الزواج مشروع كنيسة

 

       في خدمة العرس يقف العريسان الواحد بجانب الآخر ويواجهان الهيكل. ثم في وقت من الأوقات يضع الكاهن يد الواحد منهما بيد الآخر ويبارك اليدين معاً. وفي لحظة أخرى يدور الكاهن بالعروسين حول الطاولة أمامهما والتي يكون عليها الإنجيل. الحركات والوضعيات في الكنيسة لها معانيها. ترى ما معنى هذه التي ذكرناها؟

       يمثّل الهيكل ملكوت السموات ووقوف العروسين في اتجاه الهيكل معناه أنهما يطلبان ملكوت السموات، يتّجهان نحوه. حياتهما الزوجية لها هدف أساسي واحد هو دخول ملكوت السموات. وهما إذ يقفان أحدهما بجانب الآخر ويضع الواحد منهما يده في يد شريكه يعلنان أنهما سوف يعملان يداً واحدة وقلباً واحداً ببركة الكنيسة على تحقيق هذا الهدف.

       هذا من جهة ومن جهة أخرى إذ يدور العروسان حول الطاولة التي عليها الإنجيل، يتقدّمهما الكاهن، يعلنان أنهما يدوران، برعاية الكنيسة وإرشادها، حول كلمة الله في الإنجيل، أي حول المسيح. حياتهما معاً، منذ الآن، تدور حول المسيح. هو بداية كل شيء بالنسبة إليهما وهو النهاية. هو القاعدة وهو الغاية. يطيعان يسوع ويمجّدان الله ويطلبان ملكوت السموات.       على هذا الأساس يُبنى البيت الزوجي وإلا لا يكون الزواج مسيحياً ولا تنفع العروسين خدمةُ العرس في شيء. تكون كسكب الماء على حجارة صمّاء.

       أما إذا رغب الزوجان حقاً، وبكل جدّية، في بناء بيت مسيحي وعائلة مسيحية فإنهما يحتاجان إلى إرشادات وتوجيهات. هذه بعضها:

       1- استعينوا بالكاهن، لا سيما إذا كان مستنيراً. استعينوا أيضاً بأزواج مسيحيّين حقيقيّين سبق أن اختبروا الزواج والحياة الإلهية قبلكم. اسألوا. استفسروا. الأشبينان، بحسب الأصول الكنسية، ينبغي أن يكونا صالحين للقيام بهذا الدور.

       2-
اسلكوا باستقامة من نحو الله. اقرأوا الكتاب المقدّس. تعلّموا من الكنيسة. كل ما لا ترضى الكنيسة عنه تحفّظوا منه. احفظوا الوصيّة. اعملوا بموجبها. لا تخالفوها. كونوا أمينين. أطيعوا الله يُطعْكم أي يسمعكم ويعينكم ويبارككم. فإن أهملتم وصاياه أهملكم أي سدّ أذنه ولم يسمع لكم ومنع بركته عنكم. "بالكيل الذي به تكيلون يكال لكم" (مت 2:7 لو 38:6). لا تخافوا. مهما قست عليكم الظروف لا تخالفوا الوصية. هو وعدكم بان يهتمّ بكم فآمنوا! هو قال "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 28:11). لا تنسوا أبداً: الله قادر على كل شيء. يعطيكم ما هو نافع لكم وبحجب عنكم ما يضرّكم. اكتفوا بأرزاقكم. لا تمدّوا أيديكم إلى الحرام. اقنعوا بما يرسله الله لكم واشكروا على كل شيء. إياكم والتذمّر لأن كل شيء جعله الله لخيركم وإن كنتم لا تعلمون. الصحة تنفعكم أحياناً والمرض أيضاً. وكذلك الشحّ ينفعكم أحياناً والبحبوحة أيضاً. الله يوازي هذا بذاك وهو العارف بما يوافقكم أكثر منكم.

       3-
ليسمع الواحد منكم الآخر. ليسمعْ بقلبه. المهم أن يسعى كل واحد إلى سماع صوت الآخر. وصوت يسوع يمكن أن يأتي من خلالك أنت ويمكن أيضاً أن يأتي من خلال شريكك. ليس الموضوع أن ترضي المرأة زوجها ولا أن يرضي الرجل زوجته. الموضوع أن يعملا معاً متعاونَين على إرضاء الله. "لتكن مشيئتك لا مشيئتي" (لو 42:22). لا فضل لرجل على امرأة ولا لامرأة على رجل إلا بالتقوى. فإن تشاجرتما فتصالحا قبل غياب الشمس لأنه قال:"لا تغرب الشمس على غيظكم" (أف 26:4). ليس المهم مَن منكما على حق وعلى مَن هو الحق. صاحب الحق عند الله هو مَن يقول لشريكه أولاً: أنا أخطأت، سامحني! المتضع عند الله دائماً ما يكون على حق.

       4-
صلّوا وصوموا كما تصلّي الكنيسة وتصوم. تعلّموا الصلاة. اقتنوا كتب الصلاة. اسألوا الكاهن في ذلك أو اسألوا الرهبان يعلّموكم. ليكن لكل واحد منكم قانون صلاة أي فرض صلاة يومي. وأنتم أدّوا بعض صلواتكم معاً وأدّوا البعض الآخر كلٌّ على انفراد. مثلاً صلّوا صلاة النهوض من النوم معاً وكذلك صلاة النوم الصغرى. أما صلاة المسبحة، أي صلاة يسوع "ربّي يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ" فليصلّها كل واحد منكم على حدة. كذلك صلّوا قبل الطعام وبعده وقبل العمل وبعده. ليكن لكم في إحدى غرف بيتكم مصلّى، أي مكان للصلاة، تجتمعون فيه أنتم وأولادكم. زيّنوا بيوتكم بالإيقونات. بخّروا كل يوم. تعلّموا أن تذكروا الله على الدوام. ومع الصلاة احفظوا القطاعة، كما توصي الكنيسة، يومي الأربعاء والجمعة واحفظوا الصوم أيضاً أيام الصوم الكبير وصوم الميلاد وغيره من الأصوام. احضروا قدّاس يوم الأحد وما أمكن من الصلوات والقداديس الأسبوعية. الصلاة في البيت تكتمل بالصلاة مع الجماعة.

       5-
لا تهملوا عمل المحبة. زوروا المرضى. عزّوا المتعبين. ساعدوا المساكين. أعطوا الفقراء مما أعطاكم الله. لا تقولوا الذي لنا بالكاد يكفينا! كلما أعطيتم من حاجاتكم كان عطاؤكم أكبر عند ربّكم. لا تنسوا قول القائل:"مَن يعطي المساكين يُقرض الله" (أم 17:19). لا تعاملوا الناس كما يعاملونكم بل كما تريدون أنتم أن يعاملوكم. لا تحكموا بحسب الظاهر. لا تنتقموا لأنفسكم. سامحوا. لا تحقدوا. اغفروا يُغفر لكم. بادروا إلى عمل الخير. لا تنتظروا غيركم أن يبادر قبلكم. من يحبّ يبادر.

       6- وإذا أعطاكم الله ثمرة البطن، أي أولاداً، فاعلموا أنهم أمانة في أعناقكم. أولادكم ليسوا لكم بل لربّكم. لذلك ربّوهم لله. أنتم مسؤولون لا عن إطعامهم وإلباسهم وتعليمهم فقط. أنتم مسؤولون، قبل ذلك وفوق ذلك، عن تربيتهم تربية مسيحية. المهم أولاً أن يعرفوا الله ويتعلّموا الوصية ويسلكوا في الفضيلة. وأكثر ما يتعلّم الإنسان بالقدوة. لذلك كونوا قدوة لهم في الصلاة والصوم والمحبة والصبر واللطف والإتضاع. لا تعتمدوا الصراخ أسلوباً تتعاملون به في البيت. ولا تخرج من أفواهكم كلمة بذيئة. ليفتح طفلكم عينيه على الله حاضراً بينكم، وكأنه أحد أفراد الأسرة، لا بل رب الأسرة. الطفل يحسّ بحضور الله أو بغيابه من خلالكم ومن خلال موجودات بيتكم. الله حاضر معكم من خلال الإيقونات المعلّقة على الحيطان. حاضر معكم من خلال رائحة البخور متى بخّرتم. من خلال الصلوات متى
صلّيتم.من خلال ذكر اسم يسوع. من خلال تصرّفاتكم وطريقة تعاملكم. لذلك صلّوا لولدكم. صلّبوا عليه. رتّلوا له. قفوا به، احملوه وأنتم تصلّون وتسجدون. أعطوه فرصة أن يرى، أن يشمّ، أن يسمع، أن يشترك في عبادتكم لله. لا تقولوا إنّه صغير لا يفهم. الطفل يحسّ. الانطباعات الأولى التي تتكوّن لديه، لا سيما في البيت، هي الجذور العميقة لعلاقته بالله. ولا بأس إن بكى وكان كثير الحركة. اصبروا عليه تربحوه لنفسه ولله. أعطوه فرصة أن يتربّى في الكنيسة. خذوه إليها. إلى القداديس والصلوات. لا تقولوا الناس يتذمّرون. لا بأس إن تذمّروا. علينا جميعاً أن يحمل بعضنا بعضاً. المهم أن نعوّد الولد على الصلاة في بيت الله. هدّئوه ما أمكن. فإن كان شديد الازعاج والانزعاج لمغص أو غيره فأخرجوه خارجاً لبعض الوقت ومتى هدأ عودوا به إلى الداخل. إذا لم يتعوّد الطفل على الكنيسة من صغره فسيصعب عليه أن يتعوّد في كبره. ومتى انطلق لسانه وأخذ في الكلام علّموه أن يردّد الصلوات والتراتيل. ومتى نما إدراكه أخبروه قصص الكتاب المقدّس والقدّيسين. علّموه الطاعة لله بالرفق والتشجيع لا بالخوف والتهديد. لا تجعلوا الله بمثابة بوليس لأولادكم. بالنسبة للمعموديّة عمّدوهم صغاراً ما أمكن. بين الأربعين يوماً والثلاثة أشهر. لا تؤجّلوا معموديّتهم طويلاً لأسباب عائليّة أو اجتماعيّة. كذلك ناولوهم القدسات ما أمكن. اسقوهم الماء المقدّس وادهنوهم بالزيت الذي تأخذونه من الكنيسة. ومتى كبروا قليلاً قدّموهم إلى فرق التعليم المسيحي. إيّاكم وإهمال ما هو لله في تربية أولادكم. أن تعلّموهم طاعة يسوع وعبادة الله أهمّ من أن ترسلوهم إلى المدارس. طبعاً عاملوا أولادكم بالحسنى والتشجيع ولكن لا تساوموا على تعليم الصلاة والفضيلة وطاعة الله. فإن سلكتم على هذا النحو أعددتم أولادكم ليكونوا شهوداً ليسوع ووفّرتم عليهم صعوبات كثيرة في حياتهم. إن فعلتم ذلك رضي الله عنكم وبارك بكم.

       7- ثمّ انتبهوا من التلفزيون. التلفزيون له مظهر التسلية ولكنّه يبثّ الكثير من السموم في نفوسكم ونفوس أولادكم. برامجه غير مدروسة. ليس التلفزيون تعليميّاً. يطغى عليه الطابع التجاري. القيّمون على التلفزيون يهمّهم أن ينقلوا أفكارهم وأفكار مَن يموّلونهم، وأفكارهم أحياناً صحيحة وأحياناً غير صحيحة. معظم الناس لا يميّزون. التلفزيون ليس للتسلية فقط بل للتأثير في الناس، للّعب بأعصاب الناس. التلفزيون أداة خطيرة. سيف ذو حدّين. إن لم نستعمله بكثير من الانتباه والتأنّي والتمييز فإنّه يكون مؤذياً. لذلك عليكم أن تتعلّموا كيف تختارون البرامج النافعة لكم ولأولادكم. اسألوا إن كنتم لا تعلمون. في كلّ حال لا تشاهدوا التلفزيون لفترة طويلة كلّ يوم. على الأكثر ساعة أو ساعة ونصف. وإذا أمكنكم أن تستغنوا عنه بالكليّة يكون هذا أفضل لكم. إذ ذاك تصرفون وقتكم في الأعمال المفيدة
كالقراءة والصلاة والتحدّث إلى بعضكم البعض وزيارات المحبّة وما أشبه ذلك.

       هذه بعض الإرشادات والتوجيهات لكم. تمعّنوا فيها. لا تستخفّوا بها. الزواج فرصة لتصلحوا أنفسكم. لا يليق بأحد منكم أن يتزوّج ويبقى في قرارة نفسه عازباً. إكراماً للحبّ عليكم أن تسعوا لتغيير حياتكم. لماذا تتزوّجون إذا كنتم لا تريدون أن تتغيّروا؟ إذا كنّا نريد أن نحبّ فعلينا أن نتغيّر من أجل مَن نحبّ. الرجل من أجل زوجته والزوجة من أجل رجلها. والاثنان معاً، الرجل والمرأة، من أجل أولادهما. والجميع من أجل الله. فكونوا أمناء. كونوا أقوياء في النفس. تعلّموا أن تطلبوا ما هو لربّكم لا ما هو لأنفسكم. تعلّموا أن يطلب كلّ واحد منكم ما هو لشريكه لأنّ هذا هو الحبّ. الحبّ جهاد كبير ونسك كبير. يشمل الحياة كلّها لا سيما الحياة العائليّة.

       ألا قوّاكم الله وفتح عيون قلوبكم على معاينة جماله لتتعلّموا منه وتكونوا شهوداً حقيقيّين له.

 الأرشمندريت توما بيطار - رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي - دوما

 

عن موقع عائلة الثالوث القدوس-دوما

 

 

ندوة حول الزواج المسيحي

للأرشمندريت إفرام كرياكوس - ميتروبوليت طرابلس حاليًّا

 

"فيصيران كلاهما جسداً واحداً"

تك ٢:٢٤  و أف ٥:٣۱

 

عجب كيف يتكلّم راهب عن الزواج وهو لم يختبره؟ لكنه ليس بالعجب الكبير إذ إن أفضل كتاب عن البتولية ألّفه إنسان متزوّج هو القديس غريغوريوس النيصصي. عنوان الكتاب "فنّ البتولية". ليس بالعجب الكبير أن يتكلّم راهب عن الزواج المسيحي لأن البتولية الحقّة ليست بعيدة عن الزواج الحق. المواضيع كثيرة في هذا المجال والاسئلة كثيرة ايضاً مع الجدل. لنقتصر في حديثنا اليوم على النقاط الرئيسيّة التي تهمّنا.

فلنبدأ من البداية أي من قصة الخلق:

 "فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام فاستلّ إحدى أضلاعه وسدّ مكانها بلحم. وبنى الربّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأةً فأتى بها آدم. فقال آدم ها هذه المرّة عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي هذه تسمّى امراة لأنّها من امرئٍ أُخذت. ولذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم امرأته فيصيران كلاهما جسداً واحداً." (تك ٢:٢۱-٢٤) وبعدها يُضيف "فخلق الله الانسان على صورته. على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم" (تك ۱:٢٧) ممّا يشير أنه منذ البدء منذ الخلق هناك تدبير إلهي يتضمّن وجود إثنين الذكر والأنثى، الرجل والمرأة. ويشير في الوقت نفسه الى واحد فيصيران جسداً واحداً "وليكن لكلّ واحد امرأته وليكن لكلّ واحدة رجلها" (۱كور٧:٢).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم في هذا الموضوع: "سمح الله للرجل في البدء أن يتزوّج أخته، لا أخته بل ابنته، لا ابنته بل لحماً من لحمه الخاص. تفرّع الجنس البشري من إنسان واحد هو آدم وبعدها لم يسمح بالزواج من أخواتنا وبناتنا حتى لا تنحصر المحبّة".

 

الرباط الوثيق بين الرجل والمرأة

إذاً هناك رباط وثيق ين الرجل والمرأة منذ البداية. الإلفة بين الرجل والمرأة تفوق كلّ إلفة والمحبّة قويّة لذلك جُبِلَت المرأة من الرجل. "هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تُسمّى امرأة لأنها من امرىءٍ أُخِذَت ولذلك...." (تك ٢:٢٣)

إذا انتقلنا الى العهد الجديد نسمع بولس الرسول يقول "ليس عبد ولا حرّ ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعاً واحدٌ في المسيح يسوع" (غلا ٣:٢٨) يشير هذا الكلام لا إلى اثنين بل إلى "واحد في المسيح" كما يوحي بالمساواة بين الرجل والمرأة وعدم التفريق بينهما. هل هناك من تناقض مع سفر التكوين ۱:٢٧؟ أم هنالك كشف للعلاقة المتكاملة والمميّزة في المسيح؟

يرفع بولس الرسول العلاقة بين الرجل والمرأة الى المستوى الروحي الثنائي: يُصبحا واحداً في المسيح. الجسد الواحد هو جسد المسيح. اتحاد المرأة بالرجل علامة لاتحادهما الروحي في المسيح. لأن المسيحيين وإن كانوا في الجسد إلاّ أنّهم لا يتصرّفون بحسب الجسد.

ماذا نستنتج من كل هذا؟

أوّلاً: ان العلاقة الحقة بين الرجل والمرأة ليست مجرّد علاقة جسديّة. هي في النهاية علاقة روحيّة لانها اتحاد سرّي بالمسيح: يجمعهما المسيح في جسد واحد هو جسده ضمن تدبير الله منذ البدء وترتيبه، هذا التدبير الذي كشف واضحاً في المسيح. كيف يصبح الإثنان واحداً؟ ماذا يجعل الإثنين ان يصيرا واحداً أو ثلاثة او أكثر؟ هي المحبّة المتبادلة، المحبّة المبذولة المضحيّة، المسيح الذي هو المحبّة المصلوبة.

ثانياً: الشهوة الجنسيّة عابرة. طبعاً هي واردة. خاصة في البدء جُعل الميل الجنسي حتى لا يبقى الانسان وحيداً، متفرّداً أنانيّاً وأيضاً من أجل الإنجاب لا من أجل التمتّع فقط. من هنا تفهمون كيف أن الراهب الذي اقترن بالمسيح (سريّاً) يبقى بتولاً حافظاً على أمانته للمسيح تماماً كما أن الزوج ( الرجل والمرأة) يتحد بالمسيح ويبقى اميناً له. طبعاً ما يعزّز صلة الزوج بالمسيح هو الصلاة وقراءة الكتاب المقدس والمناولة وعمل الرّحمة.

 

في الطاعة والمحبّة

نأتي الآن إلى نقطة مثارة دائماً في العلاقات بين الرجل والمرأة. يقول الرسول بولس "أيها النساء اخضعن لرجالكنَّ كما للرب لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضاً راس الكنيسة" (أف ٥:٢٢-٢٣). ثم يضيف "أيها الرجال أحبّوا نسائكم كما أحبّ المسيح أيضاّ الكنيسة وبذل نفسه من أجلها" (أف ٥:٢٥).

قبل شرح العلاقات المتبادلة بين الرجل والمرأة من خلال كلام بولس لا بدّ أوّلاً ان نشير أنه في عصره لم تكن المرأة مساوية للرجل في الحقوق، لا في العالم اليوناني ولا في العالم الروماني ولا في العالم اليهودي.

هذا الوضع التاريخي يمكن ان يبرّر التعبير القاسي" الذي جاء على لسان الرسول. لكن هذا الأخير كان يبغي لا العلاقة البشرية فحسب بل العلاقة الروحية لأنه يضيف "كما للربّ" ولأنه يقارن دائماً العلاقات المتبادلة بين الرجل والمرأة بعلاقة الكنيسة والمسيح. في هذه العلاقة الاخيرة، الطاعة تقابل المحبة والمحبّة تقابل الطاعة. هذا القانون يسري على المرأة كما على الرجل. أي إن أطاعت المرأة الرجل تنال محبّته وإن أحبّ الرجل امرأته يستدعي طاعتها والعكس بالعكس أيضاً.

 هذا القانون يسري على العلاقات البشرية عامةً يعبّر عنه بولس هنا بطاعة المرأة للرجل وبمحبّة الرجل للمرأة. هذا التعبير جاء هكذا ربّما بداعي العوامل التاريخيّة او بداعي التدبير الإلهي منذ البدء. على كلٍّ، تظهر في المسيحيّة المساواة بين الرجل والمرأة أمام الله والوحدة بينهما في المسيح وذلك على الرغم من وظائفها المختلفة والترتيب القائم في الأسرة حيث يصعب وجود رأسين.

 

الخلاصة

الزواج المسيحي مدرسة للمحبّة. هو أيضاً تمرين على الطاعة المتبادلة بين الرجل والمرأة ولكن في البدء وفي النهاية الطاعة والمحبة هما للمسيح. الإكليل إكليل العروسين هو إكليل المجد. هو في الوقت نفسه إكليل الشهادة للمسيح. لذلك نرتل في خدمة الإكليل "أيها الرب إلهنا بالمجد والكرامة كلّلهما" ثلاثاً. كما نرتّل ترتيلة الشهداء :أيها الشهداء القديسين الذين جاهدوا حسناً فتكللوا...." هذا عند دورة العروسين الذين يمسك بيدهما الكاهن الممثل المسيح ماسكاً بيده الأخرى الإنجيل الذي به يرشدهما الى الخلاص.

 

 

لاهوت الزواج
الزواج عند الذهبي الفم



1. غاية الزواج.
2. علاقة الرجل بالمرأة.
3. رجل وامرأة تفوق طبع أم طباع.

اتضح سابقاً أن الفريد والمميز في فكر أبينا فم الذهب هو نظرته للنسك بمنظار اسختولوجي، عندها يغدو النسك فناً ليس رهبانياً بالحصر وإنما فضيلة اجتماعية.
لهذا فأية دراسة حول الزواج في كتابات أبينا القديس ستقدّم الكثير والمفيد لمجتمعنا المعاصر وإذا كانت النظرة إلى النسك كفنّ اجتماعي تبدو "غريبة" في مجتمعنا، فهذا يعود بالتحديد إلى أنَّ هذا المجتمع متأثر غالباً باللاهوت الغربي ومعتقداته. بعد دراسة الزواج عند الأب القديس سوف نتابع عرض الأبعاد الاسختولوجيّة لمفهومه للعائلة، أي في التربية أيضاً وفي العمل وفي الدولة وعلاقة المؤمن بها وسائر الأطر الاجتماعيّة الأخرى.
في نصوص وكتابات الآباء الشرقيين الأرثوذكسيين، وفي العمق الاسختولوجي ينتقل مركز الأهميّة من "العزوبية" إلى "النسك" في حالات البتوليّة، أي إلى الطريق الضيق المؤدّي إلى الحياة. هذا ما نراه مثلاً عند قديسين كـ أثناسيوس الكبير وغريغوريوس النيصصي ويوحنا الذهبي الفم. هكذا وبفضل هذه النظرة الاسختولوجيّة تصبح النهاية الواحدة للطريق الضيق وغايتها المشتركة بتعدد الأساليب فيها. في هذا تمايزت المسيحيّة منذ فجر نشأتها عن الغنوسية. وانطلاقاً من هذا الأساس السليم نجد أنه عبر تاريخ أدبنا المسيحي شدّد آباؤنا على مزايا الرهبنة وفضائلها كما شدّدوا على مزايا الزواج. فالزواج والبتولية هما وجهان لطريق واحد، الطريق الضيّقة المؤدية إلى الحياة. وكلاهما يحققان عفة الروح. لدينا مثال هو طرفا ثابور في تجلي المسيح. لقد كان موسى الذي تزوج وإيليا الذي تبتّل، حول المسيح في المجد ذاته. فلم يمنع الزواج ما حققته البتولية. في كنيستنا الشرقية سُمِحَ دائماً للاكليروس بالزواج، على عكس الكنيسة الغربية، وهذا دليل على أن هذه الطريقة ليست أدنى بل هي الوجه الآخر. في المجتمع المسكوني الأول طُرحتْ مسألة الاكليروس المتزوج، والذي دافع عن ذلك كان الراهب المتشدد "
παφνουτιος". إن مباركة المسيح، كما يقول طقس الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، للزواج في عرس قانا الجليل هو بركة دائمة. على عكس الآباء والكتّاب الغربيون مثل كبريانوس وأمبروسيوس وايرونيموس وأفغوسطينوس حيث ظهر الميل الشديد إلى البتولية مع الانتقاص من قيمة الزواج بشكل ملاحظ وشديد. من هذه المصادر المتطرّفة الأخيرة، وللأسف، تنهل أغلب الدراسات الغربية الانثروبولوجية اليوم، وكنتيجة حتميّة، لذلك يلغى فيها التوازن الأخلاقي الموجود بين الزواج والبتولية، الذي نراه عند آبائنا الشرقيين، وهكذا يتحورّ المفهوم المسيحي الحقيقي وتفسد روح الكتاب عينه كما يخان الفهم الآبائي الصحيح.

هدف الزواج:
1. الكمال الروحي: من الواضح بأن الزواج لا يشكل حجة للكسل والتهاون في سبيل الهدف المشترك لكل المسيحيين أو هروباً من الجهاد المطلوب من الجميع، رغم ذلك بسبب التمييز "الدنيوي الفاسد" و "العالمي" يقطع الزواج عن هدفه الاسختولوجي فينقل هدفه، للأسف، من ملكوت الله إلى "المجتمع"، لهذا السبب، وفي مثل هذه الحالة، يتحوّل الزواج إلى "عائق" في طريق الكمال الروحي الواحد لكلّ المسيحيين. القاعدة الأساسية في فكر أبينا القديس هي أنّ "الحكمة" في الزواج هي بالذات "الفلسفة المسيحية" التي في الرهبنة. إن كان الزواج شكلاً جاء بعد السقوط، فأن تفوّق الرهبنة لا يعود إلى نسبها الفردوسي الذي قبل السقوط، وإنمّا في كون الرهبنة طريقاً أسهل وأسرع للعودة بالأحرى، للصعود إلى ملكوت الله. التمييز يجب ألا يتوضع بين الزواج والبتولية، ولكن في درجة الحياة الروحية أينما كانت في الشكلين. ما يميّز إنساناً عن آخر هو الخلق وليس الزواج أو عدمه.
على الرغم من كل ذلك، فإن هذه النظرة الاسختولوجية غابت عن إدراك العديد من الباحثين، الذين اتهموا أبانا باطلاً وأعادوا إليه مسؤولية مفاهيم خاطئة. زعم هؤلاء أن أبانا القديس ينظر إلى الزواج كما إلى شيء "أدنى" خلقياً من الرهبنة. وأضافوا على ذلك ظنونهم أن هذه النظرة الدنيا للزواج تعود لتأثير الغنوسية على فكر القديس فم الذهب من جهة، وإلى ترمّل أمّه المبّكر والطويل من جهة أخرى، أضف لذلك مثلاّ تجارب صديقه ثيودورس، وأيضاً ميله الشخصي للرهبنة، وبالنهاية وختاماً طبعه القاسي المتشائم.
إن إعادة أصول الزواج إلى حياة الفردوس قبل السقوط يدّل على أنه كان من أجل غاية تلك الحياة أي الكمال الروحي. الكتاب يوضح أن الله بعد أن خلق الإنسان نظر إلى آدم وقال: "لا يحسن أن يكون الإنسان لوحده، فأصنع له عوناً بإزائه" (تك2: 18)، وهناك أمر الله آدم وحواء: "أكثرا وأنميا وأملأا الأرض"
أيّ أسلوب مُدخَل بعد السقوط، هو الزواج، بلا شكّ حسن وخير وهو من حكمة الله وتدبيره، وله بالنهاية هدف تربوي روحي وغايته شفاء الإنسان الساقط ومداواته، ذلك لأن كل هذه التدابير هي من "العناية الإلهية المحبة للبشر"، وتقصد بالنهاية اسختولوجيا إلى تحقيق "التدبير" الإلهي للإنسان، أي تألهه وخلاصه.
في العهد القديم كان الزواج دائماً غاية دينية، فلم يكن اختيار المرأة يتم بحسب الرغبات، بل حسب مصلحة الجماعة. المصلحة الدينية فوق المصلحة الفردية. لأن الزواج ينخرط في مسألة الخلاص عموماً وليس مسألة فردية. قصص الزواج التي يوردها طقس السرّ، توضح بعض الأمثلة. مرات عديدة تُختار الزوجة دون أن يعرفها مسبقاً الرجل. يكفي له أن يعرف أنه يحيا معه ما تريده له جماعته. يعقوب تزوج كما أمرته أمه من قبيلتها وبني دينها ودفع ثمن ذلك الكثير. غاية الزواج إذن هي أبعد من حدود اجتماعية، إنه مسألة خلاصية في سبيل الكمال الروحي.

2. الشهوة- الجنس: بعد السقوط غدا الزواج "أمراً مفيداً جداً وضرورياً" بعد أن كان غير ضروري في البداية، كما يشرح فم الذهب، وقبل السقوط، كانت المحبة للآخر والتعايش المتوافق مع القريب هما الجوّ العام السائد، أمّا بعد السقوط، عندما دخلت الخطيئة، فقد هوى الإنسان من علاقاته الشخصية المحبّة للآخر إلى مستوى الفرديّة والأنانية، وانطوى من الشخص إلى الفرد، هكذا كأناني انطوى على حبّ ذاته بدل حبّ الآخر. فتمزّقت روابط الوحدة وتضعضعت أواصر المحبة. عندها أسرع الرّب المحب للبشر وأدخل الشهوة ليحافظ على التلاحم والوحدة بين البشر، وهكذا أعاد روابط الوحدة بين الذين سبق وتفرّقوا. فالجدّان الأولان، قبل السقوط، كانت أواصر المحبة بينهما قوّية لدرجة أنهما كانا كـ"واحد"، هكذا ظهر الله في الفردوس بحسب النص الكتابي"يكلمّ الاثنين كأنه يكلمّ واحداً"، عناية الله المُحبة أوجدت تلك الحياة المشتركة الأولى ذات أواصر محبة قوية جداً، حتى أنه لم يكن لدى المرأة حبّ أعظم من حبها لشريكها، ولم يكن للرجل حبّ أعظم من حبّه لشريكته. ولكن عندما غلب حبّ الذات وسيطرت الأنانية، صارت الشهوة عاملاً إيجابياً، بالذات لأنه ينظر إليها كواسطة تُعيد إصلاح تلك الوحدة القديمة. هذه الوحدة يحققها الزواج بالفعل عندما يُلغى منه كلّ ما هو خاص وذاتي وأناني ولا يعد ما "لي" وما "لك". بالتالي ضمن النظرة الاسختولوجيّة، الشهوة هي حسنة كدواء هادف وشاف يؤول إلى رباط للمحبة وبالتالي يساعد ويقود في درب الكمال الروحي. فمن ناحية أخرى مفهوم "المثال" كلّه يتلخّص في المحبة. إن المحبة في الزواج تأتي من الطهارة. كما أن الزنى هو دليل نقص المحبة. إن المحبة الزوجية ستقود حتماً إلى العفة في الزواج وإلى بلوغ ما تحققه البتولية.
وبعد السقوط أصبح الزواج بلسماً يداوي "ضعف الجسد" ويصير بالتالي واسطة "للعفة" والجهل. بالتالي من الواضح أن "الزواج كريم". التركيز على المقصد الاسختولوجي في كل نظرة مسيحية من جهة. ومفهوم الحياة الروحية الأخلاقية للمسيحي "كتداوي"، يعطيان لفم الذهب ولكنيستنا الشرقية المستقيمة الرأي والحياة عامة، الإمكانية أن يحثا على الرهبنة وفي الحين ذاته أن يباركا الزواج، الذهبي الفم يسمح "تنازلا" بالزواج الثاني أيضاً، وذلك ضمن نفس النظرة السابقة "كتداوي" كسماح يداوي الانحرافات والزنى وليس كوصيّة. الزيجات التي يسمح بولس الرسول، وأيضاً بعده أباء منهم فم الذهب، هي "تنازلات" مقبولة دون أن تعني أنها مُثل "ممدوحة"، لا دينونة فيها من ناحية "لكن ليست جديرة بالمدح والثناء" من ناحية أخرى.
"والتنازل إلى هذا المقدار ليس إلا دلالة على وجود ضعف شديد يفرضه". على كلّ قديسنا يفسّر "التقديس"، الذي بدونه لا يستطيع أحد أن يرى الرّب، "بالنسك والجهاد الروحي". لهذا نراه ينصح أن كان أحد غير متزوج فليحاول أن يبقى بتولاً أو أن يتزوج. وإن كان متزوجاً فليحاول ألاّ يزني البتة. فالقداسة بالنسبة لفم الذهب ليست حصراً في الحياة الزوجية ولا في الحياة الرهبانية، إنما هي ثمرة الجهاد الروحي الممكن عند المتزوجين والرهبان على السواء. إن كانت القداسة تفسّر بالجهاد الروحي والنسك فإن المقارنة بين المتبتلين والمتزوجين يجب ألاَّ تنحصر في العذرية والعفة فقط وإنما أن تشمل مجمل الفضائل الأخرى كلها. النظرة الاسختولوجية والحقيقية لا تقدّر الإنسان ولا تكرّمه حصراً بسبب الحياة التي يختارها، أتزوّجا كانت أم ترهبّا، وإنما مقياسها الذي لا يخطئ هو "مستوى الحياة الروحية"، أي الحياة بحسب الفضائل المسيحيّة، القداسة الحاصلة بالنسك.
براهين: لهذا السبب الزواج ليس على الإطلاق مانعاً للفضائل المسيحية. وليبرهن على صحة رأيه هذا يلجأ إلى رجال الكتاب المقدس أمثال "أنوخ" ،"أكيلا" و "برسكيللا" الذين لمعوا في الفضائل المسيحية وهم متزوجون.

الحفاظ على الجنس البشري:
بالطبع، بعد السقوط، وإدخال الموت، الزواج يخدم استمرار النسل البشري. اقليمس الاسكندري وآباء كثيرون آخرون يربطون هدف الزواج بواقع الموت والإنجاب. الولادة، عند بعض الآباء مثل اقليمس السابق ذكره، هي "خلق"، أي بالتالي هي من صورة الله التي بالإنسان. آباء مدافعون مثل ايوستينوس وأثيناغوراس يحدّدون الهدف الأول للزواج والشهوة الجسدية بالإنجاب، الذي يرونه كمحلّ لمشكلة الموت. الإيمان بأن هدف الزواج هو إنجاب الأولاد نجده ونصادفه عند أغلب آباء اللاتين (الذين كتبوا بالغة اللاتينية وليس اليونانية) مثل أمبرسيوس وأفغوسطينوس. لكن أبانا فم الذهب له في هذا الموضوع موقف مميّز ومتمايز فضلاً عن نظرته العميقة الاسختولوجيّة لكل الحياة المسيحية. كنه الزواج وهدفه الأساسي مرتبط بموضوع السقوط ليس من حيث الإنجاب والحفاظ على النسل بقدر ما هو بالحقيقة واسطة كمال خلقي ونمو روحي للبشر. فهو دواء ليس للموت وإنما للسقوط الروحي. الأب القديس يقول أن الإنجاب يعود لقوة الله ومشيئته بالذات ولكلمته "أكثروا وانموا". رأيه هذا يسنده إلى الكتاب المقدس عينه الذي يذكر متزوجين لم ينجبوا ولم يصيروا آباء، بينما ولادات كثيرة، كما هي ولادة اسحق، تمت فقط بقوة الكلمة الإلهية وليس بقدرة الجسد. لو لم يخطئ الإنسان في الفردوس ما كان سيصعب على الله أن يكثر البشر بأسلوب ما، وهذا ما تؤكده ولادة آدم وحواء. فلا البتولية تهدّد استمرار الجنس البشري ولا الزواج يضمنه. فلو أنَ الخطيئة لم تدخل "ما كان سيصعب على الله أن يجد الطريقة، التي كان سيتكاثر بها الجنس البشري".

تعدد الزوجات:
في العهد القديم كان هناك تعدد زوجات بسبب الحاجة إلى عائلة قوية، ولأن الخصوبة كانت الغاية. (قضاة 8، 30؛ ملوك 10: 1). وهناك زواج مع إماء. ولكن هناك دائماً تعلّق بامرأة واحدة (اسحق، يوسف...). وكتاب نشيد الأنشاد وإن كان يتكلم عن النفس البشرية والله إلا أنه يوضح التعابير التي كانت مستخدمة في ذلك الزمان ومفاهيم الزواج فيه، حتى صار مفهوم الزوجة الواحدة هو السائد في العهد الجديد.
الزواج والشهوة أُدخلا بعد السقوط حصراً لأسباب روحيّة ونسكيّة، أي للحياة بالمسيح وللكمال الروحي للبشر. إيمانه هذا يبرهنه ليس فقط من الحياة الإنسانيّة الأولى الفردوسيّة، وإنما من قيامة المسيح، التي هي وحي للحالة الاسختولوجيّة المرجوّة. و يرى قديسنا أنه قبل قيامة المسيح ساد الخوف من الموت وتسلط هذا الأخير على حياة البشر، عندها كان الإنجاب أشهى ما لدى البشر لأنّه كان استمرار حياتهم "وعزاءهم ضد الموت" والجميع بنو رجاءهم على ذلك، بأن يتركوا "ورثة" و"ذكرى" و "باقي" لهم. بالإنجاب تستمر حياتهم. وانطلاقاً من هذا الاعتقاد توصّلوا إلى السماح بتعدّد الزوجات. لأن الناس لم يكونوا قد آمنوا فعلاً بحياة القيامة، ولم تكن لديهم بعد فكرة أكيدة وواضحة عنها، وهذا ما تؤكده حوادث جرت مع أناس لمعوا بالفضائل، كأيوب مثلاً. أمّا الآن فبعد أن لمعت شمس القيامة، صار هذا الرّجاء "غير ضروري". قديسنا يضيف أيضاً أنّه بعد أن امتلأت الأرض اليوم بالبشر، أصبحت الحاجة الآن أن نشتهي "الولادة الروحية" أكثر من "الإنجاب الطبيعي"، وبالنهاية يقول أنَ "علة الزواج واحدة وهي أن نتجنب الزنى". أي الزواج هو دواء بالأساس لشهوة الجسد. في نصوص أخرى نراه يقول أنَ الزواج أُدخل لكي "نتعقل ونتعفف" ولكي نصير آباء، لكنه يختم بقوله "أمّا العلة الأولى والسبب الأساسي بين السابقين هو أن نتعقل ونتعفف".
هكذا إن كان من الحياة البشريّة الأولى أو من قيامة المسيح يعَالج الزواج كموضوع روحي، كتداوي وواسطة للكمال الروحي. بالطبع هذا الموقف لا يشكّل إنقاصاً من أهمية العائلة والأولاد، بالطبع إذا كان فكر القديس بحسب العهد الجديد لا يشدد على الإنجاب كغاية في الزواج، وإنما كثمرة، ذلك لا يعني أن الإنجاب غير مطلوب. لأن الكمال الروحي سيتم عبر(
Ατόκων- εκκια) البيت- الكنيسة الصغيرة. الزواج هو "سر المحبة" كما يسميه فم الذهب. والمحبة في العائلة تكتمل أكثر عند محبة الزوجين.
لكن من الواضح أنّه عندما لا يساهم إنجاب الأولاد في تشديد أواصر المحبة والوحدة ولا تكون خلقاً روحياً وليس فقط إنجاباً طبيعياً، عندها تستحق الرثاء لا المدح. ومن جهة أخرى، عندما شدّد قديسنا على أنّ الإنجاب ليس هدفاً أوّلاً للزواج، أراد بذلك أن يخلص البتوليّة من عيب العقر.
أوّل ما نستخلصه إذن من تعاليم القديس الذهبي الفم أن الزواج هو علاج للشفاء الروحي وواسطة للكمال والقداسة وهدفه المحبة أوّلاً والتعقل والتعفف. وإن كان يتكلم بالأكثر عن فائدة الزواج كواسطة للتعقل وتجنب للزنى فهذا لا يعود إلى أنّ ذلك هو الهدف الأوّل والغاية الأساسية، وإنما نزولاً إلى حاجات سامعيه. القديس فم الذهب يبقى أبداً أميناً على وصية بولس الرسول (1كور 7: 5)، حيث يتضح أن هدف العفة هو المحبة. الاستنتاج الثاني هو أنّ الإنجاب ليس الهدف الأساسي في الزواج وإنما هو واسطة للكمال الروحي. القديس يطلب الإنجاب لكن دون أن يحتل المكانة الأولى في أهداف الزواج. هذه النظرة العميقة تعود إلى حجر الأساس في تعليم قدّيسنا، وهو أنّه لا ينطلق في نظرته للإنسان من فلسفة فيزيولوجية وإنما من الإيمان بأن الإنسان هو كائن سيسكن السماء، وعندها يغدو الزواج "سراً". هذه النظرة السامية للزواج هي ردّ مباشر على الغنوسية من جهة، وعلى المفكرين واللاهوتيين الغربيين من جهة أخرى. فالزواج هو عناية إلهية من ضمن التدبير الإلهي المحب للبشر. إنَّ كلِّ مواقف الأب السلمية والفريدة بوضوحها وجمالها هي السبب الذي جعل نصوصه الحجر الأساس الأوّل لأغلب الدراسات والمواضيع المختصة بالزواج، الجميع لا ينهلون منه عظاته وحسب، وإنمّا يعتمدون بالأساس على كلماته. هذا ما قام به مثلاً "مايندورف".

الزواج والبتولية:
هناك مفارقة في البتولية المسيحية، فبينما العهد القديم يرى أنه ليس حسناً أن يبقى الإنسان وحده نرى يسوع يتكلم عمن سيخصون أنفسهم من أجل ملكوت الله (متى19، 11-12) وبولس يشجع على الاقتداء به (1كو 7: 8؛ 25: 28).
دعوة العهد الجديد للبتولية ليست احتقاراً للزواج، بل لجعل الحياة من الآن في ملء سر العرس السماوي. وبولس بالذات منذ شعوره أن صور، هذا الدهر تنطوي وتسير نحو نهايتها (1كور7، 31)، يتمنى على الذين لهم نساء أن يحيوا كالذين لا نساء لهم (1كور7: 29).

الرجل والمرأة:
ترتيب، محبة مخلِّصة وطاعة مخلِّصة:
موضوع العلاقات بين كلّ من الزوجين له أهمية في موضوع هدف الزواج وغايته. المثال الأول للحياة الزوجية وطبيعتها ليس إلا ذلك المعطى من بولس الرسول، أي علاقة المسيح بالكنيسة. بالطبع من البديهي أن تكون هذه العلاقة ذات مفهوم اسختولوجي، أي أنها علاقة خلاصية، أي علاقة المحبة المخلّصة بالطاعة المخلّصة. حيث كلّ من المحبة والطاعة تصيران الواحدة هديّة وثمنا للأخرى، ولكليهما الهدف نفسه والغاية المنشودة عينها. إنها بكلام آخر علاقة الجسم بالرأس. فإن كان يتوجب على المرأة الطاعة فهذا لا يعني أن حقوق الرجل أولاً هي الرئاسة والسيادة، وإنما، بالجوهر، واجبه هو المحبة. فالطاعة إذن لا تتماشى ولا تترافق مع الرئاسة وإنما مع المحبة. الرئاسة في النهاية هي مكافأة المحبة، فمن يُحمّل بالأحمال الأثقل، أي بالمحبة تُهدى له الرئاسة. إن نظرة الذهبي الفم الاسختولوجية تعكس العثرة الاجتماعية العامة، عثرة رسالة العرس، أي أفسس (5، 22-23)، فالقديس هنا يشدّد على أن الثقل الملقى في هذا المقطع، ثقل الواجبات، ليس هو طاعة المرأة وإنما المحبة التي يصفها بولس ويحمّلها على عاتق الرجل. هكذا يقول أبونا القديس، يطلب بولس من الرجل محبة كمحبة المسيح لكنيسته، أي أن يعتني ، أن يحبّ، أن يهتم وأن يضحي بنفسه من أجل امرأته. هذه المحبة يمكن أن نفهمها كتصوّر في الفضيلة.
بكلام آخر، إن طاعة المرأة تزيد من محبة رجلها لها وتجعل تضحيته، هذه التي يصفها بولس، ممكنة. أو بشكل عكسي إن محبة الرجل، هذه السابق وصفها، تجعل طاعة المرأة خفيفة وجميلة. فالطاعة هي الدواء اللازم لمنع الرّياء الذي يمكن أن يهدّد محبة الرجل هذه. أمّا المحبة فهي المضاد الذي يمنع التسلط الذي يمكن أن يهدّد الطاعة. فأبونا القديس، كما يعبّر عن أخلاقياتنا المسيحية اسخاتولوجياً، يفترض طاعة المرأة لرجلها وطاعة الرجل لله ومحبة الرجل لامرأته، فإن وحدة الزوجين تتم بوساطة المحبة في الطاعة وبالطاعة في المحبة.
واعترافاً برئاسة الرجل بأنها العناية، وبالمحبة المخلصة، يقبل قديسنا مع بولس الرسول أن تنعكس الرئاسة إذا انعكست أسبابها وامتيازاتها. بما أن الطاعة دخلت بعد السقوط وبعد اضطراب العلاقة بين الزوجين وبعد تزعزع أواصر المحبة ودخول الخطيئة ولم تكن منذ البداية، إذن له هدف اسختولوجي. هكذا بما أن المرأة هي أوّل من عصى وضلّ، لهذا منذ ذلك الوقت هي من يخضع ويسمع.
أضف إلى ذلك أنه بعد السقوط، وبعد غياب المحبة الكافية، صار التساوي سبباً للاختلاف والتعارك، لهذا أُدخلت الطاعة اسختولوجياً. وجوهرياً، أن الرئاسة لا ترتبط بالجنس المحدّد أي بالرجل، ولكن بذلك الذي لا يضل ويطيع الله ويحفظ الإيمان، بينما العبودية كدواء جاءت بعد السقوط، فإنه من الممكن أن تخلّص المرأة الرجل كما يذكر بولس ذاته (1كو7، 16): وما أدرَاكِ أيتّها المرأة "لربّما تخلّصين الرجل"، أي يتبادل هنا الجنسان الرئاسة.
لهذا إن زنى الرجل المتزوج يدان أكثر من زنى غير المتزوج وندعوه فجوراً لأن هذا الأمر لا يشكل فقط تدنيساً للجسد، وإنما استغلالاً لجسد لا نملكه وإنما هو ملك للآخر أي بشكل آخر سرقة واقتناص واختلاس. هذا الفجور هو أبشع من الزنى العادي لأنه لا يلغي فقط العفة وإنما أيضاً يقتل المحبة. إذ أن شرط وجود المحبة هو تقديم الطاعة والعكس بالعكس، شرط تقديم الطاعة تواجد المحبة. هذا لا يعني أنه في حال غياب أحد الشرطين أن تتزعزع العلاقة وتنفك الروابط، لأن كلا المحبة والطاعة يربطهما القديس اسختولوجياً، ليس فقط بالعلاقة المتبادلة بين الزوجين وغير الأكيدة بشكل عام، إنما بالعلاقة اسختولوجيا مع الله والأكيدة دائماً. هكذا في حال اضطراب هذه العلاقة المتبادلة ينصح الأب بأن تُقَّدم المحبة أو الطاعة من الطرفين لله. هكذا نظرة الأب العميقة اسختولوجية، وهي لا تشرح لنا فقط معنى الرئاسة والطاعة، وإنما أيضاً تربط كليهما برابط أقوى من الروابط الاجتماعية ضمن الأطر الحياتية الحقوقية والواجبية، برابط هو بالرّب.
يرفض كل فكر عالمي يقدّم كرامة للرجل وبنفس الوقت يحقر المرأة. هذه الأفكار التي لا تنبع من الكتاب ومن فكرته الاسختولوجية وهذا هو الموجود في مجتمعاتنا حتى المتطورة منها، التمييز والفصل، أما التعليم الكتابي فهو أسلوب وحده. إن الفكر الكتابي هو حلّ عملي وفعلي للمشاكل العصرية حول حقوق وواجبات كل من الزوجين وكل المشاكل الراهنة الاجتماعية بما يختص بحقوق المرأة وعلاقة الجنسين. الذهبي الفم يشير إلى أن النساء يحملن بعض النواقص لكنه يصنفها في صنفين: فالنوعية الأولى تحتوي النواقص الاخلاقية، فمثلاً الزينة الزائدة، الخوف، وغير ذلك. ولكن هذه النواقص ليست في طبيعة المرأة، وإنما تدخل إليها من التربية.
ودليل ذلك أن هذه النواقص تتبدل من امرأة إلى أخرى، وأحياناً من المرأة إلى الرجل. فبرهان ذلك أنه يوجد رجال يخافون أو يحملون تلك النواقص السابق ذكرها.
بينما نرى نساء يتمتعن بالرجولة والوعي والبساطة، في هذه النواقص يلعب دوراً كبيراً إعجاب الرجال بها. والعكس ليس حالة نادرة حين نرى نساء سبقن الرجال في البساطة وشدّة الإيمان وشجاعة التقوى والمحبة الخالصة نحو المسيح.
لا يفتأ الذهبي الفم عن التشديد والتكرار لشروحاته، بأيّ نساء كنّ متصبرات في الجهاد الروحي والفضائل الكتابية والمسيحية. ويردّد الكثيرات منهن: سارة ورفقة وراحيل وسيفورة وحنة اللواتي صرن بإيمانهن وفضائلهن معلمات فعلاً للرجال. على كلٍّ، ينّوه الذهبي الفم أن بولس الرسول ذاته يعرف هذه الحالات ويعترف بها، وذلك عندما يذكر بريسكلاّ قبل رجلها أكيلا، وذلك لتقدّمها عليه بالتقوى والفضيلة.
إذن النساء متساويات فعلاً، ويمتلكن نفس القوى من الناحية الأخلاقية، ويستطعن على وجه السواء أن يسابقن الرجال في التضحية والتكريس للجهادات الروحية وأن ينجحن بذلك.
وفي الصف الثاني، أي النوعية الثانية، يصف كل النواقص الطبيعية كما هي، مثلاً الضعف الجسدي بمقارنة المرأة بالرجل. لكن نواقص كهذا هي امتيازات طبيعية جسدية لا قيمة للفرق بها اسخاتولوجياً أو أخلاقياً. وهذه الامتيازات التي يعطيها العالمَ المعلمن أهمية، هي بالواقع لا أهمية لها. فالقوة الجسدية حين توجد أو حين تغيب لا تزيد الإنسان كرامة ولا تنقصه منها. فعندما يجري الكلام عند آبائنا القديسين يجري الكلام بالأخص على طباع نسائية وعلى رجولة. وهذه الطباع ذات المعنى الأخلاقي تأتي من التربية وليس من الطبيعة. لهذا يشدّد فم الذهب أن بولس استطاع أن يقول: لا عبد ولا حرّ، لا رجل أيضاً ولا امرأة. لهذا يتابع أبونا ويقول: فلا الطبيعة ولا الضعف الجسدي يمنعان التقوى أو التقدّم بسرعة في طريق الكمال. فالمطلوب إذن أن نطرح عنا الطباع النسائية لتشتعل فينا الرغبة والهمّة، اليقظة والرجولة.
فعندما نفسّر القوة بالرجولة عندها تسقط التميزيات العالمية التي بحسبها تصير المرأة أدنى من الرجل. لكن الواقع أن هذا الطبع النسائي سمّي هكذا لأن الناس يربونه بالعموم في بناتهم. ونلاحظ أن هذه الاهتمامات المعاكسة للرجولة بشكل عام عند النساء. لكن هذا كما ذكرنا لا يعود إلى طبيعتهنّ ودليل ذلك أن مثل هذه التمييزات تلغى في الكنيسة لأن التربية هنا تختلف عن التربية العالمية. هذا الطبع هو طبع يختص بالنفس وليس بالجسد.

طقس الزواج:
قديماً لا توجد نصوص واضحة تشير إلى ذلك. لكن الإسرائيلي كان يعرف أن الله يقودهُ في اختياره زوجته (تكوين 24، 42-52)، وأن الله في العهد حدد شرعيَّة وناموس وقوانين هذا الزواج.
كتاب طوبيا، بعد السبي، يعطي روحانية أسمى عن الأسرة المهيَّئة بيد الله (3: 16)، بولس الرسول يعطي للزواج درجة سامية جداً حين يربطه مع علاقة المسيح بالكنيسة. والزواج في الكنيسة لا يعني أبداً مباركة ما هو طبيعي، لكن يعني إطلاق هذه الوحدة الجدّيدة في درب الملكوت.
إن سر الزواج كغيره من الأسرار لا يعمل في الإنسان بشكل عفوي، وإنما يشترط قبوله المعبَّر عنه بمساهمته في طلب نعمة السر.
سرّ الزواج يشدد على وجه الشهادة. الدورة حول المائدة وترانيمها "أيها الشهداء القديسون..." كلها موازية لما يتم بسرّ الكهنوت. والرابط بين السرّين هو سرّ المحبة كشهادة. المحب دائماً شهيد. المحبة دائماً تربح. إن وضع الإكليل يؤكد عن نظرة الكنيسة للعروسين كشهيّدين تكللهما. إن ذكر الشهداء الأربعين.. يؤكد أيضاً على درب المحبة والشهادة فيها. 

 

عن: صفحة مطرانيّة حلب للروم الأرثوذكس

 

 

 
Make a Free Website with Yola.