دراسات ومقالات

الزواج مشروع كنيسة


       في خدمة العرس يقف العريسان الواحد بجانب الآخر ويواجهان الهيكل. ثم في وقت من الأوقات يضع الكاهن يد الواحد منهما بيد الآخر ويبارك اليدين معاً.

وفي لحظة أخرى يدور الكاهن بالعروسين حول الطاولة أمامهما والتي يكون عليها الإنجيل. الحركات والوضعيات في الكنيسة لها معانيها. ترى ما معنى هذه التي

ذكرناها؟

       يمثّل الهيكل ملكوت السموات ووقوف العروسين في اتجاه الهيكل معناه أنهما يطلبان ملكوت السموات، يتّجهان نحوه. حياتهما الزوجية لها هدف أساسي واحد

هو دخول ملكوت السموات. وهما إذ يقفان أحدهما بجانب الآخر ويضع الواحد منهما يده في يد شريكه يعلنان أنهما سوف يعملان يداً واحدة وقلباً واحداً ببركة

الكنيسة على تحقيق هذا الهدف.

       هذا من جهة ومن جهة أخرى إذ يدور العروسان حول الطاولة التي عليها الإنجيل، يتقدّمهما الكاهن، يعلنان أنهما يدوران، برعاية الكنيسة وإرشادها، حول

كلمة الله في الإنجيل، أي حول المسيح. حياتهما معاً، منذ الآن، تدور حول المسيح. هو بداية كل شيء بالنسبة إليهما وهو النهاية. هو القاعدة وهو الغاية. يطيعان

يسوع ويمجّدان الله ويطلبان ملكوت السموات.

       على هذا الأساس يُبنى البيت الزوجي وإلا لا يكون الزواج مسيحياً ولا تنفع العروسين خدمةُ العرس في شيء. تكون كسكب الماء على حجارة صمّاء.

       أما إذا رغب الزوجان حقاً، وبكل جدّية، في بناء بيت مسيحي وعائلة مسيحية فإنهما يحتاجان إلى إرشادات وتوجيهات. هذه بعضها:

       1- استعينوا بالكاهن، لا سيما إذا كان مستنيراً. استعينوا أيضاً بأزواج مسيحيّين حقيقيّين سبق أن اختبروا الزواج والحياة الإلهية قبلكم. اسألوا. استفسروا.

الأشبينان، بحسب الأصول الكنسية، ينبغي أن يكونا صالحين للقيام بهذا الدور.

       2- اسلكوا باستقامة من نحو الله. اقرأوا الكتاب المقدّس. تعلّموا من الكنيسة. كل ما لا ترضى الكنيسة عنه تحفّظوا منه. احفظوا الوصيّة. اعملوا بموجبها. لا

تخالفوها. كونوا أمينين. أطيعوا الله يُطعْكم أي يسمعكم ويعينكم ويبارككم. فإن أهملتم وصاياه أهملكم أي سدّ أذنه ولم يسمع لكم ومنع بركته عنكم. "بالكيل الذي به

تكيلون يكال لكم" (مت 2:7 لو 38:6). لا تخافوا. مهما قست عليكم الظروف لا تخالفوا الوصية. هو وعدكم بان يهتمّ بكم فآمنوا! هو قال "تعالوا إليّ يا جميع

المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 28:11). لا تنسوا أبداً: الله قادر على كل شيء. يعطيكم ما هو نافع لكم وبحجب عنكم ما يضرّكم. اكتفوا بأرزاقكم. لا

تمدّوا أيديكم إلى الحرام. اقنعوا بما يرسله الله لكم واشكروا على كل شيء. إياكم والتذمّر لأن كل شيء جعله الله لخيركم وإن كنتم لا تعلمون. الصحة تنفعكم أحياناً

والمرض أيضاً. وكذلك الشحّ ينفعكم أحياناً والبحبوحة أيضاً. الله يوازي هذا بذاك وهو العارف بما يوافقكم أكثر منكم.

       3- ليسمع الواحد منكم الآخر. ليسمعْ بقلبه. المهم أن يسعى كل واحد إلى سماع صوت الآخر. وصوت يسوع يمكن أن يأتي من خلالك أنت ويمكن أيضاً أن

يأتي من خلال شريكك. ليس الموضوع أن ترضي المرأة زوجها ولا أن يرضي الرجل زوجته. الموضوع أن يعملا معاً متعاونَين على إرضاء الله. "لتكن مشيئتك

لا مشيئتي" (لو 42:22). لا فضل لرجل على امرأة ولا لامرأة على رجل إلا بالتقوى. فإن تشاجرتما فتصالحا قبل غياب الشمس لأنه قال:"لا تغرب الشمس على

غيظكم" (أف 26:4). ليس المهم مَن منكما على حق وعلى مَن هو الحق. صاحب الحق عند الله هو مَن يقول لشريكه أولاً: أنا أخطأت، سامحني! المتضع عند الله

دائماً ما يكون على حق.

       4- صلّوا وصوموا كما تصلّي الكنيسة وتصوم. تعلّموا الصلاة. اقتنوا كتب الصلاة. اسألوا الكاهن في ذلك أو اسألوا الرهبان يعلّموكم. ليكن لكل واحد منكم

قانون صلاة أي فرض صلاة يومي. وأنتم أدّوا بعض صلواتكم معاً وأدّوا البعض الآخر كلٌّ على انفراد. مثلاً صلّوا صلاة النهوض من النوم معاً وكذلك صلاة النوم

الصغرى. أما صلاة المسبحة، أي صلاة يسوع "ربّي يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ" فليصلّها كل واحد منكم على حدة. كذلك صلّوا قبل الطعام

وبعده وقبل العمل وبعده. ليكن لكم في إحدى غرف بيتكم مصلّى، أي مكان للصلاة، تجتمعون فيه أنتم وأولادكم. زيّنوا بيوتكم بالإيقونات. بخّروا كل يوم. تعلّموا أن

تذكروا الله على الدوام. ومع الصلاة احفظوا القطاعة، كما توصي الكنيسة، يومي الأربعاء والجمعة واحفظوا الصوم أيضاً أيام الصوم الكبير وصوم الميلاد وغيره

من الأصوام. احضروا قدّاس يوم الأحد وما أمكن من الصلوات والقداديس الأسبوعية. الصلاة في البيت تكتمل بالصلاة مع الجماعة.

       5- لا تهملوا عمل المحبة. زوروا المرضى. عزّوا المتعبين. ساعدوا المساكين. أعطوا الفقراء مما أعطاكم الله. لا تقولوا الذي لنا بالكاد يكفينا! كلما أعطيتم

من حاجاتكم كان عطاؤكم أكبر عند ربّكم. لا تنسوا قول القائل:"مَن يعطي المساكين يُقرض الله" (أم 17:19). لا تعاملوا الناس كما يعاملونكم بل كما تريدون أنتم

أن يعاملوكم. لا تحكموا بحسب الظاهر. لا تنتقموا لأنفسكم. سامحوا. لا تحقدوا. اغفروا يُغفر لكم. بادروا إلى عمل الخير. لا تنتظروا غيركم أن يبادر قبلكم. من

يحبّ يبادر.

       6- وإذا أعطاكم الله ثمرة البطن، أي أولاداً، فاعلموا أنهم أمانة في أعناقكم. أولادكم ليسوا لكم بل لربّكم. لذلك ربّوهم لله. أنتم مسؤولون لا عن إطعامهم

وإلباسهم وتعليمهم فقط. أنتم مسؤولون، قبل ذلك وفوق ذلك، عن تربيتهم تربية مسيحية. المهم أولاً أن يعرفوا الله ويتعلّموا الوصية ويسلكوا في الفضيلة. وأكثر ما

يتعلّم الإنسان بالقدوة. لذلك كونوا قدوة لهم في الصلاة والصوم والمحبة والصبر واللطف والإتضاع. لا تعتمدوا الصراخ أسلوباً تتعاملون به في البيت. ولا تخرج

من أفواهكم كلمة بذيئة. ليفتح طفلكم عينيه على الله حاضراً بينكم، وكأنه أحد أفراد الأسرة، لا بل رب الأسرة. الطفل يحسّ بحضور الله أو بغيابه من خلالكم ومن

خلال موجودات بيتكم. الله حاضر معكم من خلال الإيقونات المعلّقة على الحيطان. حاضر معكم من خلال رائحة البخور متى بخّرتم. من خلال الصلوات متى

صلّيتم.من خلال ذكر اسم يسوع. من خلال تصرّفاتكم وطريقة تعاملكم. لذلك صلّوا لولدكم. صلّبوا عليه. رتّلوا له. قفوا به، احملوه وأنتم تصلّون وتسجدون. أعطوه

فرصة أن يرى، أن يشمّ، أن يسمع، أن يشترك في عبادتكم لله. لا تقولوا إنّه صغير لا يفهم. الطفل يحسّ. الانطباعات الأولى التي تتكوّن لديه، لا سيما في البيت،

هي الجذور العميقة لعلاقته بالله. ولا بأس إن بكى وكان كثير الحركة. اصبروا عليه تربحوه لنفسه ولله. أعطوه فرصة أن يتربّى في الكنيسة. خذوه إليها. إلى

القداديس والصلوات. لا تقولوا الناس يتذمّرون. لا بأس إن تذمّروا. علينا جميعاً أن يحمل بعضنا بعضاً. المهم أن نعوّد الولد على الصلاة في بيت الله. هدّئوه ما

أمكن. فإن كان شديد الازعاج والانزعاج لمغص أو غيره فأخرجوه خارجاً لبعض الوقت ومتى هدأ عودوا به إلى الداخل. إذا لم يتعوّد الطفل على الكنيسة من

صغره فسيصعب عليه أن يتعوّد في كبره. ومتى انطلق لسانه وأخذ في الكلام علّموه أن يردّد الصلوات والتراتيل. ومتى نما إدراكه أخبروه قصص الكتاب المقدّس

والقدّيسين. علّموه الطاعة لله بالرفق والتشجيع لا بالخوف والتهديد. لا تجعلوا الله بمثابة بوليس لأولادكم. بالنسبة للمعموديّة عمّدوهم صغاراً ما أمكن. بين الأربعين

يوماً والثلاثة أشهر. لا تؤجّلوا معموديّتهم طويلاً لأسباب عائليّة أو اجتماعيّة. كذلك ناولوهم القدسات ما أمكن. اسقوهم الماء المقدّس وادهنوهم بالزيت الذي تأخذونه

من الكنيسة. ومتى كبروا قليلاً قدّموهم إلى فرق التعليم المسيحي. إيّاكم وإهمال ما هو لله في تربية أولادكم. أن تعلّموهم طاعة يسوع وعبادة الله أهمّ من أن

ترسلوهم إلى المدارس. طبعاً عاملوا أولادكم بالحسنى والتشجيع ولكن لا تساوموا على تعليم الصلاة والفضيلة وطاعة الله. فإن سلكتم على هذا النحو أعددتم أولادكم

ليكونوا شهوداً ليسوع ووفّرتم عليهم صعوبات كثيرة في حياتهم. إن فعلتم ذلك رضي الله عنكم وبارك بكم.

       7- ثمّ انتبهوا من التلفزيون. التلفزيون له مظهر التسلية ولكنّه يبثّ الكثير من السموم في نفوسكم ونفوس أولادكم. برامجه غير مدروسة. ليس التلفزيون

تعليميّاً. يطغى عليه الطابع التجاري. القيّمون على التلفزيون يهمّهم أن ينقلوا أفكارهم وأفكار مَن يموّلونهم، وأفكارهم أحياناً صحيحة وأحياناً غير صحيحة. معظم

الناس لا يميّزون. التلفزيون ليس للتسلية فقط بل للتأثير في الناس، للّعب بأعصاب الناس. التلفزيون أداة خطيرة. سيف ذو حدّين. إن لم نستعمله بكثير من الانتباه

والتأنّي والتمييز فإنّه يكون مؤذياً. لذلك عليكم أن تتعلّموا كيف تختارون البرامج النافعة لكم ولأولادكم. اسألوا إن كنتم لا تعلمون. في كلّ حال لا تشاهدوا التلفزيون

لفترة طويلة كلّ يوم. على الأكثر ساعة أو ساعة ونصف. وإذا أمكنكم أن تستغنوا عنه بالكليّة يكون هذا أفضل لكم. إذ ذاك تصرفون وقتكم في الأعمال المفيدة

كالقراءة والصلاة والتحدّث إلى بعضكم البعض وزيارات المحبّة وما أشبه ذلك.

       هذه بعض الإرشادات والتوجيهات لكم. تمعّنوا فيها. لا تستخفّوا بها. الزواج فرصة لتصلحوا أنفسكم. لا يليق بأحد منكم أن يتزوّج ويبقى في قرارة نفسه

عازباً. إكراماً للحبّ عليكم أن تسعوا لتغيير حياتكم. لماذا تتزوّجون إذا كنتم لا تريدون أن تتغيّروا؟ إذا كنّا نريد أن نحبّ فعلينا أن نتغيّر من أجل مَن نحبّ. الرجل

من أجل زوجته والزوجة من أجل رجلها. والاثنان معاً، الرجل والمرأة، من أجل أولادهما. والجميع من أجل الله. فكونوا أمناء. كونوا أقوياء في النفس. تعلّموا أن

تطلبوا ما هو لربّكم لا ما هو لأنفسكم. تعلّموا أن يطلب كلّ واحد منكم ما هو لشريكه لأنّ هذا هو الحبّ. الحبّ جهاد كبير ونسك كبير. يشمل الحياة كلّها لا سيما

الحياة العائليّة.

       ألا قوّاكم الله وفتح عيون قلوبكم على معاينة جماله لتتعلّموا منه وتكونوا شهوداً حقيقيّين له.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي - دوما

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

Présentation de la Mère de Dieu

Épître Hébreux IX, 1-7
Évangile selon saint Luc X, 38-42, XI, 27-28.

Homélie prononcée par père René
le 21 novembre 1998 à la crypte.


Le récit de la Présentation de la Mère de Dieu au Temple est apocryphe. Il n’a aucune réalité historique. Mais ce n’est pas un paradoxe que d’affirmer que cela n’a pour nous aucune importance. Car l’intérêt de cette Fête réside entièrement dans la vérité théologique et spirituelle qu’elle exprime.

Vérité théologique d’abord.

Bien qu’entrée dans le Temple de Jérusalem à l’âge de trois ans, Marie est déjà fêtée comme celle qui est appelée à mettre au monde le Fils de Dieu, le Verbe fait chair. Elle est d’ores et déjà « la nuée resplendissante d’où le Seigneur s’incarne pour nous ; par toi l’Incompréhensible se mêle aux mortels.» Déjà Marie a mis au monde « le Pain de Vie ». Déjà elle est «la Mère de la Lumière, Mère de Dieu, Mère du Verbe de Vie, épouse de Dieu»

Au point que déjà la lumière de Noël est anticipée : «Il fait son entrée dans le Temple de Dieu, le tabernacle céleste d’où la lumière a brillé sur nous, qui étions dans les ténèbres. Et toute l’Église chante dès aujourd’hui : «Le Christ naît, glorifiez-Le! Le Christ descend des Cieux, allez à sa rencontre! Le Christ est sur terre, relevez-vous! » et l’hirmos de la 9e ode du canon du Noël est déjà proclamé aux vigiles.

Ainsi fêtons-nous aujourd’hui la Mère de Dieu comme le véritable Temple du Seigneur, Son tabernacle, le Trône du Roi de toutes choses, le Réceptacle de l’Inaccessible, l’Arche spirituelle du Verbe divin, le Temple céleste et la Porte de Dieu, le Palais spirituel du Roi.
Marie, parce que promise à être la Mère de Dieu, est le véritable Temple du Seigneur qui entre dans le Temple de Jérusalem. L’essence de la Fête se résume dans cette stichère: «le Temple renfermant la Divinité est amené au Temple du Seigneur; le Temple contenant la Divinité est conduit à l’intérieur du Temple.»

Et, vérité spirituelle encore.

L’Épître de la fête, pour magnifier la beauté de la Mère de Dieu, évoque la splendeur du Temple ou, plus exactement, de la Tente de Réunion, premier avatar du Temple. Au temps de Moïse et de la marche au désert, le sanctuaire contenait, en effet, une première tente avec son chandelier d’or à sept branches et la table de proposition pour les douze tribus d’Israël; puis une seconde tente avec son autel des parfums et, derrière le voile, la tabernacle d’or sur lequel veillaient deux chérubins d’or, lieu du repos de la Gloire du Très-Haut, du Dieu trois fois Saint.

Or, dans le Livre des Nombres, un des livres de la Loi, il existe un verset étrange: «Quand Moïse entrait dans la Tente de Réunion pour parler avec Dieu, il entendait la voix qui parlait vers lui d’au-dessus du propitiatoire qui était sur l’Arche du Témoignage, d’entre les deux chérubins. Alors il parlait vers Lui, Moïse». Ainsi, dans le silence absolu du Saint des Saints, la Voix de Dieu, Sa Parole, le Verbe coéternel, est présent dans l’espace sacré qui unit les deux chérubins d’or. Ainsi, du silence absolu du Saint des Saints jaillissait la Parole de Dieu.

Si la Mère de Dieu a été introduite dans le Saint des Saints, c’était pour qu’elle y entende la voix du Verbe. Pour qu’elle fasse de la Parole divine son unique nourriture. Et parce que, dès son plus jeune âge, Marie a su faire en elle un silence aussi profond que celui qui régnait sur le propitiatoire entre les chérubins, la Parole de Dieu, le Verbe préexistant, non seulement s’est tourné vers elle, mais l’a pénétrée, est descendu au plus profond de son cœur et s’y est mystérieusement incarné. Comme la Parole jaillit du silence du Saint des Saints, ainsi s’est-elle répandue dans le cœur silencieux et attentif de Marie.

Cette attitude de silence spirituel est la marque même de la Mère de Dieu. Saint Luc dit que Marie ne cessait de passer et repasser dans son cœur les Paroles. C’est pour cela qu’en réponse à l’annonce de l’Ange, elle ne saura que dire : « Je suis la servante du Seigneur».

C’est pour cela que plus tard, quand une voix s’élèvera de la foule vers le Fils de Dieu et de Marie pour Lui dire : « Heureuses les entrailles qui t’ont porté », Jésus reprendra cette Béatitude – car c’en est une – mais en l’étendant à tous : « Heureux plutôt ceux qui écoutent la Parole de Dieu et qui la gardent.»

Le secret spirituel de la Mère de Dieu a été le silence de son cœur. Il a fait d’elle à jamais le Temple du Seigneur. Nous tous qui, aujourd’hui, écoutons la Parole du Seigneur, enfouissons-la au plus profond de nos cœurs, afin qu’elle puisse nous sauver. Amen.

Père René

 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

Présentation au Temple de la Mère de Dieu
Épître Hébreux IX, 1-7
Évangile selon saint Luc X, 38-42, XI, 27-28.


Homélie prononcée par Père Boris Bobrinskoy
à la crypte le dimanche 20 novembre 2005



Au nom du Père et du Fils et du Saint Esprit,

Cette fête de l’Entrée au Temple de la Mère de Dieu nous renvoie à un événement mystérieux qui défie notre entendement humain. En effet, selon la Tradition juive seul le Grand Prêtre pouvait entrer dans le Saint des Saints, et ce, seulement une fois par an, alors n’est-il pas particulièrement extraordinaire que cette dignité soit offerte à un enfant, à une femme Et pourtant, dans sa sensibilité et sa vision spirituelle, l’Église a conservé une pieuse tradition dont témoignent encore ce que l’on appelle les textes apocryphes – ces textes qui ne sont pas reçus comme textes canoniques officiels par l’Église –. Selon la tradition, à l’âge de trois ans, Marie fut introduite dans le Temple.

On peut penser qu’elle y fut admise comme beaucoup d’autres jeunes filles pour être au service de Dieu, mais c’est bien une jeune fille particulière, Marie, qui a été choisie par la Grâce divine, par ce que l’on appelle le Conseil trinitaire de Dieu.

Je voudrais évoquer deux aspects de ce choix.

D’une part, cette élection relève de la liberté plénière, de la volonté et de l’amour de Dieu, nous n’avons donc pas à nous immiscer dans les réflexions divines qui ont abouti à ce que ce soit Marie et pas une autre jeune fille. Et d’autre part, cette élection de Marie ne signifie nullement que, dès lors, Marie aurait été au-dessus de toute réalité humaine, dégagée des lourdeurs de la nature humaine.

Il ne faut pas conclure que Marie aurait été, par le seul fait de cette élection complètement sanctifiée, voire divinisée, et qu’elle n’aurait plus eu qu’à vivre simplement sa vie pour mener une vie de pureté.

Bien sûr, Marie a mené une vie de pureté mais c’est en tant que Nouvelle Ève.

En effet, à partir de saint Irénée de Lyon au IIe siècle, l’Église donne à Marie le titre de la Seconde Ève qui fait référence au fait que le Christ est le Second Adam. Le Christ, Second Adam, est Celui qui a racheté, récupéré et renouvelé la race humaine ternie par le péché et la désobéissance d’Adam, et c’est pourquoi Marie est appelée aussi la Seconde Ève.

Appeler Marie seconde Ève ne signifie pas que Marie ait été au-dessus des tentations mais que, comme Ève, elle a pu les connaître.

À cet égard, quand nous lisons le dernier livre du Nouveau Testament, l’Apocalypse, nous est offerte la vision extraordinaire d’un combat entre la "femme revêtue du soleil" sur le point d’accoucher, et Satan, le dragon perfide, qui cherche à détruire cet enfant, ce garçon, qui doit naître.

Ce récit saisissant symbolise le combat invisible, le combat spirituel de l’Église, toute entière et de toujours, et par conséquent de Marie qui ne fait pas exception. Elle a certainement vécu ce grand, beau et douloureux combat contre le tentateur même si nous en ignorons les détails et les étapes. De même qu’elles sont discrètes sur la vie intime et personnelle de Jésus, de même l’Église et les Écritures sont avares de détails sur la vie intime et personnelle de Marie. Seuls quelques traits sont brossés, comme par exemple quand Jésus fut au Temple à l’âge de douze ans.

Je veux souligner que la vie pure de Marie ne résulte d’aucun automatisme, d’aucun déterminisme, et que Marie a été libre. Libre mais de la liberté des enfants de Dieu. Elle a été mue par l’Esprit Saint de l’intérieur car elle ne s’est pas opposée à cette grâce, à cette impulsion, à ce souffle, à cet élan, à cet appel de Dieu qui était en elle depuis bien avant qu’elle ait sa conscience.

À mesure que Marie grandissait, elle vivait cet appel de Dieu, elle vivait la présence de Dieu en elle. Je voudrais dire aussi qu’elle vivait cette prière qui était celle des justes de l’Ancienne Alliance ainsi que des justes, des saints, du peuple de Dieu de tout entier, la prière contenue dans le mot "Seigneur". En effet, le mot "Seigneur" traduit pour nous chrétiens le terme ineffable, presque imprononçable pour les Juifs croyants, de Yahveh. Ce terme, transcrit par le fameux Tétragramme que nous traduisons par "le Seigneur" signifie littéralement « Je suis Celui qui suis ». Eh bien ! Nous pouvons dire que Marie portait en son cœur ce Nom, cette prière incessante de Dieu.

Lorsque, déjà fiancée à Joseph, Marie recevra l’annonce de l’archange Gabriel et qu’il lui sera révélé que l’enfant qui naîtra d’elle, sans qu’elle connût son fiancé, sera appelé Jésus, alors, dorénavant, Marie portera dans son être, dans son corps déjà, cet enfant, ce Jésus qui devait être conçu, grandir en elle et naître. Alors, dorénavant en Marie, le Nom du Seigneur et le Nom de Jésus s’uniront, se combineront, alterneront en elle comme dans une litanie infinie « Seigneur Jésus… Seigneur Jésus… ». Et ces deux Noms, l’Église nous apprend à les associer dans notre prière la plus intime, la plus secrète, la plus profonde : « Seigneur Jésus Christ – bien sûr! – Fils de Dieu – nous le rappelons – aie pitié de moi – ou de nous – pécheur. » Tout ceci constitue une prière extraordinaire dans laquelle nous vivons justement cette rencontre avec le Seigneur et, comme on peut l’affirmer, cette communion par le Nom de Jésus à la présence du Christ Fils de Dieu et fils de Marie.

Ainsi Marie vécut toute sa vie de prière et de foi, tout d’abord, dans l’intériorité de Jésus qui était en elle, puis en le portant dans ses bras, l’élevant, l’accompagnant jusqu’à l’âge de trente ans. Pendant tout ce temps, comme le dit l’Écriture, Jésus était obéissant à Sa Mère et à Joseph. Ensuite lorsque Jésus s’en ira pour le ministère public, pour la prédication de l’Évangile du Salut, de la Bonne Nouvelle du Royaume, alors Marie s’effacera. À Cana, Jésus semblera être dur avec elle : « Femme qu’y a-t-il entre toi et Moi ? » répondra-t-il quand Marie lui dira « Ils n’ont plus de vin ». "Qu’y a-t-il entre toi et Moi ?", "femme" au lieu de dire "Mère", tout cela semble résonner avec dureté et pourtant Il accueille la demande implicite de Marie. Elle ne lui demande pas de miracle, elle lui dit simplement « Ils n’ont plus de vin » et Jésus acquiesce à la demande secrète de Sa mère en donnant du vin en abondance aux convives et aux invités aux noces.

Ainsi Marie se retire. Lorsqu’une femme veut louer le Seigneur, comme nous venons de l’entendre dans l’Évangile : « Bienheureux le sein qui T’a porté et les mamelles qui T’ont allaité! – Heureux plutôt ceux qui entendent la parole de Dieu et y obéissent » répond Jésus. « Voici donc la véritable maternité! » Mais cette maternité véritable n’est pas un rejet de la maternité humaine et terrestre de Jésus. Ce n’est pas une rebuffade, bien au contraire, puisque Jésus loue implicitement Marie avec plus d’éclat que jamais, car Marie était précisément celle qui plus que quiconque portait dans son cœur les paroles et tout l’enseignement de son Fils divin.

Aujourd’hui nous vivons ce prélude où Marie, en entrant dans ce Temple de l’Ancienne Alliance, se prépare à devenir, elle-même, le véritable Temple.

Il ne s’agit plus, simplement, de l’image de la Présence de Dieu, mais c’est ici le Temple véritable du Dieu véritable qui viendra s’incarner et vivre en elle. Dès lors, devenue Temple de la Présence divine, Marie le sera pour toujours.

À notre tour nous sommes, nous aussi appelés, à devenir Temple : « Ne savez-vous pas, dit saint Paul, que vous êtes le temple de l’Esprit Saint et que l’Esprit Saint vit en vous ?» . Si nous sommes le Temple de l’Esprit Saint, l’Esprit Saint œuvre pour qu’au plus profond de notre cœur grandisse, vive et se manifeste l’Image du Christ, l’Image de Dieu, selon laquelle tout homme a été créé.

Tout homme venant au monde a été créé à l’image de Dieu et nous sommes, nous aussi, appelés à réaliser une véritable relation – j’ose le dire! – maternelle. Oui! Nous sommes appelés à une relation maternelle d’enfantement de Jésus en notre propre cœur, relation maternelle dont Marie est le modèle et l’image.

Et à son exemple, nous devons vivre cette relation maternelle avec tendresse, avec le désir de purifier notre cœur pour que rien ne fasse obstacle à la Présence de Dieu.

La Présence de Jésus, en effet, vient chez nous tout d’abord comme un faible petit enfant qui veut grandir en nous, pour peu à peu s’épanouir et régner dans tout l’espace intérieur de notre cœur.

Et souvenez-vous que cet espace de notre cœur est un espace gigantesque, un espace plus vaste que tous les cieux.

À cet égard, dans les vieilles églises, on retrouve souvent au-dessus de l’abside une icône de la Mère de Dieu où Marie étend ses mains en prière.

Cette icône s’appelle l’icône de « la Mère de Dieu, plus vaste que les cieux », c’est vrai qu’elle est plus vaste que les cieux parce qu’elle a porté le Seigneur dans son cœur. Et notre cœur aussi, mes amis, notre cœur aussi est appelé à être plus vaste que les cieux lorsque ce cœur devient le réceptacle, le siège royal, le lit nuptial, on peut le dire, le siège de la Présence de Dieu.

Notre cœur est un cœur immense, un cœur capable d’aimer et d’embrasser en lui tous les êtres, un cœur empli de compassion pour tous, à l’exemple d’un saint Silouane qui avait une compassion illimitée et qui priait une seule chose : Que tous puissent se convertir et connaître la vérité, c’est-à-dire connaître Dieu.

Ainsi, à l’image de Marie puissions-nous, nous aussi, grandir dans sa maternité et apprendre à purifier notre cœur pour que ce cœur devienne véritablement le lieu de la Présence de Dieu et de Son amour dans le monde.

Amen.

Père Boris

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

لاهوت الزواج
الزواج عند الذهبي الفم



1. غاية الزواج.
2. علاقة الرجل بالمرأة.
3. رجل وامرأة تفوق طبع أم طباع.

اتضح سابقاً أن الفريد والمميز في فكر أبينا فم الذهب هو نظرته للنسك بمنظار اسختولوجي، عندها يغدو النسك فناً ليس رهبانياً بالحصر وإنما فضيلة اجتماعية.
لهذا فأية دراسة حول الزواج في كتابات أبينا القديس ستقدّم الكثير والمفيد لمجتمعنا المعاصر وإذا كانت النظرة إلى النسك كفنّ اجتماعي تبدو "غريبة" في مجتمعنا، فهذا يعود بالتحديد إلى أنَّ هذا المجتمع متأثر غالباً باللاهوت الغربي ومعتقداته. بعد دراسة الزواج عند الأب القديس سوف نتابع عرض الأبعاد الاسختولوجيّة لمفهومه للعائلة، أي في التربية أيضاً وفي العمل وفي الدولة وعلاقة المؤمن بها وسائر الأطر الاجتماعيّة الأخرى.
في نصوص وكتابات الآباء الشرقيين الأرثوذكسيين، وفي العمق الاسختولوجي ينتقل مركز الأهميّة من "العزوبية" إلى "النسك" في حالات البتوليّة، أي إلى الطريق الضيق المؤدّي إلى الحياة. هذا ما نراه مثلاً عند قديسين كـ أثناسيوس الكبير وغريغوريوس النيصصي ويوحنا الذهبي الفم. هكذا وبفضل هذه النظرة الاسختولوجيّة تصبح النهاية الواحدة للطريق الضيق وغايتها المشتركة بتعدد الأساليب فيها. في هذا تمايزت المسيحيّة منذ فجر نشأتها عن الغنوسية. وانطلاقاً من هذا الأساس السليم نجد أنه عبر تاريخ أدبنا المسيحي شدّد آباؤنا على مزايا الرهبنة وفضائلها كما شدّدوا على مزايا الزواج. فالزواج والبتولية هما وجهان لطريق واحد، الطريق الضيّقة المؤدية إلى الحياة. وكلاهما يحققان عفة الروح. لدينا مثال هو طرفا ثابور في تجلي المسيح. لقد كان موسى الذي تزوج وإيليا الذي تبتّل، حول المسيح في المجد ذاته. فلم يمنع الزواج ما حققته البتولية. في كنيستنا الشرقية سُمِحَ دائماً للاكليروس بالزواج، على عكس الكنيسة الغربية، وهذا دليل على أن هذه الطريقة ليست أدنى بل هي الوجه الآخر. في المجتمع المسكوني الأول طُرحتْ مسألة الاكليروس المتزوج، والذي دافع عن ذلك كان الراهب المتشدد "παφνουτιος". إن مباركة المسيح، كما يقول طقس الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، للزواج في عرس قانا الجليل هو بركة دائمة. على عكس الآباء والكتّاب الغربيون مثل كبريانوس وأمبروسيوس وايرونيموس وأفغوسطينوس حيث ظهر الميل الشديد إلى البتولية مع الانتقاص من قيمة الزواج بشكل ملاحظ وشديد. من هذه المصادر المتطرّفة الأخيرة، وللأسف، تنهل أغلب الدراسات الغربية الانثروبولوجية اليوم، وكنتيجة حتميّة، لذلك يلغى فيها التوازن الأخلاقي الموجود بين الزواج والبتولية، الذي نراه عند آبائنا الشرقيين، وهكذا يتحورّ المفهوم المسيحي الحقيقي وتفسد روح الكتاب عينه كما يخان الفهم الآبائي الصحيح.

هدف الزواج:
1. الكمال الروحي: من الواضح بأن الزواج لا يشكل حجة للكسل والتهاون في سبيل الهدف المشترك لكل المسيحيين أو هروباً من الجهاد المطلوب من الجميع، رغم ذلك بسبب التمييز "الدنيوي الفاسد" و "العالمي" يقطع الزواج عن هدفه الاسختولوجي فينقل هدفه، للأسف، من ملكوت الله إلى "المجتمع"، لهذا السبب، وفي مثل هذه الحالة، يتحوّل الزواج إلى "عائق" في طريق الكمال الروحي الواحد لكلّ المسيحيين. القاعدة الأساسية في فكر أبينا القديس هي أنّ "الحكمة" في الزواج هي بالذات "الفلسفة المسيحية" التي في الرهبنة. إن كان الزواج شكلاً جاء بعد السقوط، فأن تفوّق الرهبنة لا يعود إلى نسبها الفردوسي الذي قبل السقوط، وإنمّا في كون الرهبنة طريقاً أسهل وأسرع للعودة بالأحرى، للصعود إلى ملكوت الله. التمييز يجب ألا يتوضع بين الزواج والبتولية، ولكن في درجة الحياة الروحية أينما كانت في الشكلين. ما يميّز إنساناً عن آخر هو الخلق وليس الزواج أو عدمه.
على الرغم من كل ذلك، فإن هذه النظرة الاسختولوجية غابت عن إدراك العديد من الباحثين، الذين اتهموا أبانا باطلاً وأعادوا إليه مسؤولية مفاهيم خاطئة. زعم هؤلاء أن أبانا القديس ينظر إلى الزواج كما إلى شيء "أدنى" خلقياً من الرهبنة. وأضافوا على ذلك ظنونهم أن هذه النظرة الدنيا للزواج تعود لتأثير الغنوسية على فكر القديس فم الذهب من جهة، وإلى ترمّل أمّه المبّكر والطويل من جهة أخرى، أضف لذلك مثلاّ تجارب صديقه ثيودورس، وأيضاً ميله الشخصي للرهبنة، وبالنهاية وختاماً طبعه القاسي المتشائم.
إن إعادة أصول الزواج إلى حياة الفردوس قبل السقوط يدّل على أنه كان من أجل غاية تلك الحياة أي الكمال الروحي. الكتاب يوضح أن الله بعد أن خلق الإنسان نظر إلى آدم وقال: "لا يحسن أن يكون الإنسان لوحده، فأصنع له عوناً بإزائه" (تك2: 18)، وهناك أمر الله آدم وحواء: "أكثرا وأنميا وأملأا الأرض"
أيّ أسلوب مُدخَل بعد السقوط، هو الزواج، بلا شكّ حسن وخير وهو من حكمة الله وتدبيره، وله بالنهاية هدف تربوي روحي وغايته شفاء الإنسان الساقط ومداواته، ذلك لأن كل هذه التدابير هي من "العناية الإلهية المحبة للبشر"، وتقصد بالنهاية اسختولوجيا إلى تحقيق "التدبير" الإلهي للإنسان، أي تألهه وخلاصه.
في العهد القديم كان الزواج دائماً غاية دينية، فلم يكن اختيار المرأة يتم بحسب الرغبات، بل حسب مصلحة الجماعة. المصلحة الدينية فوق المصلحة الفردية. لأن الزواج ينخرط في مسألة الخلاص عموماً وليس مسألة فردية. قصص الزواج التي يوردها طقس السرّ، توضح بعض الأمثلة. مرات عديدة تُختار الزوجة دون أن يعرفها مسبقاً الرجل. يكفي له أن يعرف أنه يحيا معه ما تريده له جماعته. يعقوب تزوج كما أمرته أمه من قبيلتها وبني دينها ودفع ثمن ذلك الكثير. غاية الزواج إذن هي أبعد من حدود اجتماعية، إنه مسألة خلاصية في سبيل الكمال الروحي.

2. الشهوة- الجنس: بعد السقوط غدا الزواج "أمراً مفيداً جداً وضرورياً" بعد أن كان غير ضروري في البداية، كما يشرح فم الذهب، وقبل السقوط، كانت المحبة للآخر والتعايش المتوافق مع القريب هما الجوّ العام السائد، أمّا بعد السقوط، عندما دخلت الخطيئة، فقد هوى الإنسان من علاقاته الشخصية المحبّة للآخر إلى مستوى الفرديّة والأنانية، وانطوى من الشخص إلى الفرد، هكذا كأناني انطوى على حبّ ذاته بدل حبّ الآخر. فتمزّقت روابط الوحدة وتضعضعت أواصر المحبة. عندها أسرع الرّب المحب للبشر وأدخل الشهوة ليحافظ على التلاحم والوحدة بين البشر، وهكذا أعاد روابط الوحدة بين الذين سبق وتفرّقوا. فالجدّان الأولان، قبل السقوط، كانت أواصر المحبة بينهما قوّية لدرجة أنهما كانا كـ"واحد"، هكذا ظهر الله في الفردوس بحسب النص الكتابي"يكلمّ الاثنين كأنه يكلمّ واحداً"، عناية الله المُحبة أوجدت تلك الحياة المشتركة الأولى ذات أواصر محبة قوية جداً، حتى أنه لم يكن لدى المرأة حبّ أعظم من حبها لشريكها، ولم يكن للرجل حبّ أعظم من حبّه لشريكته. ولكن عندما غلب حبّ الذات وسيطرت الأنانية، صارت الشهوة عاملاً إيجابياً، بالذات لأنه ينظر إليها كواسطة تُعيد إصلاح تلك الوحدة القديمة. هذه الوحدة يحققها الزواج بالفعل عندما يُلغى منه كلّ ما هو خاص وذاتي وأناني ولا يعد ما "لي" وما "لك". بالتالي ضمن النظرة الاسختولوجيّة، الشهوة هي حسنة كدواء هادف وشاف يؤول إلى رباط للمحبة وبالتالي يساعد ويقود في درب الكمال الروحي. فمن ناحية أخرى مفهوم "المثال" كلّه يتلخّص في المحبة. إن المحبة في الزواج تأتي من الطهارة. كما أن الزنى هو دليل نقص المحبة. إن المحبة الزوجية ستقود حتماً إلى العفة في الزواج وإلى بلوغ ما تحققه البتولية.
وبعد السقوط أصبح الزواج بلسماً يداوي "ضعف الجسد" ويصير بالتالي واسطة "للعفة" والجهل. بالتالي من الواضح أن "الزواج كريم". التركيز على المقصد الاسختولوجي في كل نظرة مسيحية من جهة. ومفهوم الحياة الروحية الأخلاقية للمسيحي "كتداوي"، يعطيان لفم الذهب ولكنيستنا الشرقية المستقيمة الرأي والحياة عامة، الإمكانية أن يحثا على الرهبنة وفي الحين ذاته أن يباركا الزواج، الذهبي الفم يسمح "تنازلا" بالزواج الثاني أيضاً، وذلك ضمن نفس النظرة السابقة "كتداوي" كسماح يداوي الانحرافات والزنى وليس كوصيّة. الزيجات التي يسمح بولس الرسول، وأيضاً بعده أباء منهم فم الذهب، هي "تنازلات" مقبولة دون أن تعني أنها مُثل "ممدوحة"، لا دينونة فيها من ناحية "لكن ليست جديرة بالمدح والثناء" من ناحية أخرى.
"والتنازل إلى هذا المقدار ليس إلا دلالة على وجود ضعف شديد يفرضه". على كلّ قديسنا يفسّر "التقديس"، الذي بدونه لا يستطيع أحد أن يرى الرّب، "بالنسك والجهاد الروحي". لهذا نراه ينصح أن كان أحد غير متزوج فليحاول أن يبقى بتولاً أو أن يتزوج. وإن كان متزوجاً فليحاول ألاّ يزني البتة. فالقداسة بالنسبة لفم الذهب ليست حصراً في الحياة الزوجية ولا في الحياة الرهبانية، إنما هي ثمرة الجهاد الروحي الممكن عند المتزوجين والرهبان على السواء. إن كانت القداسة تفسّر بالجهاد الروحي والنسك فإن المقارنة بين المتبتلين والمتزوجين يجب ألاَّ تنحصر في العذرية والعفة فقط وإنما أن تشمل مجمل الفضائل الأخرى كلها. النظرة الاسختولوجية والحقيقية لا تقدّر الإنسان ولا تكرّمه حصراً بسبب الحياة التي يختارها، أتزوّجا كانت أم ترهبّا، وإنما مقياسها الذي لا يخطئ هو "مستوى الحياة الروحية"، أي الحياة بحسب الفضائل المسيحيّة، القداسة الحاصلة بالنسك.
براهين: لهذا السبب الزواج ليس على الإطلاق مانعاً للفضائل المسيحية. وليبرهن على صحة رأيه هذا يلجأ إلى رجال الكتاب المقدس أمثال "أنوخ" ،"أكيلا" و "برسكيللا" الذين لمعوا في الفضائل المسيحية وهم متزوجون.

الحفاظ على الجنس البشري:
بالطبع، بعد السقوط، وإدخال الموت، الزواج يخدم استمرار النسل البشري. اقليمس الاسكندري وآباء كثيرون آخرون يربطون هدف الزواج بواقع الموت والإنجاب. الولادة، عند بعض الآباء مثل اقليمس السابق ذكره، هي "خلق"، أي بالتالي هي من صورة الله التي بالإنسان. آباء مدافعون مثل ايوستينوس وأثيناغوراس يحدّدون الهدف الأول للزواج والشهوة الجسدية بالإنجاب، الذي يرونه كمحلّ لمشكلة الموت. الإيمان بأن هدف الزواج هو إنجاب الأولاد نجده ونصادفه عند أغلب آباء اللاتين (الذين كتبوا بالغة اللاتينية وليس اليونانية) مثل أمبرسيوس وأفغوسطينوس. لكن أبانا فم الذهب له في هذا الموضوع موقف مميّز ومتمايز فضلاً عن نظرته العميقة الاسختولوجيّة لكل الحياة المسيحية. كنه الزواج وهدفه الأساسي مرتبط بموضوع السقوط ليس من حيث الإنجاب والحفاظ على النسل بقدر ما هو بالحقيقة واسطة كمال خلقي ونمو روحي للبشر. فهو دواء ليس للموت وإنما للسقوط الروحي. الأب القديس يقول أن الإنجاب يعود لقوة الله ومشيئته بالذات ولكلمته "أكثروا وانموا". رأيه هذا يسنده إلى الكتاب المقدس عينه الذي يذكر متزوجين لم ينجبوا ولم يصيروا آباء، بينما ولادات كثيرة، كما هي ولادة اسحق، تمت فقط بقوة الكلمة الإلهية وليس بقدرة الجسد. لو لم يخطئ الإنسان في الفردوس ما كان سيصعب على الله أن يكثر البشر بأسلوب ما، وهذا ما تؤكده ولادة آدم وحواء. فلا البتولية تهدّد استمرار الجنس البشري ولا الزواج يضمنه. فلو أنَ الخطيئة لم تدخل "ما كان سيصعب على الله أن يجد الطريقة، التي كان سيتكاثر بها الجنس البشري".

تعدد الزوجات:
في العهد القديم كان هناك تعدد زوجات بسبب الحاجة إلى عائلة قوية، ولأن الخصوبة كانت الغاية. (قضاة 8، 30؛ ملوك 10: 1). وهناك زواج مع إماء. ولكن هناك دائماً تعلّق بامرأة واحدة (اسحق، يوسف...). وكتاب نشيد الأنشاد وإن كان يتكلم عن النفس البشرية والله إلا أنه يوضح التعابير التي كانت مستخدمة في ذلك الزمان ومفاهيم الزواج فيه، حتى صار مفهوم الزوجة الواحدة هو السائد في العهد الجديد.
الزواج والشهوة أُدخلا بعد السقوط حصراً لأسباب روحيّة ونسكيّة، أي للحياة بالمسيح وللكمال الروحي للبشر. إيمانه هذا يبرهنه ليس فقط من الحياة الإنسانيّة الأولى الفردوسيّة، وإنما من قيامة المسيح، التي هي وحي للحالة الاسختولوجيّة المرجوّة. و يرى قديسنا أنه قبل قيامة المسيح ساد الخوف من الموت وتسلط هذا الأخير على حياة البشر، عندها كان الإنجاب أشهى ما لدى البشر لأنّه كان استمرار حياتهم "وعزاءهم ضد الموت" والجميع بنو رجاءهم على ذلك، بأن يتركوا "ورثة" و"ذكرى" و "باقي" لهم. بالإنجاب تستمر حياتهم. وانطلاقاً من هذا الاعتقاد توصّلوا إلى السماح بتعدّد الزوجات. لأن الناس لم يكونوا قد آمنوا فعلاً بحياة القيامة، ولم تكن لديهم بعد فكرة أكيدة وواضحة عنها، وهذا ما تؤكده حوادث جرت مع أناس لمعوا بالفضائل، كأيوب مثلاً. أمّا الآن فبعد أن لمعت شمس القيامة، صار هذا الرّجاء "غير ضروري". قديسنا يضيف أيضاً أنّه بعد أن امتلأت الأرض اليوم بالبشر، أصبحت الحاجة الآن أن نشتهي "الولادة الروحية" أكثر من "الإنجاب الطبيعي"، وبالنهاية يقول أنَ "علة الزواج واحدة وهي أن نتجنب الزنى". أي الزواج هو دواء بالأساس لشهوة الجسد. في نصوص أخرى نراه يقول أنَ الزواج أُدخل لكي "نتعقل ونتعفف" ولكي نصير آباء، لكنه يختم بقوله "أمّا العلة الأولى والسبب الأساسي بين السابقين هو أن نتعقل ونتعفف".
هكذا إن كان من الحياة البشريّة الأولى أو من قيامة المسيح يعَالج الزواج كموضوع روحي، كتداوي وواسطة للكمال الروحي. بالطبع هذا الموقف لا يشكّل إنقاصاً من أهمية العائلة والأولاد، بالطبع إذا كان فكر القديس بحسب العهد الجديد لا يشدد على الإنجاب كغاية في الزواج، وإنما كثمرة، ذلك لا يعني أن الإنجاب غير مطلوب. لأن الكمال الروحي سيتم عبر(Ατόκων- εκκια) البيت- الكنيسة الصغيرة. الزواج هو "سر المحبة" كما يسميه فم الذهب. والمحبة في العائلة تكتمل أكثر عند محبة الزوجين.
لكن من الواضح أنّه عندما لا يساهم إنجاب الأولاد في تشديد أواصر المحبة والوحدة ولا تكون خلقاً روحياً وليس فقط إنجاباً طبيعياً، عندها تستحق الرثاء لا المدح. ومن جهة أخرى، عندما شدّد قديسنا على أنّ الإنجاب ليس هدفاً أوّلاً للزواج، أراد بذلك أن يخلص البتوليّة من عيب العقر.
أوّل ما نستخلصه إذن من تعاليم القديس الذهبي الفم أن الزواج هو علاج للشفاء الروحي وواسطة للكمال والقداسة وهدفه المحبة أوّلاً والتعقل والتعفف. وإن كان يتكلم بالأكثر عن فائدة الزواج كواسطة للتعقل وتجنب للزنى فهذا لا يعود إلى أنّ ذلك هو الهدف الأوّل والغاية الأساسية، وإنما نزولاً إلى حاجات سامعيه. القديس فم الذهب يبقى أبداً أميناً على وصية بولس الرسول (1كور 7: 5)، حيث يتضح أن هدف العفة هو المحبة. الاستنتاج الثاني هو أنّ الإنجاب ليس الهدف الأساسي في الزواج وإنما هو واسطة للكمال الروحي. القديس يطلب الإنجاب لكن دون أن يحتل المكانة الأولى في أهداف الزواج. هذه النظرة العميقة تعود إلى حجر الأساس في تعليم قدّيسنا، وهو أنّه لا ينطلق في نظرته للإنسان من فلسفة فيزيولوجية وإنما من الإيمان بأن الإنسان هو كائن سيسكن السماء، وعندها يغدو الزواج "سراً". هذه النظرة السامية للزواج هي ردّ مباشر على الغنوسية من جهة، وعلى المفكرين واللاهوتيين الغربيين من جهة أخرى. فالزواج هو عناية إلهية من ضمن التدبير الإلهي المحب للبشر. إنَّ كلِّ مواقف الأب السلمية والفريدة بوضوحها وجمالها هي السبب الذي جعل نصوصه الحجر الأساس الأوّل لأغلب الدراسات والمواضيع المختصة بالزواج، الجميع لا ينهلون منه عظاته وحسب، وإنمّا يعتمدون بالأساس على كلماته. هذا ما قام به مثلاً "مايندورف".

الزواج والبتولية:
هناك مفارقة في البتولية المسيحية، فبينما العهد القديم يرى أنه ليس حسناً أن يبقى الإنسان وحده نرى يسوع يتكلم عمن سيخصون أنفسهم من أجل ملكوت الله (متى19، 11-12) وبولس يشجع على الاقتداء به (1كو 7: 8؛ 25: 28).
دعوة العهد الجديد للبتولية ليست احتقاراً للزواج، بل لجعل الحياة من الآن في ملء سر العرس السماوي. وبولس بالذات منذ شعوره أن صور، هذا الدهر تنطوي وتسير نحو نهايتها (1كور7، 31)، يتمنى على الذين لهم نساء أن يحيوا كالذين لا نساء لهم (1كور7: 29).

الرجل والمرأة:
ترتيب، محبة مخلِّصة وطاعة مخلِّصة:
موضوع العلاقات بين كلّ من الزوجين له أهمية في موضوع هدف الزواج وغايته. المثال الأول للحياة الزوجية وطبيعتها ليس إلا ذلك المعطى من بولس الرسول، أي علاقة المسيح بالكنيسة. بالطبع من البديهي أن تكون هذه العلاقة ذات مفهوم اسختولوجي، أي أنها علاقة خلاصية، أي علاقة المحبة المخلّصة بالطاعة المخلّصة. حيث كلّ من المحبة والطاعة تصيران الواحدة هديّة وثمنا للأخرى، ولكليهما الهدف نفسه والغاية المنشودة عينها. إنها بكلام آخر علاقة الجسم بالرأس. فإن كان يتوجب على المرأة الطاعة فهذا لا يعني أن حقوق الرجل أولاً هي الرئاسة والسيادة، وإنما، بالجوهر، واجبه هو المحبة. فالطاعة إذن لا تتماشى ولا تترافق مع الرئاسة وإنما مع المحبة. الرئاسة في النهاية هي مكافأة المحبة، فمن يُحمّل بالأحمال الأثقل، أي بالمحبة تُهدى له الرئاسة. إن نظرة الذهبي الفم الاسختولوجية تعكس العثرة الاجتماعية العامة، عثرة رسالة العرس، أي أفسس (5، 22-23)، فالقديس هنا يشدّد على أن الثقل الملقى في هذا المقطع، ثقل الواجبات، ليس هو طاعة المرأة وإنما المحبة التي يصفها بولس ويحمّلها على عاتق الرجل. هكذا يقول أبونا القديس، يطلب بولس من الرجل محبة كمحبة المسيح لكنيسته، أي أن يعتني ، أن يحبّ، أن يهتم وأن يضحي بنفسه من أجل امرأته. هذه المحبة يمكن أن نفهمها كتصوّر في الفضيلة.
بكلام آخر، إن طاعة المرأة تزيد من محبة رجلها لها وتجعل تضحيته، هذه التي يصفها بولس، ممكنة. أو بشكل عكسي إن محبة الرجل، هذه السابق وصفها، تجعل طاعة المرأة خفيفة وجميلة. فالطاعة هي الدواء اللازم لمنع الرّياء الذي يمكن أن يهدّد محبة الرجل هذه. أمّا المحبة فهي المضاد الذي يمنع التسلط الذي يمكن أن يهدّد الطاعة. فأبونا القديس، كما يعبّر عن أخلاقياتنا المسيحية اسخاتولوجياً، يفترض طاعة المرأة لرجلها وطاعة الرجل لله ومحبة الرجل لامرأته، فإن وحدة الزوجين تتم بوساطة المحبة في الطاعة وبالطاعة في المحبة.
واعترافاً برئاسة الرجل بأنها العناية، وبالمحبة المخلصة، يقبل قديسنا مع بولس الرسول أن تنعكس الرئاسة إذا انعكست أسبابها وامتيازاتها. بما أن الطاعة دخلت بعد السقوط وبعد اضطراب العلاقة بين الزوجين وبعد تزعزع أواصر المحبة ودخول الخطيئة ولم تكن منذ البداية، إذن له هدف اسختولوجي. هكذا بما أن المرأة هي أوّل من عصى وضلّ، لهذا منذ ذلك الوقت هي من يخضع ويسمع.
أضف إلى ذلك أنه بعد السقوط، وبعد غياب المحبة الكافية، صار التساوي سبباً للاختلاف والتعارك، لهذا أُدخلت الطاعة اسختولوجياً. وجوهرياً، أن الرئاسة لا ترتبط بالجنس المحدّد أي بالرجل، ولكن بذلك الذي لا يضل ويطيع الله ويحفظ الإيمان، بينما العبودية كدواء جاءت بعد السقوط، فإنه من الممكن أن تخلّص المرأة الرجل كما يذكر بولس ذاته (1كو7، 16): وما أدرَاكِ أيتّها المرأة "لربّما تخلّصين الرجل"، أي يتبادل هنا الجنسان الرئاسة.
لهذا إن زنى الرجل المتزوج يدان أكثر من زنى غير المتزوج وندعوه فجوراً لأن هذا الأمر لا يشكل فقط تدنيساً للجسد، وإنما استغلالاً لجسد لا نملكه وإنما هو ملك للآخر أي بشكل آخر سرقة واقتناص واختلاس. هذا الفجور هو أبشع من الزنى العادي لأنه لا يلغي فقط العفة وإنما أيضاً يقتل المحبة. إذ أن شرط وجود المحبة هو تقديم الطاعة والعكس بالعكس، شرط تقديم الطاعة تواجد المحبة. هذا لا يعني أنه في حال غياب أحد الشرطين أن تتزعزع العلاقة وتنفك الروابط، لأن كلا المحبة والطاعة يربطهما القديس اسختولوجياً، ليس فقط بالعلاقة المتبادلة بين الزوجين وغير الأكيدة بشكل عام، إنما بالعلاقة اسختولوجيا مع الله والأكيدة دائماً. هكذا في حال اضطراب هذه العلاقة المتبادلة ينصح الأب بأن تُقَّدم المحبة أو الطاعة من الطرفين لله. هكذا نظرة الأب العميقة اسختولوجية، وهي لا تشرح لنا فقط معنى الرئاسة والطاعة، وإنما أيضاً تربط كليهما برابط أقوى من الروابط الاجتماعية ضمن الأطر الحياتية الحقوقية والواجبية، برابط هو بالرّب.
يرفض كل فكر عالمي يقدّم كرامة للرجل وبنفس الوقت يحقر المرأة. هذه الأفكار التي لا تنبع من الكتاب ومن فكرته الاسختولوجية وهذا هو الموجود في مجتمعاتنا حتى المتطورة منها، التمييز والفصل، أما التعليم الكتابي فهو أسلوب وحده. إن الفكر الكتابي هو حلّ عملي وفعلي للمشاكل العصرية حول حقوق وواجبات كل من الزوجين وكل المشاكل الراهنة الاجتماعية بما يختص بحقوق المرأة وعلاقة الجنسين. الذهبي الفم يشير إلى أن النساء يحملن بعض النواقص لكنه يصنفها في صنفين: فالنوعية الأولى تحتوي النواقص الاخلاقية، فمثلاً الزينة الزائدة، الخوف، وغير ذلك. ولكن هذه النواقص ليست في طبيعة المرأة، وإنما تدخل إليها من التربية.
ودليل ذلك أن هذه النواقص تتبدل من امرأة إلى أخرى، وأحياناً من المرأة إلى الرجل. فبرهان ذلك أنه يوجد رجال يخافون أو يحملون تلك النواقص السابق ذكرها.
بينما نرى نساء يتمتعن بالرجولة والوعي والبساطة، في هذه النواقص يلعب دوراً كبيراً إعجاب الرجال بها. والعكس ليس حالة نادرة حين نرى نساء سبقن الرجال في البساطة وشدّة الإيمان وشجاعة التقوى والمحبة الخالصة نحو المسيح.
لا يفتأ الذهبي الفم عن التشديد والتكرار لشروحاته، بأيّ نساء كنّ متصبرات في الجهاد الروحي والفضائل الكتابية والمسيحية. ويردّد الكثيرات منهن: سارة ورفقة وراحيل وسيفورة وحنة اللواتي صرن بإيمانهن وفضائلهن معلمات فعلاً للرجال. على كلٍّ، ينّوه الذهبي الفم أن بولس الرسول ذاته يعرف هذه الحالات ويعترف بها، وذلك عندما يذكر بريسكلاّ قبل رجلها أكيلا، وذلك لتقدّمها عليه بالتقوى والفضيلة.
إذن النساء متساويات فعلاً، ويمتلكن نفس القوى من الناحية الأخلاقية، ويستطعن على وجه السواء أن يسابقن الرجال في التضحية والتكريس للجهادات الروحية وأن ينجحن بذلك.
وفي الصف الثاني، أي النوعية الثانية، يصف كل النواقص الطبيعية كما هي، مثلاً الضعف الجسدي بمقارنة المرأة بالرجل. لكن نواقص كهذا هي امتيازات طبيعية جسدية لا قيمة للفرق بها اسخاتولوجياً أو أخلاقياً. وهذه الامتيازات التي يعطيها العالمَ المعلمن أهمية، هي بالواقع لا أهمية لها. فالقوة الجسدية حين توجد أو حين تغيب لا تزيد الإنسان كرامة ولا تنقصه منها. فعندما يجري الكلام عند آبائنا القديسين يجري الكلام بالأخص على طباع نسائية وعلى رجولة. وهذه الطباع ذات المعنى الأخلاقي تأتي من التربية وليس من الطبيعة. لهذا يشدّد فم الذهب أن بولس استطاع أن يقول: لا عبد ولا حرّ، لا رجل أيضاً ولا امرأة. لهذا يتابع أبونا ويقول: فلا الطبيعة ولا الضعف الجسدي يمنعان التقوى أو التقدّم بسرعة في طريق الكمال. فالمطلوب إذن أن نطرح عنا الطباع النسائية لتشتعل فينا الرغبة والهمّة، اليقظة والرجولة.
فعندما نفسّر القوة بالرجولة عندها تسقط التميزيات العالمية التي بحسبها تصير المرأة أدنى من الرجل. لكن الواقع أن هذا الطبع النسائي سمّي هكذا لأن الناس يربونه بالعموم في بناتهم. ونلاحظ أن هذه الاهتمامات المعاكسة للرجولة بشكل عام عند النساء. لكن هذا كما ذكرنا لا يعود إلى طبيعتهنّ ودليل ذلك أن مثل هذه التمييزات تلغى في الكنيسة لأن التربية هنا تختلف عن التربية العالمية. هذا الطبع هو طبع يختص بالنفس وليس بالجسد.

طقس الزواج:
قديماً لا توجد نصوص واضحة تشير إلى ذلك. لكن الإسرائيلي كان يعرف أن الله يقودهُ في اختياره زوجته (تكوين 24، 42-52)، وأن الله في العهد حدد شرعيَّة وناموس وقوانين هذا الزواج.
كتاب طوبيا، بعد السبي، يعطي روحانية أسمى عن الأسرة المهيَّئة بيد الله (3: 16)، بولس الرسول يعطي للزواج درجة سامية جداً حين يربطه مع علاقة المسيح بالكنيسة. والزواج في الكنيسة لا يعني أبداً مباركة ما هو طبيعي، لكن يعني إطلاق هذه الوحدة الجدّيدة في درب الملكوت.
إن سر الزواج كغيره من الأسرار لا يعمل في الإنسان بشكل عفوي، وإنما يشترط قبوله المعبَّر عنه بمساهمته في طلب نعمة السر.
سرّ الزواج يشدد على وجه الشهادة. الدورة حول المائدة وترانيمها "أيها الشهداء القديسون..." كلها موازية لما يتم بسرّ الكهنوت. والرابط بين السرّين هو سرّ المحبة كشهادة. المحب دائماً شهيد. المحبة دائماً تربح. إن وضع الإكليل يؤكد عن نظرة الكنيسة للعروسين كشهيّدين تكللهما. إن ذكر الشهداء الأربعين.. يؤكد أيضاً على درب المحبة والشهادة فيها. 

 

عن: صفحة مطرانيّة حلب للروم الأرثوذكس

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

عن جريدة النهار: السبت 06 تشرين الأول 2009 - السنة 77 - العدد 23833


النظام المجمعي في الكنيسة الشرقيّة

المطران جورج خضر


النظام الإداري في الكنيسة الأرثوذكسيّة تجسيد لتعليم لاهوتيّ. فالعقيدة عندنا يحفظها الشعب كله أي ان الرؤية لكل الحياة الكنسية هي رؤية الجماعة المؤمنة بما فيها الأساقفة. مع أهميّة المكان الذي يجلس فيها المطران هو يستمع الى ما يقوله الروح للجماعة التي يرعاها. من زاوية هو يأتي منها كما تأتي منه. هذا لا يعني أن المطران يستند الى جمهور رعيته لكنه يأتي من اتقياء رعيته والممارسين. هؤلاء هم في الحقيقة جسد المسيح بحيث إنهم يؤلّفون المسيح على الأرض.


غير ان الأسقف ليس فقط متصلاً بالجماعة الموكولة اليه رعايتها. هو يتصل عضوياً بالمطارنة الآخرين الذين يسوسون كنيسة نسمّيها محلّية أو إقليميّة كما انه متحد بأساقفة العالم كلّه الذين هم على استقامة الرأي. غير أن التحرك الواقعي في اليوميات تحرّك الكنيسة المحليّة مثل الكنيسة الأنطاكية.


هذه يرئسها المجمع المقدس الجامع لكل أساقفة المنطقة والجالس برئاسة البطريرك الذي هو الأول بين متساوين. سر الكهنوت الواحد يجعلهم مجمعاً واحداً، والمرجوّ تالياً أنهم على فكر واحد المفروض أنه فكر المسيح. هذه المعية التي يؤلّفون والتي نرجو ان يمدّها الروح القدس بنفحاته حتى تخدم بالروحانية الواحدة كل الشعب المؤمن من طريق خدمتها للوحدات الروحية التي نسمّيها أبرشيّات. فالمجمع الواحد كالمجمع الأنطاكي المقدس يشرف بسبب اتحاد أعضائه على كل المناطق لكوننا نفترض ان الأساقفة الملتئمين بفكر المسيح لا ينطقون عن هوى وأنهم يسعون الى المسيح منطلقين من الإنجيل. لذلك يضعون في قاعة اجتماعهم كتاب الإنجيل ليذكّرهم بأنهم يقولون قوله وليس لهم قول من خارجه اذا أتوا بقرار أو وضعوا منهج عمل أو أوضحوا الإيمان أو انتخبوا أسقفاً جديداً أو حاكموا اسقفًا خالف القانون الكنسي.


البطريرك عندنا ضمانة وحدتهم لأنه بلغ عدم الهوى. وبفضل هذا التطهر يعتبرونه الأول بينهم ويظلّون حرصاء على احترام موقفه كما يكون هو حريصًا على تبنّي موقفهم اذا بدا عن إجماع. لذلك لا يجتمعون الا بحضوره واذا استدعاه الله اليه لا يجتمعون الا لانتخاب خلف. فليس من مجمع بغياب البطريرك وليس من بطريرك بلا مجمع. وفي حال الشقاق لا يؤلف الذاهبون من المجمع مجمعاً أياً كان عددهم. والأقلية في حال الانقسام التي يجالسها البطريرك تكون هي المجمع.


طبعاً هذا النظام لا مثيل له في أية مؤسسة دنيوية أبرلمانًا كان أم غير ذلك. لذلك كان غير صحيح القول إن الأرثوذكسية ديموقراطية. هي الألفة أو الائتلاف بالروح القدس. فكما تطيع أسقفك لأن الله أقامه رئيساً بوضع الأيدي (أي برسامته) كذلك تطيع المجمع المقدس ليس لأنه سلطة قائمة عليك بشكل تمثيليّ او حقوقيّ او جمعيّ ولكن لأنّ الأيدي وُضعت على رأس كل أسقف يوم رسامته. "الأسقف أيقونة المسيح" كما قال القديس إغناطيوس الأنطاكي. بطاعته تطيع المسيح.

• • •


غير أن الأساقفة بشر تتسرب اليهم أخطاء. اذا أتى الخطأ إساءة الى العقيدة عليك ألا تطيع، وهنا تشكو المجمع الى المجامع الأرثوذكسية الأخرى، واذا أخطأ رئيسك المحليّ الى العقيدة وعلّم البدعة عليك ان تقاطع صلاته وان تعالج أمره مع زملائه ولا سيّما البطريرك. غير أن هذا يحصل قليلاً جداً، وفي السنوات المئة الأخيرة لم نلحظ شيئاً من هذا لأن تحديد العقيدة من اختصاص المجمع المسكوني (العالمي) وليس من اختصاص المجمع الإقليمي.


وقد لا يكون المجمع حكيماً في أمر رعائيّ أو تدبيري. هذا يُناقَش في دورة لاحقة بشكوى أو اعتراض معلّل وتسوّى الأمور إقليميا. هنا يلعب الكهنة الورعون المثقفون كنسياً والعلمانيون المتديّنون الفاهمون دوراً كبيراً. وروحية الأبوة المألوفة تُصلح الأمور خصوصاً أن العقيدة تقول إن الإكليروس وعامّة الشعب المؤمن جسم واحد يتفاعل أعضاؤه بكلمة الخلاص التي يأتي الدفاع عنها مع حسن النية واستقامة القلوب.


ليس في الكنيسة قيمة للعدد. فأنت لا تطيع المجمع لهذا السبب. انت تقبله لأنه تعبير عن الكنيسة المتطهّرة أي الجماعة المصليّة. فقد رفضت الكنيسة في القرون الأولى مجامع مؤلفة من أكثر من أربعمئة مطران وسمّتها مجامع لصوصيّة. وما أقرّت الا تلك التي اعتبرتها ملهمة بالروح الإلهي. المجمع ليس سيد نفسه لمجرد اجتماعه ولكن ليقيننا أنه مرتبط بالرب. الله اذا ساد المجمع بالنعمة يكون هذا مجمعاً إلهيًا وانت تلتزم الألوهية فقط. الأساقفة وكلاء الأسرار المقدسة كما قال بولس، واذا تصرفوا بخلاف هذا التوكيل يصيرون لا شيء اذ ليس في الكنيسة من سلطة الا لله. في كنيسة المجامع المسكونية السبعة كان المجمع اللاحق يوكّد حقيقة المجمع السابق له، بهذا كنا نقترب من اليقين. ويتثبت اليقين عند قبول الجماعة كلها لما أتى به رؤساء الكهنة اذا اجتمعوا. ما كانت المجامع الكبرى تُعرف بالفهم أو باللاهوت العظيم فقط ولذلك نقول في التقويم الآباء القديسون الذين اجتمعوا في نيقية أو في القسطنطينيّة. قداسة المجتمعين هي التي تضمن صحة الرأي اذ ليس من فاصل بين الرأي ونقاوة السيرة.


• • •


هؤلاء الذين نتّكل على طهارتهم مدعوون الى انتخاب في الخدمة عند شغور إحدى الأبرشيات بالوفاة. في بعض الكنائس كما في روسيا مثلاً يشترك الكهنة والعامّة في الانتخاب المباشر. في كنائس أخرى هيئات ترشيحيّة مؤلفة من كهنة وعلمانيين تقوم بعمل الترشيح اي انها تقدّم للمجمع المقدس لائحة من الأسماء يختار منها المجمع واحدا. في بلادنا الهيئة المرشحة هي مؤتمر الأبرشية، واذا كان لم يتشكل يقوم المجمع في مرحلة أولى هو نفسه بالترشيح ثم ينتخب متقيّدا بالترشيح. هناك طبعا شروط ينبغي أن تتوافر في المرشّح أهمها حياته الروحية وأخلاقه ثم تحصيله اللاهوتي العالي ثم شرط السن وتدرّج في الخدمة.


غير أن كل هذه الشروط اذا توافرت هي اقتراب من المثال وليست ضمانة. تختار مثلا شخصًا يبدو لك وديعا عفيفا، وممارسة السلطة قد تفسده ويأتيك متسلطاً. واذا رأيت الى تحصيله اللاهوتي الجامعي قد تظن أنه يعرف، ويتبيّن بعد ذلك انه ضعيف في ممارسة العقل اللاهوتي. ان الصفات الحسنة المتوافرة في كاهن قد لا تكفي لمعرفة أهليته للأسقفيّة. وقد تظهر فيه حسنات جديدة بسبب من مراسه الجديد ولا بد ان يختلف أعضاء المجمع المقدس عند اختيارهم. فهذا يركز على القدرة اللاهوتية في المرشح، وذلك على مواهبه الرعائية ولو كان ذلك على حساب المعرفة. والآخر يشدد على الإداريات عنده. ما الإداريات؟


ينبغي الا نتعجب من اختلاف المعايير عند السادة الأجلاء. فهذا يجذبه ذكاء المرشح وعلمه، وذاك يهتم بخبرته. ولكون القضية تتوقف على تقدير الأفراد يتعذّر الإجماع المنشود أصلاً. غير أن ما يحررك نسبياً من التردد أن تطلب في من تدعوه الى رئاسة الكهنوت محبة للرب متينة وعميقة ويضاف اليها العلم لكون ما يُطلب في الرجل معرفة شؤون الإيمان معرفة دقيقة التماساً للوعظ والتعليم. أما ما يسمّى عندنا التدبير بما للكنيسة من ملك ورزق ومال فقد رأت الكنيسة الأولى ان يعيّن الأسقف المنتخب مدبّراً مطلعا على هذه الأمور، فالإنسان المثقّف لاهوتياً ليس عنده بالضرورة إلمام بشؤون الدنيا. وأما الملمّ بها بخاصة وليس عنده العلم بالله وبكلمته فلا يقدر أن يرتجل الكلمة ارتجالاً. لذلك يمكن ان تتضافر النيات الحسنة والآراء الثاقبة حول اختيار رجل ممتلئ بحكمة الله ويعطى بقية الحكمة زيادة فيما يختبر الناس والزمان وفيما هو يتكل على الحكماء والأتقياء في رعيته.


المشكلة الكبرى ان إنجيل يسوع المسيح مسلّم الى أناس محاطين بالضعف بضرورة طبعهم البشري وكبار القامات الروحية قلة عزيزة. لكن الكنيسة في الدنيا لم تبلغ الملكوت ونحن نعرف كما قال الرسول أن "لنا هذا الكنز في آنية خزفيّة". أن تحفظ الوديعة سالمة حتى مجيء الرب يتطلّب سهرا طويلا واحتمال مشقّات في التعزيات التي تنزل عليك من فوق.


المطران جورج خضر

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 القدّيسون في الكنيسة الأرثوذكسية

مقابلة مع كلود لوبيز-جينيستي 


 

 إيقونسطاس كنيسة البروتاتون في كارييس - جبل آثوس

 

من يدخل إلى الكنيسة الأرثوذكسية يجد نفسه محاطاً بإيقوناتٍ للرب يسوع ولعدد من القدّيسين. تكريم القدّيسين حيّ في العالم الأرثوذكسي. هناك عدد من هؤلاء القدّيسين مشترك مع الكنيسة الكاثوليكية (القدّيسون الذين يعودون إلى ما قبل الإنقسام في القرن 11)؛ زاد عليهم عدد كبير منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا- بخاصة الشهداء الجدد الذين يعودون إلى الكنيسة الروسية في حقبة الإضطهاد الشيوعي.

كلود لوبيز-جنيستي (Claude Lopez-Ginisty) هو أرثوذكسي علماني يعيش في سويسرا، أصدر كتاباً ليس له معادل في اللغة الفرنسية هو "عون القدّيسين" - قاموس الشفاعات

الأرثوذكسية –Le Secours des Saints. Dictionnaire des intercessions orthodoxes. في الحقيقة، منذ القرون الأولى للمسيحية والمؤمنون يلتجئون لا فقط إلى الرب يسوع بل إلى القدّيسين ليطلبوا العون الروحي والجسدي وحتى المادي منهم.

في مقدّمته، يذكر الكاتب كيف أُوحي إليه كتابة هذا المؤلَّف، فهو منذ سنين طويلة يجمع المعلومات التي عرضها في كتابه. يقول أيضاً إنه بحسب التقليد الأرثوذكسي لا تعارض ولا منافسة ولا تناقض بين شفاعة القدّيسين في الأمراض الجسدية والالتجاء إلى الطب. كما يوضح أن عدداً من القدّيسين لهم طريقتهم بالتعاون مع الأطباء خاصة في الحالات التي تبدو مستعصية.
المقابلة:
سؤال: إذا كان الناس بعامة يألفون عملية تطويب القدّيسين في الكنيسة الكاثوليكية، بسبب الحملات الإعلامية، في بعض الحالات، فغير الأرثوذكسيين يجهلون الطريقة المتبعة لإعلان قدّاسة
القدّيس في الكنيسة الأرثوذكسية. كيف تعلَن القدّاسة في الكنيسة الأرثوذكسية؟ هل هناك دعوى لإثبات القدّاسة؟ وما هي الشروط الموجبة؟
جواب: في الكنيسة الأرثوذكسية لا سعي لإثبات القدّاسة كما هي الحال في الغرب. التكريم يأتي أولاً من شعب الله، أي المؤمنين. كل ما تفعله الكنيسة هو الإعتراف بالحاصل وإعطاء صفة
رسمية لممارسة قائمة. والمستشهِدون في سبيل الإيمان، يأتي تكريمهم مباشرة بعد الشهادة.

القدّيسون روفائيل وإيريني ونيقولاوس - يعيّد لهم في 9 نيسان

أحياناً، يكون القدّيس معروفاً في حياته أنه صانع عجائب مثلاً فتستمرّ شفاعته بعد ولادته في السماء. هكذا كانت قدّاسة القدّيس سيرافيم ساروفسكي ظاهرة في حياته بحيث أوصى راهباته بأن يخاطبنه على "أنه حي" عندما يغادر الحياة الأرضية. في أحيان أخرى يكون القدّيس معروفاً فقط من الله فيُظهر نفسه للأحياء. ففي الستينات ظهر شهداء مجهولون من الكنيسة -روفائيل، إيريني ونيقولاوس- لعدد من سكان لسبوس في اليونان. وأمام تلكّؤ هؤلاء السكان، أخذ الشهداء يظهرون لعدد أكبر من الناس، إلى أن تمّ البحث عن رفاتهم والعثور عليها. هؤلاء الشهداء ظهروا حتى لراسم الإيقونات فوتيوس كونتوغلو ليتمكّن من التعرّف إلى ملامحهم ورسْم إيقونتهم. وقد حصلت معجزات كثيرة بشفاعة "الظاهرين الجدد" كما يسّميهم اليونانيون.

وغالباً ما يُعرف القدّيسون محليّاً من خلال مساعدتهم الروحية وأحياناً المادية وتالياً من حماسة الشعب الممتن لهم. ثم إن شهرتهم المتزايدة والتي تتجاوز مكان تكريمهم، تدفع الأسقف إلى إعطاء صفة رسمية لهذا التكريم. وفي بعض الحالات ينتقل هذا التكريم من الأبرشية إلى البلد ومنه إلى العالم أجمع. عندما تجعل الكنيسة هذا التكريم رسمياً، تقام خدمة لتمجيد القدّيس. تُعدّ عندها للقدّيس خدمة ليتورجية وتدخل هذه الخدمة في كتاب الميناون الذي هو الكتاب الرسمي للخدم الكنسية.
 
سؤال: هل يميّز الأرثوذكسيون بين "مطوّب" و"قدّيس"، وعليه هل هناك مراحل لإعلان القدّاسة؟

جواب: لا يوجد مراحل للقدّاسة. هناك تكريم محلّي يتوسّع ويجعل القدّيس معروفاً ومكرّماً في كل الكنائس الأرثوذكسية ولكن لا يوجد تدرّج. التسميات والكلمات المستعملة للقدّيسين في اللغة اليونانية والروسية مثلاً، تشير إلى نمط القدّاسة وليس إلى مرتبته في الكنيسة أو إلى مرحلة من المراحل نحو القدّاسة الكاملة. فكلمة

"Aghios" في اللغة اليونانية تستعمل لكلّ القدّيسين، ولكن في بعض الأحيان تستعمل كلمة "Osios" للتشديد على أن القدّيس كان راهباً أو متوحداً. كلمة

"Blajeniy" المستعملة في اللغة الروسية تعني المطوّب، ولكن لا علاقة لها بمرحلة من المراحل في إعلان القدّاسة، بل تشير بكل بساطة إلى صفة القدّيس "المتباله من أجل المسيح".
 
سؤال: هل يوجد أنماط قدّاسة خاصة بالروحانية الأرثوذكسية؟

جواب: يبدو أن "التباله من أجل المسيح" خاصية أرثوذكسية. الـ"يوروديفي" (Yourodiviy) في اللغة الروسية أو "سلوي" في اللغة اليونانية هو نمط قدّاسة خاص بالكنيسة الأرثوذكسية. تخلّي هذا النوع من القدّيسين عن هذا العالم هو تخلٍ جذريٍ. المتبالهون من أجل المسيح يتخلّون عن كل شيء، وتخلّيهم كبير لدرجة أنهم يدّعون الجنون ويٍُبدون ازدراء بالمظاهر واللياقات، وهم لا يهتمون بشيء إلا بملكوت الله. عزلتهم عن المنطق البشري و"جنونهم" ليس سوى تسبيح متواصل لله. يَظهرون بسيطي العقل، ولكن لهم بصيرة أقوى من حكماء العالم، وتحت قناع الجنون المؤلم، يفضحون عيوب المجتمع الذي يعيشون فيه، وفي بعض الأحيان يستردّون المتسلطين إلى الصواب. هناك قول للقدّيس بولس يصف فيه هذا النوع من النسك:"لا يخدعنَّ أحد نفسه. إن كان أحد يظنُّ أنّه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيماً" (1 كور 18:3). لكنَّ التباله من أجل المسيح صليب ثقيل ولا يتّخذه إلا الأقوياء في الروح.
 
 إيقونة القدّيس يوحنا مكسيموفيتش- يعيّد له في 2 تموز
رفات القدّيس يوحنا مكسيموفيتش الغير المنحلّة

في القرن العشرين، أحد هؤلاء المتبالهين من أجل المسيح عاش بيننا في أوروبا وفي باريس بالأخص: رئيس الأساقفة يوحنا مكسيموفيتش (Saint John Maximovitch). غالباً ما كنت تراه وشعره كث. كان يثير استنكار الكهنة عندما يصل إلى الكنيسة عاري القدمَين إذ أعطى حذاءه لمن هو بحاجة له. كان الأطفال يحبّونه كثيراً. أما الكاثوليك فكانوا يتّخذونه مثالاً ويدعونه: القدّيس يوحنا حافي القدمين! لم يكن ينام سوى ساعات قليلة على مقعد. ويصلّى لألاف الأشخاص كل يوم. عندما رقد، قال أحدُ أبنائه الروحيين إنه لن يجد شخصاً ليحلّ محلّه إذ كان يتصل به القدّيس يوحنا في نصف الليل ليقول له أن يكفّ عن الدعاء لأن الله استجاب لصلاته! جسده الغير المنحلّ موضوع في كاتدرائية روسية في سان فرانسيسكو. ولقد صنع معجزات في كل القارّات.

نوع ثان من القدّاسة خاص بالكنيسة الأرثوذكسية هو ما نسميه بالروسية ستراستوتيربيتس (Strastoterpiets) التي يترجمها بيار باسكال بشغف الآلام أي من كابد الآلام من دون مقاومة. القدّيسان الروسيان بوريس وغلب (يُعيّد لهما في 24 تموز) هما مثال لهؤلاء القدّيسين: فلقد تركا أخاهما سْفياتوبولك يقتلهما من دون أن يدافعا عن نفسيهما. وهما على غرار الخروف الذي سيق إلى الذبح، صورة مسيحانية.
 
سؤال: تكريم الأشخاص المعتبرين قدّيسين، استثنائيين، موجود في عدد من التقاليد، وليس فقط في المسيحية. غير أنّ بعض المؤمنين ينظرون إلى هذا التكريم بحذر ويشبّهونه بالتعاطي
بالخرافات، ربما لأن الذي يصلّي إلى قدّيس ينتظر منه شيئاً بالمقابل. كيف يفسّر التقليد الأرثوذكسي هذه الممارسة؟

جواب: في الماضي، لم تكن اللغة الفرنسية تتكلّم على الموت عندما يترك أحدهم الحياة الأرضية، بل على الولادة، أي الولادة في السماء. الكثير من الناس فَقَد هذه النظرة في عصرنا عصر الـ"No God’s Land"، أي الأرض التي من دون الله. الموت هو الباب إلى الحياة الأبدية، وليس هو النهاية، بل هو البداية. الـ"موتى" لا ينامون كما يذعم بعض التقاليد، بل يعيشون في مكان آخر (وإلا كيف يكون الرب يسوع قد التقى بالنبيَين موسى وإيليا على جبل ثابور؟ ولماذا المسيحيون الأوائل كانوا يعتمدون لموتهم؟). رباطات الحب والصداقة المنسوجة على الأرض تتجاوز تجربة الموت وتتثبَّت. الصلاة ليست في زمن، هي في الأبدية. عندما نصلي، لا نعود في هذا العالم محدودين بالجسد والأمور المحسوسة. وبالأَولى من كانوا يعيشون حياة تقية على هذه الأرض يواصلونها في السماء. القدّيسون الذين عاشوا على الأرض في روح الملكوت يكونون، بطبيعة الحال، ميّالين وراغبين في استكمال مهمتهم بعد ولادتهم في السماء.

 

القدّيس أفرام (يُعيّد له في 5 أيار)
لوحظت شفاعة القدّيسين منذ مطلع القرن الثاني. فبعد استشهاد القدّيس اغناطيوس المتوشح بالله، عاد الذين شهدوا استشهاده إلى بيوتهم. وقد رآه عدد منهم في نومه، فبارك عليهم وسمعوه
يصلّي من أجلهم. شفاعة القدّيسين هي حقيقة. في التسعينات من القرن العشرين، في الولايات المتحدة الأميركية، كان هناك شاب يتعاطى المخدرات يحتضر بسبب جرعة مميتة تناولها. على طاولته  بجانب السرير كان يوجد كتاب الإنجيل. تناول الشاب الكتاب وناجى ربّه بصرخة يأس كبيرة، فظهر له شخص بحلّة سوداء ولحية طويلة. تكلّم معه هذا الرجل مطوّلاً وطمأنه وهدأه. لم يعرف الشاب سوى أن اسم هذا الشخص هو أفرام. وقد نجا الشاب من الموت وأخذ يبحث عن هذا الزائر السرّي الذي انتشله من الظلمات. فاستبان له أن القدّيس أفرام الظاهر حدّيثاً هو إياه الراهب الذي أتى لتعزيته. اهتدى الشاب وصار أرثوذكسياً. يُذكر أنّ القدّيس أفرام هو راهب شهيد من العام 1425 أظهر نفسه عام 1950 لراهبة وكشف لها من هو وأين استشهد. يستريح جسده في نيا ماكري في أتيكا.

هناك أمثلة عديدة من هذا النوع تُظهر أنّ القدّيسين أحياء وهم يهتمّون بحياتنا، ويرأفون بنا. يحسن القول هنا أننا لا نعبد القدّيسين ولا نصلي لهم، بل نطلب صلاتهم  وشفاعتهم، وثمة فرق بين الأمرين. الكنيسة لا تعرف حواجز الزمان ولا المكان لأنها تقطُُن في الأزلية. نستطيع أن نطلب المساعدة الروحية من أشخاص يعيشون في أبدية هذه الكنيسة، مثلما نطلب، أحياناً، المساعدة المادية أو الروحية من المقربين منا على هذه الأرض. القدّيسون هم مقرّبون من الله، هم أصفياء المسيح، وأصدقاؤنا، بصداقة مثمرة بما لا يقاس لأنها في الله. ونحن لا نجعل منهم آلهة: القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث يقول إننا نضع مصابيح لإنارة إيقونات القدّيسين للإشارة أنه من دون النور الذي هو المسيح، ليس القدّيسون بشيء. فقط نور المسيح الذي يضيئهم يجعلهم أحياء ونيِّرين! "نحن نعيش سوية معهم (أي القدّيسين) في بيت الله السماوي، ولكن في أماكن مختلفة. نعيش على الأرض، وهم في المكان السماوي، ولكننا نتحدث معهم وهم معنا" (القدّيس يوحنا كرونشدات).
 
سؤال: ما هي الأسباب التي تجعلنا نربط بين شفاعة قدّيس محدّد وعزاء في مشكلة معيّنة؟ هل نستطيع أن نفترض أن هذا بعامة مرتبط بظروف أو خبرات من حياة هذا القدّيس...؟
جواب: يصعب الإجابة بطريقة جازمة على هذا السؤال. في بعض الأحيان يكون شيء ما في حياة القدّيس أو طريقة استشهاده هو الذي يحدد شفاعته، ولكننا لا نستدعي في حالات آلام
الرأس كلّ الذين قطعت رؤوسهم. أحياناً هناك صلة بين معنى اسم القدّيس والشفاعة المختصّة به، لكن معنى الاسم لا يفترض نوع الشفاعة بالضرورة... القدّيس فلاسيوس الذي من سباسطيا، مثلاً، يستدعيه الناس، في التقليد، لأمراض الحنجرة، أما في ألمانيا فمعنى اسمه قريب من كلمة معناها "مبولة"، فيستدعيه الناس هناك من أجل الأمراض التي تخص الجهاز البولي. وفي التقليد الشعبي السلافي، يستدعون النبي ناحوم ليُنَبِّه الروح...لأن كلمة ناحوم (Na oum) تعني روحاً في هذه اللغات.

 

القدّيسة براسكيفي (يُعيّد لها في 26 تموز) وهي معروفة بشفاعتها لمرضى العيون

في معظم الشفاعات المرجّح أنّ أحدهم قام بطلب مساعدة قدّيس لمشكلة معيّنة، وعندما استجيبت طلبته، ذاع الخبر، وشيئاً فشيئاً، أصبح القدّيس "متخصصاً"!!! ولكنّ رحمة الله كبيرة والصلة التي نقيمها مع القدّيسين ليست سطحية أو عقلانية، بل هي علاقة حقانية. صداقة القدّيسين قوية ووفية ومعاشرتهم تعلّمنا أنه يمكننا أن نطلب شفاعتهم من أجل كل آلامنا...عرف القدّيسون على الأرض أنّ المسيح حاضرٌ في كل واحد من إخوتهم، أحبوهم بالحب الذي أظهره لهم المسيح. وهم، قرب المسيح، يشهدون أيضاً لحبهم له ويكمّلون عملهم الذي هو على الأرض. "كل الآباء الذين رقدوا قبلنا يسندوننا بصلاتهم. همّهم خلاص الإنسان ويساعدوننا بشفاعتهم لدى الله" (أوريجنس).

هم يتشفعون بما أضفى عليهم التقليد من صبغة معيّنة، ولكنهم يستجيبون لكلّ طلباتنا، مهما كانت: هم أمام عرش الله، ومن خلالهم، يستجيب لنا الله بالتأكيد ودائماً.
في الواقع، نحن نفتكر بالأمراض المختلفة عندما نتكلّم على شفاعة القدّيسين، لكنّ المسيحيين الأرثوذكسيين يقيمون صداقات خاصة روحية خارج إطار المرض أو طلبات محدّدة. هناك
قدّيسون نكرمهم بكل بساطة لحضورهم الروحي وعونهم لنا بصلاة صغيرة، قدّيسون تكون شفاعتهم رقيقة وثمينة. فنحن نصلّي في بعض الأحيان لا لنطلب شيئاً ما، بل لنكون معهم في فسحة لحظة أبدية، لنذوق الإتحاد الروحي النقي. هذه اللقاءات التي تحصل في الصلاة هي مفارق الأبدية، هي عربون الحياة المستقبلة التي نتوق إليها من كلّ قلبنا.
 
سؤال: هل لك أن تعطي لائحة صغيرة بالقدّيسين الذين يتشفعون بكافة المصابين بالأمراض؟

القدّيس بندلايمون (يُعيّد له في 27 تموز) وحوله القدّيسون العاديمو الفضة
جواب: هذه لائحة القدّيسين العادمي الفضة. هؤلاء القدّيسون كانوا أطباء يطببون الناس من دون مقابل. لائحتهم مأخوذة من إيقونة يونانية شعبية. الأكثر شهرة بينهم القدّيس بندلايمون
(بندلايمون الذي من الشرق) والقدّيسان قزما وديميانوس. في هذه اللائحة يوجد أيضاً القدّيس أوبريبيوس (المعروف بأفتروبيوس- كما يسميه الأب القدّيس يوستينوس بوبوفيتش في كتابه عن

حياة القدّيسين) وهو لم يكن قدّيساً عادم الفضة ولكنه تكبّد شهادتهم. العادمو الفضة كان لهم في الغرب مكانة القدّيسين الشافين في الشرق. من جهة أخرى بعضهم ينتمي لكلا الفئتَين.
 
سؤال: هل أثار فضولك أو ارتباكك بعضُ الحالات التي صادفتها؟
جواب: عندما كتبت أوّل نسخة من كتابي باللغة الإنكليزية، قرأت السنكسارات، ومجموعة كبيرة من حياة القدّيسين من كل الحقبات التاريخية ومن كل البلدان التي توصلت إليها، وحصلت
على مساعدة رئيس دير في اليونان اسمه دوروثيوس من أندروس وأصدقاء من روسيا عملوا على مساعدتي في أبحاثي عن القدّيسين السلافيين. إنما الذي روّعني بالفعل هو بعض الكتب الحديثة الصادرة في فرنسا. لن أذكرها. هذه الكتيّبات دوّنت بسرعة، هدفها تغطية كلّ الطلبات الممكنة للـ"زبائن المحتملين". نجد فيها إلى جانب تدخلات أصيلة لقدّيسين، حماقات مخيفة فيها الكثير من الذوق الرديء والتجديف. لا يجوز التلاعب بالأمور المقدّسة. في الأبحاث التي أجريتها، لم أصادف أي أمر مستغرب. لقد كنت محظوظاً عندما اهتديت إلى الأرثوذكسية منذ حوالي 35 عاماً حين استقبلوني في الكنيسة، في دير القدّيس نيقولاوس الدلماري في جنوب فرنسا. لم أكن قد حصلت على أي ثقافة دينية من قبل، لهذا كانت نظرتي جديدة في شأن الإيمان والقدّيسين. في قاعة إستقبال الكنيسة الصغيرة كان يوجد فسيفساء للقدّيس يوحنا ماكسيموفيتش رئيس الإساقفة الذي جسده الغير المنحل موضوع في سان فرانسيسكو. هذا هو أول قدّيس التقيته بالفعل و"درسته". وقد تعرفت على أناس عرفوه. رئيس الدير الذي عرّفني على الأرثوذكسية سيم على يده. في وقت لاحق إلتقيت عدداً من الأشخاص الذين عرفوه. عندما قرأت سيرة حياته والمعجزات التي أجراها، تحمست، بشكل من الأشكال، لمطالعة سير قدّيسين أُخر. إذا كان القدّيس يوحنا قد أجرى أموراً عجيبة ومذهلة، وإذا كانت السير التي قرأتها قد نقلتها الكنيسة، فإنه يمكنني أن أكون على ثقة...لقد عاينت ظهورات محسوسة لقدّيسين أثناء إقامتي في اليونان، هذا جعلني أنظر بترحيب إلى كل الظهورات الروحية ورغم ذلك أحتفظ بتمييزي في ما يخص الأشياء المصطنعة والمعجزات الكاذبة والإسراف والمبالغات وأتفاداها. وفي بعض الحالات يصعب التفسير...

 

القدّيس ميناس المصري (يُعيّد له في 11 تشرين الثاني)


 

لأصلَ إلى ما أثار حيرتي، أنه بالضبط أعجوبة شفاعة القدّيسين...هناك قدّيس شفاعته لي كانت ظاهرة بشكل خاص وهو القدّيس ميناس. كنت في دير القدّيس يوحنا المعمدان في ملدون في إنكليترا عندما سمعت عنه. كنت قد أضعت غرضاً ما وأفتش عليه بجِدّ...راهب في الدير قال لي أن أطلب شفاعة القدّيس ميناس، وأضاف أن الأب صفروني هو الذي لقّنه أن يلتجئ إليه...ولقد وجدت في كل مرة أستنجد بهذا القدّيس أن طلبتي قد استجيبت بشكل عجيب ولا يفسّر. عندما أستنجد به، أكرّم إيقونته، وأطلب مساعدته وبعدها أنسى كل شيء وأقوم بعمل آخر. فجأة أتوقف عن عملي الذي باشرته، وأتوجه إلى مكان ما كأنّ أحدهم يقودني بشكل خفي لأجد ما كنت قد فقدته أحياناً في أماكن لا يمكن تصديقها وأحياناً أخرى في مكان أكون قد فتشته بكل تدقيق مرات عديدة. حضور هذا القدّيس محسوس.
 
سؤال: هل كل القدّيسين الشفعاء هم قدّيسون قدماء، أم يوجد شفاعات جديدة لقدّيسين جدد؟

 

القدّيس نكتاريوس (يُعيّد له في 9 تشرين الثاني)
جواب: من الجليّ أنّ القدّيسين القدماء هم الأكثر عدداً ولكن يوجد قدّيسون جدد نطلب شفاعاتهم لأمراض جديدة. القدّيس نكتاريوس الذي من أيينا، هو قدّيس من القرن العشرين، يطلب الناس
شفاعته لمرض السرطان، وهو مرض هذا العصر، كحال الحمى (التي كانت تشمل أمراض كثيرة لم يكن العلم قد عرّف عنها بعد) في العصور الوسطى. في لائحة الشفاعات التي ذكرتها في كتابي، يوجد هذا القدّيس في لائحة الأمراض المستعصية. هناك شهيد روسي جديد، القدّيس ميخائيل الكييفي، تُطلب شفاعته في أمراض العين. وسيكون هناك شفاعات جديدة ستظهر لنا في المستقبل لقدّيسين وحده الله يعلم أمرهم الآن.
 
سؤال: قراءة كتابك تدفع المرء إلى التساءل على العلاقة القائمة بين المسيحية والصحة، الإيمان والشفاء. قدّيسون يتمتعون بتقنيات في مقدمة ما يعرفه الطب... هذا يصعب تصديقه للإنسان
المعاصر! في نظر الكنيسة الأرثوذكسية والقدّيسين، هل كل الممارسات العلاجية مشروعة، أم هل يوجد تعارض أو حدود في بعض الحالات؟
جواب: لقد أسّس القدّيسون المستشفيات كما ذكرت في مقدمة كتابي. القدّيس نكتاريوس الذي من أيينا، المذكور آنفاً، كان صانع معجزات قوي، رغم ذلك كان يرسل راهباته إلى الطبيب ولم
يكن يستعمل علاجاته الروحية إلا عندما يكون الطب عاجزاً. ليس سخيفاً أن يعمل طب الله وطب الأنسان معاً. صديقٌ راهب لي في اليونان أخبرني أن جدّته كانت في المستشفى تتحضّر لتَخضع لعملية جراحية في عينيها. عشية العملية، أتى الطبيب لزيارتها وكان يكلّم زميلاً له قائلاً له إنه لا يعرف تماماً كيف يقوم بهذه العملية الدقيقة. في الليلة عينها ظهر لها القدّيسان قوزما وديميانوس ومعهما علبة المراهم المرسومة في إيقونتهما وأرشداها إلى كيفية المباشرة بالعملية بوضوح. في الصباح، نقلت الجدة الرؤية للطبيب. كان هذا الأخير رجلاً تقياً فسمع بانتباه واتبع نصائح زميليه الماقتَي الفضة فنجحت العملية.
أما في ما يخص حدود الكنيسة في مجال الطب، لست أخصائياً في المبادئ التي تطال هذا المضمار. الإنسان المعاصر يبحث عن الخلود ولا يبحث عن الحياة الأبدية لأنه لا يؤمن بالقيامة.
لذلك يلتجئ إلى العلم والطب منتظراً منهما الحل بأي ثمن للحصول على الخلود أو الموت السريع ومن دون ألم.

 

القدّيس لوقا (يٌعيّد له في 11 حزيران)

البحث الطبي ليس ممنوعاً، ولكن هل كل بحث مرغوب به؟ الأسقف لوقا كان جرّاحاً أعلنت قداسته البطريركية الروسية حديثاً وعاش في القرن الماضي، هو كان أول جرّاح في العالم يمارس عملية الزرع. ولكن يجب أن يكون هناك حدود للمسيحيين الذين يؤمنون أني "عليك استندت من الحشا، من بطن أمي أنت مجيري" كما يقول كتاب المزامير؛ والله هو الذي يقرّر رجوعنا إليه. الأب ستانلي هاراكاس في كتابه عن مبادئ الأخلاق المسيحية الأرثوذكسية (Orthodox Christian Ethics) يطرح أسئلة تبدو لي أساسية: ما هو الطب الأفضل لشعب يرفض الموت؟ ربما طب يقتل. طبيب يساعد مرضاه على الموت، ألا يكون في الطب مثل المعرّف الذي يخون سر الإعتراف في الكنيسة؟

في حالات الزرع، أعرف أن القدّيسين يستطيعون أن يكونوا مفيدين...أحد معارفي المقرّبين كانت عنده عملية زرع بسيطة تُمارس منذ عقود. هذه العملية كانت تُسبَّب له نخساً مؤلم لضميره. وقد ذكر تردُّده أمام رئيس دير، فأخبره هذا الأخير عن عجيبة قام بها القدّيسان قوزما وديميانوس الروميّان. في القصة، أن القدّيسَين ظهرا وأوصيا أن يُزرَع عضو لشخص متوفٍ لشخص بحاجة ماسة له. عندها فقط تقبّل صديقي العملية بشكل هادئ ونشأت علاقة روحية بين المعطي المجهول والذي تلّقى الزرع إذ إن هذا الأخير يصلّي له منذ العملية.
 
المرجع:
Relioscope (2007), Christianisme: Les Saints dans la vie de l’Église orthodoxe – Entretien avec Claude Lopez-Ginisty
http://religion.info/french/entretiens/article_316.shtml
 
عن صفحة الثالوث القدّوس – دوما:
http://www.holytrinityfamily.org/Studies_articles/Orthodox%20Saints.html

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

تاريخ هامة السابق الموجودة
في كنيسة أميان في فرنسا


 

يوجد، اليوم، في كاتدرائية أميان جزء من هامة السابق: الجهة الأمامية من الجمجمة دون عظام الفك السفلي. هذه أتى بها من القسطنطينية "والّون دي سارتون"

(Wallon de Sarton) في 17 كانون الأول 1206 إبان الحملة الصليبية الرابعة وسيطرتها على العاصمة البيزنطية. "ريشار دي جيربيروي" يروي، نقلاً عن والّون، أنه عندما كان هذا الأخير كاهناً على كنيسة سانت مارتان في بيكينيي، شارك في الحملة الصليبية. وعلى غرار كل الإكليريكيين الذين شاركوا في الحملة، كان يتوق إلى جمع الغنائم من ذخائر القدّيسين. في السيرة، أنه لدى سطوهم على المدينة، جمع والّون عدداً من الذخائر ووضعها في الجعبة المشتركة للحملة. ثم سرعان ما خاب ظنّه عندما استدرك أنه لن يحصل على أيّ منها. وفي وقت لاحق، ضُمّ والّون، إلى مجموعة من الكهنة في كنيسة دير القدّيس جاورجيوس المانغانا. هناك وجد، صدفة، مخبأً متصلاً بقصرٍ قديمٍ مهجور. في أحد توابع هذا القصر اكتشف، في المرة الأولى، عدداً من الذخائر. وإثر تفتيش ثان، في اليوم التالي، وجد

 

 

رسم دي بيرسك نقلاً عن الرصيعة التي كانت ملتصقة بالصحيفة التي تغلّف هامة السابق

 

"طبقَين كبيرين مستديرين من الفضة مزوّدين بغطاء". وإذ كان على عجلة من أمره لم يجرء على فتحهما. كان والّون قد تعلّم من خبرته السابقة المؤلمة لذا أبقى سراً اكتشافه الجديد لكي لا يضطرّ إلى وضعه في الحصة المشتركة: خبأ والّون الطبقين في زاوية من زاويا القصر المهجور خلال النهار، ثم حملهما في الليلة التالية

 

إلى غرفته حيث أخذ يتفحّص محتوى صندوقَي الذخيرة الكبيرين. كلّ منهما كان يحتوي على رأسٍ مزوّدٍ بنقشٍ باللغة اليونانية لم يستطع قراءته. إلا أنه بعد البحث والمقاربة مع الرسومات الحائطية استنتج، بكثير من الحماس، أنهما هامتا القدّيس جاورجيوس والقدّيس يوحنا المعمدان. بالنسبة لوالّون لم يعد هنالك أي داع لبقائه في القسطنطينية. تخلّص من الطبقين الفضيين اللذَين قطّعهما قبل بيعهما ليجني بثمنهما تكاليف رحلة العودة ولكي يتفادى الكشف عن غنيمته الثمينة.  في رحلة العودة وضع والّون الهامتين في كيس من الجلد علّقه تحت إبطه. على هذا النحو عاد إلى بيكاردي. في طريقه إلى هناك توقف في ماريسمونتيي حيث وضع هامة القدّيس جاورجيوس، أما يد وإصبع القدّيس فسلّمهما إلى كنيستي بيكينيي وسارتون. وفي نهاية الطريق توقف في أميان حيث وضع في كاتدرائيتها الذخيرة الأهم التي للقدّيس يوحنا المعمدان.

 وجه السابق الموجود في كنيسة أميان مجرّداً من الطبق وإن كان والّون قد تخلّص من الطبق الكبير الذي كان يحوي هامة السابق إلا أنه استبقى صفيحةً من الذهب، تغلّف الهامة جزئياً، وعليها رصيعة من المينا المفصّل على الذهب تصوّر القدّيس يوحنا المعمدان بجزئه العلوي، يباركه الرب يسوع المسيح، وقد كُتب بقرب كلٍّ منهما اسمه باللغة اليونانية.

وجه السابق الموجود في كنيسة أميان مجرّداً من الطبق

 

الصفيحة الذهبية والرصيعة هما جزء من التقليد البيزنطي المتّبع أولاً للحفاظ على الذخيرة وثانياً للتعرّف عليها ونجدهما على عدد من الذخائر المحتفظ بها إلى اليوم. لقد استبقى والّون الصفيحة البيزنطية لأنها دليل أصالة الذخيرة ومصدرها. وبمرور الوقت، اختفت الرصيعة إلا أن وجودها في ذلك الحين يشير إلى أنّ صنعها يعود إلى منتصف القرن 11. ولقد نقل الباحث كلود-نيقولا فابري دي بيرسك (Claude-Nicolas Fabri de Peiresc) رسماً تخطيطياً للرصيعة. المزايا الفنية للرسم هي دون الوسط ولكنّها حافظت على ما كان قد نُقش عليها، وهذا كافٍ من الجهة التاريخية للتعرّف على ذخيرة أميان.

 

رسم "دو كانج" للهامة والطبق من العام 1665


 رسم دي بيرسك نقلاً عن الرصيعة التي كانت ملتصقة بالصحيفة التي تغلّف هامة السابق منذ العام 1876، يُحتفظ بالذخيرة في وعاء من الفضة المذهبة من عمل الصائغ الباريسي بلاسيد بوسيلغ-روساند (Placide Poussielgue-Russand)، وهو من  المتحمّسين 
لفن القرون الوسطى إلى  جانب  أوجين  فيولي  لو  دوق  (Eugène Viollet-le-Duc) الذي كان شريكه في الزخرفات والأثاث الليتورجي. علبة الذخائر التي تعود إلى العام 1876، هي طبق مع غطاء. في داخلها القسم الأمامي من هامة السابق دون الفك السفلي، وهو محصور بقالب من البلّور الصخري مزوّداً ببُرْوَز. هذا الطبق خَلْفَ طَبَقٍ أقدم من العام 1820 أقلّ

قيمة منه. قبل ذلك الحين كانت الذخيرة موضوعة ضمن قالب البلّور في طبق من القصدير صُنع بعد الثورة الفرنسية. فقط الذخيرة وقالب البلّور استطاعا اجتياز الثورة ما بين العامين 1793 و1795 وذلك بفضل لويس-ألكسندر لوسكوفي (Louis-Alexandre Lescouvé). هذا الأخير كان في زمانه صانعاً للشعر المستعار، وشغل منصب مختار أميان ورئيس الدائرة الثورية في منطقته. وقد استطاع إنقاذ عدد من الذخائر التي كانت من كنوز كاتدرائية أميان كما تشهد وثيقة بخط يده وجدت تحت هامة السابق عام 1875.


 رسم "دو كانج" للهامة والطبق من العام 1665 أما الطبق الجديد الذي صنع عام 1876، فكان صورة عن الطبق الأساسي الذي كان يحوي الذخيرة قبل الثورة. وقد نقله "دو كانج" (De Cange) في كتابه عن "تاريخ هامة
القدّيس يوحنا المعمدان" الصادر عام 1665. هذا الطبق كان مصنوعاً من الذهب الخالص قطره حوالي 30 سنتمراً. جوانبه مرصّعة باللآلئ والحجارة الكريمة. وعليه عملة فضيّة عليها ثلاث زنابق علامة السلاح الملكي الفرنسي. هذا الطبق كان مزَّوداًُ بغطاء ذهبي فيه فتحة صغيرة لتقبيل الرفات. ليس معروفاً من قدّم هذا الطبق إلا أنه بحسب رسم "دو كانج" يغلب الظن أنه يعود إلى القرن 15 كما تُبيّن لنا الزخرفات على حرف الطبق، ولكن بعد العام 1419، لأنّه في جردة كنوز كنيسة أميان لهذه السنة مذكور أنّ الذخيرة موضوعة في وعاء من الفضة وليس من الذهب.

 

الطبق الحالي للهامة في كنيسة أميان ويعود إلى العام 1876

 

قد يكون هذا الطبق الذهبي تقدمة الملك شارل السادس الذي تزوّج في كاتدرائية أميان من إيزابو بافيير عام 1385، أو الملكة إيزابو نفسها التي، بحسب "دو كانج"، كان لديها تكريم خاص لكنيسة أميان. وهناك من ينسب الطبق إلى الملك شارل السابع الذي كان يكرّم باستمرار هامة السابق في أميان. الطبق الحالي للهامة في كنيسة أميان ويعود إلى العام 1876 نُقلت الذخيرة إلى هذا الطبق الذهبي بعد أن كانت في وعاء فضي مرصّع بالحجارة الكريمة وهو المذكور في بيان موجودات كنيسة أميان سنة 1419. هذا الوعاء يعود إلى بداية القرن 13، وقد صنع في أميان عند وصول الذخيرة إليها عام 1206 أو بعد ذلك بقليل. أما القالب البلّوري الذي ما زال يُحتفظ به إلى اليوم فهو، بحسب مواصفاته، غير بيزنطي، بل صُنع، أغلب الظن، في مشاغل البلّور الفرنسية التي ازدهرت في باريس خاصة في القرنين 13 و14.


       يُحتفظ اليوم بالجهة الأمامية لهامة السابق دون الفك السفلي في أميان. بينما تتوزع الجهات المتبقية للهامة في أماكن مختلفة من العالم. نذكر أن جزءاً من الرأس، في جهته العلوية،
موجود في فيينا أما الفك السفلي للمعمدان فموجود اليوم بين كنوز كنيسة سانت شامو في لوّار. 
 
المرجع:


       Durand, J. (2007) Reliques et Reliquaires constantinopolitains du chef de Saint Jean-Baptiste apportés en Occident après 1204.
Contacts, Tome LIX, Nº 218, p 188-221.


 مأخوذ من:

 

http://www.holytrinityfamily.org/Studies_articles/Head%20of%20St%20John%20the%20Baptist.html

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

التوبة والاعتراف


الفهرس
كلمات...
التوبة
التوبة والاعتراف
ما هو الاعتراف؟
الإعتراف للكاهن
فائدة الاعتراف
بماذا نعترف؟
متى أعترف؟
الاعتراف والإرشاد الروحي
ملاحظات إضافية

1- كلمات...
       - "...فخرجوا وصاروا يكرزون أن يتوبوا" (مرقس 12:6)
       - "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا" (يوحنا 9:1-10)
       - "اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات" (يعقوب 16:5)
       - "اطلب التوبة في كل لحظة. ولا تدع نفسك للكسل لحظة واحدة". القدّيس أنطونيوس الكبير
       - "ليست خطيئة بلا مغفرة إلا التي بلا توبة". القدّيس اسحق السرياني
 
 
2- التوبة
       الله هو غاية حياتنا. أن نكون مع الله وأن نشترك في حياة الله هو الهدف الذي من أجله نوجد ونحيا ونموت. فإما أن نسلك سبيل الحياة أي سبيل الله، أعني المحبة والوداعة والصبر
والتعفف وسواها، وإما أن نسلك سبيل الموت، أعني الكبرياء والبطر والكذب والدعارة وسواها. فإن نحن اخترنا سبيل الحياة، فهذا يعني أننا نعلن الحرب على أشواك الموت التي هي الكبرياء وسواها. كما يعني أننا نلتصق، بالمقابل، بالله، ونتقوى بنعمته ونحفظ كلامه. هذا السعي الدائم لمحاربة أشواك الموت في حياتنا مقرونا بالأمانة لله هو التوبة. فالتوبة هي جهاد يستمر مدى الحياة. كل لحظة في حياة المؤمن هي لحظة توبة. والمؤمن هو التائب إلى الله.
 
3- التوبة والاعتراف
       ليس الاعتراف معادلاً للتوبة، بل هو عمل من أعمالها. لذلك يُفترض في المعترف أن يكون تائباً وإلا بطل اعترافه، أي يُفترض فيه أن يكون قد اختار سبيل الحياة وأعلن الحرب
على أشواك الموت. أما الذي ما زال مترجحاً بين سبيل الحياة وسبيل الموت فلا قيمة لاعترفه، لا بل قد ينقلب اعترافه عليه.
 
4- ما هو الاعتراف؟
       ليس الاعتراف تعريف الله بخطايانا. الله يعرفها مسبقاً. الاعتراف هو أن نقر بذنبنا وبأننا قد أسأنا إلى الله وإلى الناس بالقول أو بالفعل أو بالفكر. والغرض من الاعتراف هو أن
نتصالح مع الله ومع الكنيسة التي ننتمي إليها: نندم فنعترف بخطايانا ونطلب من الله أن يسامحنا وأن يمنحنا نعمة لكي لا نعود إلى الخطيئة. إذ ذاك تُمسح خطايانا كما لو أنها لم تكن وتتم المصالحة.
  
5- الاعتراف للكاهن
       لماذا الكاهن في الاعتراف؟ إنّ وجود الكاهن في الاعتراف يخدم غرضين، فهو من جهة، علامة لحضور الله في لحظة الاعتراف بالذات، أين أن الله يسمعنا ويقبلنا كالكاهن تماماً،
وهو، من جهة ثانية، صورة للكنيسة، الضارعة إلى ربها المستغفرة إياه. وهو من هذه الزاوية يحتضن المعترف كالأم الحنون ويقوده في اعترافه إلى الله ويطلب من أجله. فوجود الكاهن ضرورة إلا إذا لم يكن هناك كاهن على الإطلاق. حينئذ، وبصورة استثنائية، يُستحسن أن يفضي المعترف باعترافه لأحد المؤمنين الأتقياء، وبالصلاة وطلب الرحمة يكون الحلّ من الخطايا.
 
6- فائدة الاعتراف
       للاعتراف فوائد ثلاث هي التالية:
       أ- فتح القلب وطرح أثقال النفس أمام الله وطلب الرحمة. وهذه أمور هامة جداً في حياتنا مع الله لأنها تكسر طوق كبريائنا وانغلاقنا المؤدي على أنفسنا، وتجعلنا نقرّ بضعفنا.
وحاجتنا لهذه الأمور هامة جداً في حياتنا مع الله لأنها تكسر طوق كبريائنا وانغلاقنا المؤذي على أنفسنا، وتجعلنا نقر بضعفنا وحاجتنا إلى الله.
       ب- الثقة بأن خطايانا قد غفرت وذلك عن طريق السر الكنسي ووضع يد الكاهن. وهذا يعني أننا قد تحررنا من أثقال النفس وبإمكاننا أن ننطلق بعزم أكيد جديد في درب الحياة
       ج- المصالحة التي تحدثنا عنها أعلاه.
  
7- بماذا نعترف؟
       قلنا إن الاعتراف يتناول الإساءة أو الإساءات إلى الله والناس. لذلك نحن نعترف بالإساءات التي ارتكبناها:
       أ- بالقول كالكذب والنميمة والكلام البطال وإدانة الآخرين والتشهير بهم.
       ب- بالفعل كالعداوة والسرقة والإستغلال والظلم والفسق.
       ج- بالفكر كالكبرياء والأنانية وحب الظهور والمجد الباطل والحسد واليأس
       لا يُخفى أن الإساءة إلى الناس هي إساءة إلى الله، ولا يُخفى كذلك أن إحساسنا بالإساءة يقوى أو يضعف باعتبار حفظنا للوصايا وأمانتنا لله.
 
8- متى أعترف؟
        ليس للاعتراف زمان محدّد ولا هو ضرورة تسبق الإشتراك في مائدة الرب (المناولة). التوبة وحدها ضرورية لهذا الاشتراك. إذاً متى أعترف؟ أكلما ارتكبت خطيئة آتي لأعترف
بها أم ماذا؟
       الجواب على هذا السؤال مرهون بأمرين:
       أ- ضمير المعترف. إن شعور المعترف بثقل الخطيئة هو خير محكّ بهذا الخصوص.
       ب- الإساءة إلى الكنيسة بشكل صارخ كما في حالات الزنى والجريمة والغش والسرقة والعداوة، مما يوجب الاعتراف بالخطيئة والتكفير عنها، وإلا حُرم صاحب العلاقة من
الإشتراك في مائدة الرب.
       ولا بد هنا من التأكيد على ضرورة التنبيه والحذر لئلا يصير ترك المؤمن لضميره، في غالب الأحيان، مدعاة للتهاون.
  
9- الاعتراف والإرشاد الروحي
       كثيرون يخلطون بين الاعتراف من جهة والارشاد الروحي وكشف الأفكار من جهة ثانية. في الاعتراف نقرّ بخطايا ارتكبناها، نقرّ بها بكل نية صادقة وتوبة حقيقية. أما في الارشاد

الروحي وكشف الأفكار فإننا نفتح للأب الروحي صدرنا ونكشف له أفكارنا ومكنونات قلوبنا، ونصغي إلى إرشاده ونطيعه كما لو كانت كلماته من عند الرب. وقد يكون الكاهن المعرّف والأب الروحي واحداً وقد لا يكونان. كل كاهن معد إعداداً وافياً لممارسة سر الاعتراف يقدر أن يكون كاهناً معرّفاً، فالأب الروحي ليس بالضرورة كاهناً. لكنه شخص تتوفر فيه المقومات التالية:
       أ- أن تكون له حياة روحية أصيلة.
       ب- أن تكون له نعمة التبني والتربية في الروح القدس.
       ج- أن يكون مشهوداً له بذلك.
       فبين الاعتراف والإرشاد الروحي إذاً فرق. الكاهن المعرّف هو علامة منظورة لمصالحة المؤمن مع الله والكنيسة. أما الأب الروحي فهو علامة منظورة لتبني الله للمؤمن في مسيرته
الروحية.
 
 
10- ملاحظات إضافية
       أ- إذا اعترفت بخطيئة فتأكد أنها قد غُفرت لك. لذلك لا تعترف بها ثانية.
       ب- لكل منا خطيئة رئيسية تتجمع حولها خطايا أخرى. وعلينا أن نكشفها ونركز عليها في حربنا.
       ج- لا تعترف بخطايا غيرك بل بخطاياك أنت. ولا تحاول أن تبرِّر نفسك.
       د- لا مكان في الاعتراف للمحادثة وتبادل الرأي مع الكاهن.
       ه- لا تأتي لتعترف إذا لم يكن عندك شيء يثقّل على قلبك وضميرك.
       و- الكاهن الذي يفشي سر الاعتراف يوقف حالاً عن عمله.
       ز- لا تدع الخجل يمنعك من الاعتراف بخطاياك. خير لك أن تعترف بخطاياك على الأرض من أن يخجلك الله في السماء.
       ج- لا تدخل في تفاصيل خطاياك أثناء الاعتراف.
       ط- إذا نسيت خطيئة أثناء الاعتراف ثم تذكرتها بعد ذلك فلا يؤنبك ضميرك، فإنها مغفورة لك. ولكن...إياك أن تخلط بين النسيان والتناسي.
       ي- كثيرون لا يشعرون بثقل الخطيئة أو بالحاجة إلى الاعتراف. لماذا؟ لأنهم لم يتعودوا فحص الضمير. واعتياد فحص الضمير يتطلب أن نحاكم أنفسنا بصورة منتظمة، كأن نقيِّم في
كل مساء وفي ضوء الإنجيل، ما عرض لنا في بحر النهار، وأن نشكر الله ونمجده على ما أتيناه من الصالحات، وأن ندين أنفسنا على ما أتيناه من السيئات، طالبين من الله الرحمة ومعاهدين إياه على بذل قصارى جهدنا لتجنُّب الوقوع في هذه السيئات في المستقبل.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

عيد رقاد والدة الإله

 

تاريخ العيد

عيد رقاد السيدة هو آخر عيد كبير في السنة الطقسية التي تنتهي في 31آب، ويدشّنها عيد ميلاد العذراء في 8 أيلول. ويرتكز هذا العيد، كباقي الأعياد المريمية (ماعدا البشارة) على معلومات استقتها الكنيسة من التقليد. وقد أُسس هذا العيد في أواخر القرن السادس أو أوائل القرن السابع (بين 610 و 649) بمناسبة الكنيسة التي دشنت في الجسمانية حيث دفنت مريم ووالديها كما جاء في التقليد. ثم انتشر في سائر أنحاء الإمبراطورية البيزنطية. وانتقل إلى الغرب في عهد البابا ثيودورس الأول (647-649).

عظات شهيرة تشهد لهذا العيد، ألقيت في القرن الثامن، وقد ألقاها القديس جرمانوس بطريرك القسطنطينية (توفي 733)، والقديس أندراوس الكريتي (توفي سنة 740) والقديس  يوحنا الدمشقي (توفي سنة 753)، (وقد انتقينا مقطعاً من إحداها في مقطع سابق من هذه النشرة)، وغيرهم من الواعظين المشهورين في القرن السابع. وقد استعمل لهذا العيد عدة تسميات منها "عيد رقاد والدة الإله" أو "انتقال" أو "صعود" العذراء.

ولم يذكر الإنجيل شيئاً عن رقاد والدة الإله كما انه لم يسلط لنا الأضواء على تفاصيل حياتها أيضا. إنما ما يذكره القديس  يوحنا الدمشقي في أوائل القرن الثامن في عظته الشهيرة حول رقاد السيدة كاف لتثبيت التراث الشفهي الذي شاع في الكنيسة منذ القرون الأولى ونقل إلينا في مخطوطة بعنوان "كتاب يوحنا اللاهوتي حول رقاد والدة الإله الكلية القداسة". وقد وجدت نسخ من هذه المخطوطة باللغات اليونانية والسريانية والعربية، وكلها تعود إلى أوائل القرن الرابع للميلاد. أما القديس الدمشقي الذي اشتهر بكتاباته المريمية، فأكد لنا أن المسيح بنفسه قد حضر إلى مضجع والدته المحاط بالرسل الذين استقدموا بالروح من أقاصي الأرض.

يقول التقليد الشفوي أيضا أن الرسل بعد العنصرة أخذوا يجتمعون معاً بانتظام وإذا اتكئوا للغذاء بعد الصلاة كانوا يتركون ما بينهم موضعاً خالياً ويضعون على الوسادة قطعة من الخبز الذي يأكلونه يدعونها جزء الرب. وإذا نهضوا بعد الغذاء وصلّوا وشكروا يأخذون تلك القطعة فيرفعونها قائلين "المجد لك يا إلهنا المجد لك المجد للأب والابن والروح القدس" وكانوا يرددون المسيح قام لفترة تتراوح بين الفصح والصعود. أما من بعد الصعود فكانوا يهتفون "عظيم أسم الثالوث القدوس أيها الرب المسيح أعنا" وهكذا حتى أفترقوا للكرازة.

ولكي يبقى هذا التقليد حياً هكذا كان يفعل كل من الرسل حيثما وجد، إلى أن اجتمعوا مقبلين بالسحب ليحضروا احتضار السيدة الذي لم يكن في الواقع إلا انتقالاً. أما في اليوم الثالث من دفنها وإذ كان الرسل مجتمعين كعادتهم وفيما هم يرفعون جزء الرب قائلين" عجيب أسم.." توقفوا وانذهلوا ! إذ يا له من عجب مستغرب السماء فُتحت وظهرت العذراء بجسمها الطاهر ملتحفة بسحابة من النور وملائكة ظهروا متسربلين النور محيطين بها في الجو فقالت "السلام لكم افرحوا معي مدى الأيام.." فاندهش الرسل وهتفوا قائلين عوض "أيها الرب يسوع المسيح أعنا" "يا والدة الإله الكلية القداسة أعينينا" حينئذ ذهبوا إلى القبر وإذ لم يجدوا جسدها تيقنوا من حقيقة قيامتها من بين الأموات حية بجسدها نظير أبنها منطلقة إلى السماوات.

قد يتخيل البعض أن هذه الرواية خيالية بعيدة عن الحقيقة والموضوعية، ولكن من يقرأ الإنجيل بإيمان ويعجب بآياته لا يستغرب تقليداً كهذا بل هو تتمة منطقية لحياة الكلية القداسة وتتويج طبيعي لحياة طاهرة كحياة مريم التي اتخذها السيد جسداً من جسدها. أليس هو القائل "من آمن بي وإن مات فسيحيا" فكيف بالحري من جسّدت الإيمان بشخصها وحوت بأحشائها سيد العالم وخالقه؟..

يوحنا الدمشقي يهتف بلغة الإيمان في عظته الشهيرة حول رقاد مريم:" اليوم تعبر من الأرض إلى السماء تلك السلم التي نزل عليها العلي" (وهنا يشير إلى سلم يعقوب في حلمه كما ورد في(التكوين 10:28-19). هذا القبر أقدس من قدس الأقداس حيث حوى لا الظلال والرموز بل الحقيقة عينها..ارفع نظرك يا شعب الله وشاهد خيمة إله الصباؤوت في الجثمانية وقد حضر الرسل إليها ودفنوا الجسد مبدأ الحياة الذي كان قد حوى أبن الله.."

 

أيقونة رقاد السيدة أو انتقالها

 

"أيها الرسل اجتمعوا من الأقطار إلى هنا في قرية الجثمانية واضجعوا جسدي وأنت تقبل روحي يا ابني والهي" هذه الترتيلة صورة عن الخطوط العريضة التي اتبعها رسامو الأيقونات لرسم أيقونة الرقاد. هناك أيقونة في دير القديسة كاترينا في صحراء سيناء(25سم x 38سم) رائعة من حيث الفن التصويري، يعود تأليفها إلى القرن الثاني عشر، واضحة جداً في تصميمها الذي لا يتغير في كافة أنحاء البلدان الأرثوذكسية. وكلنا نعلم أن لأيقونات هذا الدير قيمة منفردة، إذ لم تتأثر بموجة الفتك بالأيقونات التي سادت في القرن الثامن. المشهد هو نفسه في كل الأيقونات التي تؤدي معنى الانتقال: العذراء مريم منطرحة على فراش الموت، جسدها منطو أفقياً وكأنه يكاد ينقلب لتوازنه غير الثابت. وهذا يفسر بسبب عدم وجود العمق في فن الأيقونات، كل شيء رسم سطحياً إذ لا وجود لبعد ثالث كما في اللوحات العادية. فجسد مريم منحن عاكف على الناظر بكثير من الرقة. أما المسيح فهو منتصب في وسط الأيقونة، جسده في اكثر الأحيان محاط بهالة بهية من النور الأزلي، يحمل مريم في يديه مقمطة بلفائف كطفل صغير وكأنها تولد في السماء على يدي ولدها وسيدها. من ينظر إلى الأيقونة من بعيد يتراءى له الخطان اللذان يؤلفان مريم ويسوع وكأنهما خطّا صليب السيد: فالصليب منتصب أبداً في حياة الكنيسة. أما الرسل فيحيطون بجسد مريم بشكل نصف دائرة، نلمح بوضوح أربعة منهم:

بطرس منحن فوق رأس مريم وعلائم الحزن والتأمل ظاهرة على وجهه، بولس منعكف عند قدميها منذهل، يوحنا التلميذ الحبيب يُقبّل نعشها بحزن عميق، واما اندراوس فهو واقف وراء بطرس. يوجد عدة أساقفة في اللوحة يتميزون لباسهم الكنسي. أما الملائكة فيشتركون بفرح بهذا المشهد الحزين فيضيفون عليه علائم السموات.

أما روسيا في القرون الوسطى عندما كانت مدينة كييف عاصمتها، فكانت تعتبر عيد رقاد السيدة عيداً وطنياً وتضع نفسها تحت شفاعة العذراء مريم وحمايتها إزاء الغزوات الخارجية، ولذلك اشتهر الفن الروسي في أداء لوحات رقاد العذراء كما تميزت مدينة نوفغورود برسّاميها فكان التأليف نيّراً ساطعاً.

 

معنى العيد

 

يوضح لنا الأب جيله في كتابه عن دورة السنة الطقسية أن نشأة هذا العيد غامضة في العالم المسيحي. ففي فلسطين كان يُقام العيد في 15 آب ما قبل القرن السادس. أما في القرن السابع فقد ثبّت الإمبراطور البيزنطي موريس تاريخ 15 آب بطريقة نهائية. انه من أهم الأعياد الكنيسة وتحضّر الكنيسة المؤمنين له بصوم يدوم أربعة عشر يوماً نصلي فيه قانون البراكليسي، أي الابتهال إلى العذراء يومياً. وهو أهم أعياد السيدة. القراءات التي تتلى فيه هي نفسها التي تتلى في ميلاد السيدة ولا تنوه قطعاً عن رقاد السيدة. أما المعنى الروحي للعيد فيتجلى في تراتيل صلاة الغروب والسحرية ولكن في الواقع هناك عدة معان تنبعث من الصلوات المختصة بالرقاد:

المعنى الأول: العيد ليس فقط احتفالا بولادة مريم في السماء كما تشير إليه الأيقونة بل عيد انتقال مريم بالجسد إلى السماء، والنصوص التي تشير إلى ذلك عديدة في طقوسنا "أن والدة الإله لا تغفل في الشفاعات...لم يضبطها قبر ولا موت"..." لانك انتقلت إلى الحياة بما انك أم الحياة"... وبالتالي جسد مريم الكلي الطهر لم يعرف الفساد الناتج عن الموت وتفككه بل انتقل بواسطة الملائكة إلى السماء.

أما الكنيسة فلم تفرض هذا التعليم على المؤمنين كعقيدة، ولكن ضمير الكنيسة الحي عبر الأجيال يعتبر نفي انتقال السيدة إلى السماء كتجديف أكيد. مريم هي تلك المخلوقة المنفردة في النقاوة والطهارة الجليلة في سر صمتها، المتسامية في عمق آلامها، التي تجاوزت حدود الطبيعة وطارت إلى اقرب حد يستطيع أن يصل إليه إنسان، فتعالت عن الملائكة وتألهت بتواضعها. ولذلك مجّدها ابنها بجسدها ونقله إليه. وهكذا تعيد الكنيسة بمريم أول قيامة قبل القيامة العامة.

المعنى الثاني: "الموت صار عربونا للحياة..." العيد هو عيد كل الطبيعة الإنسانية لان بمريم توصلت الجبلة الترابية النتنة إلى هدفها الأسمى وسمح لها بالرجاء... رقاد العذراء يُمثل لنا المجد الذي يمكن أن نصير إليه إذا ما أثمرت النعمة فينا بفعل الروح القدس. ومهما يكن من شأن الحدث التاريخي فالمهم بالنسبة إلينا أن الكنيسة تركز في قراءاتها على المعنى الروحي للحدث وقد اوجزه لنا بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "كما لبسنا صورة الترابي سنلبس صورة السماوي.. إذ نحن أيضا سنتغير"(1كورنثوس 15 : 49 و52). لا شك أن لمريم وضعاً خاصاً وامتيازات خاصة ولكن لنا بها شفيعة إذ لم تهملنا برقادها، ممهدة لنا الطريق إلى السماء، واضعة نصب أعيننا إمكانيات الطبيعة الكامنة في طياتها المنتظرة ندى الروح القدس لكي تنفتح وتتدفق حياة القداسة.

 

لماذا الانتقال؟ للقديس يوحنا الدمشقي

 

في الواقع، إنّ هذا المسكن اللائق بالله، والينبوع غير المنقوب بيدٍ الّذي يتدفق منه الماء الغافر الخطايا، والأرض غير المحروثة المثمرة الخبز السماوي، والكرمة التي أعطت خمر الخلود دونما سقاية، وزيتونةَ رحمةِ الآب الدائمة الاخضرار ذات الثمار البهيّة، كان يجب ألا تقاسي اعتقال لجج الأرض لها. بل كما أن الجسد المقدس الطاهر الذي بواسطتها وحّده الكلمة الإلهي بأقنومه قد قام من القبر في اليوم الثالث، هي أيضاً كان يجب أن تُنتزع من اللحد وتنضمَّ الأمُّ إلى ابنها. وكما نزل هو إليها، هكذا هي نفسها محطُّ حبّه كان يجب أن تُنقَلَ إلى "المسكن الأعظم والأكمل" إلى السماء بعينها".

كان يجب أن تأتي لتسكن في مظالّ ابنها، تلك التي قدّمت ملاذاً للكلمة الإلهي في حشاها. وكما قال الرب إنه سيكون في مسكن أبيه الخاصّ (بالضرورة)، هكذا كان يجب أن تسكن الأمّ في بلاط ابنها، "في بيت الرب وفي ديار بيت إلهنا" (مز134: 1، 135: 2). لأنّه إذا كان ها هنا مسكنُ جميع الفرحين" (مز7:78)، فأين ستسكن إذاً من هي علّة الفرح؟ كان يجب أن تحفظ جسدها بلا فساد، وحتّى بعد موتها، تلك التي حفظت بتوليتها كاملةً في الولادة. كان يجب أن تسكن في المظالّ السماوية تلك التي حملت خالقها طفلاً في حشاها. كان يجب أن تأتي لتسكن في خدر الزواج السماوي، العروس التي اختارها الآب لنفسه. كان يجب أن تشاهد ابنها جالساً بقرب الآب، من قد شاهدته على الصليب متقبلةً بذلك في قلبها سيف الألم الذي تركها في ولادتها. كان يجب أن تتسلّم والدة الإله خيرات ابنها وأن تكرّمها كلّ الخليقة كأمّ لله وأَمَةٍ له. فالميراث يمرّ دوماً من الوالدين إلى الأولاد؛ وأما ها هنا، واقتباساً لعبارة أحد الحكماء، فينابيع النهر المقدس ترتقي ثانيةً إلى أصلها، وذلك لأنّ الإبن قد أخضع لوالدته الخليقة بأسرها.

بتصرف عن: رسالة رعية حلب ودير ينبوع الحياة: دبين - الأردن

مأخوذ عن الصفحة التالية:
 http://web.orthodoxonline.org/index.php?option=com_content&view=article&id=602:theotokos-dormition&catid=29:theotokos&Itemid=100

 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 

الكنيسة والكنائس في فكر الأب جورج فلوروفسكي
الحركة المسكونية: من أين؟ وإلى أين؟

 

الفهرس

تقديم
ما هو واضح لديه
لِمَ انخراطنا في الحركة المسكونية؟
العلّة والعلاج المرتجى
سبيل ينبغي تجنّبه
مزالق ينبغي الحذر منها
في ضوء ما تقدّم
إلى أين؟

 

تقديم

الأب جورج فلوروفسكي أحد أبرز اللاهوتيّين الآبائيّين الأرثوذكسيّين في القرن العشرين. جمَع إلى المعرفة العميقة استقامة الموقف ورحابة التوجّه ونفاذ البصيرة والشفافية التراثية. واكب الحركة المسكونية التي تمخّضت عن تأسيس مجلس الكنائس العالمي في أمستردام سنة 1948. عبّـر بوضوح وبلاغة عن الموقف الأرثوذكسي التراثي من العمل المسكوني كما لم يعبِّر عنه أحد سواه. في مجموعة أعمال الأب فلوروفسكي الصادرة بالإنكليزية في أربعة عشر جزءاً، في الثمانينات من القرن العشرين، تحتلّ كتاباته، في الشأن المسكوني، المجلّدين الثالث عشر والرابع عشر (1989). الإطّلاع على مساهماته إغناء للفكر المسكوني وعود على بدء اتقاء الضبابية والحيدان عن المسرى القويم. ستة عقود من الزمن كادت تنقضي سبقتها تحضيرات هامة، هذه اعتورتها تفاعلات بدّلت النظرة إلى الذات. اهتمامات خبت واهتمامات احتدّت، كلّها بحاجة إلى إعادة نظر وتقويم حتى لا يكون استمرار التلاقي المسكوني بقوّة العطالة (Inertia) وحتى لا يتكوّن، من جرّائه، جسم يستمدد قيمته من ذاته ويفرض نفسه كأمر واقع له تكوينه وغاياته الخاصة من حيث يدري الناشطون فيه أو لا يدرون. مطالعتنا لما كتب تمدّنا

بالمنطلقات التي كان، على أساسها، في نظره، الإقبال الأرثوذكسي على العمل المسكوني.

 

ما هو واضح لديه

يعبِّر فلوروفسكي، في إبداء نظرته إلى الكنيسة المقدّسة، عن قناعة هي، إليه، بديهيّـة لا مانع أن يُوسَم، في شأنها، بالعناد معتبراً عناده "عناداً في البديهيّـة"1، على حدّ تعبيره. مؤدّى هذه البديهيّـة، التي هي في أساس إقباله على الحوار المسكوني، أن الكنيسة واحدة، وهذه الوحدة هي جوهر الكنيسة بالذات. ما انقسم هو العالم المسيحي. أما الكنيسة فغير منقسمة ولا سبق لها أن انقسمت وهي غير قابلة للإنقسام. لفظة "الكنيسة"، في الاستعمال الصارم والدقيق للكلمة، ليست لها صيغة جمع ولا لها موقف متساهل من هذه الصيغة إلاّ مجازيا2. لذلك نخطئ إذا ما تكلّمنا على انقسام في الكنيسة. الدقّة تحدونا، بالأحرى، إلى التحدّث "لا عن انشقاق في وحدة الكنيسة بل عن افتراق عن الكنيسة"3. ويمضي الأب فلوروفسكي في وضع النقاط على الحروف فيُبدي أنه، بصفته عضواً وكاهناً في الكنيسة الأرثوذكسية، يؤمن بأن الكنيسة التي اعتمد ونشأ فيها "هي، في الحقيقة العميقة، الـ "الكنيسة" أي الكنيسة الحقّ والكنيسة الحقيقية الوحيدة". تعليلاته قناعته الشخصية أولاً والشهادة الداخلية للروح القدس الذي ينفخ في أسرار الكنيسة وما تعلّمه من الكتاب المقدّس والتقليد الجامع للكنيسة. بناء عليه يصرّح، من دون عقد، أن كل الكنائس المسيحية الأخرى، في نظره، تعتورها العيوب. "وبإمكاني في حالات عديدة"، على حدّ تعبيره، "تحديد هذه العيوب بالدقّة الكافية". من هنا أن إعادة الوحدة المسيحية، لديه، هي، ببساطة، "الهداية الجامعة إلى الأرثوذكسية". ويؤكّد الأب فلوروفسكي، في هذا الإتجاه، أنه ليس له ولاء طائفي. ولاؤه، حصراً، هو للكنيسة الواحدة المقدّسة4. من هذا المنطلق يبدي أنه لا يحكم البتّـة على أحد "أنه خارج الكنيسة" لأن الدينونة معطاة للابن. "ليس أحد مخوّلاً باستباق الدينونة". ولكنْ هذا لا يمنع ولا يتعارض البتّـة مع كون الكنيسة صاحبة سلطان في التاريخ هو أولاً "سلطان التعليم وحفظ كلمة الله بأمانة"5.

 

لِمَ انخراطنا في الحركة المسكونية؟
بديهي، في ضوء ما تقدّم، أن هناك قاعدة إيمان ونظام يصفها الأب فلوروفسكي بـ"القاعدة السويّـة".  ما لا يتّفق وهذه القاعدة هو غير سويّ.  وغير السويّ ليس فقط برسم الإدانة بل
برسم المعالجة أيضاً.  "هذا"،  بكلمات الأب فلوروفسكي،  "تبرير لاشتراك الأرثوذكسي في الحوار المسكوني على الرجاء أنه من خلال شهادة حقّ الله يمكن كسبُ القلوب والعقول البشرية"6. أما الغرض الآني من العمل المسكوني فهو التخلّص من الأحكام المسبقة وقصر النظر والاقتراب معاً "من فهم المعنى الحقيقي للانشقاقات الحاصلة وجذورها وأسبابها الحقيقية".

والأب فلوروفسكي يعتبر الإشتراك في الحركة المسكونية عملاً رسولياً. فإن "الكنيسة الأرثوذكسية"، على حدّ تعبيره، "مدعوّة، بخاصة، إلى لعب دور في تبادل الأفكار مسكونياً، بالضبط لأنها تعي دورها كحافظة للإيمان الرسولي والتراث في هيئتهما الكلية المتكاملة". ويتحدّث عن وعي الأرثوذكسية كونها ممسكة "بكنز النعمة الإلهية من خلال استمرار الخدمة والتسلسل الرسولي". لذلك لها، من هذا المنطلق، "مكانة خاصة وسط المسيحية المقسّمة"7. كذلك يبدي أنه قد يكون مفيداً لنا جميعاً "أن نعيد تكامل القطع التي لنا من التقليد المسيحي المشوّه في تركيب جديد يشكّل، في آن، استعادة للوجدان المشترك للكنيسة العريقة"8.

ويخلص إلى أن التماس الوحدة أو إعادة الوحدة ضرورة والوحدة أمر إلهي. "الانقسام المسيحي لا يعني أقلّ من إخفاق المسيحيّين في أن يكونوا مسيحيّين حقيقيّين... حتى لو كان الواحد في موقع ملء الحقّ... لأنه ليس مسموحاً لأحد أن يكون حراً من المسؤولية عن الآخرين"9 العلّة والعلاج المرتجى علّـة الانقسام في العالم المسيحي، العلّة التي هي أم كل علّة أن هناك تبايناً بيننا في النظرة إلى الحقّ. لذلك "اللاهوت السليم"، بكلام الأب جورج فلوروفسكي، "هو الأساس الوحيد المكين للوحدة المسيحية. هو الأداة الوحيدة لخلق فهم حقيقي..."10. هذا لا يعني اتفاقاً في الصيغ ودستور الإيمان وحسب. الانقسام الحاصل أعمق من ذلك لأنه "انقسام في الإيمان، في خبرة الإيمان بالذات"11. الوجدان الواحد مفتقد. الفكر ليس واحداً. قراءتنا ليست واحدة.

لذلك، بحسب الأب فلوروفسكي، لا نتغلّب على الانقسام إلاّ "بقدر ما نتغلّب عليه من خلال الاتفاق ووحدة الفكر – من خلال الاستنارة الروحيّـة، في وحدة الحقّ"12. وفي موضع آخر يقول إنه "فقط بالعودة إلى الفكر المشترك للكنيسة الأولى يمكن التغلّب على الانقسامات". صحيح أنه لم يكن هناك تماثل لدى القدامى ولكن "كان هناك فكر مشترك"13 

 

سبيل ينبغي تجنّبه

هذا ويبدي فلوروفسكي أن مواجهة الخلافات كما هي، بواقعية، خطوة أساسية في الاتجاه السليم. علينا أن نعترف بأن خلافاتنا "عديدة ومتأصلة وجذرية". بإزاء ذلك لا مجال للمساومة. واقعنا نواجهه، بالأحرى، "بصراحة وشجاعة، بلا تحفّظ ولا مراوغة، بثقة وأمانة". أجل الانقسام الحاصل عميق. لذلك الاختزال والطرق السهلة لا تنفع. "على المرء أن يكون شجاعاً بما فيه الكفاية لمواجهة تحدّي المأساة المسيحية". علينا أن نعمل على إزالة حجارة العثرة لا أن نكتفي بتجاهلها أو تجنّبها"14 ما نتشوّف إليه هو "الإجماع اللاهوتي العميق". "هذا وحده يضمن صحوة حقيقية في الوعي المسكوني". أما البحث عن الحد الأدنى المشترك فلا قيمة له على الإطلاق15.

 

مزالق ينبغي الحذر منها

1-  اعتبار اللاهوت مسؤولاً عن التوتّر والانقسام في الكنيسة. "الدين والعقيدة (وأعني بذلك اللاهوت) لا زالا، في العادة، يُجعَلان في تضاد". ثمّـة ميل كبير إلى الاعتماد، بالأحرى، على الخبرة الدينية المباشرة، على التقوى من دون العقيدة. في تقييم الأب جورج فلوروفسكي أننا في الخبرة الدينية المباشرة نواجه "تنوّعاً يائساً" في الخبرة الدينية لا يقبل التكامل ولا يؤمّن أية وحدة على الإطلاق. بكلمات الأب فلوروفسكي: "حرّية الخبرة الدينية المباشرة هي العامل الأكثر إحداثاً للانقسام والأكثر عبثاً بحياتنا الروحيّـة. الوحدة والإتفاق لا يمكن تحقيقهما إلاّ على صعيد العقيدة... تاريخياً اللاهوت دواء يحفظ من الشواش البالغ للخبرة الحرّة... العقيدة خارطة... ليست نظاماً قائماً بذاته يمكن أن يحلّ محلّ الخبرة بل هي خارطة ومرشد ورفيق للمسافر"16 وفي مقال يأخذ فيه فلوروفسكي على المؤمنين الأرثوذكس الروس قلّة اهتمامهم بالعقيدة، يبدي أن عقيدة الآباء هي نبع الأرثوذكسية في الحياة وأنه لا فصل عندهم بين "الروحانية" و "اللاهوت". القداسة في التراث الأرثوذكسي دائماً ما تفسّر لاهوتياً، في فئات الرصانة والأمانة للحقّ. على ذلك يؤكّد أن شواش الحياة المعاصرة مردّه، مباشرة، "إهمال التعليم الصحيح"17. في هذا الإطار أيضاً، يشير إلى أن ثمّـة نزعة خطرة جداً في الحركة المسكونية إلى الإقلال من أهمية "الخلافات الفكرية" أو حتى تجاهلها. لذا يُصار، أحياناً كثيرة، إلى الطعن في أهلية أساتذة اللاهوت من حيث إنهم "باقة من الناس يخلقون تعقيدات لا لزوم لها"18. هذه النزعة، بنظر الأب فلوروفسكي، تعيق التقدّم في مسار الإعادة الحقيقية للوحدة. ويخلص إلى أن "اللاهوت السليم هو الأساس الأمين الوحيد للوحدة المسيحية وهو السبيل الوحيد لخلق تفاهم حقيقي"19

2- الحذر من الإفراط في الحداثة في تعاطي الأمور. هذا، في المواقف والتوجّه، بنظر الأب جورج فلوروفسكي، يحول دون وصولنا إلى أساسات الإيمان المسيحي والواقع التراثي الذي يُصار إلى اعتباره مهجوراً مماتاً. "على المرء أن يستعيد المنظور التاريخي الحقيقي لا أن يُستأسَر مقعَداً إلى حداثة منعزلة"20.

3-  تعاطي موضوع الانقسام وكأنه موضوع أخلاقي بحت. ليست القضية قضية سلام أو تسامح وحسب. لسنا، هنا، في صدد مواجهة مسألة تتعلّق بالانحراف الأخلاقي أو الضعف البشري. "المنشأ الأول للانقسامات المسيحية"، بكلام فلوروفسكي، "...هو الوهم... اختلاف الآراء في شأن الحقّ". لذا دائماً ما تفضي الأخلاقية، في طرح المسائل اللاهوتية، إلى ضرب من عقائدية الحدّ الأدنى إن لم يكن إلى رفض عقائدي. "مثل هذه الأخلاقية"، بنظر الأب فلوروفسكي، "تتغذّى أو تنشأ من نوع من اللاحسّ أو اللامبالاة العقائدية أو قصر النظر"21.

4-  إحداث تضاد غير طبيعي بين الحقّ والمحبّـة واعتبار المسألة، في أساسها، سوء تفاهم مردّه النقص في المحبّـة الأخوية. هنا يوضح الأب فلوروفسكي أنه "لا يصار إلى التغلّب على الانقسام باللطف والمحبّـة الأخوية بقدر ما يُصار إلى التغلّب عليه بالاتفاق ووحدة الفكر". المحبّـة التي توحّد أساسها وحدة الإيمان. فقط في الحقّ لا من دونه هناك محبّـة حقيقية روحية لا مجرّد عاطفية عابرة22 صحيح أن مصدر الانقسام هو النقص في المحبّـة ولكنْ محبّتنا لله23، معرفتنا به، معاينتنا له. وبعدم معرفتنا للآب السماوي لا نعود نعرف أو نتبيّن إخوتنا.

5-  "اختزال الوحدة المسيحية بقصرها على أبعاد التعاون في المسائل العملانية"24 الحركة المسكونية مجرّبة بانتهاج هذه القادومية مسلكاً. من أول الطريق كان هناك شعار طُرح بقوّة في ستوكهولم، سنة 1925 "ان العقيدة تفرِّق والخدمة توحّد". لا يجد الأب فلوروفسكي غضاضة في التعاون والتضامن في المسائل العملانية. هذه أيضاً مساهمة في الوحدة المسيحية. الخطر يتمثّـل في حجم هذا التعاون والغرض منه، ألاّ يحلّ الهاجس العملاني محلّ الهمّ اللاهوتي وان يبقى، بصدق وأمانة، مجرّد عامل مساعد على التلاقي العقائدي. بغير ذلك يمكن لهذا التعاون أن يشكل عائقاً دون البحث الحقيقي عن الوحدة. مرّة أخرى يؤكّد فلوروفسكي أن جذر الانشقاق ذو طبيعية عقدية وهو أعمق بكثيرمن مجرّد "التغرّب التاريخي أو العزلة المتبادلة". لذلك يستخلص "ان التعاون الفعّـال بين المسيحيّين المنقسمين في القضايا الاجتماعية أو في حقل المسائل الدولية دون أي إلحاح عميق في ابتغاء اتحاد أقصى في كنيسة واحدة، لا يمكن إلاّ أن يُعتم أو حتى يُفسد الرؤية بشأن "الوحدة المسيحية" الحقيقية التي هي وحدة في الإيمان والنظام ووحدة الكنيسة وفي الكنيسة".

6-  الحذر من تعاطي الشهادة للأرثوذكسية أيديولوجياً، كمذهب فكري. هذا يكون شهادة للحقّ في معرض الباطل. "في الحقيقة"، بكلام الأب فلوروفسكي، "قبل أن نتمكّن من الكرازة بالأرثوذكسية الحقّ للعالم علينا أن نكون نحن، أنفسنا، أرثوذكسيّين بالفعل. فهل نحن كذلك؟ "ما هو حاصل أو ما نقع فيه، أحياناً كثيرة، هو أننا نلتمس مجداً في الميراث الذي خلّفه لنا آباؤنا، ولكنْ الخشية دائماً هي أن "نتعاطى هذا الميراث ببلادة"25
7-  الحذر من تخطّي حدود الواقعية الكنسية في التاريخ. إن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البنّـاؤون. المعرفة والفهم والرؤيا الكاملة محفوظة ليوم الدين. "ولكن، أقلّه"، بكلام الأب
فلوروفسكي، "ان معرفة وجهة السير موفورة للكنيسة، منذ الآن، في حجّها الأرضي. أن نستعيد الإحساس بوجهة السير هو الواجب الأول للحركة المسكونية في الوقت الحاضر". علينا أن نقرّ بأن الهدف بعيد المنال والطريق ضيّـق لكن مرشداً أكيداً لا يخطئ معطى لكل الذين يبحثون بتواضع وتفان وهو المعزّي، روح الحقّ. هو يقود المؤمنين إلى ملء الحقّ"26

 

في ضوء ما تقدّم

الأب جورج فلوروفسكي، في ضوء ما تقدّم، قال، في الشأن المسكوني، قول الكنيسة برمّتها. طبعاً الكلام على المسكونية يطال كل ما يمتّ، من جهتنا، إلى العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس الأخرى، سواء في مستوى الرؤساء أو اللاهوتيّين أو عامة المؤمنين، في إطار مجالس وهيئات تقام هناك وهناك ومن دونها. نحن، إذاً، لا نتحدّث عن جسم واحد من العلاقات بل عن أجسام تتفاوت في الجدّية والرصانة، بحسب الهيئات والأمكنة والأزمنة. يبقى أن ثمّـة ملامح تعكسها المناخاتُ المسكونية بعامة، خصوصاً في أوساطنا. هذا ما نقتصر عليه في هذا البحث.

يلاحظ المرء في قراءته لفلوروفسكي أن الحركة المسكونية حتى الخمسينات كانت وعداً طيِّباً للإيجابيات التي استبانت في فهم السلبيات بين الكنائس وللدراسات التي أُجريت في الشؤون الكتابية والتاريخية والعقدية وسواها وللحوارات الصريحة التي أُقيمت27 على ذلك لسنا، في هذا المقام، في معرض الطعن بالشأن المسكوني في المبدأ. العلاقات المسكونية جانب أساسي بديهي من حياتنا وشهادتنا في الكنيسة الأرثوذكسية لا غنى عنه. تساؤلاتنا تتناول نمط المسكونية الذي نريد، تمييز القويم من غير القويم وفرز غير المقبول لأنه يسيء، في العمق، لا إلى إخوتنا غير الأرثوذكسيّين وحسب، بل إلى استقامة انتمائنا نحن إلى الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسولية.

إذاً، الحركة المسكونية، في هذا الإطار، كما استقرأناها في فكر الأب فلوروفسكي، هي حركة لاهوتية أولاً وأخيراً، والشأن المسكوني، لكي يكون ناجعاً، ينبغي أن يطال، في أساسه، الشأن العقدي. فهمنا للحقيقة ليس واحداً وخبرتنا أيضاً، لذلك إيماننا ليس واحداً. فحوار العقيدة، في إطار "المسكونية في الزمن"، أي بالعودة إلى تراث الكنيسة، بحسب تعبير الأب فلوروفسكي، هو منطلق العلاقات المسكونية ومآلها. فقط الهمّ اللاهوتي يبرِّر، من ناحيتنا، الحركة المسكونية. كل عمل، على كل صعيد آخر، يُفترض به أن يصبّ، بأمانة، في هذا المحور الأساس ويساعد فيه وإلاّ يساهم في تحويل الأنظار عن الحوار العقدي، وتالياً في تعطيل المسعى الوحدوي وتحويله في اتجاه آخر غير الاتجاه المحدّد له بدءاً. دور الكنيسة الأرثوذكسية هنا دور رسولي لأنها حاملة وجدان الكنيسة الرسولية بامتياز ولها سلطان في شأن التعليم القويم ولو لم تكن "الكنيسة الحقّ"، بتعبير فلوروفسكي، هي "إلى الآن الكنيسة الكاملة"28

قراءتنا للعديد من المعطيات المسكونية، في ضوء ما تقدّم، تعطينا الانطباع أن ما يجري اليوم غير ما تطلّع إليه فلوروفسكي وجيله. لا زال الكلام اللاهوتي في التداول ولكن لا يبدو لنا أن الهاجس اللاهوتي هو، بعد، محور الاهتمام. ثمّـة تحوّل حدث ويحدث.

 

إلى أين؟

خشيتنا أن نكون قد أُخذنا بحمى تكتّـل المسيحيّين أكثر بكثير مما أُخذنا بوحدة الإيمان والخبرة والوجدان الكنسي.
خشيتنا أن ما نحن في صدده ليس استعادة الانتماء إلى وحدة الكنيسة بل إقامة اتحاد بين الجماعات المسيحية هنا وثمّـة. هذا ما يسمّيه الأب جان رومانيدس "الدمج وإقامة الأحلاف الطائفية
العالمية"29.
خشيتنا أن تكون العقيدة قد تحوّلت إلى شعارات يتلبّسها همّ سياسي اجتماعي جامح.
شعورنا أن اعتماد الاختزال اللاهوتي سيكون إلى ازدياد. المسيحية المسكونية سيُسوَّق لها باطراد باعتبار الحدّ الأدنى المشترك بين الكنائس فيما يتقلّص الاهتمام بالفروقات العقدية فتمسي من
خصوصية هذه أو تلك من الكنائس. هذا سينعكس على الشأن التربوي وعلى كل الشؤون التعاونية بين الكنائس.
شعورنا أن نطاق الاهتمام بقضايا شؤون الأرض كالسلام العالمي وحقوق الإنسان والبيئة سيتّسع لأن هذا المجال، بعد التحوّل الضمني التدريجي عن مجال العقيدة، سيصبح هو المجال الأمثل
للتعبير عن اتحاد الجماعات المسيحية وترسيخ هذا الاتحاد.
شعورنا أن الخلطة في الصلاة والاشتراك في القدسات، ولو بصورة غير رسمية، سيستمر وسيكون إلى ازدياد لأن الليتورجيا، والحال هذه، ستكون عنصر الدعم الأكبر للمشروع المسكوني
وتكريسه المَظنون "لدى الله"(!)
شعورنا أن المرحلة المقبلة مرشّحة للمزيد من المشروعات الوحدوية على غرار محاولة توحيد الأرثوذكسيّين والسريان الأنطاكيّين وتوحيد الأرثوذكسيّين والملكيّين الأنطاكيّين.
شعورنا أنّ ما يؤخّر مثل هذه المشروعات، بالدرجة الأولى، هو خوف الأرثوذكسيّين المحبّذين لها من ردود الفعل داخل المخيّم الأرثوذكسي.
شعورنا أن التغرّب الوجداني والتشنّج بين الأرثوذكسيّين مرشّحان للتعمّـق والازدياد.
شعورنا أن التكتّـلات ذات الشعارات المسيحية تخضع لمنطق تكتّـلات الأمم على غرار خضوع ديانات الأمبراطورية الرومانية لخدمة قيصر إلاّ المسيحية فعُدَّ المسيحيّون، يومها، ملحدين.

اليوم، في زمن العولمة، زمن الأمبراطورية الرومانية الجديدة، الكل يتّجه نحو اتحاد الشعوب. وما أخفق قديماً يؤمَل نجاحه اليوم. لذلك التكتّـل المسيحي، راهناً، في تلاق مطّرد وديانات الأرض ومشروعات اتحاد الديانات قائمة على قدم وساق. الكل يعي أنك إذا شئت أن توحّد العالم فعليك أن توحّد الديانات أولاً. الماسونية الفكرية تجتاح العالم.
خشيتنا أن نكون قد دخلنا، من حيث لا ندري، في زمن التطويع لبابل جديدة. هذا يفعلونه، في الظاهر، باسم الله. وما يراد به، في الحقيقة، بناء برج رأسه بالسماء30

 

الأرشمندريت توما (بيطار)
دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما  –  لبنان


1 فلوروفسكي، الأب جورج. مجموعة أعماله (بالإنكليزية) الجزء 13. الكنيسة الحقّ. ص 134.
 2 فلوروفسكي، الجزء 13، إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 14.
 3  المصدر عينه ص ص 14 – 15.
 4  فلوروفسكي، الجزء 13. المسكونية منظور شرقي أرثوذكسي ص 134 وكذلك البحث عن الوحدة المسيحية والكنيسة الأرثوذكسية ص ص 139 – 140.
 5 فلوروفسكي، الجزء 13. الكنيسة الحقّ. ص 134.
6 المصدر عينه ص 135.
7 فلوروفسكي، الجزء 13. المساهمة الأرثوذكسية في الحركة المسكونية ص 160.
8 فلوروفسكي، الجزء 13. التوتّر اللاهوتي بين المسيحيّين ص 12.
9 فلوروفسكي، الجزء 13. أغراض وشكوك مسكونية ص 24.
10 فلوروفسكي، الجزء 13. الحاجة إلى الصبر ص 21
11 فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 16.
12 المصدر عينه.
13 المصدر عينه ص 13.
14 فلوروفسكي، الجزء 14. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 171 – 172.
15 فلوروفسكي، الجزء 13. أغراض وشكوك مسكونية ص 26.
16 فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 9 – 10.
17 فلوروفسكي، الجزء 13. انتقاد القصور في الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس الروس. ص ص  169 – 170.
18 فلوروفسكي، الجزء 13. الحاجة إلى الصبر ص 21.
19 المصدر عينه.
20 فلوروفسكي، الجزء 14. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 172
21 فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 15 – 16.
22 المصدر عينه ص 16 – 17.
23 المصدر عينه.
24 فلوروفسكي، الجزء 13. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 171.
25 فلوروفسكي، الجزء 13. مسؤولية الأرثوذكسيّين في أميركا ص 175.
26 فلوروفسكي، الجزء 13. مأساة الانقسامات المسيحية ص 33
27 فلوروفسكي، الجزء 14. مجلس الكنائس العالمي ص 189.
28 فلوروفسكي، الجزء 13. المسكونية. منظور شرقي أرثوذكسي ص 134.
29 رومانيدس، الأب جان، الأرثوذكس: الوصول والحوار في "ما ينتظر الكنائس" (بالإنكليزية) 1965 ص 13.
30 تك 11: 4

ملاحظة: هذه الدراسة مأخوذة عن موقع عائلة الثالوث القدّوس - دوما
http://www.holytrinityfamily.org/Studies_articles/Study%202_080518.html

 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

Make a Free Website with Yola.