من فاصل بين الرأي ونقاوة السيرة.


• • •


هؤلاء الذين نتّكل على طهارتهم مدعوون الى انتخاب في الخدمة عند شغور إحدى الأبرشيات بالوفاة. في بعض الكنائس كما في روسيا مثلاً يشترك الكهنة والعامّة في الانتخاب المباشر. في كنائس أخرى هيئات ترشيحيّة مؤلفة من كهنة وعلمانيين تقوم بعمل الترشيح اي انها تقدّم للمجمع المقدس لائحة من الأسماء يختار منها المجمع واحدا. في بلادنا الهيئة المرشحة هي مؤتمر الأبرشية، واذا كان لم يتشكل يقوم المجمع في مرحلة أولى هو نفسه بالترشيح ثم ينتخب متقيّدا بالترشيح. هناك طبعا شروط ينبغي أن تتوافر في المرشّح أهمها حياته الروحية وأخلاقه ثم تحصيله اللاهوتي العالي ثم شرط السن وتدرّج في الخدمة.


غير أن كل هذه الشروط اذا توافرت هي اقتراب من المثال وليست ضمانة. تختار مثلا شخصًا يبدو لك وديعا عفيفا، وممارسة السلطة قد تفسده ويأتيك متسلطاً. واذا رأيت الى تحصيله اللاهوتي الجامعي قد تظن أنه يعرف، ويتبيّن بعد ذلك انه ضعيف في ممارسة العقل اللاهوتي. ان الصفات الحسنة المتوافرة في كاهن قد لا تكفي لمعرفة أهليته للأسقفيّة. وقد تظهر فيه حسنات جديدة بسبب من مراسه الجديد ولا بد ان يختلف أعضاء المجمع المقدس عند اختيارهم. فهذا يركز على القدرة اللاهوتية في المرشح، وذلك على مواهبه الرعائية ولو كان ذلك على حساب المعرفة. والآخر يشدد على الإداريات عنده. ما الإداريات؟


ينبغي الا نتعجب من اختلاف المعايير عند السادة الأجلاء. فهذا يجذبه ذكاء المرشح وعلمه، وذاك يهتم بخبرته. ولكون القضية تتوقف على تقدير الأفراد يتعذّر الإجماع المنشود أصلاً. غير أن ما يحررك نسبياً من التردد أن تطلب في من تدعوه الى رئاسة الكهنوت محبة للرب متينة وعميقة ويضاف اليها العلم لكون ما يُطلب في الرجل معرفة شؤون الإيمان معرفة دقيقة التماساً للوعظ والتعليم. أما ما يسمّى عندنا التدبير بما للكنيسة من ملك ورزق ومال فقد رأت الكنيسة الأولى ان يعيّن الأسقف المنتخب مدبّراً مطلعا على هذه الأمور، فالإنسان المثقّف لاهوتياً ليس عنده بالضرورة إلمام بشؤون الدنيا. وأما الملمّ بها بخاصة وليس عنده العلم بالله وبكلمته فلا يقدر أن يرتجل الكلمة ارتجالاً. لذلك يمكن ان تتضافر النيات الحسنة والآراء الثاقبة حول اختيار رجل ممتلئ بحكمة الله ويعطى بقية الحكمة زيادة فيما يختبر الناس والزمان وفيما هو يتكل على الحكماء والأتقياء في رعيته.


المشكلة الكبرى ان إنجيل يسوع المسيح مسلّم الى أناس محاطين بالضعف بضرورة طبعهم البشري وكبار القامات الروحية قلة عزيزة. لكن الكنيسة في الدنيا لم تبلغ الملكوت ونحن نعرف كما قال الرسول أن "لنا هذا الكنز في آنية خزفيّة". أن تحفظ الوديعة سالمة حتى مجيء الرب يتطلّب سهرا طويلا واحتمال مشقّات في التعزيات التي تنزل عليك من فوق.


المطران جورج خضر

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 القدّيسون في الكنيسة الأرثوذكسية

مقابلة مع كلود لوبيز-جينيستي 


 

 إيقونسطاس كنيسة البروتاتون في كارييس - جبل آثوس

 

من يدخل إلى الكنيسة الأرثوذكسية يجد نفسه محاطاً بإيقوناتٍ للرب يسوع ولعدد من القدّيسين. تكريم القدّيسين حيّ في العالم الأرثوذكسي. هناك عدد من هؤلاء القدّيسين مشترك مع الكنيسة الكاثوليكية (القدّيسون الذين يعودون إلى ما قبل الإنقسام في القرن 11)؛ زاد عليهم عدد كبير منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا- بخاصة الشهداء الجدد الذين يعودون إلى الكنيسة الروسية في حقبة الإضطهاد الشيوعي.

كلود لوبيز-جنيستي (Claude Lopez-Ginisty) هو أرثوذكسي علماني يعيش في سويسرا، أصدر كتاباً ليس له معادل في اللغة الفرنسية هو "عون القدّيسين" - قاموس الشفاعات

الأرثوذكسية –Le Secours des Saints. Dictionnaire des intercessions orthodoxes. في الحقيقة، منذ القرون الأولى للمسيحية والمؤمنون يلتجئون لا فقط إلى الرب يسوع بل إلى القدّيسين ليطلبوا العون الروحي والجسدي وحتى المادي منهم.

في مقدّمته، يذكر الكاتب كيف أُوحي إليه كتابة هذا المؤلَّف، فهو منذ سنين طويلة يجمع المعلومات التي عرضها في كتابه. يقول أيضاً إنه بحسب التقليد الأرثوذكسي لا تعارض ولا منافسة ولا تناقض بين شفاعة القدّيسين في الأمراض الجسدية والالتجاء إلى الطب. كما يوضح أن عدداً من القدّيسين لهم طريقتهم بالتعاون مع الأطباء خاصة في الحالات التي تبدو مستعصية.
المقابلة:
سؤال: إذا كان الناس بعامة يألفون عملية تطويب القدّيسين في الكنيسة الكاثوليكية، بسبب الحملات الإعلامية، في بعض الحالات، فغير الأرثوذكسيين يجهلون الطريقة المتبعة لإعلان قدّاسة
القدّيس في الكنيسة الأرثوذكسية. كيف تعلَن القدّاسة في الكنيسة الأرثوذكسية؟ هل هناك دعوى لإثبات القدّاسة؟ وما هي الشروط الموجبة؟
جواب: في الكنيسة الأرثوذكسية لا سعي لإثبات القدّاسة كما هي الحال في الغرب. التكريم يأتي أولاً من شعب الله، أي المؤمنين. كل ما تفعله الكنيسة هو الإعتراف بالحاصل وإعطاء صفة
رسمية لممارسة قائمة. والمستشهِدون في سبيل الإيمان، يأتي تكريمهم مباشرة بعد الشهادة.

القدّيسون روفائيل وإيريني ونيقولاوس - يعيّد لهم في 9 نيسان

أحياناً، يكون القدّيس معروفاً في حياته أنه صانع عجائب مثلاً فتستمرّ شفاعته بعد ولادته في السماء. هكذا كانت قدّاسة القدّيس سيرافيم ساروفسكي ظاهرة في حياته بحيث أوصى راهباته بأن يخاطبنه على "أنه حي" عندما يغادر الحياة الأرضية. في أحيان أخرى يكون القدّيس معروفاً فقط من الله فيُظهر نفسه للأحياء. ففي الستينات ظهر شهداء مجهولون من الكنيسة -روفائيل، إيريني ونيقولاوس- لعدد من سكان لسبوس في اليونان. وأمام تلكّؤ هؤلاء السكان، أخذ الشهداء يظهرون لعدد أكبر من الناس، إلى أن تمّ البحث عن رفاتهم والعثور عليها. هؤلاء الشهداء ظهروا حتى لراسم الإيقونات فوتيوس كونتوغلو ليتمكّن من التعرّف إلى ملامحهم ورسْم إيقونتهم. وقد حصلت معجزات كثيرة بشفاعة "الظاهرين الجدد" كما يسّميهم اليونانيون.

وغالباً ما يُعرف القدّيسون محليّاً من خلال مساعدتهم الروحية وأحياناً المادية وتالياً من حماسة الشعب الممتن لهم. ثم إن شهرتهم المتزايدة والتي تتجاوز مكان تكريمهم، تدفع الأسقف إلى إعطاء صفة رسمية لهذا التكريم. وفي بعض الحالات ينتقل هذا التكريم من الأبرشية إلى البلد ومنه إلى العالم أجمع. عندما تجعل الكنيسة هذا التكريم رسمياً، تقام خدمة لتمجيد القدّيس. تُعدّ عندها للقدّيس خدمة ليتورجية وتدخل هذه الخدمة في كتاب الميناون الذي هو الكتاب الرسمي للخدم الكنسية.
 
سؤال: هل يميّز الأرثوذكسيون بين "مطوّب" و"قدّيس"، وعليه هل هناك مراحل لإعلان القدّاسة؟

جواب: لا يوجد مراحل للقدّاسة. هناك تكريم محلّي يتوسّع ويجعل القدّيس معروفاً ومكرّماً في كل الكنائس الأرثوذكسية ولكن لا يوجد تدرّج. التسميات والكلمات المستعملة للقدّيسين في اللغة اليونانية والروسية مثلاً، تشير إلى نمط القدّاسة وليس إلى مرتبته في الكنيسة أو إلى مرحلة من المراحل نحو القدّاسة الكاملة. فكلمة

"Aghios" في اللغة اليونانية تستعمل لكلّ القدّيسين، ولكن في بعض الأحيان تستعمل كلمة "Osios" للتشديد على أن القدّيس كان راهباً أو متوحداً. كلمة

"Blajeniy" المستعملة في اللغة الروسية تعني المطوّب، ولكن لا علاقة لها بمرحلة من المراحل في إعلان القدّاسة، بل تشير بكل بساطة إلى صفة القدّيس "المتباله من أجل المسيح".
 
سؤال: هل يوجد أنماط قدّاسة خاصة بالروحانية الأرثوذكسية؟

جواب: يبدو أن "التباله من أجل المسيح" خاصية أرثوذكسية. الـ"يوروديفي" (Yourodiviy) في اللغة الروسية أو "سلوي" في اللغة اليونانية هو نمط قدّاسة خاص بالكنيسة الأرثوذكسية. تخلّي هذا النوع من القدّيسين عن هذا العالم هو تخلٍ جذريٍ. المتبالهون من أجل المسيح يتخلّون عن كل شيء، وتخلّيهم كبير لدرجة أنهم يدّعون الجنون ويٍُبدون ازدراء بالمظاهر واللياقات، وهم لا يهتمون بشيء إلا بملكوت الله. عزلتهم عن المنطق البشري و"جنونهم" ليس سوى تسبيح متواصل لله. يَظهرون بسيطي العقل، ولكن لهم بصيرة أقوى من حكماء العالم، وتحت قناع الجنون المؤلم، يفضحون عيوب المجتمع الذي يعيشون فيه، وفي بعض الأحيان يستردّون المتسلطين إلى الصواب. هناك قول للقدّيس بولس يصف فيه هذا النوع من النسك:"لا يخدعنَّ أحد نفسه. إن كان أحد يظنُّ أنّه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيماً" (1 كور 18:3). لكنَّ التباله من أجل المسيح صليب ثقيل ولا يتّخذه إلا الأقوياء في الروح.
 
 إيقونة القدّيس يوحنا مكسيموفيتش- يعيّد له في 2 تموز
رفات القدّيس يوحنا مكسيموفيتش الغير المنحلّة

في القرن العشرين، أحد هؤلاء المتبالهين من أجل المسيح عاش بيننا في أوروبا وفي باريس بالأخص: رئيس الأساقفة يوحنا مكسيموفيتش (Saint John Maximovitch). غالباً ما كنت تراه وشعره كث. كان يثير استنكار الكهنة عندما يصل إلى الكنيسة عاري القدمَين إذ أعطى حذاءه لمن هو بحاجة له. كان الأطفال يحبّونه كثيراً. أما الكاثوليك فكانوا يتّخذونه مثالاً ويدعونه: القدّيس يوحنا حافي القدمين! لم يكن ينام سوى ساعات قليلة على مقعد. ويصلّى لألاف الأشخاص كل يوم. عندما رقد، قال أحدُ أبنائه الروحيين إنه لن يجد شخصاً ليحلّ محلّه إذ كان يتصل به القدّيس يوحنا في نصف الليل ليقول له أن يكفّ عن الدعاء لأن الله استجاب لصلاته! جسده الغير المنحلّ موضوع في كاتدرائية روسية في سان فرانسيسكو. ولقد صنع معجزات في كل القارّات.

نوع ثان من القدّاسة خاص بالكنيسة الأرثوذكسية هو ما نسميه بالروسية ستراستوتيربيتس (Strastoterpiets) التي يترجمها بيار باسكال بشغف الآلام أي من كابد الآلام من دون مقاومة. القدّيسان الروسيان بوريس وغلب (يُعيّد لهما في 24 تموز) هما مثال لهؤلاء القدّيسين: فلقد تركا أخاهما سْفياتوبولك يقتلهما من دون أن يدافعا عن نفسيهما. وهما على غرار الخروف الذي سيق إلى الذبح، صورة مسيحانية.
 
سؤال: تكريم الأشخاص المعتبرين قدّيسين، استثنائيين، موجود في عدد من التقاليد، وليس فقط في المسيحية. غير أنّ بعض المؤمنين ينظرون إلى هذا التكريم بحذر ويشبّهونه بالتعاطي
بالخرافات، ربما لأن الذي يصلّي إلى قدّيس ينتظر منه شيئاً بالمقابل. كيف يفسّر التقليد الأرثوذكسي هذه الممارسة؟

جواب: في الماضي، لم تكن اللغة الفرنسية تتكلّم على الموت عندما يترك أحدهم الحياة الأرضية، بل على الولادة، أي الولادة في السماء. الكثير من الناس فَقَد هذه النظرة في عصرنا عصر الـ"No God’s Land"، أي الأرض التي من دون الله. الموت هو الباب إلى الحياة الأبدية، وليس هو النهاية، بل هو البداية. الـ"موتى" لا ينامون كما يذعم بعض التقاليد، بل يعيشون في مكان آخر (وإلا كيف يكون الرب يسوع قد التقى بالنبيَين موسى وإيليا على جبل ثابور؟ ولماذا المسيحيون الأوائل كانوا يعتمدون لموتهم؟). رباطات الحب والصداقة المنسوجة على الأرض تتجاوز تجربة الموت وتتثبَّت. الصلاة ليست في زمن، هي في الأبدية. عندما نصلي، لا نعود في هذا العالم محدودين بالجسد والأمور المحسوسة. وبالأَولى من كانوا يعيشون حياة تقية على هذه الأرض يواصلونها في السماء. القدّيسون الذين عاشوا على الأرض في روح الملكوت يكونون، بطبيعة الحال، ميّالين وراغبين في استكمال مهمتهم بعد ولادتهم في السماء.

 

القدّيس أفرام (يُعيّد له في 5 أيار)
لوحظت شفاعة القدّيسين منذ مطلع القرن الثاني. فبعد استشهاد القدّيس اغناطيوس المتوشح بالله، عاد الذين شهدوا استشهاده إلى بيوتهم. وقد رآه عدد منهم في نومه، فبارك عليهم وسمعوه
يصلّي من أجلهم. شفاعة القدّيسين هي حقيقة. في التسعينات من القرن العشرين، في الولايات المتحدة الأميركية، كان هناك شاب يتعاطى المخدرات يحتضر بسبب جرعة مميتة تناولها. على طاولته  بجانب السرير كان يوجد كتاب الإنجيل. تناول الشاب الكتاب وناجى ربّه بصرخة يأس كبيرة، فظهر له شخص بحلّة سوداء ولحية طويلة. تكلّم معه هذا الرجل مطوّلاً وطمأنه وهدأه. لم يعرف الشاب سوى أن اسم هذا الشخص هو أفرام. وقد نجا الشاب من الموت وأخذ يبحث عن هذا الزائر السرّي الذي انتشله من الظلمات. فاستبان له أن القدّيس أفرام الظاهر حدّيثاً هو إياه الراهب الذي أتى لتعزيته. اهتدى الشاب وصار أرثوذكسياً. يُذكر أنّ القدّيس أفرام هو راهب شهيد من العام 1425 أظهر نفسه عام 1950 لراهبة وكشف لها من هو وأين استشهد. يستريح جسده في نيا ماكري في أتيكا.

هناك أمثلة عديدة من هذا النوع تُظهر أنّ القدّيسين أحياء وهم يهتمّون بحياتنا، ويرأفون بنا. يحسن القول هنا أننا لا نعبد القدّيسين ولا نصلي لهم، بل نطلب صلاتهم  وشفاعتهم، وثمة فرق بين الأمرين. الكنيسة لا تعرف حواجز الزمان ولا المكان لأنها تقطُُن في الأزلية. نستطيع أن نطلب المساعدة الروحية من أشخاص يعيشون في أبدية هذه الكنيسة، مثلما نطلب، أحياناً، المساعدة المادية أو الروحية من المقربين منا على هذه الأرض. القدّيسون هم مقرّبون من الله، هم أصفياء المسيح، وأصدقاؤنا، بصداقة مثمرة بما لا يقاس لأنها في الله. ونحن لا نجعل منهم آلهة: القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث يقول إننا نضع مصابيح لإنارة إيقونات القدّيسين للإشارة أنه من دون النور الذي هو المسيح، ليس القدّيسون بشيء. فقط نور المسيح الذي يضيئهم يجعلهم أحياء ونيِّرين! "نحن نعيش سوية معهم (أي القدّيسين) في بيت الله السماوي، ولكن في أماكن مختلفة. نعيش على الأرض، وهم في المكان السماوي، ولكننا نتحدث معهم وهم معنا" (القدّيس يوحنا كرونشدات).
 
سؤال: ما هي الأسباب التي تجعلنا نربط بين شفاعة قدّيس محدّد وعزاء في مشكلة معيّنة؟ هل نستطيع أن نفترض أن هذا بعامة مرتبط بظروف أو خبرات من حياة هذا القدّيس...؟
جواب: يصعب الإجابة بطريقة جازمة على هذا السؤال. في بعض الأحيان يكون شيء ما في حياة القدّيس أو طريقة استشهاده هو الذي يحدد شفاعته، ولكننا لا نستدعي في حالات آلام
الرأس كلّ الذين قطعت رؤوسهم. أحياناً هناك صلة بين معنى اسم القدّيس والشفاعة المختصّة به، لكن معنى الاسم لا يفترض نوع الشفاعة بالضرورة... القدّيس فلاسيوس الذي من سباسطيا، مثلاً، يستدعيه الناس، في التقليد، لأمراض الحنجرة، أما في ألمانيا فمعنى اسمه قريب من كلمة معناها "مبولة"، فيستدعيه الناس هناك من أجل الأمراض التي تخص الجهاز البولي. وفي التقليد الشعبي السلافي، يستدعون النبي ناحوم ليُنَبِّه الروح...لأن كلمة ناحوم (Na oum) تعني روحاً في هذه اللغات.

 

القدّيسة براسكيفي (يُعيّد لها في 26 تموز) وهي معروفة بشفاعتها لمرضى العيون

في معظم الشفاعات المرجّح أنّ أحدهم قام بطلب مساعدة قدّيس لمشكلة معيّنة، وعندما استجيبت طلبته، ذاع الخبر، وشيئاً فشيئاً، أصبح القدّيس "متخصصاً"!!! ولكنّ رحمة الله كبيرة والصلة التي نقيمها مع القدّيسين ليست سطحية أو عقلانية، بل هي علاقة حقانية. صداقة القدّيسين قوية ووفية ومعاشرتهم تعلّمنا أنه يمكننا أن نطلب شفاعتهم من أجل كل آلامنا...عرف القدّيسون على الأرض أنّ المسيح حاضرٌ في كل واحد من إخوتهم، أحبوهم بالحب الذي أظهره لهم المسيح. وهم، قرب المسيح، يشهدون أيضاً لحبهم له ويكمّلون عملهم الذي هو على الأرض. "كل الآباء الذين رقدوا قبلنا يسندوننا بصلاتهم. همّهم خلاص الإنسان ويساعدوننا بشفاعتهم لدى الله" (أوريجنس).

هم يتشفعون بما أضفى عليهم التقليد من صبغة معيّنة، ولكنهم يستجيبون لكلّ طلباتنا، مهما كانت: هم أمام عرش الله، ومن خلالهم، يستجيب لنا الله بالتأكيد ودائماً.
في الواقع، نحن نفتكر بالأمراض المختلفة عندما نتكلّم على شفاعة القدّيسين، لكنّ المسيحيين الأرثوذكسيين يقيمون صداقات خاصة روحية خارج إطار المرض أو طلبات محدّدة. هناك
قدّيسون نكرمهم بكل بساطة لحضورهم الروحي وعونهم لنا بصلاة صغيرة، قدّيسون تكون شفاعتهم رقيقة وثمينة. فنحن نصلّي في بعض الأحيان لا لنطلب شيئاً ما، بل لنكون معهم في فسحة لحظة أبدية، لنذوق الإتحاد الروحي النقي. هذه اللقاءات التي تحصل في الصلاة هي مفارق الأبدية، هي عربون الحياة المستقبلة التي نتوق إليها من كلّ قلبنا.
 
سؤال: هل لك أن تعطي لائحة صغيرة بالقدّيسين الذين يتشفعون بكافة المصابين بالأمراض؟

القدّيس بندلايمون (يُعيّد له في 27 تموز) وحوله القدّيسون العاديمو الفضة
جواب: هذه لائحة القدّيسين العادمي الفضة. هؤلاء القدّيسون كانوا أطباء يطببون الناس من دون مقابل. لائحتهم مأخوذة من إيقونة يونانية شعبية. الأكثر شهرة بينهم القدّيس بندلايمون
(بندلايمون الذي من الشرق) والقدّيسان قزما وديميانوس. في هذه اللائحة يوجد أيضاً القدّيس أوبريبيوس (المعروف بأفتروبيوس- كما يسميه الأب القدّيس يوستينوس بوبوفيتش في كتابه عن

حياة القدّيسين) وهو لم يكن قدّيساً عادم الفضة ولكنه تكبّد شهادتهم. العادمو الفضة كان لهم في الغرب مكانة القدّيسين الشافين في الشرق. من جهة أخرى بعضهم ينتمي لكلا الفئتَين.
 
سؤال: هل أثار فضولك أو ارتباكك بعضُ الحالات التي صادفتها؟
جواب: عندما كتبت أوّل نسخة من كتابي باللغة الإنكليزية، قرأت السنكسارات، ومجموعة كبيرة من حياة القدّيسين من كل الحقبات التاريخية ومن كل البلدان التي توصلت إليها، وحصلت
على مساعدة رئيس دير في اليونان اسمه دوروثيوس من أندروس وأصدقاء من روسيا عملوا على مساعدتي في أبحاثي عن القدّيسين السلافيين. إنما الذي روّعني بالفعل هو بعض الكتب الحديثة الصادرة في فرنسا. لن أذكرها. هذه الكتيّبات دوّنت بسرعة، هدفها تغطية كلّ الطلبات الممكنة للـ"زبائن المحتملين". نجد فيها إلى جانب تدخلات أصيلة لقدّيسين، حماقات مخيفة فيها الكثير من الذوق الرديء والتجديف. لا يجوز التلاعب بالأمور المقدّسة. في الأبحاث التي أجريتها، لم أصادف أي أمر مستغرب. لقد كنت محظوظاً عندما اهتديت إلى الأرثوذكسية منذ حوالي 35 عاماً حين استقبلوني في الكنيسة، في دير القدّيس نيقولاوس الدلماري في جنوب فرنسا. لم أكن قد حصلت على أي ثقافة دينية من قبل، لهذا كانت نظرتي جديدة في شأن الإيمان والقدّيسين. في قاعة إستقبال الكنيسة الصغيرة كان يوجد فسيفساء للقدّيس يوحنا ماكسيموفيتش رئيس الإساقفة الذي جسده الغير المنحل موضوع في سان فرانسيسكو. هذا هو أول قدّيس التقيته بالفعل و"درسته". وقد تعرفت على أناس عرفوه. رئيس الدير الذي عرّفني على الأرثوذكسية سيم على يده. في وقت لاحق إلتقيت عدداً من الأشخاص الذين عرفوه. عندما قرأت سيرة حياته والمعجزات التي أجراها، تحمست، بشكل من الأشكال، لمطالعة سير قدّيسين أُخر. إذا كان القدّيس يوحنا قد أجرى أموراً عجيبة ومذهلة، وإذا كانت السير التي قرأتها قد نقلتها الكنيسة، فإنه يمكنني أن أكون على ثقة...لقد عاينت ظهورات محسوسة لقدّيسين أثناء إقامتي في اليونان، هذا جعلني أنظر بترحيب إلى كل الظهورات الروحية ورغم ذلك أحتفظ بتمييزي في ما يخص الأشياء المصطنعة والمعجزات الكاذبة والإسراف والمبالغات وأتفاداها. وفي بعض الحالات يصعب التفسير...

 

القدّيس ميناس المصري (يُعيّد له في 11 تشرين الثاني)


 

لأصلَ إلى ما أثار حيرتي، أنه بالضبط أعجوبة شفاعة القدّيسين...هناك قدّيس شفاعته لي كانت ظاهرة بشكل خاص وهو القدّيس ميناس. كنت في دير القدّيس يوحنا المعمدان في ملدون في إنكليترا عندما سمعت عنه. كنت قد أضعت غرضاً ما وأفتش عليه بجِدّ...راهب في الدير قال لي أن أطلب شفاعة القدّيس ميناس، وأضاف أن الأب صفروني هو الذي لقّنه أن يلتجئ إليه...ولقد وجدت في كل مرة أستنجد بهذا القدّيس أن طلبتي قد استجيبت بشكل عجيب ولا يفسّر. عندما أستنجد به، أكرّم إيقونته، وأطلب مساعدته وبعدها أنسى كل شيء وأقوم بعمل آخر. فجأة أتوقف عن عملي الذي باشرته، وأتوجه إلى مكان ما كأنّ أحدهم يقودني بشكل خفي لأجد ما كنت قد فقدته أحياناً في أماكن لا يمكن تصديقها وأحياناً أخرى في مكان أكون قد فتشته بكل تدقيق مرات عديدة. حضور هذا القدّيس محسوس.
 
سؤال: هل كل القدّيسين الشفعاء هم قدّيسون قدماء، أم يوجد شفاعات جديدة لقدّيسين جدد؟

 

القدّيس نكتاريوس (يُعيّد له في 9 تشرين الثاني)
جواب: من الجليّ أنّ القدّيسين القدماء هم الأكثر عدداً ولكن يوجد قدّيسون جدد نطلب شفاعاتهم لأمراض جديدة. القدّيس نكتاريوس الذي من أيينا، هو قدّيس من القرن العشرين، يطلب الناس
شفاعته لمرض السرطان، وهو مرض هذا العصر، كحال الحمى (التي كانت تشمل أمراض كثيرة لم يكن العلم قد عرّف عنها بعد) في العصور الوسطى. في لائحة الشفاعات التي ذكرتها في كتابي، يوجد هذا القدّيس في لائحة الأمراض المستعصية. هناك شهيد روسي جديد، القدّيس ميخائيل الكييفي، تُطلب شفاعته في أمراض العين. وسيكون هناك شفاعات جديدة ستظهر لنا في المستقبل لقدّيسين وحده الله يعلم أمرهم الآن.
 
سؤال: قراءة كتابك تدفع المرء إلى التساءل على العلاقة القائمة بين المسيحية والصحة، الإيمان والشفاء. قدّيسون يتمتعون بتقنيات في مقدمة ما يعرفه الطب... هذا يصعب تصديقه للإنسان
المعاصر! في نظر الكنيسة الأرثوذكسية والقدّيسين، هل كل الممارسات العلاجية مشروعة، أم هل يوجد تعارض أو حدود في بعض الحالات؟
جواب: لقد أسّس القدّيسون المستشفيات كما ذكرت في مقدمة كتابي. القدّيس نكتاريوس الذي من أيينا، المذكور آنفاً، كان صانع معجزات قوي، رغم ذلك كان يرسل راهباته إلى الطبيب ولم
يكن يستعمل علاجاته الروحية إلا عندما يكون الطب عاجزاً. ليس سخيفاً أن يعمل طب الله وطب الأنسان معاً. صديقٌ راهب لي في اليونان أخبرني أن جدّته كانت في المستشفى تتحضّر لتَخضع لعملية جراحية في عينيها. عشية العملية، أتى الطبيب لزيارتها وكان يكلّم زميلاً له قائلاً له إنه لا يعرف تماماً كيف يقوم بهذه العملية الدقيقة. في الليلة عينها ظهر لها القدّيسان قوزما وديميانوس ومعهما علبة المراهم المرسومة في إيقونتهما وأرشداها إلى كيفية المباشرة بالعملية بوضوح. في الصباح، نقلت الجدة الرؤية للطبيب. كان هذا الأخير رجلاً تقياً فسمع بانتباه واتبع نصائح زميليه الماقتَي الفضة فنجحت العملية.
أما في ما يخص حدود الكنيسة في مجال الطب، لست أخصائياً في المبادئ التي تطال هذا المضمار. الإنسان المعاصر يبحث عن الخلود ولا يبحث عن الحياة الأبدية لأنه لا يؤمن بالقيامة.
لذلك يلتجئ إلى العلم والطب منتظراً منهما الحل بأي ثمن للحصول على الخلود أو الموت السريع ومن دون ألم.

 

القدّيس لوقا (يٌعيّد له في 11 حزيران)

البحث الطبي ليس ممنوعاً، ولكن هل كل بحث مرغوب به؟ الأسقف لوقا كان جرّاحاً أعلنت قداسته البطريركية الروسية حديثاً وعاش في القرن الماضي، هو كان أول جرّاح في العالم يمارس عملية الزرع. ولكن يجب أن يكون هناك حدود للمسيحيين الذين يؤمنون أني "عليك استندت من الحشا، من بطن أمي أنت مجيري" كما يقول كتاب المزامير؛ والله هو الذي يقرّر رجوعنا إليه. الأب ستانلي هاراكاس في كتابه عن مبادئ الأخلاق المسيحية الأرثوذكسية (Orthodox Christian Ethics) يطرح أسئلة تبدو لي أساسية: ما هو الطب الأفضل لشعب يرفض الموت؟ ربما طب يقتل. طبيب يساعد مرضاه على الموت، ألا يكون في الطب مثل المعرّف الذي يخون سر الإعتراف في الكنيسة؟

في حالات الزرع، أعرف أن القدّيسين يستطيعون أن يكونوا مفيدين...أحد معارفي المقرّبين كانت عنده عملية زرع بسيطة تُمارس منذ عقود. هذه العملية كانت تُسبَّب له نخساً مؤلم لضميره. وقد ذكر تردُّده أمام رئيس دير، فأخبره هذا الأخير عن عجيبة قام بها القدّيسان قوزما وديميانوس الروميّان. في القصة، أن القدّيسَين ظهرا وأوصيا أن يُزرَع عضو لشخص متوفٍ لشخص بحاجة ماسة له. عندها فقط تقبّل صديقي العملية بشكل هادئ ونشأت علاقة روحية بين المعطي المجهول والذي تلّقى الزرع إذ إن هذا الأخير يصلّي له منذ العملية.
 
المرجع:
Relioscope (2007), Christianisme: Les Saints dans la vie de l’Église orthodoxe – Entretien avec Claude Lopez-Ginisty
http://religion.info/french/entretiens/article_316.shtml
 
عن صفحة الثالوث القدّوس – دوما:
http://www.holytrinityfamily.org/Studies_articles/Orthodox%20Saints.html

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

تاريخ هامة السابق الموجودة
في كنيسة أميان في فرنسا


 

يوجد، اليوم، في كاتدرائية أميان جزء من هامة السابق: الجهة الأمامية من الجمجمة دون عظام الفك السفلي. هذه أتى بها من القسطنطينية "والّون دي سارتون"

(Wallon de Sarton) في 17 كانون الأول 1206 إبان الحملة الصليبية الرابعة وسيطرتها على العاصمة البيزنطية. "ريشار دي جيربيروي" يروي، نقلاً عن والّون، أنه عندما كان هذا الأخير كاهناً على كنيسة سانت مارتان في بيكينيي، شارك في الحملة الصليبية. وعلى غرار كل الإكليريكيين الذين شاركوا في الحملة، كان يتوق إلى جمع الغنائم من ذخائر القدّيسين. في السيرة، أنه لدى سطوهم على المدينة، جمع والّون عدداً من الذخائر ووضعها في الجعبة المشتركة للحملة. ثم سرعان ما خاب ظنّه عندما استدرك أنه لن يحصل على أيّ منها. وفي وقت لاحق، ضُمّ والّون، إلى مجموعة من الكهنة في كنيسة دير القدّيس جاورجيوس المانغانا. هناك وجد، صدفة، مخبأً متصلاً بقصرٍ قديمٍ مهجور. في أحد توابع هذا القصر اكتشف، في المرة الأولى، عدداً من الذخائر. وإثر تفتيش ثان، في اليوم التالي، وجد

 

 

رسم دي بيرسك نقلاً عن الرصيعة التي كانت ملتصقة بالصحيفة التي تغلّف هامة السابق

 

"طبقَين كبيرين مستديرين من الفضة مزوّدين بغطاء". وإذ كان على عجلة من أمره لم يجرء على فتحهما. كان والّون قد تعلّم من خبرته السابقة المؤلمة لذا أبقى سراً اكتشافه الجديد لكي لا يضطرّ إلى وضعه في الحصة المشتركة: خبأ والّون الطبقين في زاوية من زاويا القصر المهجور خلال النهار، ثم حملهما في الليلة التالية

 

إلى غرفته حيث أخذ يتفحّص محتوى صندوقَي الذخيرة الكبيرين. كلّ منهما كان يحتوي على رأسٍ مزوّدٍ بنقشٍ باللغة اليونانية لم يستطع قراءته. إلا أنه بعد البحث والمقاربة مع الرسومات الحائطية استنتج، بكثير من الحماس، أنهما هامتا القدّيس جاورجيوس والقدّيس يوحنا المعمدان. بالنسبة لوالّون لم يعد هنالك أي داع لبقائه في القسطنطينية. تخلّص من الطبقين الفضيين اللذَين قطّعهما قبل بيعهما ليجني بثمنهما تكاليف رحلة العودة ولكي يتفادى الكشف عن غنيمته الثمينة.  في رحلة العودة وضع والّون الهامتين في كيس من الجلد علّقه تحت إبطه. على هذا النحو عاد إلى بيكاردي. في طريقه إلى هناك توقف في ماريسمونتيي حيث وضع هامة القدّيس جاورجيوس، أما يد وإصبع القدّيس فسلّمهما إلى كنيستي بيكينيي وسارتون. وفي نهاية الطريق توقف في أميان حيث وضع في كاتدرائيتها الذخيرة الأهم التي للقدّيس يوحنا المعمدان.

 وجه السابق الموجود في كنيسة أميان مجرّداً من الطبق وإن كان والّون قد تخلّص من الطبق الكبير الذي كان يحوي هامة السابق إلا أنه استبقى صفيحةً من الذهب، تغلّف الهامة جزئياً، وعليها رصيعة من المينا المفصّل على الذهب تصوّر القدّيس يوحنا المعمدان بجزئه العلوي، يباركه الرب يسوع المسيح، وقد كُتب بقرب كلٍّ منهما اسمه باللغة اليونانية.

وجه السابق الموجود في كنيسة أميان مجرّداً من الطبق

 

الصفيحة الذهبية والرصيعة هما جزء من التقليد البيزنطي المتّبع أولاً للحفاظ على الذخيرة وثانياً للتعرّف عليها ونجدهما على عدد من الذخائر المحتفظ بها إلى اليوم. لقد استبقى والّون الصفيحة البيزنطية لأنها دليل أصالة الذخيرة ومصدرها. وبمرور الوقت، اختفت الرصيعة إلا أن وجودها في ذلك الحين يشير إلى أنّ صنعها يعود إلى منتصف القرن 11. ولقد نقل الباحث كلود-نيقولا فابري دي بيرسك (Claude-Nicolas Fabri de Peiresc) رسماً تخطيطياً للرصيعة. المزايا الفنية للرسم هي دون الوسط ولكنّها حافظت على ما كان قد نُقش عليها، وهذا كافٍ من الجهة التاريخية للتعرّف على ذخيرة أميان.

 

رسم "دو كانج" للهامة والطبق من العام 1665


 رسم دي بيرسك نقلاً عن الرصيعة التي كانت ملتصقة بالصحيفة التي تغلّف هامة السابق منذ العام 1876، يُحتفظ بالذخيرة في وعاء من الفضة المذهبة من عمل الصائغ الباريسي بلاسيد بوسيلغ-روساند (Placide Poussielgue-Russand)، وهو من  المتحمّسين 
لفن القرون الوسطى إلى  جانب  أوجين  فيولي  لو  دوق  (Eugène Viollet-le-Duc) الذي كان شريكه في الزخرفات والأثاث الليتورجي. علبة الذخائر التي تعود إلى العام 1876، هي طبق مع غطاء. في داخلها القسم الأمامي من هامة السابق دون الفك السفلي، وهو محصور بقالب من البلّور الصخري مزوّداً ببُرْوَز. هذا الطبق خَلْفَ طَبَقٍ أقدم من العام 1820 أقلّ

قيمة منه. قبل ذلك الحين كانت الذخيرة موضوعة ضمن قالب البلّور في طبق من القصدير صُنع بعد الثورة الفرنسية. فقط الذخيرة وقالب البلّور استطاعا اجتياز الثورة ما بين العامين 1793 و1795 وذلك بفضل لويس-ألكسندر لوسكوفي (Louis-Alexandre Lescouvé). هذا الأخير كان في زمانه صانعاً للشعر المستعار، وشغل منصب مختار أميان ورئيس الدائرة الثورية في منطقته. وقد استطاع إنقاذ عدد من الذخائر التي كانت من كنوز كاتدرائية أميان كما تشهد وثيقة بخط يده وجدت تحت هامة السابق عام 1875.


 رسم "دو كانج" للهامة والطبق من العام 1665 أما الطبق الجديد الذي صنع عام 1876، فكان صورة عن الطبق الأساسي الذي كان يحوي الذخيرة قبل الثورة. وقد نقله "دو كانج" (De Cange) في كتابه عن "تاريخ هامة
القدّيس يوحنا المعمدان" الصادر عام 1665. هذا الطبق كان مصنوعاً من الذهب الخالص قطره حوالي 30 سنتمراً. جوانبه مرصّعة باللآلئ والحجارة الكريمة. وعليه عملة فضيّة عليها ثلاث زنابق علامة السلاح الملكي الفرنسي. هذا الطبق كان مزَّوداًُ بغطاء ذهبي فيه فتحة صغيرة لتقبيل الرفات. ليس معروفاً من قدّم هذا الطبق إلا أنه بحسب رسم "دو كانج" يغلب الظن أنه يعود إلى القرن 15 كما تُبيّن لنا الزخرفات على حرف الطبق، ولكن بعد العام 1419، لأنّه في جردة كنوز كنيسة أميان لهذه السنة مذكور أنّ الذخيرة موضوعة في وعاء من الفضة وليس من الذهب.

 

الطبق الحالي للهامة في كنيسة أميان ويعود إلى العام 1876

 

قد يكون هذا الطبق الذهبي تقدمة الملك شارل السادس الذي تزوّج في كاتدرائية أميان من إيزابو بافيير عام 1385، أو الملكة إيزابو نفسها التي، بحسب "دو كانج"، كان لديها تكريم خاص لكنيسة أميان. وهناك من ينسب الطبق إلى الملك شارل السابع الذي كان يكرّم باستمرار هامة السابق في أميان. الطبق الحالي للهامة في كنيسة أميان ويعود إلى العام 1876 نُقلت الذخيرة إلى هذا الطبق الذهبي بعد أن كانت في وعاء فضي مرصّع بالحجارة الكريمة وهو المذكور في بيان موجودات كنيسة أميان سنة 1419. هذا الوعاء يعود إلى بداية القرن 13، وقد صنع في أميان عند وصول الذخيرة إليها عام 1206 أو بعد ذلك بقليل. أما القالب البلّوري الذي ما زال يُحتفظ به إلى اليوم فهو، بحسب مواصفاته، غير بيزنطي، بل صُنع، أغلب الظن، في مشاغل البلّور الفرنسية التي ازدهرت في باريس خاصة في القرنين 13 و14.


       يُحتفظ اليوم بالجهة الأمامية لهامة السابق دون الفك السفلي في أميان. بينما تتوزع الجهات المتبقية للهامة في أماكن مختلفة من العالم. نذكر أن جزءاً من الرأس، في جهته العلوية،
موجود في فيينا أما الفك السفلي للمعمدان فموجود اليوم بين كنوز كنيسة سانت شامو في لوّار. 
 
المرجع:


       Durand, J. (2007) Reliques et Reliquaires constantinopolitains du chef de Saint Jean-Baptiste apportés en Occident après 1204.
Contacts, Tome LIX, Nº 218, p 188-221.


 مأخوذ من:

 

http://www.holytrinityfamily.org/Studies_articles/Head%20of%20St%20John%20the%20Baptist.html

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

التوبة والاعتراف


الفهرس
كلمات...
التوبة
التوبة والاعتراف
ما هو الاعتراف؟
الإعتراف للكاهن
فائدة الاعتراف
بماذا نعترف؟
متى أعترف؟
الاعتراف والإرشاد الروحي
ملاحظات إضافية

1- كلمات...
       - "...فخرجوا وصاروا يكرزون أن يتوبوا" (مرقس 12:6)
       - "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا" (يوحنا 9:1-10)
       - "اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات" (يعقوب 16:5)
       - "اطلب التوبة في كل لحظة. ولا تدع نفسك للكسل لحظة واحدة". القدّيس أنطونيوس الكبير
       - "ليست خطيئة بلا مغفرة إلا التي بلا توبة". القدّيس اسحق السرياني
 
 
2- التوبة
       الله هو غاية حياتنا. أن نكون مع الله وأن نشترك في حياة الله هو الهدف الذي من أجله نوجد ونحيا ونموت. فإما أن نسلك سبيل الحياة أي سبيل الله، أعني المحبة والوداعة والصبر
والتعفف وسواها، وإما أن نسلك سبيل الموت، أعني الكبرياء والبطر والكذب والدعارة وسواها. فإن نحن اخترنا سبيل الحياة، فهذا يعني أننا نعلن الحرب على أشواك الموت التي هي الكبرياء وسواها. كما يعني أننا نلتصق، بالمقابل، بالله، ونتقوى بنعمته ونحفظ كلامه. هذا السعي الدائم لمحاربة أشواك الموت في حياتنا مقرونا بالأمانة لله هو التوبة. فالتوبة هي جهاد يستمر مدى الحياة. كل لحظة في حياة المؤمن هي لحظة توبة. والمؤمن هو التائب إلى الله.
 
3- التوبة والاعتراف
       ليس الاعتراف معادلاً للتوبة، بل هو عمل من أعمالها. لذلك يُفترض في المعترف أن يكون تائباً وإلا بطل اعترافه، أي يُفترض فيه أن يكون قد اختار سبيل الحياة وأعلن الحرب
على أشواك الموت. أما الذي ما زال مترجحاً بين سبيل الحياة وسبيل الموت فلا قيمة لاعترفه، لا بل قد ينقلب اعترافه عليه.
 
4- ما هو الاعتراف؟
       ليس الاعتراف تعريف الله بخطايانا. الله يعرفها مسبقاً. الاعتراف هو أن نقر بذنبنا وبأننا قد أسأنا إلى الله وإلى الناس بالقول أو بالفعل أو بالفكر. والغرض من الاعتراف هو أن
نتصالح مع الله ومع الكنيسة التي ننتمي إليها: نندم فنعترف بخطايانا ونطلب من الله أن يسامحنا وأن يمنحنا نعمة لكي لا نعود إلى الخطيئة. إذ ذاك تُمسح خطايانا كما لو أنها لم تكن وتتم المصالحة.
  
5- الاعتراف للكاهن
       لماذا الكاهن في الاعتراف؟ إنّ وجود الكاهن في الاعتراف يخدم غرضين، فهو من جهة، علامة لحضور الله في لحظة الاعتراف بالذات، أين أن الله يسمعنا ويقبلنا كالكاهن تماماً،
وهو، من جهة ثانية، صورة للكنيسة، الضارعة إلى ربها المستغفرة إياه. وهو من هذه الزاوية يحتضن المعترف كالأم الحنون ويقوده في اعترافه إلى الله ويطلب من أجله. فوجود الكاهن ضرورة إلا إذا لم يكن هناك كاهن على الإطلاق. حينئذ، وبصورة استثنائية، يُستحسن أن يفضي المعترف باعترافه لأحد المؤمنين الأتقياء، وبالصلاة وطلب الرحمة يكون الحلّ من الخطايا.
 
6- فائدة الاعتراف
       للاعتراف فوائد ثلاث هي التالية:
       أ- فتح القلب وطرح أثقال النفس أمام الله وطلب الرحمة. وهذه أمور هامة جداً في حياتنا مع الله لأنها تكسر طوق كبريائنا وانغلاقنا المؤدي على أنفسنا، وتجعلنا نقرّ بضعفنا.
وحاجتنا لهذه الأمور هامة جداً في حياتنا مع الله لأنها تكسر طوق كبريائنا وانغلاقنا المؤذي على أنفسنا، وتجعلنا نقر بضعفنا وحاجتنا إلى الله.
       ب- الثقة بأن خطايانا قد غفرت وذلك عن طريق السر الكنسي ووضع يد الكاهن. وهذا يعني أننا قد تحررنا من أثقال النفس وبإمكاننا أن ننطلق بعزم أكيد جديد في درب الحياة
       ج- المصالحة التي تحدثنا عنها أعلاه.
  
7- بماذا نعترف؟
       قلنا إن الاعتراف يتناول الإساءة أو الإساءات إلى الله والناس. لذلك نحن نعترف بالإساءات التي ارتكبناها:
       أ- بالقول كالكذب والنميمة والكلام البطال وإدانة الآخرين والتشهير بهم.
       ب- بالفعل كالعداوة والسرقة والإستغلال والظلم والفسق.
       ج- بالفكر كالكبرياء والأنانية وحب الظهور والمجد الباطل والحسد واليأس
       لا يُخفى أن الإساءة إلى الناس هي إساءة إلى الله، ولا يُخفى كذلك أن إحساسنا بالإساءة يقوى أو يضعف باعتبار حفظنا للوصايا وأمانتنا لله.
 
8- متى أعترف؟
        ليس للاعتراف زمان محدّد ولا هو ضرورة تسبق الإشتراك في مائدة الرب (المناولة). التوبة وحدها ضرورية لهذا الاشتراك. إذاً متى أعترف؟ أكلما ارتكبت خطيئة آتي لأعترف
بها أم ماذا؟
       الجواب على هذا السؤال مرهون بأمرين:
       أ- ضمير المعترف. إن شعور المعترف بثقل الخطيئة هو خير محكّ بهذا الخصوص.
       ب- الإساءة إلى الكنيسة بشكل صارخ كما في حالات الزنى والجريمة والغش والسرقة والعداوة، مما يوجب الاعتراف بالخطيئة والتكفير عنها، وإلا حُرم صاحب العلاقة من
الإشتراك في مائدة الرب.
       ولا بد هنا من التأكيد على ضرورة التنبيه والحذر لئلا يصير ترك المؤمن لضميره، في غالب الأحيان، مدعاة للتهاون.
  
9- الاعتراف والإرشاد الروحي
       كثيرون يخلطون بين الاعتراف من جهة والارشاد الروحي وكشف الأفكار من جهة ثانية. في الاعتراف نقرّ بخطايا ارتكبناها، نقرّ بها بكل نية صادقة وتوبة حقيقية. أما في الارشاد

الروحي وكشف الأفكار فإننا نفتح للأب الروحي صدرنا ونكشف له أفكارنا ومكنونات قلوبنا، ونصغي إلى إرشاده ونطيعه كما لو كانت كلماته من عند الرب. وقد يكون الكاهن المعرّف والأب الروحي واحداً وقد لا يكونان. كل كاهن معد إعداداً وافياً لممارسة سر الاعتراف يقدر أن يكون كاهناً معرّفاً، فالأب الروحي ليس بالضرورة كاهناً. لكنه شخص تتوفر فيه المقومات التالية:
       أ- أن تكون له حياة روحية أصيلة.
       ب- أن تكون له نعمة التبني والتربية في الروح القدس.
       ج- أن يكون مشهوداً له بذلك.
       فبين الاعتراف والإرشاد الروحي إذاً فرق. الكاهن المعرّف هو علامة منظورة لمصالحة المؤمن مع الله والكنيسة. أما الأب الروحي فهو علامة منظورة لتبني الله للمؤمن في مسيرته
الروحية.
 
 
10- ملاحظات إضافية
       أ- إذا اعترفت بخطيئة فتأكد أنها قد غُفرت لك. لذلك لا تعترف بها ثانية.
       ب- لكل منا خطيئة رئيسية تتجمع حولها خطايا أخرى. وعلينا أن نكشفها ونركز عليها في حربنا.
       ج- لا تعترف بخطايا غيرك بل بخطاياك أنت. ولا تحاول أن تبرِّر نفسك.
       د- لا مكان في الاعتراف للمحادثة وتبادل الرأي مع الكاهن.
       ه- لا تأتي لتعترف إذا لم يكن عندك شيء يثقّل على قلبك وضميرك.
       و- الكاهن الذي يفشي سر الاعتراف يوقف حالاً عن عمله.
       ز- لا تدع الخجل يمنعك من الاعتراف بخطاياك. خير لك أن تعترف بخطاياك على الأرض من أن يخجلك الله في السماء.
       ج- لا تدخل في تفاصيل خطاياك أثناء الاعتراف.
       ط- إذا نسيت خطيئة أثناء الاعتراف ثم تذكرتها بعد ذلك فلا يؤنبك ضميرك، فإنها مغفورة لك. ولكن...إياك أن تخلط بين النسيان والتناسي.
       ي- كثيرون لا يشعرون بثقل الخطيئة أو بالحاجة إلى الاعتراف. لماذا؟ لأنهم لم يتعودوا فحص الضمير. واعتياد فحص الضمير يتطلب أن نحاكم أنفسنا بصورة منتظمة، كأن نقيِّم في
كل مساء وفي ضوء الإنجيل، ما عرض لنا في بحر النهار، وأن نشكر الله ونمجده على ما أتيناه من الصالحات، وأن ندين أنفسنا على ما أتيناه من السيئات، طالبين من الله الرحمة ومعاهدين إياه على بذل قصارى جهدنا لتجنُّب الوقوع في هذه السيئات في المستقبل.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

عيد رقاد والدة الإله

 

تاريخ العيد

عيد رقاد السيدة هو آخر عيد كبير في السنة الطقسية التي تنتهي في 31آب، ويدشّنها عيد ميلاد العذراء في 8 أيلول. ويرتكز هذا العيد، كباقي الأعياد المريمية (ماعدا البشارة) على معلومات استقتها الكنيسة من التقليد. وقد أُسس هذا العيد في أواخر القرن السادس أو أوائل القرن السابع (بين 610 و 649) بمناسبة الكنيسة التي دشنت في الجسمانية حيث دفنت مريم ووالديها كما جاء في التقليد. ثم انتشر في سائر أنحاء الإمبراطورية البيزنطية. وانتقل إلى الغرب في عهد البابا ثيودورس الأول (647-649).

عظات شهيرة تشهد لهذا العيد، ألقيت في القرن الثامن، وقد ألقاها القديس جرمانوس بطريرك القسطنطينية (توفي 733)، والقديس أندراوس الكريتي (توفي سنة 740) والقديس  يوحنا الدمشقي (توفي سنة 753)، (وقد انتقينا مقطعاً من إحداها في مقطع سابق من هذه النشرة)، وغيرهم من الواعظين المشهورين في القرن السابع. وقد استعمل لهذا العيد عدة تسميات منها "عيد رقاد والدة الإله" أو "انتقال" أو "صعود" العذراء.

ولم يذكر الإنجيل شيئاً عن رقاد والدة الإله كما انه لم يسلط لنا الأضواء على تفاصيل حياتها أيضا. إنما ما يذكره القديس  يوحنا الدمشقي في أوائل القرن الثامن في عظته الشهيرة حول رقاد السيدة كاف لتثبيت التراث الشفهي الذي شاع في الكنيسة منذ القرون الأولى ونقل إلينا في مخطوطة بعنوان "كتاب يوحنا اللاهوتي حول رقاد والدة الإله الكلية القداسة". وقد وجدت نسخ من هذه المخطوطة باللغات اليونانية والسريانية والعربية، وكلها تعود إلى أوائل القرن الرابع للميلاد. أما القديس الدمشقي الذي اشتهر بكتاباته المريمية، فأكد لنا أن المسيح بنفسه قد حضر إلى مضجع والدته المحاط بالرسل الذين استقدموا بالروح من أقاصي الأرض.

يقول التقليد الشفوي أيضا أن الرسل بعد العنصرة أخذوا يجتمعون معاً بانتظام وإذا اتكئوا للغذاء بعد الصلاة كانوا يتركون ما بينهم موضعاً خالياً ويضعون على الوسادة قطعة من الخبز الذي يأكلونه يدعونها جزء الرب. وإذا نهضوا بعد الغذاء وصلّوا وشكروا يأخذون تلك القطعة فيرفعونها قائلين "المجد لك يا إلهنا المجد لك المجد للأب والابن والروح القدس" وكانوا يرددون المسيح قام لفترة تتراوح بين الفصح والصعود. أما من بعد الصعود فكانوا يهتفون "عظيم أسم الثالوث القدوس أيها الرب المسيح أعنا" وهكذا حتى أفترقوا للكرازة.

ولكي يبقى هذا التقليد حياً هكذا كان يفعل كل من الرسل حيثما وجد، إلى أن اجتمعوا مقبلين بالسحب ليحضروا احتضار السيدة الذي لم يكن في الواقع إلا انتقالاً. أما في اليوم الثالث من دفنها وإذ كان الرسل مجتمعين كعادتهم وفيما هم يرفعون جزء الرب قائلين" عجيب أسم.." توقفوا وانذهلوا ! إذ يا له من عجب مستغرب السماء فُتحت وظهرت العذراء بجسمها الطاهر ملتحفة بسحابة من النور وملائكة ظهروا متسربلين النور محيطين بها في الجو فقالت "السلام لكم افرحوا معي مدى الأيام.." فاندهش الرسل وهتفوا قائلين عوض "أيها الرب يسوع المسيح أعنا" "يا والدة الإله الكلية القداسة أعينينا" حينئذ ذهبوا إلى القبر وإذ لم يجدوا جسدها تيقنوا من حقيقة قيامتها من بين الأموات حية بجسدها نظير أبنها منطلقة إلى السماوات.

قد يتخيل البعض أن هذه الرواية خيالية بعيدة عن الحقيقة والموضوعية، ولكن من يقرأ الإنجيل بإيمان ويعجب بآياته لا يستغرب تقليداً كهذا بل هو تتمة منطقية لحياة الكلية القداسة وتتويج طبيعي لحياة طاهرة كحياة مريم التي اتخذها السيد جسداً من جسدها. أليس هو القائل "من آمن بي وإن مات فسيحيا" فكيف بالحري من جسّدت الإيمان بشخصها وحوت بأحشائها سيد العالم وخالقه؟..

يوحنا الدمشقي يهتف بلغة الإيمان في عظته الشهيرة حول رقاد مريم:" اليوم تعبر من الأرض إلى السماء تلك السلم التي نزل عليها العلي" (وهنا يشير إلى سلم يعقوب في حلمه كما ورد في(التكوين 10:28-19). هذا القبر أقدس من قدس الأقداس حيث حوى لا الظلال والرموز بل الحقيقة عينها..ارفع نظرك يا شعب الله وشاهد خيمة إله الصباؤوت في الجثمانية وقد حضر الرسل إليها ودفنوا الجسد مبدأ الحياة الذي كان قد حوى أبن الله.."

 

أيقونة رقاد السيدة أو انتقالها

 

"أيها الرسل اجتمعوا من الأقطار إلى هنا في قرية الجثمانية واضجعوا جسدي وأنت تقبل روحي يا ابني والهي" هذه الترتيلة صورة عن الخطوط العريضة التي اتبعها رسامو الأيقونات لرسم أيقونة الرقاد. هناك أيقونة في دير القديسة كاترينا في صحراء سيناء(25سم x 38سم) رائعة من حيث الفن التصويري، يعود تأليفها إلى القرن الثاني عشر، واضحة جداً في تصميمها الذي لا يتغير في كافة أنحاء البلدان الأرثوذكسية. وكلنا نعلم أن لأيقونات هذا الدير قيمة منفردة، إذ لم تتأثر بموجة الفتك بالأيقونات التي سادت في القرن الثامن. المشهد هو نفسه في كل الأيقونات التي تؤدي معنى الانتقال: العذراء مريم منطرحة على فراش الموت، جسدها منطو أفقياً وكأنه يكاد ينقلب لتوازنه غير الثابت. وهذا يفسر بسبب عدم وجود العمق في فن الأيقونات، كل شيء رسم سطحياً إذ لا وجود لبعد ثالث كما في اللوحات العادية. فجسد مريم منحن عاكف على الناظر بكثير من الرقة. أما المسيح فهو منتصب في وسط الأيقونة، جسده في اكثر الأحيان محاط بهالة بهية من النور الأزلي، يحمل مريم في يديه مقمطة بلفائف كطفل صغير وكأنها تولد في السماء على يدي ولدها وسيدها. من ينظر إلى الأيقونة من بعيد يتراءى له الخطان اللذان يؤلفان مريم ويسوع وكأنهما خطّا صليب السيد: فالصليب منتصب أبداً في حياة الكنيسة. أما الرسل فيحيطون بجسد مريم بشكل نصف دائرة، نلمح بوضوح أربعة منهم:

بطرس منحن فوق رأس مريم وعلائم الحزن والتأمل ظاهرة على وجهه، بولس منعكف عند قدميها منذهل، يوحنا التلميذ الحبيب يُقبّل نعشها بحزن عميق، واما اندراوس فهو واقف وراء بطرس. يوجد عدة أساقفة في اللوحة يتميزون لباسهم الكنسي. أما الملائكة فيشتركون بفرح بهذا المشهد الحزين فيضيفون عليه علائم السموات.

أما روسيا في القرون الوسطى عندما كانت مدينة كييف عاصمتها، فكانت تعتبر عيد رقاد السيدة عيداً وطنياً وتضع نفسها تحت شفاعة العذراء مريم وحمايتها إزاء الغزوات الخارجية، ولذلك اشتهر الفن الروسي في أداء لوحات رقاد العذراء كما تميزت مدينة نوفغورود برسّاميها فكان التأليف نيّراً ساطعاً.

 

معنى العيد

 

يوضح لنا الأب جيله في كتابه عن دورة السنة الطقسية أن نشأة هذا العيد غامضة في العالم المسيحي. ففي فلسطين كان يُقام العيد في 15 آب ما قبل القرن السادس. أما في القرن السابع فقد ثبّت الإمبراطور البيزنطي موريس تاريخ 15 آب بطريقة نهائية. انه من أهم الأعياد الكنيسة وتحضّر الكنيسة المؤمنين له بصوم يدوم أربعة عشر يوماً نصلي فيه قانون البراكليسي، أي الابتهال إلى العذراء يومياً. وهو أهم أعياد السيدة. القراءات التي تتلى فيه هي نفسها التي تتلى في ميلاد السيدة ولا تنوه قطعاً عن رقاد السيدة. أما المعنى الروحي للعيد فيتجلى في تراتيل صلاة الغروب والسحرية ولكن في الواقع هناك عدة معان تنبعث من الصلوات المختصة بالرقاد:

المعنى الأول: العيد ليس فقط احتفالا بولادة مريم في السماء كما تشير إليه الأيقونة بل عيد انتقال مريم بالجسد إلى السماء، والنصوص التي تشير إلى ذلك عديدة في طقوسنا "أن والدة الإله لا تغفل في الشفاعات...لم يضبطها قبر ولا موت"..." لانك انتقلت إلى الحياة بما انك أم الحياة"... وبالتالي جسد مريم الكلي الطهر لم يعرف الفساد الناتج عن الموت وتفككه بل انتقل بواسطة الملائكة إلى السماء.

أما الكنيسة فلم تفرض هذا التعليم على المؤمنين كعقيدة، ولكن ضمير الكنيسة الحي عبر الأجيال يعتبر نفي انتقال السيدة إلى السماء كتجديف أكيد. مريم هي تلك المخلوقة المنفردة في النقاوة والطهارة الجليلة في سر صمتها، المتسامية في عمق آلامها، التي تجاوزت حدود الطبيعة وطارت إلى اقرب حد يستطيع أن يصل إليه إنسان، فتعالت عن الملائكة وتألهت بتواضعها. ولذلك مجّدها ابنها بجسدها ونقله إليه. وهكذا تعيد الكنيسة بمريم أول قيامة قبل القيامة العامة.

المعنى الثاني: "الموت صار عربونا للحياة..." العيد هو عيد كل الطبيعة الإنسانية لان بمريم توصلت الجبلة الترابية النتنة إلى هدفها الأسمى وسمح لها بالرجاء... رقاد العذراء يُمثل لنا المجد الذي يمكن أن نصير إليه إذا ما أثمرت النعمة فينا بفعل الروح القدس. ومهما يكن من شأن الحدث التاريخي فالمهم بالنسبة إلينا أن الكنيسة تركز في قراءاتها على المعنى الروحي للحدث وقد اوجزه لنا بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "كما لبسنا صورة الترابي سنلبس صورة السماوي.. إذ نحن أيضا سنتغير"(1كورنثوس 15 : 49 و52). لا شك أن لمريم وضعاً خاصاً وامتيازات خاصة ولكن لنا بها شفيعة إذ لم تهملنا برقادها، ممهدة لنا الطريق إلى السماء، واضعة نصب أعيننا إمكانيات الطبيعة الكامنة في طياتها المنتظرة ندى الروح القدس لكي تنفتح وتتدفق حياة القداسة.

 

لماذا الانتقال؟ للقديس يوحنا الدمشقي

 

في الواقع، إنّ هذا المسكن اللائق بالله، والينبوع غير المنقوب بيدٍ الّذي يتدفق منه الماء الغافر الخطايا، والأرض غير المحروثة المثمرة الخبز السماوي، والكرمة التي أعطت خمر الخلود دونما سقاية، وزيتونةَ رحمةِ الآب الدائمة الاخضرار ذات الثمار البهيّة، كان يجب ألا تقاسي اعتقال لجج الأرض لها. بل كما أن الجسد المقدس الطاهر الذي بواسطتها وحّده الكلمة الإلهي بأقنومه قد قام من القبر في اليوم الثالث، هي أيضاً كان يجب أن تُنتزع من اللحد وتنضمَّ الأمُّ إلى ابنها. وكما نزل هو إليها، هكذا هي نفسها محطُّ حبّه كان يجب أن تُنقَلَ إلى "المسكن الأعظم والأكمل" إلى السماء بعينها".

كان يجب أن تأتي لتسكن في مظالّ ابنها، تلك التي قدّمت ملاذاً للكلمة الإلهي في حشاها. وكما قال الرب إنه سيكون في مسكن أبيه الخاصّ (بالضرورة)، هكذا كان يجب أن تسكن الأمّ في بلاط ابنها، "في بيت الرب وفي ديار بيت إلهنا" (مز134: 1، 135: 2). لأنّه إذا كان ها هنا مسكنُ جميع الفرحين" (مز7:78)، فأين ستسكن إذاً من هي علّة الفرح؟ كان يجب أن تحفظ جسدها بلا فساد، وحتّى بعد موتها، تلك التي حفظت بتوليتها كاملةً في الولادة. كان يجب أن تسكن في المظالّ السماوية تلك التي حملت خالقها طفلاً في حشاها. كان يجب أن تأتي لتسكن في خدر الزواج السماوي، العروس التي اختارها الآب لنفسه. كان يجب أن تشاهد ابنها جالساً بقرب الآب، من قد شاهدته على الصليب متقبلةً بذلك في قلبها سيف الألم الذي تركها في ولادتها. كان يجب أن تتسلّم والدة الإله خيرات ابنها وأن تكرّمها كلّ الخليقة كأمّ لله وأَمَةٍ له. فالميراث يمرّ دوماً من الوالدين إلى الأولاد؛ وأما ها هنا، واقتباساً لعبارة أحد الحكماء، فينابيع النهر المقدس ترتقي ثانيةً إلى أصلها، وذلك لأنّ الإبن قد أخضع لوالدته الخليقة بأسرها.

بتصرف عن: رسالة رعية حلب ودير ينبوع الحياة: دبين - الأردن

مأخوذ عن الصفحة التالية:
 http://web.orthodoxonline.org/index.php?option=com_content&view=article&id=602:theotokos-dormition&catid=29:theotokos&Itemid=100

 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 

الكنيسة والكنائس في فكر الأب جورج فلوروفسكي
الحركة المسكونية: من أين؟ وإلى أين؟

 

الفهرس

تقديم
ما هو واضح لديه
لِمَ انخراطنا في الحركة المسكونية؟
العلّة والعلاج المرتجى
سبيل ينبغي تجنّبه
مزالق ينبغي الحذر منها
في ضوء ما تقدّم
إلى أين؟

 

تقديم

الأب جورج فلوروفسكي أحد أبرز اللاهوتيّين الآبائيّين الأرثوذكسيّين في القرن العشرين. جمَع إلى المعرفة العميقة استقامة الموقف ورحابة التوجّه ونفاذ البصيرة والشفافية التراثية. واكب الحركة المسكونية التي تمخّضت عن تأسيس مجلس الكنائس العالمي في أمستردام سنة 1948. عبّـر بوضوح وبلاغة عن الموقف الأرثوذكسي التراثي من العمل المسكوني كما لم يعبِّر عنه أحد سواه. في مجموعة أعمال الأب فلوروفسكي الصادرة بالإنكليزية في أربعة عشر جزءاً، في الثمانينات من القرن العشرين، تحتلّ كتاباته، في الشأن المسكوني، المجلّدين الثالث عشر والرابع عشر (1989). الإطّلاع على مساهماته إغناء للفكر المسكوني وعود على بدء اتقاء الضبابية والحيدان عن المسرى القويم. ستة عقود من الزمن كادت تنقضي سبقتها تحضيرات هامة، هذه اعتورتها تفاعلات بدّلت النظرة إلى الذات. اهتمامات خبت واهتمامات احتدّت، كلّها بحاجة إلى إعادة نظر وتقويم حتى لا يكون استمرار التلاقي المسكوني بقوّة العطالة (Inertia) وحتى لا يتكوّن، من جرّائه، جسم يستمدد قيمته من ذاته ويفرض نفسه كأمر واقع له تكوينه وغاياته الخاصة من حيث يدري الناشطون فيه أو لا يدرون. مطالعتنا لما كتب تمدّنا

بالمنطلقات التي كان، على أساسها، في نظره، الإقبال الأرثوذكسي على العمل المسكوني.

 

ما هو واضح لديه

يعبِّر فلوروفسكي، في إبداء نظرته إلى الكنيسة المقدّسة، عن قناعة هي، إليه، بديهيّـة لا مانع أن يُوسَم، في شأنها، بالعناد معتبراً عناده "عناداً في البديهيّـة"1، على حدّ تعبيره. مؤدّى هذه البديهيّـة، التي هي في أساس إقباله على الحوار المسكوني، أن الكنيسة واحدة، وهذه الوحدة هي جوهر الكنيسة بالذات. ما انقسم هو العالم المسيحي. أما الكنيسة فغير منقسمة ولا سبق لها أن انقسمت وهي غير قابلة للإنقسام. لفظة "الكنيسة"، في الاستعمال الصارم والدقيق للكلمة، ليست لها صيغة جمع ولا لها موقف متساهل من هذه الصيغة إلاّ مجازيا2. لذلك نخطئ إذا ما تكلّمنا على انقسام في الكنيسة. الدقّة تحدونا، بالأحرى، إلى التحدّث "لا عن انشقاق في وحدة الكنيسة بل عن افتراق عن الكنيسة"3. ويمضي الأب فلوروفسكي في وضع النقاط على الحروف فيُبدي أنه، بصفته عضواً وكاهناً في الكنيسة الأرثوذكسية، يؤمن بأن الكنيسة التي اعتمد ونشأ فيها "هي، في الحقيقة العميقة، الـ "الكنيسة" أي الكنيسة الحقّ والكنيسة الحقيقية الوحيدة". تعليلاته قناعته الشخصية أولاً والشهادة الداخلية للروح القدس الذي ينفخ في أسرار الكنيسة وما تعلّمه من الكتاب المقدّس والتقليد الجامع للكنيسة. بناء عليه يصرّح، من دون عقد، أن كل الكنائس المسيحية الأخرى، في نظره، تعتورها العيوب. "وبإمكاني في حالات عديدة"، على حدّ تعبيره، "تحديد هذه العيوب بالدقّة الكافية". من هنا أن إعادة الوحدة المسيحية، لديه، هي، ببساطة، "الهداية الجامعة إلى الأرثوذكسية". ويؤكّد الأب فلوروفسكي، في هذا الإتجاه، أنه ليس له ولاء طائفي. ولاؤه، حصراً، هو للكنيسة الواحدة المقدّسة4. من هذا المنطلق يبدي أنه لا يحكم البتّـة على أحد "أنه خارج الكنيسة" لأن الدينونة معطاة للابن. "ليس أحد مخوّلاً باستباق الدينونة". ولكنْ هذا لا يمنع ولا يتعارض البتّـة مع كون الكنيسة صاحبة سلطان في التاريخ هو أولاً "سلطان التعليم وحفظ كلمة الله بأمانة"5.

 

لِمَ انخراطنا في الحركة المسكونية؟
بديهي، في ضوء ما تقدّم، أن هناك قاعدة إيمان ونظام يصفها الأب فلوروفسكي بـ"القاعدة السويّـة".  ما لا يتّفق وهذه القاعدة هو غير سويّ.  وغير السويّ ليس فقط برسم الإدانة بل
برسم المعالجة أيضاً.  "هذا"،  بكلمات الأب فلوروفسكي،  "تبرير لاشتراك الأرثوذكسي في الحوار المسكوني على الرجاء أنه من خلال شهادة حقّ الله يمكن كسبُ القلوب والعقول البشرية"6. أما الغرض الآني من العمل المسكوني فهو التخلّص من الأحكام المسبقة وقصر النظر والاقتراب معاً "من فهم المعنى الحقيقي للانشقاقات الحاصلة وجذورها وأسبابها الحقيقية".

والأب فلوروفسكي يعتبر الإشتراك في الحركة المسكونية عملاً رسولياً. فإن "الكنيسة الأرثوذكسية"، على حدّ تعبيره، "مدعوّة، بخاصة، إلى لعب دور في تبادل الأفكار مسكونياً، بالضبط لأنها تعي دورها كحافظة للإيمان الرسولي والتراث في هيئتهما الكلية المتكاملة". ويتحدّث عن وعي الأرثوذكسية كونها ممسكة "بكنز النعمة الإلهية من خلال استمرار الخدمة والتسلسل الرسولي". لذلك لها، من هذا المنطلق، "مكانة خاصة وسط المسيحية المقسّمة"7. كذلك يبدي أنه قد يكون مفيداً لنا جميعاً "أن نعيد تكامل القطع التي لنا من التقليد المسيحي المشوّه في تركيب جديد يشكّل، في آن، استعادة للوجدان المشترك للكنيسة العريقة"8.

ويخلص إلى أن التماس الوحدة أو إعادة الوحدة ضرورة والوحدة أمر إلهي. "الانقسام المسيحي لا يعني أقلّ من إخفاق المسيحيّين في أن يكونوا مسيحيّين حقيقيّين... حتى لو كان الواحد في موقع ملء الحقّ... لأنه ليس مسموحاً لأحد أن يكون حراً من المسؤولية عن الآخرين"9 العلّة والعلاج المرتجى علّـة الانقسام في العالم المسيحي، العلّة التي هي أم كل علّة أن هناك تبايناً بيننا في النظرة إلى الحقّ. لذلك "اللاهوت السليم"، بكلام الأب جورج فلوروفسكي، "هو الأساس الوحيد المكين للوحدة المسيحية. هو الأداة الوحيدة لخلق فهم حقيقي..."10. هذا لا يعني اتفاقاً في الصيغ ودستور الإيمان وحسب. الانقسام الحاصل أعمق من ذلك لأنه "انقسام في الإيمان، في خبرة الإيمان بالذات"11. الوجدان الواحد مفتقد. الفكر ليس واحداً. قراءتنا ليست واحدة.

لذلك، بحسب الأب فلوروفسكي، لا نتغلّب على الانقسام إلاّ "بقدر ما نتغلّب عليه من خلال الاتفاق ووحدة الفكر – من خلال الاستنارة الروحيّـة، في وحدة الحقّ"12. وفي موضع آخر يقول إنه "فقط بالعودة إلى الفكر المشترك للكنيسة الأولى يمكن التغلّب على الانقسامات". صحيح أنه لم يكن هناك تماثل لدى القدامى ولكن "كان هناك فكر مشترك"13 

 

سبيل ينبغي تجنّبه

هذا ويبدي فلوروفسكي أن مواجهة الخلافات كما هي، بواقعية، خطوة أساسية في الاتجاه السليم. علينا أن نعترف بأن خلافاتنا "عديدة ومتأصلة وجذرية". بإزاء ذلك لا مجال للمساومة. واقعنا نواجهه، بالأحرى، "بصراحة وشجاعة، بلا تحفّظ ولا مراوغة، بثقة وأمانة". أجل الانقسام الحاصل عميق. لذلك الاختزال والطرق السهلة لا تنفع. "على المرء أن يكون شجاعاً بما فيه الكفاية لمواجهة تحدّي المأساة المسيحية". علينا أن نعمل على إزالة حجارة العثرة لا أن نكتفي بتجاهلها أو تجنّبها"14 ما نتشوّف إليه هو "الإجماع اللاهوتي العميق". "هذا وحده يضمن صحوة حقيقية في الوعي المسكوني". أما البحث عن الحد الأدنى المشترك فلا قيمة له على الإطلاق15.

 

مزالق ينبغي الحذر منها

1-  اعتبار اللاهوت مسؤولاً عن التوتّر والانقسام في الكنيسة. "الدين والعقيدة (وأعني بذلك اللاهوت) لا زالا، في العادة، يُجعَلان في تضاد". ثمّـة ميل كبير إلى الاعتماد، بالأحرى، على الخبرة الدينية المباشرة، على التقوى من دون العقيدة. في تقييم الأب جورج فلوروفسكي أننا في الخبرة الدينية المباشرة نواجه "تنوّعاً يائساً" في الخبرة الدينية لا يقبل التكامل ولا يؤمّن أية وحدة على الإطلاق. بكلمات الأب فلوروفسكي: "حرّية الخبرة الدينية المباشرة هي العامل الأكثر إحداثاً للانقسام والأكثر عبثاً بحياتنا الروحيّـة. الوحدة والإتفاق لا يمكن تحقيقهما إلاّ على صعيد العقيدة... تاريخياً اللاهوت دواء يحفظ من الشواش البالغ للخبرة الحرّة... العقيدة خارطة... ليست نظاماً قائماً بذاته يمكن أن يحلّ محلّ الخبرة بل هي خارطة ومرشد ورفيق للمسافر"16 وفي مقال يأخذ فيه فلوروفسكي على المؤمنين الأرثوذكس الروس قلّة اهتمامهم بالعقيدة، يبدي أن عقيدة الآباء هي نبع الأرثوذكسية في الحياة وأنه لا فصل عندهم بين "الروحانية" و "اللاهوت". القداسة في التراث الأرثوذكسي دائماً ما تفسّر لاهوتياً، في فئات الرصانة والأمانة للحقّ. على ذلك يؤكّد أن شواش الحياة المعاصرة مردّه، مباشرة، "إهمال التعليم الصحيح"17. في هذا الإطار أيضاً، يشير إلى أن ثمّـة نزعة خطرة جداً في الحركة المسكونية إلى الإقلال من أهمية "الخلافات الفكرية" أو حتى تجاهلها. لذا يُصار، أحياناً كثيرة، إلى الطعن في أهلية أساتذة اللاهوت من حيث إنهم "باقة من الناس يخلقون تعقيدات لا لزوم لها"18. هذه النزعة، بنظر الأب فلوروفسكي، تعيق التقدّم في مسار الإعادة الحقيقية للوحدة. ويخلص إلى أن "اللاهوت السليم هو الأساس الأمين الوحيد للوحدة المسيحية وهو السبيل الوحيد لخلق تفاهم حقيقي"19

2- الحذر من الإفراط في الحداثة في تعاطي الأمور. هذا، في المواقف والتوجّه، بنظر الأب جورج فلوروفسكي، يحول دون وصولنا إلى أساسات الإيمان المسيحي والواقع التراثي الذي يُصار إلى اعتباره مهجوراً مماتاً. "على المرء أن يستعيد المنظور التاريخي الحقيقي لا أن يُستأسَر مقعَداً إلى حداثة منعزلة"20.

3-  تعاطي موضوع الانقسام وكأنه موضوع أخلاقي بحت. ليست القضية قضية سلام أو تسامح وحسب. لسنا، هنا، في صدد مواجهة مسألة تتعلّق بالانحراف الأخلاقي أو الضعف البشري. "المنشأ الأول للانقسامات المسيحية"، بكلام فلوروفسكي، "...هو الوهم... اختلاف الآراء في شأن الحقّ". لذا دائماً ما تفضي الأخلاقية، في طرح المسائل اللاهوتية، إلى ضرب من عقائدية الحدّ الأدنى إن لم يكن إلى رفض عقائدي. "مثل هذه الأخلاقية"، بنظر الأب فلوروفسكي، "تتغذّى أو تنشأ من نوع من اللاحسّ أو اللامبالاة العقائدية أو قصر النظر"21.

4-  إحداث تضاد غير طبيعي بين الحقّ والمحبّـة واعتبار المسألة، في أساسها، سوء تفاهم مردّه النقص في المحبّـة الأخوية. هنا يوضح الأب فلوروفسكي أنه "لا يصار إلى التغلّب على الانقسام باللطف والمحبّـة الأخوية بقدر ما يُصار إلى التغلّب عليه بالاتفاق ووحدة الفكر". المحبّـة التي توحّد أساسها وحدة الإيمان. فقط في الحقّ لا من دونه هناك محبّـة حقيقية روحية لا مجرّد عاطفية عابرة22 صحيح أن مصدر الانقسام هو النقص في المحبّـة ولكنْ محبّتنا لله23، معرفتنا به، معاينتنا له. وبعدم معرفتنا للآب السماوي لا نعود نعرف أو نتبيّن إخوتنا.

5-  "اختزال الوحدة المسيحية بقصرها على أبعاد التعاون في المسائل العملانية"24 الحركة المسكونية مجرّبة بانتهاج هذه القادومية مسلكاً. من أول الطريق كان هناك شعار طُرح بقوّة في ستوكهولم، سنة 1925 "ان العقيدة تفرِّق والخدمة توحّد". لا يجد الأب فلوروفسكي غضاضة في التعاون والتضامن في المسائل العملانية. هذه أيضاً مساهمة في الوحدة المسيحية. الخطر يتمثّـل في حجم هذا التعاون والغرض منه، ألاّ يحلّ الهاجس العملاني محلّ الهمّ اللاهوتي وان يبقى، بصدق وأمانة، مجرّد عامل مساعد على التلاقي العقائدي. بغير ذلك يمكن لهذا التعاون أن يشكل عائقاً دون البحث الحقيقي عن الوحدة. مرّة أخرى يؤكّد فلوروفسكي أن جذر الانشقاق ذو طبيعية عقدية وهو أعمق بكثيرمن مجرّد "التغرّب التاريخي أو العزلة المتبادلة". لذلك يستخلص "ان التعاون الفعّـال بين المسيحيّين المنقسمين في القضايا الاجتماعية أو في حقل المسائل الدولية دون أي إلحاح عميق في ابتغاء اتحاد أقصى في كنيسة واحدة، لا يمكن إلاّ أن يُعتم أو حتى يُفسد الرؤية بشأن "الوحدة المسيحية" الحقيقية التي هي وحدة في الإيمان والنظام ووحدة الكنيسة وفي الكنيسة".

6-  الحذر من تعاطي الشهادة للأرثوذكسية أيديولوجياً، كمذهب فكري. هذا يكون شهادة للحقّ في معرض الباطل. "في الحقيقة"، بكلام الأب فلوروفسكي، "قبل أن نتمكّن من الكرازة بالأرثوذكسية الحقّ للعالم علينا أن نكون نحن، أنفسنا، أرثوذكسيّين بالفعل. فهل نحن كذلك؟ "ما هو حاصل أو ما نقع فيه، أحياناً كثيرة، هو أننا نلتمس مجداً في الميراث الذي خلّفه لنا آباؤنا، ولكنْ الخشية دائماً هي أن "نتعاطى هذا الميراث ببلادة"25
7-  الحذر من تخطّي حدود الواقعية الكنسية في التاريخ. إن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البنّـاؤون. المعرفة والفهم والرؤيا الكاملة محفوظة ليوم الدين. "ولكن، أقلّه"، بكلام الأب
فلوروفسكي، "ان معرفة وجهة السير موفورة للكنيسة، منذ الآن، في حجّها الأرضي. أن نستعيد الإحساس بوجهة السير هو الواجب الأول للحركة المسكونية في الوقت الحاضر". علينا أن نقرّ بأن الهدف بعيد المنال والطريق ضيّـق لكن مرشداً أكيداً لا يخطئ معطى لكل الذين يبحثون بتواضع وتفان وهو المعزّي، روح الحقّ. هو يقود المؤمنين إلى ملء الحقّ"26

 

في ضوء ما تقدّم

الأب جورج فلوروفسكي، في ضوء ما تقدّم، قال، في الشأن المسكوني، قول الكنيسة برمّتها. طبعاً الكلام على المسكونية يطال كل ما يمتّ، من جهتنا، إلى العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس الأخرى، سواء في مستوى الرؤساء أو اللاهوتيّين أو عامة المؤمنين، في إطار مجالس وهيئات تقام هناك وهناك ومن دونها. نحن، إذاً، لا نتحدّث عن جسم واحد من العلاقات بل عن أجسام تتفاوت في الجدّية والرصانة، بحسب الهيئات والأمكنة والأزمنة. يبقى أن ثمّـة ملامح تعكسها المناخاتُ المسكونية بعامة، خصوصاً في أوساطنا. هذا ما نقتصر عليه في هذا البحث.

يلاحظ المرء في قراءته لفلوروفسكي أن الحركة المسكونية حتى الخمسينات كانت وعداً طيِّباً للإيجابيات التي استبانت في فهم السلبيات بين الكنائس وللدراسات التي أُجريت في الشؤون الكتابية والتاريخية والعقدية وسواها وللحوارات الصريحة التي أُقيمت27 على ذلك لسنا، في هذا المقام، في معرض الطعن بالشأن المسكوني في المبدأ. العلاقات المسكونية جانب أساسي بديهي من حياتنا وشهادتنا في الكنيسة الأرثوذكسية لا غنى عنه. تساؤلاتنا تتناول نمط المسكونية الذي نريد، تمييز القويم من غير القويم وفرز غير المقبول لأنه يسيء، في العمق، لا إلى إخوتنا غير الأرثوذكسيّين وحسب، بل إلى استقامة انتمائنا نحن إلى الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسولية.

إذاً، الحركة المسكونية، في هذا الإطار، كما استقرأناها في فكر الأب فلوروفسكي، هي حركة لاهوتية أولاً وأخيراً، والشأن المسكوني، لكي يكون ناجعاً، ينبغي أن يطال، في أساسه، الشأن العقدي. فهمنا للحقيقة ليس واحداً وخبرتنا أيضاً، لذلك إيماننا ليس واحداً. فحوار العقيدة، في إطار "المسكونية في الزمن"، أي بالعودة إلى تراث الكنيسة، بحسب تعبير الأب فلوروفسكي، هو منطلق العلاقات المسكونية ومآلها. فقط الهمّ اللاهوتي يبرِّر، من ناحيتنا، الحركة المسكونية. كل عمل، على كل صعيد آخر، يُفترض به أن يصبّ، بأمانة، في هذا المحور الأساس ويساعد فيه وإلاّ يساهم في تحويل الأنظار عن الحوار العقدي، وتالياً في تعطيل المسعى الوحدوي وتحويله في اتجاه آخر غير الاتجاه المحدّد له بدءاً. دور الكنيسة الأرثوذكسية هنا دور رسولي لأنها حاملة وجدان الكنيسة الرسولية بامتياز ولها سلطان في شأن التعليم القويم ولو لم تكن "الكنيسة الحقّ"، بتعبير فلوروفسكي، هي "إلى الآن الكنيسة الكاملة"28

قراءتنا للعديد من المعطيات المسكونية، في ضوء ما تقدّم، تعطينا الانطباع أن ما يجري اليوم غير ما تطلّع إليه فلوروفسكي وجيله. لا زال الكلام اللاهوتي في التداول ولكن لا يبدو لنا أن الهاجس اللاهوتي هو، بعد، محور الاهتمام. ثمّـة تحوّل حدث ويحدث.

 

إلى أين؟

خشيتنا أن نكون قد أُخذنا بحمى تكتّـل المسيحيّين أكثر بكثير مما أُخذنا بوحدة الإيمان والخبرة والوجدان الكنسي.
خشيتنا أن ما نحن في صدده ليس استعادة الانتماء إلى وحدة الكنيسة بل إقامة اتحاد بين الجماعات المسيحية هنا وثمّـة. هذا ما يسمّيه الأب جان رومانيدس "الدمج وإقامة الأحلاف الطائفية
العالمية"29.
خشيتنا أن تكون العقيدة قد تحوّلت إلى شعارات يتلبّسها همّ سياسي اجتماعي جامح.
شعورنا أن اعتماد الاختزال اللاهوتي سيكون إلى ازدياد. المسيحية المسكونية سيُسوَّق لها باطراد باعتبار الحدّ الأدنى المشترك بين الكنائس فيما يتقلّص الاهتمام بالفروقات العقدية فتمسي من
خصوصية هذه أو تلك من الكنائس. هذا سينعكس على الشأن التربوي وعلى كل الشؤون التعاونية بين الكنائس.
شعورنا أن نطاق الاهتمام بقضايا شؤون الأرض كالسلام العالمي وحقوق الإنسان والبيئة سيتّسع لأن هذا المجال، بعد التحوّل الضمني التدريجي عن مجال العقيدة، سيصبح هو المجال الأمثل
للتعبير عن اتحاد الجماعات المسيحية وترسيخ هذا الاتحاد.
شعورنا أن الخلطة في الصلاة والاشتراك في القدسات، ولو بصورة غير رسمية، سيستمر وسيكون إلى ازدياد لأن الليتورجيا، والحال هذه، ستكون عنصر الدعم الأكبر للمشروع المسكوني
وتكريسه المَظنون "لدى الله"(!)
شعورنا أن المرحلة المقبلة مرشّحة للمزيد من المشروعات الوحدوية على غرار محاولة توحيد الأرثوذكسيّين والسريان الأنطاكيّين وتوحيد الأرثوذكسيّين والملكيّين الأنطاكيّين.
شعورنا أنّ ما يؤخّر مثل هذه المشروعات، بالدرجة الأولى، هو خوف الأرثوذكسيّين المحبّذين لها من ردود الفعل داخل المخيّم الأرثوذكسي.
شعورنا أن التغرّب الوجداني والتشنّج بين الأرثوذكسيّين مرشّحان للتعمّـق والازدياد.
شعورنا أن التكتّـلات ذات الشعارات المسيحية تخضع لمنطق تكتّـلات الأمم على غرار خضوع ديانات الأمبراطورية الرومانية لخدمة قيصر إلاّ المسيحية فعُدَّ المسيحيّون، يومها، ملحدين.

اليوم، في زمن العولمة، زمن الأمبراطورية الرومانية الجديدة، الكل يتّجه نحو اتحاد الشعوب. وما أخفق قديماً يؤمَل نجاحه اليوم. لذلك التكتّـل المسيحي، راهناً، في تلاق مطّرد وديانات الأرض ومشروعات اتحاد الديانات قائمة على قدم وساق. الكل يعي أنك إذا شئت أن توحّد العالم فعليك أن توحّد الديانات أولاً. الماسونية الفكرية تجتاح العالم.
خشيتنا أن نكون قد دخلنا، من حيث لا ندري، في زمن التطويع لبابل جديدة. هذا يفعلونه، في الظاهر، باسم الله. وما يراد به، في الحقيقة، بناء برج رأسه بالسماء30

 

الأرشمندريت توما (بيطار)
دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما  –  لبنان


1 فلوروفسكي، الأب جورج. مجموعة أعماله (بالإنكليزية) الجزء 13. الكنيسة الحقّ. ص 134.
 2 فلوروفسكي، الجزء 13، إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 14.
 3  المصدر عينه ص ص 14 – 15.
 4  فلوروفسكي، الجزء 13. المسكونية منظور شرقي أرثوذكسي ص 134 وكذلك البحث عن الوحدة المسيحية والكنيسة الأرثوذكسية ص ص 139 – 140.
 5 فلوروفسكي، الجزء 13. الكنيسة الحقّ. ص 134.
6 المصدر عينه ص 135.
7 فلوروفسكي، الجزء 13. المساهمة الأرثوذكسية في الحركة المسكونية ص 160.
8 فلوروفسكي، الجزء 13. التوتّر اللاهوتي بين المسيحيّين ص 12.
9 فلوروفسكي، الجزء 13. أغراض وشكوك مسكونية ص 24.
10 فلوروفسكي، الجزء 13. الحاجة إلى الصبر ص 21
11 فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 16.
12 المصدر عينه.
13 المصدر عينه ص 13.
14 فلوروفسكي، الجزء 14. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 171 – 172.
15 فلوروفسكي، الجزء 13. أغراض وشكوك مسكونية ص 26.
16 فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 9 – 10.
17 فلوروفسكي، الجزء 13. انتقاد القصور في الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس الروس. ص ص  169 – 170.
18 فلوروفسكي، الجزء 13. الحاجة إلى الصبر ص 21.
19 المصدر عينه.
20 فلوروفسكي، الجزء 14. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 172
21 فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 15 – 16.
22 المصدر عينه ص 16 – 17.
23 المصدر عينه.
24 فلوروفسكي، الجزء 13. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 171.
25 فلوروفسكي، الجزء 13. مسؤولية الأرثوذكسيّين في أميركا ص 175.
26 فلوروفسكي، الجزء 13. مأساة الانقسامات المسيحية ص 33
27 فلوروفسكي، الجزء 14. مجلس الكنائس العالمي ص 189.
28 فلوروفسكي، الجزء 13. المسكونية. منظور شرقي أرثوذكسي ص 134.
29 رومانيدس، الأب جان، الأرثوذكس: الوصول والحوار في "ما ينتظر الكنائس" (بالإنكليزية) 1965 ص 13.
30 تك 11: 4

ملاحظة: هذه الدراسة مأخوذة عن موقع عائلة الثالوث القدّوس - دوما
http://www.holytrinityfamily.org/Studies_articles/Study%202_080518.html

 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 
Make a Free Website with Yola.